الحنفية ، والمالكية ، والشافعية ، والحنابلة أدلتهم : الدليل الأول : عن أبي الزبير ، قال : سمعت جابرا رضي الله عنه يُسأل عن المَهل ، فقال : سمعته أحسِبه رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم [مهل أهل المدينة من ذي الحليفة ، والطريق الآخر الجحفة ، ومهل أهل العراق من ذات عرق ].. وهذا الحديث في
عدد الصفحات ٢٩مختصركتاب المناسك فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 30 صحيح الإمام مسلم ، لكن فيه إشكال ، وهو أن الراوي له (أبو الزبير) شك في رفعه ، قال النووي رحمه الله : (هذا إسناد صحيح ، لكن لم يجزِم برفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فلا يثبت رفعه بمجرد هذا) فالحديث فيه إشكال . الدليل الثاني : عن عائشة رضي الله عنها ، (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقت لأهل العراق ذات عرق) أخرجه أبو داود ، والنسائي ، والدارقطني ، والبيهقي ، وصححه ابن حزم ، والنووي ، وقال العراقي : (إسناده جيد) وصححه ابن حجر ، والشوكاني ، والألباني ، فهذا الحديث دليل على أن الذي وقته هو النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم . القول الثاني : أن الموقت هو عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، وإليه ذهب طائفة من السلف ، طاوس ، وابن سيرين ، وهو رأي الغزالي ، والرافعي ، و النووي من الشافعية ، وبعض المالكية . أدلتهم : الدليل الأول : عن ابن عمر رضي الله عنهما ، قال : (لما فتح هذان المصران أتوا عمر فقالوا يا أمير المؤمنين إن رسول الله صلى الله عليه و سلم حد لأهل نجد قرنا وهو جور عن طريقنا وإنا إن أردنا قرنا شق علينا ، قال : فانظروا حذوها من طريقكم ، فحد لهم ذات عرق) أخرجه الإمام البخاري ، جور عن طريقنا : أي مائل عن طريقنا ، ففيه أن الذي حدها عمر بن الخطاب . الدليل الثاني : أن ذات عرق لم تذكر في الحديثين المشهورين ، حديث ابن عباس وابن عمر . ويجاب عن أدلتهم : أولا ، أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يذكرها في الحديث ، ولكن ذكرها في الحديث الآخر ، فالنبي صلى الله عليه وسلم قد يذكر بعض الشيء في موضع ، ويكمله في موضع آخر ، وأما قولهم : لم يشتهر بين الناس ولم يعرف ، فهذا لا يمنع أن يكون الشيء غير معروف ومشتهر ويكون ثابتا عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وهناك سنن وأحكام كثيرة من هذا النوع ، فإنها تكون غير معروفة عند بعض الصحابة ، ويكون يعرفها البعض الآخر ، وهذا لا يؤثر على ثبوت الحكم ، ما دام أن الحكم قد ثبت بإسناد صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم. وأما أن عمر رضي الله عنه وقتها لهم ، وقال (انظروا إلى حذوها من طريقكم) فإما أن يقال : إن عمر رضي الله عنه ، لم يعلم بحديث عائشة رضي الله عنها ، ولا يمنع أن يكون المفضول أعلم من الفاضل في بعض القضايا ، فتكون عائشة رضي الله عنها ، وهي عالمة ، قد علمت علما لم يعلمه عمر في هذه القضية ، فأخبرت بما سمعت ، وروت ما علمت ، وعمر رضي الله عنه لم يبلغه هذا الشيء ، وإما أن يكون قد نسي ، وإذا كان عمر قد رأى أن ذات عرق هي المحاذية لهم ، فهذا من توفيق الله لعمر رضي الله عنه ، إن كان لا يعلم ، ومن إصابة عمر ، وعمر معروف بموافقته للقرآن والسنة . الراجح : أن الذي وقت ذات عرق هو النبي صلى الله عليه وسلم ، خاصة أن حديث عائشة ، حديث صحيح وثابت ، صححه طائفة من أهل العلم ، والثمرة المترتبة على الخلاف أنه إذا كانت عن الرسول صلى الله عليه وسلم ، فهي سنة ، أما إذا كانت عن عمر رضي الله عنه ، فهي قول صحابي ، وقول الصحابي هنا لم يعارضه قول صحابي آخر ، فيؤخذ به ويعمل به ، وقد عملت به الأمة . قال المؤلف رحمه الله : وهي لأهلِها ولمَنْ مَرَّ عليها من غيرِهم . قوله : (لأهلها) : أي الذين وقتت لهم ، فلأهل المدينة ذو الحليفة ، ولأهل الشام الجحفة ، ولأهل نجد قرن المنازل ، ولأهل العراق ذات عرق ، ولأهل اليمن يلملم ، وكذا هي لمن أتى عليها من غير أهلها ، ممن أراد الحج والعمرة ، فإذا جاء شخص عن طريق ذي الحليفة وهو من أهل نجد ، فإنه يحرم من ذي الحليفة ، وإذا جاء الشامي من طريق المدينة ، أحرم من ذي الحليفة ، ولا يحرم من الجحفة
عدد الصفحات ٣٠ها ، ممن أراد الحج والعمرة ، فإذا جاء شخص عن طريق ذي الحليفة وهو من أهل نجد ، فإنه يحرم من ذي الحليفة ، وإذا جاء الشامي من طريق المدينة ، أحرم من ذي الحليفة ، ولا يحرم من الجحفة ، وإذا جاء العراقي من اليمن أحرم من يلملم ، دل عليه حديث ابن عباس رضي الله عنهما [هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ، ممن أراد الحج والعمرة]
عدد الصفحات ٣٠مختصركتاب المناسك فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 31 تجاوز الميقات : هل يجوز للإنسان أن يتجاوز الميقات الذي مر عليه ، ليذهب إلى ميقاته الأصلي ، كالشامي الذي جاء عن طريق المدينة ، فهل له أن يؤخر الإحرام إلى الجحفة ، ولا يحرم من ذي الحليفة ؟ ظاهر كلام المؤلف ، وهو ظاهر مراد : ليس له أن يؤخر ، فالمؤلف يقول (وهي لأهلها ومن مر عليها) فمن مر عليها يلزمه أن يحرم منها ، ولو كان ميقاته أمامها ، فإذا جاء الشامي من طريق المدينة ، ليس له أن يؤخر الإحرام إلى الجحفة (ميقاته الأصلي) هذا ظاهر كلام المؤلف رحمه الله ، وهذه المسألة محل خلاف على قولين : القول الأول : أن من مر بغير ميقاته فليس له أن يؤخر حتى يحرم من ميقاته ، كالشامي إذا مر من ذي الحليفة ، فليس له أن يؤخر حتى يحرم من الجحفة ، و إليه ذهب الشافعية ، والحنابلة ، وهو رأي إسحق رحمهم الله . أدلتهم : الدليل الأول : حديث ابن عباس [هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن أراد الحج والعمرة]والحديث جاء مطلقا غير مقيد ، فلم يقيد بما إذا كان ميقاته بعد ، لم يأت في الحديث : إلا إذا أراد أن يمر منهن ، ثم يحرم من ميقاته الأصلي ، فلم يقيد الحديث ، فيبقى الحديث على إطلاقه . الدليل الثاني : لأنه ميقات فلم يجز تجاوزه بغير إحرام لمن يريد النسك كسائر المواقيت . القول الثاني : أن من مر بغير ميقاته فله أن يؤخر ، حتى يحرم من ميقاته الأصلي ، و إليه ذهب الحنفية ، لكنهم يرون أن الأفضل الإحرام من الميقات الذي مر عليه ، إذا مر الشامي من ذي الحليفة فالأفضل عندهم أن يحرم منه ، لكن إذا أخر لم يكره التأخير ، ولم يقيدوه في الأصح أن يكون الميقات الثاني ميقاتا له ، فلو مر النجدي من المدينة ، فله أن يحرم من الجحفة ، على رأي الحنفية ، لكن غيرهم يقيد بما إذا كان ميقاتا له ، وهو مذهب المالكية ، و رأي عطاء ، وأبي ثور ، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية . أدلتهم : الدليل الأول : حديث ابن عباس وابن عمر وعائشة ، أن النبي صلى الله عليه وسلم وقت لهم هذه المواقيت ، فيحرمون من ميقاتهم الذي وقته النبي صلى الله عليه وسلم لهم ، فإذا أحرم من الميقات الذي وقت له ، كان حينئذ قد جاء بما أمر به ؛ لأن الشامي مثلا ميقاته الجحفة ، فإذا أخر وأحرم منه ، يكون قد امتثل الأمر في قول النبي صلى الله عليه وسلم ، في حديث ابن عمر [يهل أهل الشام من الجحفة] . ونوقش : بأن هذا التوقيت مخصوص بما إذا لم يمر الإنسان من ميقات آخر ، فقد جاء في الحديث الآخر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : [هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن أراد الحج والعمرة]فيجب أن يحرم من الميقات الذي يمر به أولا . الدليل الثاني : أن المقصود بالإحرام تعظيم الحرم وتعظيم البقعة ، وهذا حاصل بالإحرام من أي ميقات ، فإذا أحرم النجدي من ذي الحليفة أو أحرم من الجحفة ، أو أحرم الشامي من الجحفة وترك الإحرام من ذي الحليفة ، فهذه العلة حاصلة ، وهي تعظيم الحرم بالإحرام من ميقات ، وإذا كان التعظيم حاصلا جاز أن يؤخر فيحرم من ميقاته الأصلي . ويناقش : بأنه تعليل في مقابل النص ، النص قد جاء بالأمر بالإحرام من الميقات الذي يمر به الإنسان ، ولو لم يكن له ميقاتا في الأصل ، فإذا مر بالميقات فهو مأمور بأن يحرم ، سواء كان الميقات ميقاتا له أو ليس ميقاتا له ، وهو إذا تجاوز الميقات ولم يحرم كان عاصيا ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال (هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن أراد الحج والعمرة) ولم يقيد بما إذا كان سيذهب إلى ميقاته الأصلي . الراجح : هو القول الأول والله أعلم ، أنه لا يجوز أن يتجاوز الميقات ليحرم من ميقاته الأصلي ، بل إذا مر بميقات أحرم منه ، كالشامي ، إذا مر
عدد الصفحات ٣١بما إذا كان سيذهب إلى ميقاته الأصلي . الراجح : هو القول الأول والله أعلم ، أنه لا يجوز أن يتجاوز الميقات ليحرم من ميقاته الأصلي ، بل إذا مر بميقات أحرم منه ، كالشامي ، إذا مر بذي الحليفة لم يجز له التأخير حتى يحرم من الجحفة ، وذلك لوضوح النص في ذلك . مسألة :
عدد الصفحات ٣١مختصركتاب المناسك فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 32 قوله : (وهي لأهلها ولمن مر عليها من غيرهم) : مفهوم كلام المؤلف أنه لا يجوز للإنسان أن يتجاوز الميقات بلا إحرام إذا كان مريدا للنسك ، وهذا أمر متفق عليه ، فإذا تجاوزه ، وأحرم من دون الميقات فهو آثم ، ولا خلاف أنه مأمور بأن يحرم من الميقات ، دل عليه حديث ابن عباس و ابن عمر وعائشة ، لكن إذا تجاوز الميقات ورجع ، فهل يلزمه دم أم لا ؟ هذا لا يخلو من ثلاثة أمور : الأمر الأول : أن يتجاوز الميقات ثم يندم ويرجع ويحرم من الميقات . الأمر الثاني : أن يتجاوز الميقات ويحرم ، ثم يرجع . الأمر الثالث : أن يحرم من دون الميقات ويذهب . أما إذا تجاوز الميقات ثم رجع ، وأحرم من الميقات ، ففيه خلاف على قولين : القول الأول : أن مريد النسك إذا تجاوز الميقات ثم رجع إلى الميقات وأحرم منه ، فإنه لا شيء عليه ، و إليه ذهب جمهور أهل العلم رحمة الله عليهم ، فهو مذهب الحنفية ، وبعض المالكية ، والشافعية ، والحنابلة . دليلهم : قول النبي صلى الله عليه وسلم [هن لهن]وهو قد أحرم من الميقات الذي مر به ، فلم يلزمه شيء ، فكان كم لم يتجاوز الميقات في الأصل . القول الثاني : أن من تجاوز الميقات ثم رجع وأحرم من الميقات عليه دم ، و إليه ذهب المالكية رحمهم الله . دليلهم : أثر ابن عباس (من نسي من نسكه شيئا أو تركه ، فليهرق دما) أخرجه الإمام مالك رحمه الله ، وصححه النووي ، والألباني ، صححوه موقوفا ، أما المرفوع فلا يصح ، وهو روي بالرفع والوقف . ويناقش : بأن ظاهر الأثر أنه فيمن نسي الشيء وتركه ولم يعد إليه ، أو تركه متعمدا ، وهذا المريد للنسك لم ينس شيئا ، جاوز الميقات إما خطأ أو نسيانا ، لكنه لم يفعل شيئا من النسك ولم يترك شيئا ، ما ترك شيئا من أنساكه ، رجع إلى الميقات وأحرم ، ونزل إلى مكة ، فلا شيء عليه ، ولا يصدق عليه الأثر أبدا ، هذا الأثر يصدق على إنسان نسي شيئا من النسك ، وهذا لم ينس شيئا . الراجح : هو القول الأول والله أعلم ، وأن من تجاوز الميقات ثم ذكر أو ذكر ، أو ندم وتاب إذا كان متعمدا ، وأحرم من الميقات ، فلا شيء عليه . أما إذا تجاوز الميقات ثم أحرم من دونه ، لكن رجع إلى الميقات ، رجع محرما ، ثم ذهب إلى مكة ، فهل عليه شيء أو لا ؟ المسألة اختلف فيها العلماء على أقوال : القول الأول : أن من تجاوز الميقات فأحرم ، فعليه دم ، ولو رجع إلى الميقات ، إليه ذهب المالكية ، وهو المذهب عند الحنابلة ، و رأي ابن المبارك . أدلتهم : الدليل الأول : أثر ابن عباس السابق (من نسي من نسكه شيئا أو تركه فليهرق دمه) وهذا الإنسان نسي أو ترك ، فإن كان ناسيا فعليه دم ، وإن تركه متعمدا فعليه دم أيضا . الدليل الثاني : أنه أحرم من دون الميقات ، فاستقر الدم في ذمته ، كما لو لم يرجع ، فالدم قد استقر ، ورجوعه لا فائدة منه . القول الثاني : أن من تجاوز الميقات ثم أحرم من دونه ، فإن رجع إلى الميقات فلا دم عليه ، إلا أن يكون قد تلبس بشيء من أفعال الحج والعمرة ، التلبس مثل : الطواف ، أو الوقوف بعرفة ، و إليه ذهب الشافعية في الأصح ، وهو رأي الثوري ، وأبي يوسف ، وأبي ثور . دليلهم : أنه صدق عليه أنه أحرم في الميقات قبل التلبس بأفعال الحج ، فلم يلزمه شيء ، كما لو أحرم من الميقات . القول الثالث : أن من أحرم من دون الميقات ، ثم رجع إلى الميقات ولبى ، فلا دم عليه ، يرون أنه يرجع ويلبي ، وهذا رأي الحنفية رحمهم الله .
عدد الصفحات ٣٢مختصركتاب المناسك فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 33 دليلهم : أن الفائت بالمجاوزة هو التلبية ، فلا يقع إدراك الفائت إلا بإعادة التلبية مرة أخرى . القول الرابع : أن من تجاوز الميقات فأحرم فلا شيء عليه مطلقا ، وهذا رأي الحسن ، وعطاء ، والنخعي . دليلهم : عدم ورود الأمر من النبي صلى الله عليه وسلم ، بإيجاب الدم عليه ، فالأصل العدم . القول الخامس : أن من تجاوز الميقات فأحرم لم يصح نسكه ، و إليه ذهب سعيد بن جبير ، وهو اختيار ابن حزم رحمه الله ، جعلوا الإحرام من الميقات كأنه ركن ، مع أنه لو ترك حتى الأركان فحجه لا يبطل ، إما يتحلل بعمرة إذا فاته الوقوف بعرفة مثلا ، وإذا ترك شيئا من الأركان فإما أن يستطيع الإتيان به فيبقى على إحرامه حتى يأتي به ، وإما أن يكون محصراً ، ويخرج منه بطريقة الإحصار وما يترتب عليها ، كما سيأتي . الراجح : هو القول الأول ، لكن الأقوال الأخرى لبعضها وجاهة ، وكان شيخنا رحمه الله يقول لنا : إذا سئل الواحد منكم عن مثل هذه المسألة ، فليقل : العلماء والفقهاء يقولون : عليه دم ، وبهذا يخرج الإنسان من التبعة ، أنت أسندت الأمر إلى أهل العلم رحمة الله عليهم ، لأن هناك في الوقت الحاضر من بدأ يدندن في قضية عدم وجوب الدم ، وأنه لا دليل عليه ، لا يجب الدم في المسألة الفلانية ولا المسألة الفلانية ... الخ ، ويرون أنه لا توجد أدلة ، كما قال الحسن وعطاء والنخعي ، فيقولون : لا دم عليه ، ويطردون هذا في مسائل كثيرة ، وأنه لم يأت نص بإيجاب الدم في هذه المسائل ، في المقابل : هناك من يتشدد جدا في قضية الدم ، ويقول : يجب الدم في ترك كل واجب ، ويأخذون بما قال الفقهاء ، ويطردونه على كل مسألة ، ويأتي بعض الناس في الوسط ، فلا يتشدد ولا يفرط ، وهذا رأي شيخنا رحمه الله ، ويقول : إيجاب الدم على من ترك شيئا من واجبات الحج يدخل في باب السياسة الشرعية ، حتى يلتزم الناس بالمناسك ويعظمونها ، الناس إذا عرفوا أن وراءهم دماء التزموا بمناسكهم ، وعدم ترك أي واجب من واجباته ، وأما إذا قيل : لا يجب عليك شيء بترك الواجب في النسك ، ربما أدى إلى أن بعض المتساهلين يترك طائفة من الواجبات ، فلا يحلق ، ولا يبيت في منى ، ولا في مزدلفة ، ويقول : أتوب إلى الله وأستغفره ، فيتساهل الناس بالأنساك ، وهذه ليس فتوى جديدة ، بل هو كلام أهل العلم من التابعين ومن بعدهم ، وأثر ابن عباس رضي الله عنهما يدل على ذلك ، فهو حكم من الصحابة ومن جاء من بعدهم من التابعين ، فيؤخذ بقولهم هذا ، وإن كان من الصحابة والتابعين من خالف في هذه المسألة كان في الأمر نوع سعة ، لكن لو جاءك سائل وقال : أنا عندي خمسة عشر شخصا ، تجاوزنا الميقات أنا وأولادي ، جهلا منا أو نسيانا ، وأحرمنا من دون ميقات ، والذبيحة الآن بك 1200 ، فسيجب عليهم حوالي 18000 من يستطيع أن يأتي بهذا ؟ وهو فقير لا يملك ، وإن كان متوسط الحال فمن أين له هذا ؟ هنا قد يقال بالتفريق ، يقال : إذا كنت تستطيع أن تريق دما وتوزعه على الفقراء في مكة فهذا أبرأ للذمة ، وقد قال العلماء بهذا ، وإن كان فقيرا لا يستطيع فلا دليل على إلزامه بثمانية عشر ألف ريال عليه وعلى أولاده . مسألة : قول المؤلف (وهي لأهلها ولمن مر عليها) ظاهر كلامه أن كل من مر بالميقات لزمه أن يحرم ، وهذا الظاهر مراد في شيء ، وغير مراد في شيء آخر ، هو ليس مرادا فيمن مر بالميقات لا يريد الحرم ، كمن مر بميقات ذي الحليفة يريد جدة مثلا ، هنا لا يلزمه أن يحرم من الميقات على كلام المؤلف ؛ لأنه لم يرد دخول الحرم ، أما إذا مر الإنسان من الميقات وهو يريد النسك فهو داخل في كلام المؤلف ، وهو
عدد الصفحات ٣٣ذي الحليفة يريد جدة مثلا ، هنا لا يلزمه أن يحرم من الميقات على كلام المؤلف ؛ لأنه لم يرد دخول الحرم ، أما إذا مر الإنسان من الميقات وهو يريد النسك فهو داخل في كلام المؤلف ، وهو مراد له ، وإذا مر بالميقات وهو يريد الحرم ، لكنه لا يريد نسكا ، فالمذهب أنه يلزمه الإحرام من الميقات ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (هن لهن ولمن أتى عليهن) لكنهم استثنوا من تكرر دخوله ، كالحطابين ، والجمالين ، أو دخل لقتال مباح أو خوف ، القتال المباح : كما دخل النبي صلى الله عليه وسلم ، مكة ، وعلى رأسه المغفر ، وفي بعض الألفاظ : وعلى رأسه عمامة سوداء ، وهذا يدل على أنه لم يكن محرما ، صلى الله عليه وسلم ، وهذه المسألة محل خلاف على قولين : القول الأول : أن من مر الميقات يريد الحرم لم يجز له أن يتجاوزه حتى يحرم ، وإليه ذهب الحنفية ، والمالكية والحنابلة. أدلتهم :
عدد الصفحات ٣٣مختصركتاب المناسك فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 34 الدليل الأول : أثر عن ابن عباس (لا يدخل إنسان مكة إلا محرماً ، إلا الجمالين والحطابين وأهل منافعها) أخرجه ابن أبي شيبة ، وفي سنده رجل ضعفه أئمة الجرح ، فهو ضعيف ، وهناك أثر آخر عن عطاء عن ابن عباس (ما يدخل مكة أحد من أهلها ولا من غير أهلها إلا بإحرام) أخرجه عبد الرزاق رحمه الله في مصنفه ، والبيهقي ، وابن أبي شيبة ، وجود إسناده الحافظ ابن حجر. ونوقش الاستدلال بهذا الأثر من وجهين : الوجه الأول : أن مقصود ابن عباس : من أراد النسك . الوجه الثاني : أنه قد خالفه ابن عمر (أنه دخل مكة من غير إحرام) أخرجه الإمام البخاري معلقا بصيغة الجزم ، فهذا فعل صحابي تعارض مع قول صحابي آخر ، وإذا تعارضت أقوال الصحابة طلب المرجح بينها . الدليل الثاني : أن المراد بالإحرام من الميقات تعظيم هذه البقعة ، معنى ذلك أنه يستوي فيه من أراد الحج والعمرة ومن لم يردهما ، فيحرم مطلقا ليدخل البقعة معظما لها بإحرامه قبل أن يصلها ، وبإحرامه حال دخوله فيها القول الثاني : أن من مر بالميقات يريد الحرم ، لا يلزمه الإحرام إلا إذا أراد النسك ، أو لم يحج ولم يعتمر من قبل ، و إليه ذهب الشافعية رحمهم الله ، والحنابلة في رواية اختارها شيخنا وغيره . أدلتهم : الدليل الأول : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الصحيح [إن الله كتب عليكم الحج فحجوا ، فقال رجل : أفي كل عام يا رسول الله ؟ قال : لو قلت : نعم ، لوجبت ولما استطعتم]فالحج يجب مرة واحدة ، والقول بأنه ملزم بالإحرام كلما أراد دخول مكة في وقت الحج ، معناه أنه سيلزمه الحج أكثر من مرة ، وهذا خلاف ما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم . الدليل الثاني : قوله صلى الله عليه وسلم [هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ، ممن أراد الحج والعمرة]فقيد الإحرام من الميقات بمريد الحج والعمرة . الراجح : هو القول الثاني ، أنه لا يلزم كل من مر بالميقات أن يحرم ، إلا في صورتين : الصورة الأولى : إذا كان لم يحج ولم يعتمر ، وهو وفي وقت حج مثلا ، أو لم يعتمر ووقت العمرة متسع . الصورة الثانية : إذا كان مريدا للحج والعمرة ، ففي هاتين الصورتين يلزمه ، وأما في سواهما فلا يلزمه ، والأصل براءة الذمة وعدم التكليف والله أعلم . من أين يحرم المكي : قال المؤلف رحمه الله : ومَن حَجَّ من أهلِ مَكَّةَ فمنها . المكي له حالان : الحال الأولى : أن يأتي من خارج المواقيت ، فإذا أراد الحج والعمرة لزمه أن يحرم من الميقات كغيره . الحال الثانية : أن يكون في مكة ، أو كان غير المكي في مكة ، كمن جاء لعمل أو كان مقيما فيها ، فإذا أراد العمرة فإنه يخرج إلى الحل ويعتمر منه ، أما بالنسبة للحج فإنهم جميعا يحرمون من مكة ، وذلك للحديث [حتى أهل مكة من مكة]وحديث ابن عباس [وكذلك أهل مكة يهلون منها]متفق عليه ، وحديث جابر(أمرنا النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن نحرم ، فأهللنا من الأبطح) أخرجه الإمام مسلم . من كان دون الميقات من أين يحرم ؟ . يحرم من حيث أنشأ ، فيحرم من بلده الذي هو فيه ، والذين دون الميقات مثل : من كان في وادي فاطمة ، أو في عسفان ، أو خليص ، أو مستورة ، أو جدة ، أو حدة ، أو بَحْرة ، أو الشرائع ، يحرمون من محلهم ، وقد ذكر بعضهم أن الحنفية يقولون : من كان دون
عدد الصفحات ٣٤مختصركتاب المناسك فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 35 المواقيت فإنه يحرم من موضعه الذي هو فيه إلى الحرم ، لكنه لا يدخل الحرم إلا بإحرام ، ولكن ما يدل عليه النص أنه يحرم من مكانه الذي هو فيه [ومن كان دونهن فمن حيث أنشأ ، حتى أهل مكة من مكة] وعليه فإنه يحرم من البلد الذي هو فيه ، فيكون البلد كله موضعا للإحرام ، هذا كلام عامة أهل العلم رحمة الله عليهم ، وقد ذكر الخلوتي وغيره تفصيلا : أنه إذا كان في البلد ، أحرم منه - لنفرض أنه في جدة مثلا ، فيحرم من جدة ، فإن أحرم بعد جدة إلى مكة فإنه يكون متجاوزا للميقات فعليه دم - وإن أحرم من الجهة الأخرى قبل جدة ، كان كمن أحرم قبل الميقات . ومن أحرم دون الميقات (قبله) فإنه ينعقد إحرامه ، لكن يكون مكروها ، قال النووي رحمه الله : (من كان مسكنه بين مكة والميقات ، فميقاته موضعه بلا خلاف ... قال أصحابنا : فإذا كان في قرية بين مكة والميقات ، فالأفضل أن يحرم من الطرف الأبعد منها إلى مكة ، فإن أحرم من الطرف الأدنى إلى مكة جاز ، ولا دم عليه بلا خلاف) لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ) أي من حيث نوى العمرة أو الحج . من أين يعتمر : قال رحمه الله : وَعُمْرتُهُ مِنَ الحِلِّ . من كان في مكة ، سواء كان من أهلها أو كان قادما إلى مكة ، أدى العمرة ثم بقي فيها مدة ، ثم أراد أن يعتمر مرة أخرى ، أو جاء لشغل ، فانقضى شغله ، فأراد أن يعتمر ، فمن أين يعتمر ، هل يعتمر من مكة ؟ أم لا بد أن يخرج إلى الحل فيعتمر منه ؟ . عامة أهل العلم : بل حكي إجماعا ، أنه يخرج إلى الحل ويحرم من أي موضع كان في الحل ، لا يخص موضع دون موضع ،سواء من جهة مزدلفة أو عرفة أو الحديبية ، أو من جهة التنعيم ، وإنما كانوا يقولون : يخرج إلى التنعيم ، وفيه مسجد عائشة ؛ لأنه أقرب موضع إلى الحرم . أدلتهم : الدليل الأول : عن عائشة رضي الله عنها ، (أنها أهلت بعمرة فقدمت ولم تطف بالبيت حتى حاضت فنسكت المناسك كلها وقد أهلت بالحج ، فقال لها النبي صلى الله عليه و سلم يوم النفر : [يسعك طوافك لحجك وعمرتك]فأبت ، فبعث بها مع عبدالرحمن إلى التنعيم فاعتمرت بعد الحج). متفق عليه ، وبعثها إلى التنعيم يدل على أنه يجب أن يحرم المكي ومن كان في مكة من الحل ، فإن قال قائل : لماذا يجب ؟ فالجواب : أن النبي صلى الله عليه وسلم ، ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ، ما لم يكن إثما ، وكون النبي صلى الله عليه وسلم ، يأمر عائشة أن تخرج إلى الحل ، وتعتمر منه ، وتهل بالعمرة في الحل ، دليل على أنه يجب على من كان في مكة أن يخرج إلى الحل ، وقدُّر الحال ، هؤلاء قوم سوف يمضون ويسافرون ، وهم على أهبة الاستعداد ، والنبي صلى الله عليه وسلم معه أُمُّة ، معه خلق ، يريدون أن يطوفوا طواف الوداع ويخرجوا ، والمرأة تريد أن تعتمر ، فيبعث بها النبي صلى الله عليه وسلم إلى التنعيم ، ثم تعود ، ولو كان الإحرام من مكة جائزا ، لقال لها النبي صلى الله عليه وسلم : أهلي من ههنا واعتمري ، لكنه أمرها بالذهاب إلى التنعيم مع أنه سيأخذ وقتا على جمل أو على حمار ، فدل على أن الإحرام من الحل واجب ، وليس مستحبا . نوقش : قالوا : إن النبي صلى الله عليه وسلم ، إنما فعل هذا من باب تطييب خاطر عائشة رضي الله عنها ؛ لأن صاحباتها قد جئن محرماتٍ من خارج مكة ، وهي تريد أن تكون مثلهن ، فالجواب أن يقال : عائشة مثلهن ؛ لأن عائشة قد قدمت محرمة أولا ، كما أنهن قدمن محرمات ، نعم هن محرمات بالعمرة ، وأما عائشة فكانت محرمة بالحج ، فلا فرق بينها وبينهن ، وهن أحرمن بالحج من مكة ، فسيحصل التساوي بينها وبينهن - وهذا جواب بعيد - التساوي سيحصل بينها وبينهن ، لكن أن تخرج عائشة ، وتأتي بعمرة من
عدد الصفحات ٣٥كانت محرمة بالحج ، فلا فرق بينها وبينهن ، وهن أحرمن بالحج من مكة ، فسيحصل التساوي بينها وبينهن - وهذا جواب بعيد - التساوي سيحصل بينها وبينهن ، لكن أن تخرج عائشة ، وتأتي بعمرة من التنعيم ، هي قد زادت عليهن ، حيث دخلت مكة محرمة في الحالين ، ثم إن خلافنا ليس في عمرتها وإنما في خروجها الى التنعيم. الدليل الثاني : عن ابن عباس رضي الله عنهما ، قال : (يا أهل مكة من أراد منكم العمرة ، فليجعل بينه وبينها بطن وادي محسُّر ) وهذا دليل على أنه سيخرج إلى الحل ويعود مرة أخرى .
عدد الصفحات ٣٥مختصركتاب المناسك فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 36 القول الثاني : أنه يجوز للمكي ومن كان في مكة أن يحرم بالعمرة من مكة ، وهذا ظاهر صنيع الإمام البخاري وترجمته في صحيحه ، وهو اختيار ابن القيم ، ورأي الصنعاني وبعض أهل العلم رحمهم الله . دليلهم : حديث ابن عباس والأدلة السابقة [حتى أهل مكة من مكة[ ]وأهل مكة يهلون من مكة]قالوا : هذه أحاديث عامة شاملة للحج والعمرة . ونوقش : بأنها أحاديث عامة ، مخصوصة بحديث عائشة رضي الله عنها ، الذي فيه الأمر بخروجها إلى التنعيم ، والإهلال منه . الراجح : هو القول الأول والله أعلم ، أنه إذا أراد أن يعتمر فلا بد أن يخرج إلى الحل ويعتمر منه . إذا أحرم المكي من الحرم : على القول بوجوب الإحرام من الحل ، لو أن المكي أحرم من الحرم ، ولم يحرم من الحل ، فما حكم إحرامه وعمرته؟ . اختلف العلماء في ذلك على قولين : القول الأول : أن عمرته صحيحة ، وإحرامه مجزئ ، وعليه دم ، و إليه ذهب الحنفية ، والشافعية في القول الأصح ، وهو مذهب الحنابلة ، واختيار أبي ثور ، وابن المنذر . دليلهم : أنه قد أتى بالأركان والواجبات ، لكنه ترك واجبا فعليه دم ، وعمرته منعقدة ؛ لأنه قد نوى فيها ولبى . القول الثاني : أن عمرته غير صحيحة ، وإحرامه غير منعقد ، إليه ذهب الشافعية في قول ، والحنابلة في قول دليلهم : أن من شرط العمرة الجمع بين الحل والحرم ، وهو لم يجمع بينهما ، فتكون عمرته غير صحيحة . لكن هذا القول لا شك أنه ضعيف ؛ لأن هذا الإنسان قد أتى بالأركان والواجبات ، وترك واجبا من واجبات العمرة ، فتكون عمرته منعقدة ، وإحرامه صحيح ، وعليه دم لترك هذا الواجب ، وهو الراجح . حكم الإحرام قبل الميقات المكاني : لو كان مسافرا بالطائرة مثلا ، فأحرم من مطار القصيم أو الرياض ، أو أحرم من الطائف قبل أن يصل إلى الميقات (السيل) أو كان في المدينة فأحرم من المدينة نفسها ، قبل أن يصلى إلى ذي الحليفة ، وليس المراد بالإحرام لبس ملابس الإحرام ، إنما نية الدخول في النسك ، أي إنه نوى الدخول في النسك قبل أن يصل إلى الميقات فما الحكم؟. الجواب : أن يقال : الإحرام قبل الميقات المكاني صحيح ، بل قد حكي الإجماع عليه ، ولم يخالف فيه إلا داود الظاهري ، وقوله شاذ ومخالف للإجماع المنعقد، وإحرامه في هذه الحال صحيح منعقد ، لكنه مكروه ، وذكروا مجموعة من الأدلة ، مثل قوله تعالى {وَأَتِمُُّوا الْحَجَُّ وَالْعُمْرَةَ لِلَُّهِ} نقل عن عمر وعن علي (أن من إتمامهما الإحرام بهما من دويرة أهله) أخرجه الإمام مالك ، و الإمام الشافعي ، والحاكم وذكروا أثرا آخر (أن ابن عمر رضي الله عنهما ، أحرم من إيليا) أي من بيت المقدس ، أخرجه الإمام مالك ، والإمام الشافعي ، والبيهقي . وكذلك دل عليه الإجماع ، وقد حكاه ابن المنذر وابن قدامة . أفضلية الإحرام قبل الميقات أو بعده : اختلفوا في ذلك على قولين : القول الأول : أن الأفضل أن يحرم الإنسان من الميقات المكاني ، فلا يقدم إحرامه على الميقات ، و إليه ذهب طائفة من أهل العلم ، مثل عمر ، وعثمان ، والحسن ، وعطاء ، واسحاق ، وهو مذهب المالكية ، والشافعية ، والحنابلة ، عامة أهل العلم ، فإن تقدم ففعله مكروه .
عدد الصفحات ٣٦مختصركتاب المناسك فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 37 أدلتهم : الدليل الأول: أن النبي صلى الله عليه وسلم ، أحرم من ذي الحليفة ، وقد قال [خذوا عني مناسككم]و يقدم الإحرام . الدليل الثاني : أن الصحابة والتابعين قد تتابعوا بعد ذلك على الإحرام من ذي الحليفة ، مع أنهم يتركون ما هو أفضل من ذي الحليفة ، وهو الحرم النبوي ، ويحرمون من ذي الحليفة ، والحرم النبوي ليس بينه وبين الميقات إلا عشرة كيلو مترات أو أحد عشر تقريبا ، فكونهم يتركون البقعة المباركة الفاضلة ، ويحرمون من ذي الحليفة دليل على أن الأفضل أن يحرم من الميقات ، وألا يقدم إحرامه قبل ذلك . القول الثاني : أن الإحرام دون المواقيت أفضل ، وبعضهم يعبر بالجواز ، واختلفوا فيما بينهم ، فمنهم من يقول : يحرم من منزله ، وهذا منقول عن عمر ، وعلي ، و ابن عمر ، أما عن عمر ، و علي ، فهو في تفسير الآية {وَأَتِمُُّوا الْحَجَُّ وَالْعُمْرَةَ لِلَُّهِ} قا : إن من إتمامها أن يحرم من دويرة أهله ، ومنهم من قال : يحرم من بلده ، و إليه ذهب الإمام أبو حنيفة ، وهو أحد قولي الشافعية . أدلتهم : الدليل الأول : عن أم سلمة رضي الله عنها ، أنها قالت : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : [من أهل بحجة أو عمرة من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام ، غُفر له ما تقدم من ذنبه أو وجبت له الجنة] أخرجه الإمام أحمد ، وأبو داود ، وهو حديث ضعيف ، في إسناده محمد بن إسحاق ، قال النووي : (إسناده ليس بالقوي) . الدليل الثاني : أثر ابن عمر ، حين أحرم من إيليا . وأجاب النووي عن الأثر المروي عن عمر و علي وعن ابن عمر بالإحرام قبل ذلك ، بأنه مخالف للنص ، ومخالف لفعل النبي صلى الله عليه وسلم ، ومخالف لأقوال الصحابة الثابتة عنهم ، وإذا اختلف قول صحابي مع قول صحابي آخر ، طلب الترجيح بينهما ، والمرجح موجود ، وهو فعل النبي صلى الله عليه وسلم ، مع وجود ما يقتضي الإحرام من قبل لو كان الإحرام من قبل مشروعا . الراجح : هو القول الأول والله أعلم ، أن الإحرام من المواقيت هو الأفضل ، وإلا لما كان لتحديدها وتوقيتها فائدة ، والإنسان إذا أحرم قبلها ، قد يعرض له ما يحتاج معه إلى فسخ الإحرام ، أو أن ينزع ملابس الإحرام عنه ، ولهذا يتعجل الإنسان قد كانت له فيه أناة وفسحة ومتسع ، فلا ينبغي له أن يضيق على نفسه بالإحرام ، قد تخرب سيارته ، قد يحدث له شغل ، قد تضيع نفقته ، قد يمرض معه مريض ، قد لا يستطيع الذهاب ، فيقال : معك الوقت حتى تأتي الميقات ، فإذا وصلت الميقات فأحرم . الإحرام عن طريق الطائرة : إذا حاذت الطائرة الميقات فإنه يتم الإعلان سنصل الميقات بعد نصف ساعة ، فيؤخر الإنسان الإحرام إلى نصف ساعة ثم يحرم ، وهم يقصدون أن نقطة الوصول إلى منطقة المحاذاة تكون بعد نصف ساعة ، ومن المعلوم أن الطائرة طائرة (سريعة) ومعنى هذا أنها ستتجاوز الميقات قبل أن يحرم الإنسان ، وقد لاحظت هذا كثيرا في حملات الحج ، ولهذا كان شيخنا رحمه الله يقول : ينبغي للإنسان إذا كان في الطائرة أن يحتاط ، فإذا قيل : الوصول إلى الميقات بعد نصف ساعة ، فليحرم قبل ذلك بربع ساعة ؛ لأن الطائرة سريعة ، وستتجاوز الميقات ، وقد يكون الطيار ما عنده تلك الدقة ، فيعلن إذا حاذى ، وهذا كثير في الحملات ، وقد كنت فيها أقول : احرموا قبل الميقات بربع ساعة ، لا مشكلة ؛ لأنا قد جربنا مرات ، أنا أحتاط لنفسي ومن معي وأخبرهم وأخبر الجميع ، لكن بعض الناس يقول : ننتظر الطيار حتى يعلن ، ثم يعلن ، وبعد ذلك بخمس دقائق يعلن الهبوط في مطار جدة ، معناه أنهم قد تجاوزوا الميقات ، وأحرموا بعد الميقات ، ويلزم الواحد منهم دم على رأي الفقهاء ، ولذا يحتاط الإنسان لنفسه ، فإذا قيل : مدة الرحلة ساعة وعشر دقائق من القصيم
عدد الصفحات ٣٧طار جدة ، معناه أنهم قد تجاوزوا الميقات ، وأحرموا بعد الميقات ، ويلزم الواحد منهم دم على رأي الفقهاء ، ولذا يحتاط الإنسان لنفسه ، فإذا قيل : مدة الرحلة ساعة وعشر دقائق من القصيم مثلا ، فينتظر الإنسان 25 دقيقة ، ثم يحرم بعد ذلك ، وينوي الدخول في الحج ، حتى يسلم بيقين ، ويفعل الواجب بيقين ، وتبرأ ذمته ، وليس هذا من التنطع ولا من الوسوسة ، وإنما هو من الاحتياط للعبادة .
عدد الصفحات ٣٧مختصركتاب المناسك فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 38 من ليس في طريقه ميقات : من أين يحرم من لم يكن في طريقه ميقات ؟ قالوا : يحرم عن مكة بمقدار مرحلتين ، وهي ثلاثون ميلا ، ويمثل له الفقهاء بأهل سواكن من السودان ، فإنهم إذا وصلوا إلى جدة أحرموا منها ؛ لأن ميقات يلملم يكون متأخرا ، وميقات الجحفة يكون متأخرا ، وجدة تكون متقدمة ، فإذا أحرموا من جدة يكونون قد أحرموا عن مكة بمقدار مرحلتين ، فيقولون : إذا لم يكن في طريقه ميقات ، وليس محاذيا لميقات ، فإنه يحرم عن مكة بمقدار مرحلتين ؛ لأن أقرب المواقيت هو عن مكة مرحلتين ، فأخذوا بالأقل ؛ لأنه لو أراد أن يؤخر حتى يصل إلى محاذاة يلملم ، أو إلى محاذاة الجحفة ، فإنه سيكون أقل من مرحلتين ، فيصل إلى جدة ، فيحرم منها . من ليس في طريقه ميقات ويحاذي ميقاتا : هذا إذا حاذى الميقات فإنه يحرم منه ، فإن حاذاه أكثر من ميقات ، عن يمينه وعن شماله ، فإنه يحرم إذا حاذى الميقات الأبعد عن مكة ، مثل : قرن المنازل ، وذات عرق ، فإن المسافة بين مكة وقرن المنازل وذات عرق قريبة ، لكن الذي في ذهني الآن أن ميقات قرن المنازل أقرب إلى مكة ، فإذا حاذى قرنا فإنه يحرم ، كذلك لو حاذى ميقات وادي محرم وقرن المنازل ، يحرم إذا حاذى قرن المنازل ؛ لأن وادي محرم أقرب إلى جهة مكة المراد بالمحاذاة : إذا تتبعت ما كتب الفقهاء رحمهم الله ، تجد أن بعضهم يعبر عن المحاذاة بالمسافة الزمنية ، وبعضهم كأنه يلمح إلى المسافة المكانية ، وبعضهم يعبر عن المحاذاة بالمسامتة ، أي أن تكون عن اليمين أو الشمال ، فتكون ثلاثة أقوال : القول الأول : المحاذاة هي المسامتة ، بأن يكون الميقات عن يمينه أو عن يساره ، وليس المراد عين الميقات ، بل جهة الميقات ومنطقته ، لأن تحديد العين صعب ، والمقصود الجهة ، وهذا ذكره ابن حجر الهيتمي ، وهو ظاهر كلام كثير من الفقهاء ، لمن تتبع نصوصهم . القول الثاني : ذهب بعض المعاصرين إلى أن المراد بالمحاذاة أن ينظر إلى أقرب المواقيت إليه ، ثم ينظر إلى المسافة التي بين هذا الميقات وبين مكة ، فإذا عرفت المسافة ، أحرم من قدرها . مثال : لو جاء الإنسان مما وراء ذات عرق ، وكانت ذات عرق عن يساره ، ينظر كم المسافة بين ذات عرق وبين مكة ، وهي مائة كيلو متر ، فإذا كانت المسافة بينه وبين مكة مائة كيلو متر أحرم ، ومثله : التحديد بالزمن ، فإذا كان بين الميقات وبين مكة مسيرة ثلاثة أيام ، وبينه هو وبين مكة ثلاثة أيام ، فإنه يحرم . القول الثالث : أن المحاذاة أن يمد خطا بين المواقيت ، ليشكل خماسي الأضلاع غير متساوي الأضلاع ، ثم يحرم إذا حاذاها ، إذا جاء هذا الخط الممتد أحرم ، الضلع الذي بين قرن وبين ذات عرق قصير ، والضلع الذي بين ذات عرق وبين ذي الحليفة طويل ، وبين الجحفة طويل لكنه أقل ، وإلى يلملم أقل منه ، ومن يلملم إلى قرن قصير ، وهلم جرا ، ومن حيث مر بهذه النقاط فإنه يعتبر محاذيا . الراجح : هو القول الأول ، وهو الأسهل ، وما أظن أن الفقهاء في الزمن الماضي كانوا ينظرون إلى أضلاع متساوية ، ولا قياس المسافة ثم الإحرام بقدرها ، وإلا لنقلوه ، لكن المراد بالمحاذاة المسامتة ، إذا أصبح الميقات عن يمينه هنا يحرم ، أو أصبح عن شماله فإنه يحرم ، وإذا كان عن يمينه ميقات وعن شماله ميقات ، أحرم من الأبعد من مكة ، هذا إذا كانت المواقيت أمامه ، لكن كان إذا قريبا جدا من الميقات فإنه ينظر إلى الأبعد ويحرم منه . هل جدة ميقات : عامة أهل العلم المعاصرين على أن جدة ليست ميقاتا ، ذهبت إليه اللجنة الدائمة ، وهيئة كبار العلماء ، وهو اختيار شيخنا ، وشيخه الشيخ عبد العزيز بن باز ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ، في حديث ابن عمر وحديث ابن عباس ، حدد المواقيت ، ولم يبين أن جدة ميقات .
عدد الصفحات ٣٨مختصركتاب المناسك فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 39 وذهب بعض العلماء المعاصرين ، وأظن أن أول من بدأ هذا القول هو الشيخ عبد الله بن زيد آل محمود القطري ، فإنه قد بعث عام 1399 في الشهر العاشر ، خطابا إلى الملك خالد بن عبد العزيز رحمه الله ، يطلب فيه أن تكون جدة ميقاتا ، وذكر بعض الأدلة ، ورفع خطابه إلى هيئة كبار العلماء ، وأصدرت قرارا بأن هذا الرأي خطأ ، وأنه لا يعتبر ، وتبعه بعض المعاصرين ، مثل الشيخ عدنان العرعور ، وله بحث في هذا ، وتتابع بعض الفقهاء عليه بعد ذلك ، وكتبوا في هذا الموضوع . دليلهم : أن جدة واقعة على الخط الممتد من الجحفة إلى يلملم ، ورسموا خطا ، وهذا دليل على أنها ميقات ، وقد أجاب بعضهم عن هذا الكلام بأن هذا الكلام غير دقيق ؛ لأن الخطوط التي استخدموها في الرسم وفي النظر غير دقيقة ، فقد أثبت جوجل إيرث والتقنيات الأخرى التي تحدد بوضوح ، أن جدة ليست على الخط الممتد من الجحفة إلى يلملم ، بل هي غرب الخط ، وذكر بعض الباحثين إشكالية أكبر ، وقال : إن الخط الممتد من الجحفة إلى يلملم ، يمر بمنطقة الحرم ، وبهذا لا يكون محاذاة ، المحاذاة إنما تكون خارج منطقة الحرم ، حتى تحاذي الميقات ، لكن الخط الممتد يدخل إلى منطقة الحرم ، فلا يمكن أن تكون هذه محاذاة . الراجح : هو القول الأول والله أعلم ، أن جدة ليست ميقاتا ، لأن لم يأت تحديدها في الأحاديث السابقة ، والنبي صلى الله عليه وسلم ، قد حدد مواقيت لبلدان لم تكن مفتوحة في زمانه ، صلى الله عليه وسلم ، وإذا لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يعلم ، فإن الله يعلم أن جدة ستكون محطة للحجاج ، كما في زمننا ، فإن كثيرا من الحجاج ، حوالي 90في المائة أو 80 في المائة عن طريق الجو ، كثير من الحجاج يأتون عن طريق الجو ، وغالب ما يكونون في جدة ، مطار عبد العزيز الدولي في مدينة الحجاج ، ينزلون فيه بأعداد ضخمة جدا ، فالله عز وجل يعلم هذا ، والذي بين لرسوله مواقيت بلدان لم تكن مفتوحة في عهده ، سيبين له هذا الأمر . هل العقيق ميقات : نحن ذكرنا ذات عرق ، تكلمنا عن ذات عرق ، وقلنا : إنها جبل يشرف على وادي العقيق ، عقيق عُشيرة ، والعلماء رحمهم الله اختلفوا هل العقيق ميقات أو ليس ميقاتا ؟ عامة أهل العلم على أن الميقات هو ذات عرق ، إما أن النبي صلى الله عليه وسلم حددها ، كما هو قول الجمهور ، أو أن عمر هو الذي حددها ووقتها ، كما قال بعض أهل العلم . وذهب بعض أهل العلم إلى أن العقيق ميقات ، فهو رأي أنس بن مالك رضي الله عنه ، وقد استحب الإمام الشافعي أن يُحرم منه ، وقال ابن المنذر (الإحرام من العقيق أفضل) .
عدد الصفحات ٣٩