مختصركتاب المناسك فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 40 دليلهم : حديث ابن عباس رضي الله عنهما ، أن النبي صلى الله عليه وسلم [وقت لأهل المشرق العقيق]وهذا الحديث أخرجه الإمام أحمد ، وأبو داود ، والترمذي ،وقد ضعفه الإمام مسلم ، والنووي ، وابن حزم ، والنووي ، والألباني ، رحمة الله عليهم جميعا . قال بعض أهل العلم : الحديث على فرض صحته ، يحمل على سبيل الاستحباب ، يستحب أن يحرم من العقيق ، فإن أخر إحرامه إلى ذات عرق فهو جائز ، والوجوب في ذات عرق ، وبعضهم يرجح فيقول : أحاديث ذات عرق أصح وأكثر وأثبت ، فتقدم على حديث ابن عباس الضعيف ، وبعضهم يرى أن ذات عرق ميقات لبعض أهل العراق ، والعقيق ميقات للبعض الآخر ، لكنه ضعيف ، ومنهم من يقول : العقيق واد طويل ، يتصل بذات عرق ، وجبل ذات عرق يشرف على الوادي ، فيكون الوادي ممتدا ، وذات عرق تطل عليه ، فإذا أحرم من العقيق ، من تحت الجبل ، يكون كمن أحرم من ذات عرق . وعند العرب وديان تسمى بالعقيق ، فهناك واديان بجوار المدينة ، اسمهما العقيق ، وهناك واديان يصبان في غور تهامة ، اسمهما العقيق ، منهما هذا العقيق ، عقيق عشيرة ، وإذا وردت عبارة : خرج إلى العقيق ، عند العقيق ، بإطلاق ، فالمراد به العقيق الذي في المدينة ، وليس المراد به هذا الوادي لأنهم يسمونه العقيق من غير تقييد ، أما هذا فهو عقيق عشيرة ، وعشيرة موجودة الآن يمين الخط السريع خط الرياض مكة ، يمين الكوبري قرابة العشرين أو الخمسة وعشرين كيلو مترا ، ميقات ذات عرق من هذه القرية خمسة وثلاثون كيلو مترا تقريبا غربا جهة مكة ، والخط السريع الذي بين القصيم ومكة سيكون قريبا من هذه المنطقة ، يمر حتى يصل إلى ذات عرق ، والله أعلم . وقت العمرة : قال المصنف رحمه الله : وأَشْهُرُ الحَجِّ . يفهم من تحديد المؤلف لأشهر الحج أن العمرة لا توقيت لها ولا حد لها ، وأن الإنسان يجوز له أن يعتمر في أي وقت من السنة ، صيفا أو شتاءا ، ليلا أو نهارا ، وذهب إليه عامة أهل العلم رحمة الله عليهم اتفاقا بينهم ، لكنهم بعد اتفاقهم اختلفوا : هل تكره العمرة في بعض الأيام أو لا ؟ . ذهب الجمهور: إلى أنه لا تكره العمرة في العام كله مطلقا ، وهو مذهب المالكية ، والشافعية ، والحنابلة . دليلهم : العمومات الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم في فضيلة العمرة ، وأنه ليس هناك تخصيص بزمن معين ، ومن كره فعليه الدليل ، ومن أدلتهم حديث عمر ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال [تابعوا بين الحج والعمرة ، فإنهما ينفيان الذنوب والفقر ، كما ينفي الكير خبث الحديد]أخرجه الإمام أحمد ، وابن ماجه ، وصححه الألباني وغيره من أهل العلم . القول الثاني : أنه تكره العمرة في خمسة أيام : يوم عرفة وأربعة أيام بعده ، وهي : يوم النحر ، وأيام التشريق الثلاثة ، مع يوم عرفة ، وإليه ذهب الحنفية. أدلتهم : الدليل الأول : عن عائشة رضي الله عنها قالت : (حلت العمرة في السنة كلها إلا في أربعة أيام يوم عرفة ويوم النحر ويومان بعد ذلك) أخرجه البيهقي ، وإن كان استدلالهم بهذا الأثر لا يدل على المقصود تماما ؛ لأنهم يرون أن المكروه خمسة أيام ، يوم عرفة وأربعة أيام بعده ، وعائشة رضي الله عنها تقول : في أربعة أيام ، هذا إن صح الأثر عن عائشة ، وقد أخرجه البيهقي وغيره ، وفي إسناده كلام لأهل العلم . الدليل الثاني : أنها أيام شغل بأداء الحج ، فإذا قيل بعدم كراهية العمرة في هذه الأوقات ربما أدى ذلك إلى أن يتشاغل الإنسان عن شغل الحج بها .
عدد الصفحات ٤٠مختصركتاب المناسك فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 41 ويناقش : بأنه لا يقتضي الكراهة ، فإن كان هذا الأمر سيؤدي إلى الشغل يمنع الإنسان منه ، أما إذا كان لا يشغل الإنسان ، فليس هناك دليل يدل على كراهة أيام معينة ؛ لأن الكراهة حكم شرعي ، لا بد لها من دليل وليس ثمة دليل ثابت في القرآن ولا في السنة ، وإذا لم يكن دليل فالأصل بقاء العمرة على أصلها ، وهو الاستحباب والندب في كل الأوقات . أشهر الحج : قال رحمه الله : وأَشْهُرُ الحَجِّ شَوَّالٌ وذو القَعدةِ وعشْرٌ من ذي الْحِجَّةِ . هذه هي أشهر الحج على المذهب ، ومعرفتها مهمة ؛ لأنه يترتب على الخلاف في هذه الأشهر ثمرة ، وستأتي الثمرة إن شاء الله عند ذكر خلاف العلماء في عدد أشهر الحج. وقد اختلف أهل العلم في عدد أشهر الحج على ثلاثة أقوال : القول الأول : أن أشهر الحج هي شوال وذو القعدة (بالفتح والكسر والأشهر الفتح) وعشرة أيام من ذي الحجة (بكسر الحاء) وهذا رأي طائفة من السلف ، فهو رأي عمر ، وعلي ، وابن مسعود ، وابن عباس ، وابن عمر ، وابن الزبير رضي الله عنهم ، وعطاء ، ومذهب الحنفية ، والحنابلة ، واختيار ابن جرير الطبري ، وهو رأي كثيرمن المعاصرين ، مثل الشنقيطي ، وابن باز ، رحمهم الله . أدلتهم : الدليل الأول : قول الله تعالى {وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّ سِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ}فوصف الله تبارك وتعالى يوم النحر بأنه يوم الحج الأكبر ، وقد جاء صريحا في حديث أبي هريرة رضي الله عنه ، قال : ( بعثني أبوبكر فيمن يؤذن يوم النحر بمنى [لا يحج بعد العام مشرك ، ولا يطوف بالبيت عريان] متفق عليه ، فجاء كلام أبي هريرة تفسيراً للآية ، فقد بعثه النبي صلى الله عليه وسلم في مؤذنين ، وبعثه أبو بكر في مؤذنين أيضا هذا يدل على أنه من أشهر الحج. الدليل الثاني : أثر ثابت عن ابن عمر رضي الله عنهما ، أنه قال : (أشهر الحج شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة). أخرجه البخاري معلقا بصيغة الجزم ، وهو قول الصحابة المذكورين المتقدمين . القول الثاني : أن أشهر الحج شوال وذو القعدة وعشر ليالٍ من ذي الحجة ، و إليه ذهب الشافعية ، والحنابلة في رواية ، وهو اختيار الثوري ، والفرق بين القولين أن أصحاب القول الأول يرون أن يوم النحر داخل ، وهؤلاء يرون أن يوم النحر غير داخل ، بل تنتهي الأشهر بصلاة الفجر ، فتدخل الليالي ولا تدخل الأيام . أدلتهم : الدليل الأول : قول الله تعالى {فَمَن فَرَضَ فِيهِنَُّ الْحَجَُّ فَلَ رَفَثَ وَلَ فُسُوقَ وَلَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ}قالوا : والحج لا يمكن فرضه إلا في هذا الوقت ، وهو شهر شوال وذو القعدة ، وعشر ليال من ذي الحجة . نوقش : بأن يوم النحر فيه أعمال كثيرة من أعمال الحج ، بل فيه ركنان من أركان الحج ، على القول بركنية السعي ، وهما : طواف الإفاضة ، وسعي الحج للمتمتع أو للقارن الذي لم يطف ، والمفرد الذي لم يسع مع طواف القدوم ، فلا يمكن أن يكون يوم النحر خارج أشهر الحج . الدليل الثاني : عن عروة بن مضرس الطائي رضي الله عنه ، قال : (أتيت رسول الله صلى الله عليه و سلم بالموقف يعني بجمع ، قلت جئت يا رسول الله من جبل طي أكللت مطيتي وأتعبت نفسي والله ما تركت من حبل إلا وقفت عليه فهل لي من حج ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : [من أدرك معنا هذه الصلاة وأتى عرفات قبل ذلك ليلا أو نهارا فقد تم حجه وقضى تفثه] )أخرجه الخمسة ، وصححه طائفة كبيرة من أهل العلم ، صححه ابن خزيمة ، وابن حبان ، والنووي ، وشيخ الإسلام ابن تيمية ، وابن القيم ، والألباني ، ولذا قال ابن رشد : (وهو حديث مجمع على صحته) وانظر إلى قوله صلى الله عليه وسلم [فقد تم حجه] أي إن حجه قد
عدد الصفحات ٤١، وابن حبان ، والنووي ، وشيخ الإسلام ابن تيمية ، وابن القيم ، والألباني ، ولذا قال ابن رشد : (وهو حديث مجمع على صحته) وانظر إلى قوله صلى الله عليه وسلم [فقد تم حجه] أي إن حجه قد انتهى ، وهذا يدل على أن آخر أشهر الحج فجر يوم النحر ، وما بعد ذلك فليس من أشهر الحج ، وهو دليل قوي .
عدد الصفحات ٤١مختصركتاب المناسك فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 42 لكن أهل العلم يناقشون الاستدلال بالحديث كما يناقشون الاستدلال السابق ، بأن أكثر أعمال الحج تقع في يوم النحر ؛ ولذا سمي يوم الحج الأكبر ، لأن جملة كبيرة من أعمال الحج تفعل فيه ، ولأن الأيام تابعة لليالي التي تسبقها في الشريعة ، إلا ليلة واحدة ، وهي ليلة النحر ، فهي تابعة ليوم عرفة في الحكم ، وقد يكون دليلا للشافعية ، يقال : ليلة النحر تابعة ليوم عرفة ، ولذا تنتهي أشهر الحج بنهاية تلك الليلة ، بطلوع الفجر من يوم النحر . القول الثالث : أن أشهر الحج ثلاثة أشهر كاملة ، شوال وذو القعدة وذو الحجة ، وهذا القول مروي عن عمر ، وابنه ، وابن عباس رضي الله عنهم ، وهو مذهب المالكية ، والظاهرية ، و إليه ذهب عروة ، وهو رواية عن عطاء ، ومجاهد ، والزهري ، واختيار شيخنا ابن عثيمين ، رحمهم الله . أدلتهم : الدليل الأول : قول الله تعالى {الْحَجُ أَشْهُرٌ مَُّعْلُومَ تٌ} فجاءت على سبيل الجمع ، وأقل الجمع ثلاثة ، فالأشهر ثلاثة تامة . الدليل الثاني : أن جملة من المناسك تفعل بعد يوم النحر ، مثل : الرمي ، والمبيت ، والطواف لمن لم يطف ، وطواف الوداع . والناظر في المسألة والخلاف فيها يجد أن للقول الأول قوة كبيرة ، وللقول الأخير قوة ، وكذلك القول الثاني ، كل قول فيه قوة ، خاصة الاستدلال بقول الله تعالى {فَمَن فَرَضَ فِيهِنَُّ الْحَجَُّ} والمراد بفرض الحج الإهلال به ، والإهلال لا يمكن أن يقع بعد طلوع فجر يوم النحر ، وهذا يدل على أن الأشهر هي شوال وذو القعدة ، وعشرة أيام من ذي الحجة ، قد يقول قائل : عشر ليال ، وهذا له وجه ، لكن يوم النحر فيه أعمال كثيرة من أعمال الحج ، لكن على هذا الاستدلال ، وأن الفرض هو الإهلال بالحج ، فينبغي أن يقال بقول الشافعية ، وأنه بطلوع الفجر . أصحاب القول الثالث الذين قالوا ثلاثة أشهر تامة ، رأوا أن جملة من الأعمال تفعل بعد يوم النحر ، بل يجوز تأخيرها بعد ذلك ، مثل : طواف الإفاضة ، فإن الحنابلة والشافعية يرون التأخير مطلقا ، والمالكية يرون التأخير في شهر ذي الحجة ، والتأخير هنا جائز ، وإذا كان التأخير جائزا في هذا الوقت ، فمعناه أنه من أشهر الحج ، وثمرة النزاع أذكر منها مسألتين : المسألة الأولى : أفعال الحج متى تفعل ؟ على قول من قال : إنها شوال وذو القعدة وعشرة أيام من ذي الحجة ، سيكون الباب مفتوحا ، وفيه سعة نوعا ما ، يؤدي الأفعال التي تطلب في أوقاتها المحددة ، مثل المبيت والرمي ، هذه محددة لا بد من فعلها ، لكن غير المحددة ، مثل الطواف والسعي و الحلق ، يكون فيه نوع من الامتداد والطول ، ولذا نرى الشافعية والحنابلة يطلقون الأمر ، فيقولون : متى ما طاف طواف الإفاضة فله ذلك ، أي : لو أخر شهرا أو شهرين أو ثلاثة أو أربعة أو ستة ، فلا إشكال ، لكنه يبقى محرما ، يجوز له خلع الإحرام ، لكن التحلل الثاني لا يتم إلا بفعل الطواف ، وأما المالكية الذين يقولون : هي ثلاثة أشهر تامة ، فإنهم يرون عدم التأخير عن شهر ذي الحجة ، ولا بد أن يطوف فيه طواف الإفاضة . المسألة الثانية : مسائل تعليق الطلاق والعتاق والأيمان ، فلو علق يمينه بأشهر الحج مثلا ، أو علق الطلاق بأشهر الحج ، كأن قال لامرأته : أنتي طالق إذا خرجت أشهر الحج ، فمتى تطلق امرأته ؟ على الخلاف السابق ، إن قيل بأنها ثلاثة أشهر تامة ، فإنها لا تطلق إلا بنهاية شهر ذي الحجة ، وإن قيل : شهران وعشرة أيام من ذي الحجة ، فإنها تطلق بغروب شمس يوم النحر ، وعلى قول الشافعية تطلُق بطلوع الفجر من يوم النحر ، ومثله العتاق والوقف المعلق ، فلو حلف يمينا ، وقال : والله لا أذهب إلى فلان حتى تخرج أشهر الحج ، أو : والله لا أفعل هذا الشيء في أشهر الحج ، فيأتي الخلاف السابق .
عدد الصفحات ٤٢من يوم النحر ، ومثله العتاق والوقف المعلق ، فلو حلف يمينا ، وقال : والله لا أذهب إلى فلان حتى تخرج أشهر الحج ، أو : والله لا أفعل هذا الشيء في أشهر الحج ، فيأتي الخلاف السابق . الإحرام قبل أشهر الحج : لو أحرم قبل أشهر الحج ، هل ينعقد إحرامه أو لا ؟ وهي مسألة مهمة ؛ لأن الله تعالى يقول {فَمَن فَرَضَ فِيهِنَُّ} مفهومه : أن الفرض يكون في أشهر الحج ، فهل إذا أحرم الإنسان قبل أشهر الحج ينعقد إحرامه بالحج ؟ أو لا ينعقد بالكلية ؟ أو ينعقد بعمرة مجزئة ؟
عدد الصفحات ٤٢مختصركتاب المناسك فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 43 الإحرام بالحج قبل أشهره : المذهب : أنه ينعقد حجا مع الكراهة ، كما أن من أحرم قبل الميقات المكاني ينعقد إحرامه بالإجماع ، إلا ما نقل عن داود وهو شاذ ، فتكون هذه المسألة كالمسألة السابقة ، اختلفوا في المسألة على ثلاثة أقوال : القول الأول : من أحرم بالحج قبل أشهر الحج ، ينعقد إحرامه حجة مع الكراهة ، إليه ذهب الحنفية ، والمالكية والحنابلة . أدلتهم : الدليل الأول : قول الله تعالى {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّ ِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّ سِ وَالْحَجِّ} فهذه الآية عامة في جميع الأهلة ، فتقتضي أن تكون جميعا ميقاتا للحج ، إذن فالأهلة جميعا مواقيت للناس والحج . أجاب شيخ الإسلام وناقشهم : بأن الهلال إنما يكون وقتا للشيء إذا اختلف حكمه وجودا وعدما ، مثل : أن يحل به الدين ، كيف يكون الهلال ميقاتا للشيء ولا يختلف حكمه وجودا وعدما ؟ إذا وجد وجد الحكم ، وإذا انتفى انتفى الحكم ، أما إذا كانت الأهلة جميعا مواقيت للحج ، فمعنى ذلك أنه لا يوجد الحكم بوجودها ولا ينتفي بانتفائها ، في شهر رجب ليس هناك حج ، لما هل هلال شوال دخلت أشهر الحج ، اختلف الحكم وجودا وعدما ، يقول شيخ الإسلام (فلو كان العام جميعا فرضا للإحرام لم تكن الأهلة ميقاتا للحج ، كما لم تكن ميقاتا للنذر) . الدليل الثاني : قوله تعالى {وَأَتِمُُّوا الْحَجَُّ وَالْعُمْرَةَ لِلَُّهِ} أمر الله عز وجل بإتمام الحج والعمرة ، فإذا شرع الإنسان في الحج قبل أشهر الحج فإنه يلزمه أن يتم حجه . ونوقش : بأن الإحرام منعقد ، ويلزمه إتمام الإحرام ، لكن ينعقد حجا ، إنما ينعقد عمرة مجزئة ، وسيأتي . القول الثاني : أن من أحرم بالحج قبل أشهر الحج لا ينعقد إحرامه مطلقا ، و إليه ذهب الحنابلة في رواية ذكرها شيخ الإسلام رحمه الله في شرح العمدة ، واختاره ابن حزم رحمهم الله . أدلتهم : الدليل الأول : يستدل ابن حزم رحمه الله ، بحديث عائشة رضي الله عنها ، : [من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد]فقد عمل عملا ليس عليه أمر الله ولا أمر رسوله صلى الله عليه وسلم ، فيكون فعله مردودا . ونوقش : بالتسليم أن فعله على غير هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعلى غير أمر الله وأمر رسوله ، هو يعتبر محرما ، بشروعه في الإحرام ، فيتحلل منه بالعمرة ، فينقلب إحرامه إلى عمرة مجزئة . الدليل الثاني : كيف يصح الإحرام بعمرة لم يقصدها ؟ وبحج لم يدخل وقته ؟ فلا ينعقد إحرامه . ويناقش : بأن من صلى قبل الوقت ظانا دخول الوقت تنعقد صلاته نفلا ، مع أنه لم يقصد النفل ؛ لأن عندنا نيتين ، نية الصلاة ، ونية الفرض ، نية الصلاة ثابتة وموجودة ، وأما نية الفرض فتبين عدم وجود الفرض ، فتكون ملغاة ، مثل ذلك هنا ، عندنا نية الإحرام ، ونية أن يكون حجا ، نية الإحرام موجودة وثابتة ، ونية النسك لم يأت وقتها ، فتبين أنها ملغاة ، فيبقى محرما ، ولا يمكن التخلص من الإحرام إلا عن طريق العمرة ، فينقلب إحرامه إلى عمرة ، فيأتي بعمرة . القول الثالث : أن من أحرم بالحج قبل أشهر الحج ينعقد إحرامه عمرة مجزئة ، و إليه ذهب عمر ، وابن مسعود ، وجابر ، وابن عباس رضي الله عنهم ، وهو رأي عطاء ، ومذهب الشافعية ، والحنابلة في رواية . أدلتهم : الدليل الأول : قول الله تعالى {الْحَجُ أَشْهُرٌ مَُّعْلُومَ تٌ} ب الله عز وجل أن أشهر الحج معلومة ، وهذا التحديد والتوقيت لا بد أن يكون له فائدة ، وفائدته الإحرام والوقوف ؛ لأن الوقوف لا يكون إلا في هذه المدة والطواف بعده ، ولأن الحج اسم للإحرام والوقوف
عدد الصفحات ٤٣مختصركتاب المناسك فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 44 والطواف والسعي ، فيجب أن تكون هذه الأشياء في أشهر الحج ، وإذا كانت وقتا له لم يكن للإنسان تقديمه قبل وقته ، وإذا قدمه فتقديمه غير مشروع . الدليل الثاني : قول الله تعالى {فَمَن فَرَضَ فِيهِنَُّ الْحَجَُّ فَلَ رَفَثَ وَلَ فُسُوقَ }..خص الفرض بهن ، فعلم أن فرضه في غيرهن غير مشروع . الراجح : القول الأخير والله أعلم ، أن من أحرم قبل الميقات الزماني ، فإن إحرامه ينعقد عمرة مجزئة . باب في الإحرام والتلبية وما يتعلق بهما قال رحمه الله : نية النسك . الإحرام لغة : نية الدخول في التحريم ، يقال : أحرم فلان ، أي نوى الدخول في التحريم ، كما يقال : أشتى فلان ، أي دخل في الشتاء ، وسمي محرما لأنه بنيته يحرم على نفسه ما كان حلالا عليه قبل الإحرام ، من الطيب والنساء وبقية محظورات الإحرام . الإحرام اصطلاحا : هو نية الدخول في النسك ، فإذا نوى الدخول في النسك سمي محرما ، وليس الإحرام لبس ملابس الإحرام ، الملابس لا أثر لها ، ولذا يصح أن يحرم الإنسان وعليه ملابسه ، لكن يلزمه بعد ذلك أن ينزِع الملابس التي عليه . وقولنا (نية الدخول في النسك) : أي ليس نية الحج والعمرة ، فالإنسان لا يكون محرما بنية أن يحج أو يعتمر ، فإن الإنسان ينوي أن يحج السنة القادمة ، أو هذه السنة ، هل يعتبر حاجا في هذه اللحظة ؟ ينوي أن يعتمر بعد يومين أو ثلاثة أو شهر ، هل يعتبر محرما بالعمرة ؟ لا ، إنما هو نية الدخول في النسك ، فالنية هي المؤثرة . والنية هذه شرط كما سيأتي إن شاء الله ، وهي شرط لسائر العمل ، لقوله صلى الله عليه وسلم [إنما الأعمال بالنيات ، وإنما لكل امرئ ما نوى]وأما الإحرام فإنه ركن من أركان الحج والعمرة . وهل يشترط أن يضم إلى النية فعل أو قول ؟ أما جمهور أهل العلم المالكية ، والشافعية ، والحنابلة ، فيرون أنه لا يشترط أن ينضم إلى النية أمر آخر ، من قول أو فعل ، وذهب الحنفية ، وعطاء ، وهو اختيار شيخ الإسلام ، إلى أنه لا بد أن يضم إلى النية قول أو فعل ، القول مثل التلبية ، والفعل مثل سوق الهدي ، والله أعلم . سنن الإحرام : 1- الغسل : قال المؤلف رحمه الله : سُنِّ لِمُريدِه غُسْلٌ . بدأ بذكر الغسل ، والغسل سنة مؤكدة باتفاق أهل العلم رحمة الله عليهم ، فيسن أن يغتسل المحرم سواء كان ذكرا أو أنثى ، صغيرا أو كبيرا ، حائضا أو نفسا ، وبالإجماع أن من أحرم من دون غسل فإن إحرامه صحيح ، وقد ثبتت سنية الغسل بفعل النبي صلى الله عليه وسلم ، وبأمره . أدلة الغسل : الدليل الأول : عن جابر رضي الله عنه ، قال : (.. حتى أتينا ذا الحليفة فولدت أسماء بنت عميس محمد بن أبي بكر ، فأرسلت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف أصنع؟ قال : [اغتسلي واستثفري بثوب وأحرمي] أخرجه الإمام مسلم. الدليل الثاني : عن جابر رضي الله عنه ، أن عائشة رضي الله عنها ، لما حاضت أمرها النبي صلى الله عليه وسلم (أن تغتسل ثم تهل بالحج ففعلت) أخرجه الإمام مسلم ، فهذا قوله وفعله صلى الله عليه وسلم . وقت الغسل :
عدد الصفحات ٤٤مختصركتاب المناسك فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 45 العلماء رحمهم الله يرون أن وقت الغسل عند الإحرام ، وأنه لا بأس أن يكون الإحرام متراخيا عن الغسل ، وذهب الحنفية ، والشافعية ، والحنابلة ، إلى أنه لا يشترط أن يكون الغسل متصلا بالإحرام ؛ قياسا على الجمعة ، وقد تقدم أن من العلماء من يرى جواز أن يغتسل من الليل ، كما هو مذهب الحنفية ، ومنهم من يرى أنه يغتسل من بعد طلوع الشمس ، ومنهم من يرى أنه يغتسل من بعد طلوع الفجر ، وأفضل حال هو أن يغتسل قبل الرواح للجمعة . وذهب المالكية إلى شرط اتصاله بالإحرام ، حتى تثبت السنية به ؛ لأن المقصود بالغسل التنظف ، وأن يكون على أكمل حال وصورة ، وهذا لا يحصل إلا إذا كان الغسل قريبا من الإحرام . الراجح : أن يقال : إذا كان الجو باردا ، أو كان الإنسان لا تتغير رائحته ، فإن له أن يغتسل ، وأن يراخي الإحرام عن الغسل ، ويحصل على السنية حينئذ ، أما إذا كان الجو حارا ، وإذا اغتسل وراخى الإحرام عن الغسل تغيرت رائحة جسده بعرق ونحوه ، فإنه لا يحصل على المعنى المقصود وهو السنية ، ولذا كان يفتي شيخنا وغيره ، أن من اغتسل وركب الطائرة ، أو اغتسل قبل الوصول إلى الميقات ، خاصة في الشتاء ، فإنه يحصل على السنية ، وهذا بناء على قول الجمهور ، في أنه لا بأس أن يتراخى الإحرام عن الغسل . التيمم لمن لم يستطع الغسل : قال رحمه الله : أو تَيَمُّمٌ لعَدَمٍ . إذا لم يستطع أن يغتسل ، فإنه يتيمم لعدم الماء ، ولو عبر المؤلف رحمه الله وقال (وتيمم لعذر) لكان أولى ، حتى يشمل مسألة العذر وانعدام الماء ، العذر : كأن يكون الإنسان لا يستطيع أن يغتسل . ومسألة التيمم عند عدم القدرة على الاغتسال محل خلاف ، على قولين : القول الأول : أن مريد النسك إذا تعذر عليه استعمال الماء تيمم ، و إليه ذهب الشافعية على الصحيح ، وهو مذهب الحنابلة . أدلتهم : الدليل الأول : أن طهارة التراب تحل محل طهارة الماء عند فقد الماء ، والمحرم فاقد للماء في مسألتنا فيتيمم. الدليل الثاني : أن الإحرام عبادة يغتسل لها ، فإذا لم يتمكن من الاغتسال له فإنه يتيمم . القول الثاني : أنه إذا عدم المحرم الماء أو لم يستطع استعماله فإنه لا يشرع له التيمم ، و إليه ذهب الحنفية ، والمالكية ، والحنابلة في رواية اختارها ابن قدامة ، وصوبها المرداوي ، واختارها شيخ الإسلام ابن تيمية ، وشيخنا ابن عثيمين ، والألباني ، وطائفة من أهل العلم. أدلتهم : الدليل الأول : أن التيمم شرع بدلا عن الغسل والوضوء الواجب ، كما في آية التيمم ، فلا يشرع بدلا عن الغسل المستحب. الدليل الثاني : أن غسل الإحرام إنما شرع من أجل التنظف ، وأن يكون الإنسان على أكمل صورة ، وأتم حال ، والتراب يزيده وسخا وتلوثا ولا يقطع الرائحة ، فهو لا يستفيد من التيمم شيئا . الراجح : هو القول الثاني والله أعلم ، أن المحرم إذا تعذر عليه الماء أو استعماله ، فإنه لا يتيمم ؛ لعدم الدليل عليه ، والعبادة مبناها على التوقيف ، وليس لأحد أن يرى مشروعية شيء إلا إذا كان عنده دليل .
عدد الصفحات ٤٥مختصركتاب المناسك فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 46 2- التنظف : قال رحمه الله : وَتنَظُّفٌ . أي أخذ ما ينبغي أخذه من شعر وظفر ، وقطع للرائحة الكريهة التي تكون في الإنسان ؛ لأن مدة الإحرام تطول ، فلا يتمكن الإنسان من أخذ ما يحتاج إلى أخذه لو تركه عند الإحرام ، مثل : شعر العانة ، وشعر الإبط ، والشارب ، والظفر ، وهذا عند جمهور أهل العلم رحمة الله عليهم . أدلتهم : الدليل الأول : أن الإحرام عبادة ، فسن فيه التنظف كالجمعة ، والإحرام يمنع من التنظف . الدليل الثاني : أن الإحرام يسن له الاغتسال والتطيب ، فسن له التنظف ، كالجمعة ، الجمعة يسن لها التطيب والاغتسال فيسن لها التنظف. وهذا القياس قياس يحتاج إلى دليل في أصله ، الأصل يحتاج إلى إثبات الحكم فيه ، وهو الجمعة ، ما الدليل على أن الجمعة يستحب لها التنظف ؟ وتقدم في باب الجمعة أن التنظف مأمور به مطلقا ، وليس مختصا بيوم الجمعة ، بل متى ما احتاج الإنسان إليه أمر به . القول الثاني : أنه ليس من خصائص الإحرام أن يتنظف الإنسان عند بدئه ، كما ذكر شيخ الإسلام رحمه الله ، بل هو مشروع بحسب الحاجة ، ولهذا لم يذكره الصحابة رضي الله عنهم في إحرام النبي صلى الله عليه وسلم . الراجح : أن ليس ثمة دليل يدل على أن الحاج يؤمر بأن يأخذ من شعره أو من ظفره عند الإحرام ، لكنه يؤمر بأن يأخذ مطلقا ، فإن احتاج عند الإحرام فيقال له : خذها الآن ، حتى لا تحتاج أن تأخذها أثناء الإحرام ، فتفعل محظورا 3- التطيب : قال رحمه الله : وَتَطيبٌ . من سنن الإحرام التطيب ، والتطيب نوعان : أ- التطيب في البدن . ب- التطيب في ثوب الإحرام . النوع الأول : أما التطيب في البدن ، فالمذهب أنه يسن له أن يتطيب في لحيته وفي رأسه وفي جسده ، ويكثر من الطيب في لحيته وفي رأسه ، كما كان يفعل النبي صلى الله عليه وسلم ، و التطيب في البدن فيه خلاف على قولين : القول الأول : أنه يسن للمحرم أن يتطيب في جسده ، رأسه ولحيته وجسده عامة ، وهذا رأي طائفة كبيرة من الصحابة والسلف ، وهو مذهب الحنفية ، والشافعية ، والحنابلة . أدلتهم : الدليل الأول : عن عائشة رضي الله عنها ، قالت : (كنت أطيب النبي صلى الله عليه وسلم لإحرامه حين يحرم ، ولحله قبل أن يطوف بالبيت) متفق عليه ، وفي بعض الألفاظ قالت : (كأني أنظر إلى وبيص المسك في مفارق رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو محرم) متفق عليه ، وفي لفظ لمسلم قالت (طيبته بأطيب الطيب) . الدليل الثاني : عن عائشة رضي الله عنها ، قالت : (كنت أطيب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فيطوف على نسائه ، ثم يصبح محرما ينضح طيبا) متفق عليه ، وهذا يدل على وجود الطيب فيه ، وكذا قولها (كنت أطيبه بأطيب الطيب) دليل على أن الطيب يبقى في جسده ، وهو طيب قوي له رائحة . القول الثاني : أنه يكره للمحرم أن يتطيب في جسده ، وهو مروي عن عمر ، وعثمان ، وابن عمر ، وهو رأي عطاء ، والزهري ، ومحمد بن الحسن من الحنفية ، ومذهب المالكية .
عدد الصفحات ٤٦مختصركتاب المناسك فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 47 أدلتهم : الدليل الأول : عن صفوان بن يعلى بن أمية عن أبيه : (أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه و سلم وهو بالجعرانة وعليه جبة وعليه أثر الخلوق أو قال صفرة ، فقال كيف تأمرني أن أصنع في عمرتي ؟ فأنزل الله على النبي صلى الله عليه و سلم فستر بثوب ووددت أني قد رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وقد أنزل عليه الوحي ، فقال عمر : تعال أيسرك أن تنظر إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقد أنزل عليه الوحي ؟ قلت : نعم ، فرفع طرف الثوب فنظرت إليه ، له غطيط - وأحسبه قال - كغطيط البكر فلما سري عنه ، قال : [أين السائل عن العمرة ؟ اخلع عنك الجبة واغسل أثر الخلوق عنك وأنق الصفرة ، واصنع في عمرتك كما تصنع في حجك])متفق عليه ، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بإزالة الطيب ، فهذا دليل على أن المحرم لا يتطيب عند بدء إحرامه ، ومن المعلوم أن ما جاز ابتداؤه ، جازت استدامته ، فكونه ينهى عن استدامة الطيب ، دليل على أنه يكره له ابتداؤه . وقد نوقش الاستدلال بالحديث بمناقشات عدة : 1- أن هذا الحديث جاء في بعض ألفاظه (عليه جبة بها أثر خلوق) وفي بعضها (عليه رَدْع من زعفران) وهذا يدل على أن طيب الرجل كان زعفرانا ، وقد تقدم في الصلاة أن الزعفران ينهى عنه الرجل ، كما في الحديث المتفق عليه [نهى أن يتزعفر الرجل] فلو كان غيرَ الزعفران لما أمره بإزالته ، والعلم عند الله . 2- أن الطيب في حديث يعلى بن أمية قد وقع بعد الإحرام ، فالرجل قد تطيب بعد أن أحرم ، وإذا تطيب الإنسان بعد إحرامه ، فإنه يؤمر بإزالة الطيب ، وأما أحاديث عائشة ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم ، تطيب فيها قبل الإحرام ، وهذه علة تبيح بقاء الطيب في حديث عائشة ، وعلة تقتضي إزالة الطيب في حديث يعلى بن أمية الدليل الثاني : عن ابن عمر رضي الله عنهما ، أنه سئل عن الطيب للمحرم عند الإحرام ، فقال(لئن أطلى بالقَطِران أحب إلي من ذلك) متفق عليه . نوقش الاستدلال بهذا الحديث : أن عائشة رضي الله عنها ، لما سمعت كلام ابن عمر هذا قالت (يرحم الله أبا عبد الرحمن ، كنت أطيب النبي صلى الله عليه وسلم ، فيطوف على نسائه فيصبح محرما ينضح طيبا) فعائشة رضي الله عنها عندها زيادة علم ، ابن عمر رضي الله عنهما ، يرى عدم جواز الطيب في هذا الحديث ، وعائشة أجابت عليه بفعلها مع النبي صلى الله عليه وسلم ، حينما طيبته . النوع الثاني : التطيب في الثوب . هل للمحرم أن يطيب ثيابه ؟ ذهب الحنفية ، والمالكية ، وبعض الحنابلة ، إلى أنه لا يجوز للمحرم أن يطيب ثيابه ، ويحرم عليه . أدلتهم : الدليل الأول : عن ابن عمر ، أن النبي صلى الله عليه وسلم ، سئل عما يلبس المحرم ، قال : [لا يلبس القميص ولا العمامة ولا السراويلات ، ولا ثوبا مسه ورس ولا زعفران] متفق عليه ، فإذا كان الثوب قد مسه الورس والزعفران ، لم يجز لبسه ، ولا فرق بين أن يكون الإنسان محرما أو أن يبتدئ لبسه ، بل هذا الحديث يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم ، سئل عما يلبس ابتداء ؛ لأن هذا حصل حينما كان الرسول يخبر الناس عند حجة الوداع ، ويعلمهم ماذا يصنعون ، فسئل عما يلبس فبين ما لا يلبس وترك ما يلبس ؛ لأن ما لا يلبس معدود ومحصور ، وما يلبس باق على الأصل ، وهو الحل والإباحة . وذهب الشافعية : إلى أنه لا يستحب تطييب ملابس الإحرام ، وأما الجواز فالأصح عندهم أنه يجوز تطييبها ، لكن إذا طيب لباس الإحرام ثم نزعه ، فليس له أن يلبسه مرة أخرى ، فإن لبسه فعليه فدية ، فله الاستدامة وليس له الابتداء. وذهب الحنابلة : إلى أنه يكره تطييب ملابس الإحرام ، ويقولون كالشافعية : إذا نزع ملابس الإحرام فليس له أن يعيد لبسها ، فإن
عدد الصفحات ٤٧، فإن لبسه فعليه فدية ، فله الاستدامة وليس له الابتداء. وذهب الحنابلة : إلى أنه يكره تطييب ملابس الإحرام ، ويقولون كالشافعية : إذا نزع ملابس الإحرام فليس له أن يعيد لبسها ، فإن لبسها فعليه فدية أذى ؛ لأنه فعل محظورا ، وعند الحنابلة قول أن حكم تطييب ملابس الإحرام كحكم تطييب البدن ، وهذا يقتضي أن يكون تطييب ملابس الإحرام مستحبا ، وليس جائزا فقط ؛ لأنهم يرون استحباب تطييب الجسد .
عدد الصفحات ٤٧مختصركتاب المناسك فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 48 الراجح : هو قول الحنفية ، والمالكية وبعض الحنابلة ، أنه يحرم تطييب ملابس الإحرام ؛ لحديث يعلى بن أمية ، وإن كانت دلالته قد يناقش فيها ، لكن عندنا حديث ابن عمر ، لما سئل النبي صلى الله عليه وسلم : ما يلبس المحرم ؟ فذكر فيه [و ثوبا مسه ورس ولا زعفران] فنهى عن لبس الثوب المطيب . إذا طيب بدنه فانتقل الطيب : إذا طيب المحرم بدنه ، فانتقل الطيب أو نُقل ، فهذا له أحوال : الحال الأولى : أن ينتقل الطيب بنفسه ، كأن يعرق الإنسان ، فينتقل الطيب من الرأس إلى الثياب ، أو من موضع إلى موضع آخر ، فلا شيء على المحرم فيه ؛ لأنه ليس من فعله . دليله : حديث عائشة ، قالت (كنا نخرج مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكة فنضمد جباهنا بالسك المطيب ، فإذا عرقت إحدانا سال الطيب على وجهها ، فيرانا النبي صلى الله عليه وسلم فلا ينهانا) أخرجه أبو داود ، وهذا يدل على أنه لا يترتب عليه حكم . الحال الثانية : أن ينْقل الطيب من موضع إلى موضع ، هو بنفسه ينقل الطيب ، قالوا : عليه فدية بسبب النقل . الحال الثالثة : أن ينقل الطيب من موضع إلى موضع آخر ، جهلا أو نسيانا منه ، فلا شيء عليه . الحال الرابعة : أن يتعمد مس الطيب ، فعليه فدية ؛ لأنه كالتطيب ، إذا تعمد أن يمسه في جبهته أو في لحيته ، فهو كالتطيب . لو توضأ ، وغسل لحيته ، ومسح رأسه ، فعلق الطيب بيديه ، أو اغتسل فعلق الطيب بيديه ، فهل يؤمر بغسل يديه أو لا ؟ المذهب أنه يؤمر بغسل يديه فورا ، حتى لا يكون متطيبا ، وعليه فدية ، وذكر شيخنا رحمه الله ، أنه لا يلزمه غسل يديه في هذه الحال ؛ لأنه لم يبتدئ الطيب ، ولأن الطيب مأمور به ، ولأن المشقة حاصلة في الأمر بغسله وإزالة رائحته ، وهذه مشقة لم تأت الشريعة بمثلها . هل المرأة كالرجل في الطيب : الشافعية ، والحنابلة يرون أن المرأة كالرجل في الطيب ، وأن المرأة تتطيب كما يتطيب الرجل ، سواء كانت شابة أو عجوزا ، وقد دل عليه حديث عائشة ، قالت : (وكنا نضمد جباهنا بالسك المطيب) فقولها (كنا) تعني معاشر النساء ، وهذا دليل على أن السنية ثابتة للرجال والنساء على حد سواء . 4- التجرد من المخيط : قال رحمه الله : وتَجَردٌ عَن مَخيطٍ . يسن أن يتجرد المحرم عن المخيط ، والمراد به : (ما خيط على قدر العضو) وليس المراد به ما فيه خياطة ، فهذا لا يمكن التحرز منه . لماذا لم يقل المؤلف : يجب عليه ؟ ذكر العلماء أنه يجوز له أن يعقد الإحرام وعليه ملابسه ، لكنه يؤمر بخلعها ، وألا يتأخر لحظة واحدة ، وإن تأخر فعليه فدية ، فليس له الحق في استدامة بقاء اللباس عليه ، فنزع اللباس قبل الإحرام سنة ، يسن له التجرد من المخيط حتى يحصل الإهلال حال تجرده ، فإن تأخر ، فلم ينزع إلا بعد أن أهل ، فإنه يجوز له ، لكن بشرط ألا يتأخر ، فإن تأخر فعليه دم ، فالتجرد من اللباس واجب في الإحرام ، وليس شرطا لصحته ، ولذا يجوز للإنسان أن يحرم وعليه ثيابه ، وأن يستديم لبس الثياب ، لكن عليه فدية بعد ذلك ، يستديمها لعذر ، ولو استدامها بدون عذر ، فإنه يكون آثما ، وعليه فدية أذى بلبسه له ، وعدم نزعه للباس الذي عليه الدليل على التجرد : حديث زيد بن ثابت المتقدم أن النبي صلى الله عليه وسلم (تجرد لإهلاله واغتسل) أخرجه الترمذي ، وابن خزيمة ، والدارقطني ، والبيهقي ، وصححه الألباني وغيره . 5- الإحرام بلباس أبيض : قال رحمه الله : وَيُحرِمُ في إزارٍ ورِ داءٍ أَبْيَضَيْنِ . من السنة أن يحرم الإنسان في إزار ورداء أبيضين . دليل ذلك :
عدد الصفحات ٤٨مختصركتاب المناسك فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 49 الدليل الأول : عن ابن عمر رضي الله عنهما ، أن النبي صلى الله عليه وسلم ، سئل : ما يلبس المحرم ؟ فقال [لا يلبس القميص ].. متفق عليه ، وجاء في لفظ الإمام أحمد رحمه الله ، قال [وليحرم أحدكم في إزار ورداء ونعلين] وهذه الزيادة اختلف فيها أهل العلم رحمة الله عليهم ، فمنهم من يضعفها ، وقد ذهب إلى تصحيحها الحافظ ابن حجر ، والشيخ أحمد شاكر ، والألباني رحمهم الله. الدليل الثاني : عن ابن عباس رضي الله عنهما ، قال : (انطلق النبي صلى الله عليه وسلم ، بعدما ترجل وادهن ، ولبس إزاره ورداءه هو وأصحابه ، فلم ينه عن شيء من الأردية والأزر تلبس إلا المزعفرة ..) متفق عليه. فالمحرم يحرم في إزار ورداء ، إزار يربطه على حقويه ، ويكون إلى أسفل الجسد ، ورداء يضعه على كتفيه ، ويغطي به صدره . ويسن على المذهب أن يكون أبيض ؛ لحديث ابن عباس رضي الله عنهما ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال [البسوا من ثيابكم البياض ، فإنها من خير ثيابكم ، وكفنوا فيها موتاكم]أخرجه الخمسة ، وصححه الألباني ، فاستحبوا الثياب البيضاء حال الإحرام ، ولو لبس أخضر أو أزرق أو غير ذلك من الألبسة فإنه يجوز له ، لكن هذا على سبيل الاستحباب والسنية وليس على سبيل الوجوب ويستحب أن يكونا نظيفين ، سواء كانا جديدين أو غسيلين ؛ لأنه إذا كان يؤمر الناسك بالتنظف في بدنه ، ويؤمر بالاغتسال ، فكذا يؤمر بأن يكون اللباس الذي يلبسه نظيفا . 5- ركعتان قبل الإحرام : قال رحمه الله : وَإِحْرامٌ عَقِبَ رَكْعتَينِ . من سنن الإحرام أن يحرم عقب ركعتين ، وظاهر كلام المؤلف رحمه الله ، أن هاتين الركعتين خاصتان بالإحرام ، وأنه يسن أن يكون للإحرام صلاة تخصه ، وهي هذه . والأفضل أن يحرم الإنسان عقب الفريضة ، ذكره بعضهم اتفاقا ، كما أحرم النبي صلى الله عليه وسلم ، عقب صلاة الظهر ، ولا خلاف بينهم أن الإنسان لو لم يحرم عقب صلاة ، فإن إحرامه صحيح إجماعا ؛ لأن هاتين الركعتين على القول بهما ، لا تعدوان أن تكونا سنة . ركعتا الإحرام : هل للإحرام صلاة خاصة به إذا جاء في غير وقت فريضة ، هل يصلي ركعتين ، ثم يحرم بعد ذلك ؟ اختلف الفقهاء في ذلك على قولين : القول الأول : أن للإحرام صلاة تخصه ، وهذا رأي عطاء ، وطاوس ، والثوري ، وإسحق ، وأبي ثور ، وابن المنذر ، وهو مروي عن ابن عمر ، وابن عباس ، و مذهب الحنفية ، والمالكية ، والشافعية ، والحنابلة. أدلتهم : الدليل الأول : عن ابن عمر رضي الله عنهما ، قال (كان النبي صلى الله عليه وسلم يركع بذي الحليفة ركعتين) أي ويهل بعد ذلك ، أخرجه الإمام مسلم ، وهذا واضح وصريح في أنه يركع ركعتين ، ويهل بعدها . وقد نوقش الاستدلال بالحديث : بأن ابن عمر ذكر ما رأى ، وأن النبي صلى الله عليه وسلم ، كان يصلي ركعتين ، وهاتان الركعتان هما ركعتا الظهر المقصورة . الدليل الثاني : عن ابن عمر رضي الله عنهما (أنه كان يأتي مسجد ذي الحليفة ، فيصلي ثم يركب ، ثم يقول : هكذا رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يفعل) أخرجه الإمام البخاري ، فهو ينقل فعل الرسول ، ثم يفعله . ويناقش الدليل كالمناقشة في الدليل الأول ، أن النبي صلى الله عليه وسلم ، صلى ركعتين هما ركعتا الظهر . القول الثاني : أنه ليس للإحرام صلاة تخصه ، وهذا رأي الحسن البصري ، وقال : يحرم عقب فريضة ، وذكر الحسن أن الركعتين اللتين جاءتا في الأحاديث هما ركعتا صلاة الفجر ، وهو رأي شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم ، واختيار شيخنا ابن عثيمين رحمهم الله - أي إنه ليس للإحرام صلاة تخصه- .
عدد الصفحات ٤٩مختصركتاب المناسك فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 50 دليلهم : عن ابن عباس رضي الله عنهما ، قال (صلى رسول الله صلى الله عليه و سلم الظهر بذي الحليفة ، ثم دعا بناقته فأشعرها في صفحة سنامها الأيمن وسلت الدم وقلدها نعلين ، ثم ركب راحلته فلما استوت به على البيداء أهل بالحج) أخرجه الإمام مسلم ، والرسول صلى الله عليه وسلم صلى الظهر في ذي الحليفة ركعتين ، فالمراد بالركعتين اللتين جاءتا في حديث ابن عمر وحديث عمر ، المراد بهما صلاة الظهر ، وقد ذكر ابن القيم أن الأدلة السابقة محمولة على فريضة مقصورة ، وذكر الحسن البصري أنها صلاة الصبح . الراجح : هو القول الثاني ، لصراحة حديث ابن عباس ؛ لأن حديث ابن عباس جاء مفسرا ومبينا للحال . ركعتا الإحرام ووقت النهي : إذا كان في وقت نهي هل يصليها ؟ الجمهور على أنه لا يصلي ، بل ينتظر حتى يزول وقت النهي ثم يصلي . نية الإحرام : قال رحمه الله : وَنيتُهُ شرطٌ . أي : ونية الإحرام شرط في النسك ، فلا بد أن ينوي الإحرام ، فلو تجرد من ملابسه ، ولبس ملابس الإحرام لم يكفِ ، بل لا بد من نية الدخول في النسك ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : [إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى]حتى لو لبى الإنسان ، فإنه لا يدل على النية ، وكذلك لبس الإحرام لما كان التجرد من الملابس هيئة تكون مع نية النسك مجتمعة معها ، فربما أطلق الإحرام على التجرد ، فاحتيج إلى النية فلا بد أن ينوي الدخول في النسك. هل يشترط مع النية شيء : المالكية ، والشافعية ، والحنابلة ، يرون أنه لا يشترط اقتران فعل أو قول بها . وذهب عطاء ، والحنفية ، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ، إلى أنه يشترط اقتران قول أو فعل بها ، القول : التلبية ، والفعل : سوق الهدي ؛ لأن الحج عبادة بدنية ، أشبهت الصلاة في كونها تحتاج إلى تحريم كتكبيرة الإحرام ، مع أن هذا الكلام خلاف قول شيخ الإسلام رحمه الله في الوقف ، فهو يرى أن الوقف يحصل بالنية مع الشراء ، وكذا الأضحية ، إذا نوى أنها أضحية حصل التعيين والتقييد بها ، فلا يجوز له إبدالها إلا للأمور المستثناة في الإبدال ، لكنه خالف هنا ما ذكر هناك ؛ لأنه يقول : إنها عبادة بدنية أشبهت الصلاة ، في كونها تحتاج إلى تحريم ، كتكبيرة الإحرام ، فاشترط فيها القول أو الفعل ، والله أعلم . لو نطق المحرم بغير ما نواه : كأن يريد أن يقول : لبيك حجا ، فقال : لبيك عمرة ، أو بالعكس ، أراد أن يقول : لبيك عمرة ، فقال : لبيك حجا ، فإنه ينعقد ما نواه لا ما تلفظ به ، نقل ابن المنذر رحمه الله الإجماع على ذلك ، فإن المعتبر النية ، واللفظ لا يلتفت إليه. سوق الهدي والتلبية بلا نية : لو ساق الهدي بلا نية ، أو لبى بلا نية ، فهل ينعقد إحرامه ؟الجوب: لا ؛ لأن ما اعتبرت له النية لا ينعقد بدونها ، كالصوم والصلاة ، فإن الإنسان لو كبر للصلاة بدون نية ، فهنا لا تعتبر هذه الصلاة ، لم تنعقد ، وعليه أن يكبر مرة أخرى ؛ لأن ما اعتبرت له النية لا بد من وجودها فيه . الجهر بالنية : قال المؤلف رحمه الله : ويُسْتَحَبُّ قولُ : اللَّهُمَّ إني أُريدُ نُسُكَ كذا فيَسِّرْهُ لي . قوله : (اللهم إني أريد نسك كذا فيسره لي) : أن يعين نسكه الذي يريد ، من حج أو عمرة ، فالمذهب استحباب التلفظ بالنية في جميع العبادات سرا ، وهو قول جمهور أهل العلم وهو مذهب الحنفية ، والشافعية ، والحنابلة ، وهذه المسألة فيه خلاف على ثلاثة أقوال ،
عدد الصفحات ٥٠مختصركتاب المناسك فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 51 والراجح ما ذهب إليه بعض الحنفية ، وبعض المالكية ، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وشيخنا ، واختيار أئمة الدعوة النجدية ، أن التلفظ بالنية سرا أو جهرا بدعة ، ونقل عن الإمام أحمد (لا يصرح بها) أي لا يتلفظ بها ، واستدلوا بقول النبي صلى الله عليه وسلم ، في حديث عائشة [من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد]وقالوا : لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ، ولا عن أصحابه ، أنه كان ينطق بالنية ، فإن قال قائل : ألم يثبت في حديث عمر ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : [أتاني آت من ربي ، فقال : صل في هذا الوادي المبارك ، وقل : عمرة في حجة] أليس هذا تصريحا بالنية ؟الجواب : لا ، ليس تصريحا بها ، إنما هذا إخبار عما سيفعل ، وليس تصريحا بنيته ،فالنبي صلى الله عليه وسلم ، لم يكن يتلفظ قبل الإحرام بنسكه ولو كان التلفظ بالنية مشروعا ، لكان من الأمور التي يُحرص على نقلها ، ولنقلها الصحابة رضي الله عنهم . قوله : (فيسره لي) : هذا لا دليل عليه أيضا ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يقوله ، ولا أصحابه رضي الله عنهم ، فلم يثبت عن أحد منهم أنه كان إذا أراد أن يحج يقول : يسر لي حجي ، وتقبله مني ،فنقتصر على ما كان يفعله صلى الله عليه وسلم هو وأصحابه . الاشتراط : قال المؤلف رحمه الله : وإن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني (الاشتراط) : هو الاستثناء بالشرط ، يستثني عدم إتمام النسك إذا حصل له ما يمنعه من إتمامه ، ومسائل الاشتراط ينبغي لطالب العلم تحريرها وضبطها ؛ لترتب بعض المسائل المهمة والفتاوي في الحج عليها. حكم الاشتراط : المؤلف رحمه الله ، ذكره على أنه من السنن ، وهو المذهب ، فيسن للمحرم الاشتراط محتاجا للاشتراط أم غير محتاج ، وقد اختلف العلماء في حكم الاشتراط على أربعة أقوال : القول الأول : أنه يسن الاشتراط في بدء الإحرام ، سواء كان حجا أم عمرة ، وسواء احتاج الإنسان إليه أم لا ، و إليه ذهب طائفة كبيرة من السلف ، فهو رأي عمر ، وعثمان ، وعلي ، وابن عباس ، وعائشة ، وابن مسعود ، وعمار رضي الله عنهم ، وعطاء ، والحسن ، وابن المسيب ، وهو رأي عكرمة ، وأبي ثور ، وإسحق ، والصحيح من مذهب الشافعية ، وهو المذهب عند الحنابلة . أدلتهم : الدليل الأول : عن عائشة رضي الله عنها قالت (دخل النبي صلى الله عليه وسلم على ضباعة بنت الزبير ، فقالت يا رسول الله : إني أريد الحج وأنا شاكية ، وفي بعض الألفاظ : أجدني شاكية ، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم [حجي واشترطي أن محلي حيث حبستني]متفق عليه ، وفي رواية الإمام مسلم : (أمرَ ضباعة ..) وفي رواية عند النسائي ، جود إسنادها ابن مفلح رحمه الله ، أنه قال [فإن لك على ربك ما استثنيتِ ]و رواية عند الإمام أحمد رحمه الله ، أنه قال [فإن حُبستِ أو مرضتِ فقد حللتِ من ذلك ، بشرطكِ على ربك] وجود إسنادها ابن مفلح رحمه الله . الدليل الثاني : أنه قول الصحابة الكرام رضي الله عنهم ، عمر ، وعثمان ، وعلي ، وابن مسعود ، وعائشة ، وعمار ، حتى روى الإمام الشافعي ، والبيهقي بإسناد صححه النووي ، أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، قال لسَويد بن غَفْلة (حج واشترط ، فإن لك ما اشترطت ، ولله عليك ما اشترطت) فهذا دليل على استحباب الاشتراط مطلقا ، ولم يأت التقييد بأن يكون محتاجا أو غير محتاج ، وهو ثابت عن ابن مسعود بسند صحيح ، القول الثاني : أن الاشتراط واجب ، و إليه ذهب الظاهرية . دليلهم : لفظ الإمام مسلم ، أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر ضباعة بنت الزبير ، والأصل في الأمر الوجوب ، وقوله لها (حجي واشترطي) وهو أمر .
عدد الصفحات ٥١مختصركتاب المناسك فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 52 القول الثالث : أن الاشتراط غير مشروع مطلقا ، ولو اشترط المحرم لم ينفعه اشتراطه ، وهذا ثابت عن ابن عمر رضي الله عنهما ، وهو رأي طاوس ، وابن جبير ، والزهري ، وعروة ، ومذهب الحنفية ، والمالكية . أدلتهم : الدليل الأول : أن ابن عمر كان ينكر الاشتراط ، ويقول : (حسبكم سنة نبيكم صلى الله عليه وسلم فإنه لم يشترط) أخرجه الترمذي ، والنسائي ، وصححه الألباني ، وأصله في الصحيحين بدون لفظ الاشتراط ، يقول ابن عمر : (إن حبس أحدكم حابس فليأت البيت فليطف به ، وبين الصفا والمروة ، ثم ليحلق أو يقصر ، ثم ليحل وعليه الحج من قابل) ولم يذكر الاشتراط ، بل إذا حبس الإنسان فإنه يتحلل على رأيه بعمرة ، وأما أن يحل فورا هكذا فابن عمر يرى أنه ليس بمشروع . نوقش : بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن محتاجا للاشتراط وإلا لاشترط ، ولأنه لم يعلمه أصحابه مما يدل على عدم مشروعيته . الدليل الثاني : أنها عبادة تجب بأصل الشرع ، فلم يفد فيها الاشتراط ، كالصلاة والصوم ، فلو اشترط الإنسان في الصلاة أو في الصوم فلا ينفعه اشتراطه. وكل هذه التعليلات تعليلات في مقابل النص ، حديث ضباعة ، فقد ثبت فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم ، أمرها بالاشتراط ، فكيف يقال : إن الاشتراط لا ينفع ؟ . القول الرابع : أن الاشتراط سنة لمن يحتاج إليه ، دون غيره ، و إليه ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية ، وهو اختيار شيخنا ابن عثيمين رحمهم الله ، فإن قال قائل : أليس هذا قولا جديدا ، زائدا على الأقوال السابقة ؟ فالجواب : لا ؛ لأن هذا القول جزء من القولين ، جزء من قول من قال بعدم الاشتراط ، وجزء من قول من قال بسنية الاشتراط مطلقا ، فهو يرى أنه سنة ، لكن لمن كان يحتاج ، ويرى أنه ليس بسنة ولا ينفع لمن ليس بحاجة إليه ، فأخذ بشق قول وبشق القول الآخر ، فليس خارجا عن خلاف العلماء رحمهم الله . دليلهم : حديث ضباعة بنت الزبير رضي الله عنها ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم ، إنما أمرها بذلك لما كانت شاكية ، والنبي صلى الله عليه وسلم نفسه لم يشترط ، ولم يأمر أصحابه أن يشترطوا ، مع أنه صلى الله عليه وسلم ، خطب الناس فعلمهم الحج ، وبين لهم طريقة النسك ، ووضح لهم ما يحتاجون إليه ، ولم ينقل أنه علمهم الاشتراط ، فالاشتراط سنة لمن يحتاجه فقط ، وأما من لا يحتاجه فليس بسنة في حقه . الراجح : هو القول الأخير والله أعلم ، أن الاشتراط سنة لمن يحتاج إليه ، دون غيره ، فإذا كان الإنسان مريضا ، أو كان عنده سبب يقتضي الاشتراط فله أن يشترط ، أما إن لم يكن لديه عذر فإنه لا يشترط ، ولا ينفعه اشتراطه لو اشترط . إذا وقع الشرط هل يحل : هل المشترط يحل بوجود الشرط ، أم إنه بالخيار إذا وقع ما اشترط لأجله ؟ مثل : ما لو اشترطت المرأة أنه إذا أتاها الحيض فإنها تحل ، فوقع ما اشترطت له ، فهل تحل مباشرة أم إن لها الخيار ، إن أرادت أن تحل فلتحل ، وإن أرادت أن تستمر في حجها فلها الاستمرار ؟ هذه المسألة فيها خلاف على قولين : القول الأول : أن للمشترط الخيار إذا وقع ما اشترط من أجله ، بين أن يستمر في حجه أو في نسكه ، وبين أن يحل ، وهذا المذهب ، وعليه أكثر الأصحاب ، فيخير الإنسان بين تحمل المشقة ، والاستمرار في الحج ، وبين أن يحل ، ويفعل ما أراد بشرطه ؛ لأنه هو الذي اشترط . القول الثاني : أنه يحل مباشرة ، بمجرد وجود الشرط إلا إذا اشترط أنه بالخيار ، وهذا قول بعض الأصحاب . دليلهم : أنه ظاهر نص ضباعة بنت الزبير في حديث عائشة ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال لها [فقولي : محلي حيث حبستني] فتحل بمجرد حصول الحبس .
عدد الصفحات ٥٢