أجنبيا ، فلا يجب عليه ، للمنة التي تحصل له . وذهب الإمام الشافعي رحمه الله ، إلى أنه إذا بذل له ولده ما يتمكن به من الحج ، فإنه يلزمه ؛ لأنه أمكنه الحج من غير منُّة تلزمه ، ولا ضرر يلحقه ، ويمكن أن يعبر فيقال : الجمهور ، الحنفية ، والمالكية ، والشافعية يستثنون الولد ، وهو مذهب أكثر الحنابلة ؛ لأنه لا منة عليه ولا ضرر ، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول [إن أطيب ما أكلتم من كسبكم . وإن أولادكم من كسبكم]وهذا الحديث أخرجه الخمسة إلا النسائي ، ويقول صلى الله عليه وسلم للرجل [أنت ومالك لأبيك]أخرجه الإمام أحمد ، وابن ماجه .
عدد الصفحات ١٥مختصركتاب المناسك فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 16 لكن ظواهر النصوص تفيد ألا فرق ، وأن الإنسان لا يصبح مستطيعا ببذل غيره له . قال رحمه الله : والنفَقَاتِ الشرعيةِ . لا يحج الإنسان إلا بعد أن تتوفر له النفقات الشرعية ، عليه وعلى أولاده ، والنفقة هي : كفاية من يمونه طعاما وشرابا وكسوة ومسكنا وتوابع ما سبق . قوله (الشرعية) : أي التي تبيحها الشريعة ، فلا يكون فيها إسراف ، أو لا حاجة له فيها ، فإن ما لا حاجة للإنسان إليه ، لا يعتبر نفقة شرعية ، وما زاد على حاجته ، فإنه يكون سرفا ، فلا يكون نفقة شرعية . إذن : إذا دار الأمر بين أن ينفق على نفسه وعياله ، وبين أن يحج ، يقال له : اجلس ، وأنفق على نفسك وعلى أولادك ، والحج متى ما يسر الله لك مالا تحج به ، الدليل على ذلك : الدليل الأول : حديث جابر رضي الله عنه ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال [ابدأ بنفسك فتصدق عليها ، فإن فضل شيء فلأهلك]أخرجه النسائي ، وصححه الألباني رحمة الله عليه . الدليل الثاني : وحديث مسلم [كفى بالمرء إثما أن يحبس عمن يملك قوتَه ] ضابط النفقات الشرعية : قد يقول قائل : إلى متى يكون عنده نفقة أولاده ؟ هل لمدة سنة أو عشر سنين أو عشرين سنة ، حتى يقال : هذا مستطيع للحج ؟ هذه المسألة مما وقع فيه خلاف بين أهل العلم رحمة الله عليهم . فقيل : أن يكون له إذا رجع ما يقوم بكفايته وكفاية أولاده على الدوام ، وهو الصحيح من المذهب . وقيل : المراد ما يكفيه ويكفي عائلته ، إلى أن يرجع من الحج ، وهو لبعض الأصحاب ، قاله الشيخ عبد الرحمن بن قاسم ، وقال شيخنا رحمه الله (لو أن قائلا قال : تقدر النفقة بالسنة ، كما قدروها في باب الزكاة ، أن الفقير من لا يجد كفايته سنة ، لم يكن بعيدا ، وعلى هذا لن نجد أحدا يستطيع الحج ، أما القول بأنه ما يكفيه ويكفي عائلته مدة ذهابه ورجوعه فله وجه ، فإذا رجع من الحج فالرزق عند الله عز وجل . قال رحمه الله : والحَوائجِ الأصليةِ . لا يجب عليه الحج حتى تتوفر لديه الحوائج ، ما يحتاجه حاجة أصلية ، وليست حاجة فرعية ، وهذان قسما الحاجة ، فمثلا : الإنسان يحتاج إلى الثياب حاجة أصلية ، ثلاثة أثواب أو أربعة ، ما زاد عليها فهي حاجة كمالية فرعية ، ويحتاج إلى مسكن متوسط ، وسيارة متوسطة وما زاد فهو من الكماليات ، التي لا يحتاج إليها ، والكتب لطالب العلم من الحوائج الأصلية وليست فرعية . ويبدأ بالأهم فالأهم ، ثم ما فضل ينفقه في الحج فمثلاً لو كان عنده أكثر من سيارة ، وهو يكتفي بواحدة ، فتباع السيارات الأخرى ، عنده مسكن فخم جدا ، ويكتفي بنصف هذا السكن ، فيبيع السكن ، ويشتري مسكنا يناسب حاله ومقامه ، والباقي يصرفه في الحج ، وكذا الزواج ، فإن الزواج من الحوائج الأصلية ، فيقدم الزواج على الحج ، تزوج أولا ، ثم إذا أغناك الله ، أو فضل لديك مبلغ من المال فحج به . متى تكون الإنابة في الحج : قال رحمه الله : وإن أعْجَزَهُ كِبَرٌ أو مَرَضٌ لا يُرْجَى بُرْؤُه لَزِمَه أن يُقيمَ مَن يَحُجُّ ويعتمر عنه . هذه مسائل النيابة ، وهي مسائل واسعة ، ولها حيز واسع في الفقه الإسلامي . قوله : (وإن أعجزه كبر أو مرض لا يرجى برؤه) : مفهومه إذا كان الإنسان قادرا على أن يحج ، وليس به عجز ، لم يجز له أن ينيب غيره عنه ، وهذا في الواجب لا إشكال فيه ، إذا كان الإنسان قادرا ، مستطيعا بماله وبدنه ، وأراد أن ينيب شخصا يحج عنه حجة الإسلام الواجبة عليه ، فإن هذا لا يصح ؛ لذا قال ابن قدامة رحمه الله (لا يجوز أن يستنيب في الحج الواجب من يقدر على الحج بنفسه إجماعا) .
عدد الصفحات ١٦مختصركتاب المناسك فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 17 فإن كان لا يستطيع أن يحج ببدنه ، لكنه يستطيع أن ينيب غيره بماله ، فهذا لا يخلو من أمرين : الأمر الأول : أن تكون الحجة واجبة عليه ، وهو حي . فهذه المسألة اختلف فيها العلماء رحمهم الله على قولين : القول الأول : أن من لم يستطع الحج لعجزه ، أو لمرضه ، فله أن ينيب غيره بماله ، إليه ذهب الحنفية ، والشافعية ، والحنابلة ، وهو مروي عن طائفة من الصحابة والسلف ، فهو رأي علي ، وابن عباس ، وعطاء ، وطاوس ، وغيرهم ، بل يرون وجوب الإنابة في هذه الحال . أدلتهم : الدليل الأول : عن ابن عباس رضي الله عنه : (أن امرأة من خثعم ، أتت النبي صلى الله عليه وسلم ، وقالت [يا رسول الله ، إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخا كبيرا ، لا يثبت على راحلة ، أفأحج عنه ؟ قال : نعم]متفق عليه ، ففيه دليل على جواز الإنابة في الحج لمن كان قادرا بماله عاجزا ببدنه . الدليل الثاني : عن أبي رزين العقيلي رضي الله عنه ، أنه أتى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فقال : (يا رسول الله إن أبي شيخ كبير لا يستطيع الحج ولا العمرة والظعن ، قال [ :حج عن أبيك واعتمر] .)أخرجه الخمسة ، وصححه الإمام أحمد ، فدل على جواز النيابة في الحج لمن كان عاجزا عنه قادرا بماله . القول الثاني : أن من لم يستطع الحج لعجزه أو لمرضه ، فلا يحج عنه أحد ، إلا إذا كان ميتا ولم يحج حجة الإسلام ، ذهب إليه الليث ، والحسن بن صالح ، وهو رأي الإمام مالك رحمهم الله . أدلتهم : الدليل الأول : قول الله تبارك وتعالى (وَلِلَُّهِ عَلَى النَُّاسِ حِجُُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ) وهذا الإنسان غير مستطيع ، والاستطاعة عند المالكية : إمكانية الوصول إلى مكة والمشاعر بمشقة غير زائدة عن مشقة السفر المعتادة ، مع الأمن على النفس والمال ، وهو الآن لا يستطيع أن يصل المشاعر المقدسة ؛ لأنه كبير أو مريض الدليل الثاني : قوله تعالى {وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَ نِ إِلَّ مَ سَعَى} ليس للإنسان إلا سعيه ، فلا يسعى عنه غيره وقد تقدم كثيرا أن المراد بالآية : ليس للإنسان حظ في سعي غيره ، لكن غيره يستطيع أن يعطيه من سعيه . الراجح : هو القول الأول ، فيجوز أن ينيب الإنسان العاجز عن الحج لمرض أو كبر غيره . الأمر الثاني : أن ينيب غيره عنه في حج التطوع . وهذا تحته مسألتان : المسألة الأولى : أن ينيب غيره عنه في حج التطوع ، وهو لم يحج حجة الإسلام ، يقول : يا فلان ، أنا لم أحج حجة الإسلام ، خذه هذه العشرة آلاف ريال ، اذهب وحج عني حجة تطوع ، قال العلماء : لا تصح النيابة حينئذ دليلهم : لأن النائب ليس له أن يفعل هذا الفعل بنفسه ، فبنائبه من باب أولى . المسألة الثانية : أن ينيب غيره في التطوع ، وهو قد أدى الحج عن نفسه ، هذا لا يخلو إما أن يكون قادرا أو غير قادر ، وهذه المسألة محل خلاف ، على ثلاثة أقوال : القول الأول : أنه يجوز أن ينيب الإنسان غيره في حج التطوع مطلقا ، سواء كان قادرا أم عاجزا ، إليه ذهب الحنفية ، وهو المذهب عند الحنابلة . أدلتهم : الدليل الأول : أنها حجة لا تلزمه بنفسه ، فجاز أن يستنيب فيها .
عدد الصفحات ١٧مختصركتاب المناسك فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 18 الدليل الثاني : أن ما جازت الاستنابة في فرضه ، جازت الاستنابة في نفله ، كالصدقة والزكاة يجوز أن تعطيها شخصا يخرجها عنك ، نفلا أو فرضا ، ، بل عند الحنابلة ، يجوز أن ينيب حتى في بعض النسك ، إذا كان النسك نفلا جاز أن ينيب في رمي الجمار ؛ لأنه ليس واجبا عليه . القول الثاني : أنه لا تجوز النيابة في حج التطوع مطلقا ، لا للعاجز ، ولا لغيره ، و إليه ذهب المالكية ، والشافعية في رواية ، والحنابلة في رواية . أدلتهم : الدليل الأول : لأن النيابة لم تأت في الشريعة إلا في الفرض ، فلا يجوز أن تكون في غيره ، بل يقتصر على مورد النص ، وهي لم تأت إلا في حج الفرض . الدليل الثاني : أدلة المالكية السابقة في القول الثاني في عدم جواز النيابة في حال العجز ، (وأن ليس للإنسان إلا ما سعى) وأنها عبادة لا تجوز النيابة فيها في حال القدرة ، فلا تجوز في حال العجز كالصلاة والصوم . القول الثالث : أن النيابة في حج التطوع تجوز في حال العجز دون حال القدرة ، و إليه ذهب الشافعية ، والحنابلة في رواية اختارها شيخنا رحمه الله . دليلهم : أن الأصل في العبادات أن المخاطب بها المكلف نفسه ، ولم يرد في السنة الاستنابة عن الإنسان القادر في الفرض ولا في النفل ، وفي حال العجز تجوز قياسا على العجز في الفرض لحديث الخثعمية ، ولحديث أبي رزين العقيلي. الراجح : هو القول الثالث والله أعلم ، أنه تجوز النيابة في حج التطوع في حال العجز دون حال القدرة ، وهل من العجز الموت ؟ لا شك ، هو أعظم العجز ، فإذا كان الإنسان ميتا ، وأخرج أهله أو أولاده أو أصدقاؤه وأحبابه أو طلابه فلا بأس ، وهذا يكون من البر له . اشتراط أن يحج النائب لنفسه : هل يشترط في النائب أن يكون قد حج عن نفسه أم لا ؟ هذه المسألة اختلف فيها العلماء على قولين : القول الأول : أنه يشترط في النائب أن يكون قد حج عن نفسه ، فإن لم يكن قد حج ، فإن الحجة تنصرف إليه ، ولا تكون لمن أنابه ، و إليه ذهب إسحق ، والأوزاعي ، وهو مذهب الشافعية ، والحنابلة ، واختاره شيخنا رحمه الله ، وعن الإمام أحمد رحمه الله رواية أن الحج يقع باطلا ، لعدم وجود التعيين . أدلتهم : الدليل الأول : حديث ابن عباس المشهور (أن رسول الله صلى الله عليه و سلم سمع رجلا يقول لبيك عن شبرمة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم [من شبرمة ؟]قال قريب لي ، قال [هل حججت قط ؟]قال لا : قال [فاجعل هذه عن نفسك ثم حج عن شبرمة]و لفظ : [حج عن نفسك ثم عن شبرمة]أخرجه أبو داود ، وابن ماجه ، والدارقطني ، وفيه خلاف ، هل الحديث مرفوع أم موقوف ، روايتان عن الإمام أحمد رواية بالرفع ورواية بالوقف ، وقد صحح الحديث جملة من العلماء ، وإذا ثبت الحديث فهو فيصل في محل النزاع . الدليل الثاني : أنه حج عن غيره قبل أن يحج عن نفسه ، فلم يقع عن الغير ، كما لو كان صبيا . القول الثاني : أنه لا يشترط في النائب أن يكون قد حج عن نفسه ، إليه ذهب طائفة من أهل العلم ، وهو مذهب الحنفية ، والمالكية ، والحنابلة في رواية ، وذهب الثوري إلى تفصيل ، فقال : إن كان قادرا فلا يجوز أن يكون نائبا عن غيره ، وإن كان عاجزا جازت النيابة له عن غيره ، فتوسط . أدلتهم :
عدد الصفحات ١٨مختصركتاب المناسك فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 19 الدليل الأول : حديث الخثعمية (قالت : يا رسول الله إن فريضة الله في عباده في الحج أدركت أبي شيخا كبيرا لا يثبت على الراحلة ، أفأحج عنه ؟ قال : نعم) والنبي صلى الله عليه وسلم لم يستفصل : هل حججتِ أنت قبل ؟ وترك الاستفصال في مقام الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال. لكن هذا الاستدلال فيه ضعف ؛ لأنه ثبت في صحيح الإمام البخاري ، أن هذه المرأة سألت النبي صلى الله عليه وسلم ، يوم النحر ، فتكون هذه المرأة حاجة ، هذا الأصل ، مع أنه يحتمل أن المرأة ليست حاجة ، لكن خثعمية ، وخثعم ، من بلاد اليمن ، فالغالب أنها ما جاءت إلا وهي حاجة ، فاستدلالهم لا يستقيم ، المرأة حاجة ، وسؤالها عن شيء يكون في المستقبل : هل أحج عنه لاحقا أم لا ؟ . حكم حج المرأة عن الرجل والعكس : ذكره شيخ الإسلام ، قال رحمه الله(يجوز للرجل الحج عن المرأة باتفاق أهل العلم ، وكذا العكس على قول الأئمة الأربعة) قال المرداوي (يجوز للمرأة أن تنوب عن الرجل ، ولا إساءة ولا كراهة في نيابتها عنه) ويدل على هذا حديث الخثعمية ، قالت : أفأحج عنه ، قال : نعم ، والسؤال معاد في الجواب ، أي : حجي عنه . قوله : (ويَعتمِرُ عنه). العمرة واجبة على الراجح ، فإذا كانت واجبة لزمه إذا كان عاجزا ببدنه قادرا بماله أن ينيب غيره فيها . من أين تجب الإنابة : قال رحمه الله : من حيث وجبا . أي يجب عليه أن ينيب عنه في الحج والعمرة من حيث وجبا ، فإن كانا قد وجبا في بلده ، فمن بلده ، وإن كانا من حيث استيسر وأصبح لديه كفايته فمن مكان استيساره ، وهذه المسألة فيها خلاف بين العلماء رحمهم ، هل يجب عليه أن ينيب من حيث وجب الحج عليه ، أم يجوز مطلقا ؟ وهل المسافة إلى مكة مقصودة ،اختلف العلماء في هذه المسألة على ثلاثة أقوال : القول الأول : أن من وجب عليه الحج والعمرة ، لزمه أن ينيب من حيث وجبا ، من بلده ، أو من حيث أيسر ، إليه ذهب الحنفية إن لم يحدد الميت مكانا ، فإن حدد الميت مكانا ، فمن حيث حدد ، وهو مذهب الحنابلة ، ورأي الحسن ، وإسحق ، والإمام مالك رحمهم الله في حج النذر ، إذا نذر حجا لزمه من حيث نذر ، ويرون أن المسافة داخلة في نذره . دليلهم : أن الحج وجب على المنيب في بلده ، فوجب أن ينيب غيره منه ؛ لأن القضاء يحكي الأداء ، كقضاء الصلاة . القول الثاني : أن المنيب يلزمه أن ينيب من ميقات بلده ، و إليه ذهب المالكية ، والشافعية ، والحنابلة في قول ، لو كان مثلا من أهل نجد ، ينيب من قرن المنازل ، لو كان من أهل المدينة ينيب من ذي الحليفة. دليلهم : أن الإحرام لا يجب دون هذه المواقيت ، فيجب من الميقات . القول الثالث : أن للمنيب أن ينيب من حيث شاء ، حتى لو كانت الإنابة من مكة نفسها ، واختاره الشيخ عبد الرحمن بن سعدي ، وشيخنا رحمه الله . دليلهم : أن السعي من مكان الإنسان الذي هو فيه إلى الحج ليس مقصودا لذاته ، وإنما هو مقصود لغيره ؛ لأنه لا يمكن الوصول إلى مكة إلا بالسعي ، ولذا لو كان الإنسان في مكة ، وهو من أهل المدينة ،وأراد الحج ، هل يلزمه أن يعود إلى المدينة ويذهب إلى مكة مرة أخرى ؟ لا يلزمه، ويجوز له أن يحج من مكة . الراجح : هو القول الثالث ك والله أعلم ك
عدد الصفحات ١٩مختصركتاب المناسك فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 20 الأجرة في نيابة الحج : هل يجوز أن يستأجر الإنسان غيره للحج ، وهل يجوز أخذ الأجرة المالية على الحج ؟ لا يخلو النائب عن غيره من أحوال : الحال الأولى : أن يكون متبرعا ، فهذا جائز ، وهو مأجور بعون أخيه على طاعة الله عز وجل ، ويكون مأجورا بحضور المشاعر ، والدعاء فيها ، ويشهد المنافع ، كمغفرة الذنب ، والدعاء في تلك البقاع المباركة . الحال الثانية : أن يكون غير متبرع ، بل يأخذ قدر النفقة ، وما فضل رده إلى المنيب ، فهذا جائز أيضا . الحال الثالثة : أن يحج عنه بأجرة محددة ، وهذه تجري فيها شروط الإجارة المعروفة ، وهي داخلة ضمن المسألة المشهورة بك (أخذ الأجر على القرب) وهذه المسألة فيها خلاف على قولين : القول الأول : أنه لا يجوز الاستئجار على الحج ، ولا أخذ الأجرة على النيابة ، و إليه ذهب الحنفية ، وهو مذهب الحنابلة ، ورأي إسحق رحمهم الله . أدلتهم : الدليل الأول : عن عثمان بن أبي العاص رضي الله عنه ، قال : (إن آخر ما عهد إلي النبي صلى الله عليه وسلم ، أن أتخذ مؤذنا لا يأخذ على أذانه أجرا) أخرجه الخمسة ، وصححه أحمد شاكر والألباني رحمهما الله . قالوا : دل الحديث على أنه لا يجوز أخذ أجرة على الأذان ، فيدخل في ذلك عموم القرب ، سواء أذانا أم حجا . الدليل الثاني : عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه ، قال : (علَّمت ناسا من أهل الصفة القرآن والكتابة ، فأهدى إلي رجل منهم قوسا ، فقلت : ليست بمال ، وأرمي بها في سبيل الله ، فسألت النبي صلى الله عليه وسلم فقال [إن سرك أن تطوق بها طوقا من نار فاقبلها]أخرجه الإمام أحمد ، وابن ماجه ، وصححه الألباني ، ، وتكلم فيه الإمام أحمد ، والبخاري ، وأبو حاتم وغيرهم ، وفي الحديث العقاب بالنار ، فدل على أنه من كبائر الذنوب ، لأن الفعل الذي يتوعد عليه بالنار من كبائر الذنوب ، كما هو ضابط شيخ الإسلام رحمه الله . القول الثاني : أنه يجوز الاستئجار في الحج ، و إليه ذهب المالكية ، والشافعية ، والحنابلة في رواية ، وهو اختيار جمع كبير من المحققين ، وهو رأي ابن المنذر ، وابن تيمية ، ومن المتأخرين شيخنا رحمهم الله . أدلتهم : الدليل الأول : حديث سهل الساعدي ، في قصة الواهبة نفسها ، فقد زوجها الرجل وقال [زوجتكها بما معك من القرآن] متفق عليه ، فتعليم المرأة القرآن ، مقابل النكاح ، دلَّ على جواز أخذ الأجر على القرب . الدليل الثاني : عن ابن عباس : (أن نفرا من أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم مروا بماء فيهم لديغ أو سليم فعرض لهم رجل من أهل الماء فقال هل فيكم من راق إن في الماء رجلا لديغا أو سليما فانطلق رجل منهم فقرأ بفاتحة الكتاب على شاء فبرأ فجاء بالشاء إلى أصحابه فكرهوا ذلك وقالوا أخذت على كتاب الله أجرا حتى قدموا المدينة فقالوا يا رسول الله أخذ على كتاب الله أجرا فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : [إن أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله] .)أخرجه الإمام البخاري ، وهذا يدل على جواز أخذ الأجر على القرب . الراجح : والله أعلم أنه يجوز أخذ الأجر على أعمال القرب عموما ، وإن كان الأولى والأفضل عدم أخذ الأجر عليها ، لكن يجوز باعتبار الأدلة الثابتة ، مثل حديث سهل بن سعد ، وحديث ابن عباس ، وأبي سعيد وغيرها . إذا زال المانع عن المنيب : قال المصنف رحمه الله : ويُجزئُ عنه ، وإن عُوفِيَ بعدَ الإحرامِ . إذا أناب شخص شخصا ، فعوفي المنيب ، فما حكم الحج في هذه الحال ؟ هذه المسألة لا تخلو من ثلاثة أحوال :
عدد الصفحات ٢٠مختصركتاب المناسك فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 21 الحال الأول : أن يعافى المنيب قبل شروع النائب في الحج ، فهنا لا يجزئ حج النائب عن المنيب قولا واحدا ، الحال الثاني : أن يعافى المنيب بعد أن يقضي النائب المناسك كلها ، محل خلاف على قولين : القول الأول : أنه إذا عوفي المنيب بعد انتهاء النائب من النسك ، برئت ذمة المنيب ، وهو المذهب عند الحنابلة أدلتهم : الدليل الأول : أنه أتى بما أمر به ، فخرج من العهدة ، كما لو لم يبرأ ، بم يؤمر غير القادر على الحج ببدنه ؟ الدليل الثاني : أنه أدى حجة الإسلام بأمر الشارع ، فلم يلزمه إعادتها مرة أخرى ، كما لو حج عن نفسه . القول الثاني : أنه إذا عوفي المنيب بعد قضاء النائب النسك ، أمر المنيب بإعادة الحج مرة أخرى ، ولم تبرأ ذمته من حجته ، و إليه ذهب الحنفية ، والشافعية ، أما المالكية فلا يرون جواز النيابة عن الحي . أدلتهم : الدليل الأول : أن الحج لزم المنيب على سبيل الإنابة ، فهو بدل إياس ، فإذا برئ تبين أنه لم يكن ميئوسا منه ، فيلزمه العود إلى الأصل ، والإتيان بالحج مرة أخرى . الدليل الثاني : القياس على الآيسة تعتد بالأشهر ، ثم تحيض فيلزمها أن تستأنف العدة بالحيض . وهذا القياس قياس مع الفارق ؛ لأن هذا يصدق على ما لو عوفي في أثناء النسك ، وأما هنا فقد عوفي بعد انقضاء النسك ، كالصغيرة التي لا تحيض ، فاعتدت بالأشهر ، ثم أتاها الدم بعد أن انتهت عدتها ، هل تؤمر أن تقضي عدتها مرة أخرى ؟ الجواب : لا . الراجح : والله أعلم هو القول الأول ، أن المنيب إذا برئ بعد انقضاء النسك فإن حجة النائب تجزئه ، بشرط أن يكون عجزه ميئوساً منه ، كما لو كان مصاباً بمرض خطير ، وهو لا يستطيع أن يؤدي الحج ، فمن الله عليه بعد انقضاء النسك بالعافية ، وهذا كثير ، فإن أصحاب الأمراض الخطيرة ، يمن الله عز وجل على جزء منهم بالعافية والشفاء ، بعد أن ابتلوا بتلك الأمراض ، فيقال : برئت ذمتك ولا يلزمك أن تؤدي الحج مرة أخرى . الحال الثالثة : أن يعافى المنيب بعد شروع النائب في أداء المناسك ، ففيها خلاف على قولين : القول الأول : أنه إذا برئ المنيب بعد أن شرع النائب في أداء النسك ، برئت ذمة المنيب ، وهو المذهب عند الحنابلة ، واختيار شيخنا. أدلتهم : الدليل الأول : القياس على المتمتع ، يشرع في الصوم فيوسر بعد ذلك ، فإنه لا يلزم بالهدي ، إنما الواجب عليه الصوم الذي شرع فيه الدليل الثاني : أنه أتى بما أمر به ، فخرج به من العهدة ، كما لو لم يبرأ من مرضه . القول الثاني : أنه إذا عوفي المنيب بعد شروع النائب في الحج ، فإن ذمة المنيب لا تبرأ ، إليه ذهب الحنفية ، والشافعية ، والحنابلة في قول استظهره شيخ الإسلام ابن تيمية، قال ابن قدامة : (فينبغي أن لايجزئه عن الحج) أدلتهم : الدليل الأول : أنه قدر على الأصل قبل تمام البدل فلزمه ، كالآيسة تعتد بالأشهر فتحيض ، فهنا القياس يكون منطبقا الدليل الثاني : مثل المتيمم يرى الماء في أثناء صلاته ، فيلزمه أن يقطع الصلاة ، وأن يتوضأ ، ثم يعيدَ صلاته بعضهم يرد هذا القياس ، ويقول : في التيمم ليس عندنا إلا شخص واحد ، شرع في البدل ، فيرجع إلى الأصل ، لا إشكال فيه ، لكن هنا عندنا شخصان ، نائب ومنيب ، فالمنيب فعل ما أمر به ، والنائب فعل ما أمر به ، فتبرأ ذمة المنيب ، ويلزم النائب أن يتم الحجة عن المنيب . الراجح :
عدد الصفحات ٢١مختصركتاب المناسك فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 22 تعليل كل طائفة قوي ، فوجهة نظر أصحاب القول الأول (الإجزاء) ؛ لأن الحج وحدة واحدة ، فإذا شرع في أولها برئت الذمة ، وأصحاب القول الثاني لهم وجهة نظر قوية ، وهو : المراد أن يتم الحج كاملا ، وهو لم يتم ، فلا يزال التعلق هنا بالمنيب ، فلا تبرأ ذمته ، والمسألة محتملة للقولين السابقين اشتراط المحرم : قال رحمه الله : ويُشترطُ لوجوبِه على المرأةِ وجودُ محرمِها . المرأة تزيد شرطا ، وهو وجود المحرم ، فإذا لم يوجد لم يجب عليها ، والمسألة محل خلاف على أقوال : القول الأول : أنه يشترط لوجوب الحج على المرأة وجود المحرم ، مع الشروط الخمسة السابقة ، إليه ذهب الحسن ، والنخعي ، وطاوس ، وهو المذهب عند الحنفية ، والحنابلة ، فإن لم يكن عندها محرم لم يجب عليها الحج ، وأصبحت مثل الرجل الذي لم تتوفر فيه الشروط الخمسة أو واحد منها . دليلهم : أدلة المحرم التي جاءت في السنة ، وهي أحاديث كثيرة ، مثل حديث أبي هريرة ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال [لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تسافر مسيرة يوم ، إلا ومعها ذو محرم]وهو في الصحيح ، وكذا حديث ابن عباس رضي الله عنهما [لا يخلون رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم ، ولا تسافر امرأة إلا ومعها ذو محرم ، فقام رجل فقال : يا رسول الله ، إني اكتُتبت في غزوة كذا وكذا ، وإن امرأتي خرجت حاجة ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : انطلق فحج مع امرأتك]متفق عليه ، انظر إلى هذا الحديث الذي فيه أن الرجل اكتتب في غزوة ، ومع ذلك أمره النبي صلى الله عليه وسلم أن ينطلق مع امرأته ، ما يدل على أن المحرم واجب لحل سفر المرأة . القول الثاني : أن المحرم ليس شرط وجوب في الحج ، بل هو شرط لزوم ، و إليه ذهب الحنابلة في رواية . دليلهم : أن شروط الحج المختصة به قد كملت ، وتوفرت ، وهذا الشرط إنما هو لحفظها ، فهو كشرط أمن الطريق ، وشرط إمكان المسير . القول الثالث : أن المحرم ليس شرطا لحج المرأة بحال ، لا شرط وجوب ولا شرط لزوم ، وهذا القول ذهب إليه طائفة من السلف ، فهو رأي عائشة ، وابن عمر ، ومذهب المالكية ، والشافعية ، والحنابلة في رواية ، وهو مذهب الظاهرية ، واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية. أدلتهم : الدليل الأول : حديث عدي بن حاتم ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له [يوشك أن تخرج الظعينة تؤم البيت لا جوار معها ، ولا تخاف إلا الله] أخرجه الإمام البخاري . قوله [ :ليس معها جوار]أي ليس معها محرم ، فدل على أن المحرم ليس واجبا . وقد نوقش الاستدلال بالحديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم ، يبين حالا وواقعا ، وقد يكون على سبيل المبالغة في استتباب الأمن ووفوره ، في جزيرة العرب ، ومثل الحديث الآخر [ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله ، والذئب على غنمه ، ولكنكم تستعجلون]وغيرها من الأحاديث التي جاء فيها بيان الحال ، وأن المرأة لا تخاف ، قال العلماء : هذا لا يدل على عدم وجوب المحرم ، إنما هو حكاية حال سيقع ، أو أنه قيل على سبيل المبالغة ، ففيه بيان الحال وليس بيان الحكم الشرعي ، وهل يجوز لها أو لا يجوز ؟ هذا يؤخذ من أدلة أخرى من الأحاديث التي اشترطت وجوب المحرم الدليل الثاني : تفسير الآية (من استطاع إليه سبيلا) قالوا : والنبي صلى الله عليه وسلم ، قد فسرها بالزاد والراحلة ، جاء عن الصحابة من سبعة طرق ، تصلح للاحتجاج ، والنبي صلى الله عليه وسلم لم يذكر المحرم ، مما يدل على أن المحرم ليس شرطا لوجوب الحج .
عدد الصفحات ٢٢مختصركتاب المناسك فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 23 نوقش : أن الرسول صلى الله عليه وسلم ، إنما ذكر شرط الاستطاعة وفسر به الآية ؛ لأنه هو الشرط الأهم ، إذا توفر هذا الشرط يُنظر إلى الشروط الأخرى فإذا لم يذكر بقية الشروط ، فهل يعني إلغاء جميع الشروط التي لم تُذكر ؟الجواب : لا ، بل نص على الزاد والراحلة لأنه قد جاء مجملا في القرآن ، فبينه صلى الله عليه وسلم. الراجح : أن المحرم شرط في وجوب الحج على المرأة ، وهو واجب في سفر المرأة مطلقا ، صغيرة كانت أم كبيرة ، ويشترط المحرم خاصة في مثل هذه الأزمان ، وإن كان الأمن موجود ولله الحمد ، لكن وقعت قضايا كثيرة فيها التعدي على المرأة إذا لم يكن معها محرم ، وعندنا نص نتعبد به ، واضحا [لا تسافر امرأة تؤمن بالله واليوم والآخر مسيرة يوم إلا ومعها ذو محرم ، وفي بعض الألفاظ : إلا ومعها زوجها أو أبوها أو ابنها]وهذا دليل على وجوب المحرم ، لا فرق بين السفر بالطائرة أو الأوتوبيس ، فكم من امرأة سافرت على الطيارة ، ثم تحولت الرحلة من بلد إلى بلد ، بسبب خلل فيها ، والمحرم يحفظ المرأة بعد الله عز وجل فالراجح أن المحرم شرط وجوب وعليه فإذا ماتت المرأة في هذه الحال فلا شيء عليها ، ولا يجب على ورثتها أن يخرجوا من تركتها حجة ، أما على القول بأنه شرط لزوم فإن المرأة إذا ماتت لزم أن يخرج من تركتها من يحج عنها. قال رحمه الله : وهو زوجُها أو مَن تَحْرُمُ عليه على التأبيدِ بنَسَبٍ أو سببٍ مُباحٍ . من هو محرم المرأة ؟ الزوج واضح ، ومن تحرم عليه على التأبيد : احتراز ممن تحرم عليه إلى أمد ، وسيأتينا في النكاح إن شاء الله ، أن المحرمات على قسمين : محرمات إلى أبد ، ومحرمات إلى أمد ، مثل : أخت الزوجة ، فإنها محرمة إلى أمد ، فلو طلق الإنسان زوجته وتزوج أختها ، أو ماتت زوجته وتزوج أختها ، فإنه يجوز قال الله تعالى {وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّ مَ قَدْ سَلَفَ}فالمحرم هو الجمع بينهما ، كذلك عمة المرأة وخالتها محرمة إلى أمد [لا يجمع بين المرأة وعمتها ، ولا بين المرأة وخالتها] التحريم للجمع ، وليس للتأبيد . من تحرم عليه على التأبيد بنسب ، والمراد بالنسب : القرابة ، وليس كما في عرف الناس : المصاهرة ، ومن هو المحرم للمرأة بالنسب ؟ . 1- الأب 2-الابن 3- الأخ 4- العم 5- ابن الأخ 6- ابن الأخت 7- الخال هؤلاء سبعة ، ومن الرضاع : سبعة مثلهم ، أبوها من الرضاع ، ابنها من الرضاع ، أخوها من الرضاع ، ابن أخيها من الرضاع ، عمها من الرضاع ، خالها من الرضاع ، ابن أختها من الرضاع ، والدليل على التحريم من الرضاع ، أن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال في حديث ابن عباس رضي الله عنهما : [يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب]متفق عليه . أما المحرم بالمصاهرة فأربعة : 1- أصول الزوج وإن علوا . 2- فروع الزوج وإن نزلوا . وهؤلاء يكونون محرما للمرأة بمجرد العقد عليها ، فإذا عقد الابن على المرأة أصبح أبوه محرما لها ، وإذا عقد الأب على امرأة ، أصبح أبناؤه محارمَ لها . 3- زوج الأم وإن علت ، ويشترط فيه الدخول بالأم ، لا بد أن يدخل بأم البنت حتى يصبح محرما لها ؛ لقوله تعالى {وَرَبَ ئِبُكُمُ اللَّ تِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَ ئِكُمُ اللَّ تِي دَخَلْتُمْ بِهِنّ} 4- زوج البنت وإن نزلت ، يصبح محرما للأم بمجرد العقد ، فإذا عقد الرجل على امرأة ، أصبح محرما لأمها وجداتها وإن علون ، بمجرد العقد . قال رحمه الله : أَوْ سببٍ مباحٍ .
عدد الصفحات ٢٣مختصركتاب المناسك فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 24 السبب هو المصاهرة ، وهي عقد الزوجية ، يخرج بذلك السبب غير المباح ، مثل الزنا ، فلو زنا الرجل بالبنت لا يصبح محرما لأمها ، ولو زنا بالأم لم يصبح محرما لبناتها ؛ لأن السبب الذي يحصل به التحريم هو ما كان مباحا ، وهذا السبب محرم ، فلا يؤثر شيئا ، وفي المذهب قول ، وهو قول ضعيف ، أنه يؤثر ، ويكون محرما لهن . هل من السبب المباح الوطء بالشبهة ؟ سيأتي إن شاء الله ، في كتاب النكاح ، أن الشبهة تنقسم إلى قسمين : شبهة عقد . شبهة اعتقاد . شبهة العقد : أن يعقد عقدا يظنه صحيحا ، فيتبين أنه غير صحيح ، كمن يعقد على أخته من الرضاع وهو لا يدري ، هذا وطء بشبهة عقد ، أو عقد على امرأة يظن أن العقد صحيح ، فتبين باطلا أو فاسدا . شبهة الاعتقاد : أن يجامع المرأة ، يظن أنها زوجته ، ويتبين أنها ليست زوجته ، لكونها في فراشه ، أو في بيته ، قد تتصور هذه القضية ، ومثل : أن يحصل الخطأ في الزفاف ، فيدخلون هذا على تلك ، وهذا على تلك ، فهذه شبهة اعتقاد ، هو يظن أنها زوجته ، هل يحصل بهذا النكاح محرمية ؟. اختلف العلماء رحمهم الله في هذه المسألة على قولين : القول الأول : أنه لا تثبت المحرمية بوطء الشبهة ، سواء كانت شبهة عقد أو شبهة اعتقاد ، إليه ذهب الشافعية ، وهو المذهب عند الحنابلة . دليلهم : أن المحرمية تثبت بنسب أو سبب مباح ، وهذا السبب غير مباح ، وإن رفع الإثم والحد الشرعي ، فهذا طارئ ، وإلا فالأصل أنه سبب غير مباح ، إذ الوطء نفسه غير مباح . القول الثاني : أن المحرمية تثبت بوطء الشبهة ، و إليه ذهب الحنفية ، والمالكية ، والحنابلة في رواية اختارها شيخ الإسلام ابن تيمية. أدلتهم : الدليل الأول : أن الأحكام جميعا تثبت به ، ويدخل فيها المحرمية . نوقش : بأن الأحكام الشرعية ليست جميعا تثبت به ، وإنما يثبت به إلحاق الولد ، وتثبت به العدة ، لكن بقية الأحكام الشرعية لا تترتب عليه . الدليل الثاني : أن وطء الشبهة لا يوصف حال فعله بأنه حرام . ويناقش : بأنه لم يوصف بالتحريم حال فعله لوجود الشبهة والمانع ، وإلا فإن حقيقته لو لم تكن شبهة أنه حرام . الراجح : هو القول الأول ، والله أعلم ، أن المحرمية لا تثبت بوطء الشبهة ، احتياطا للأبضاع ، لأن الأصل في الأبضاع الاحتياط والمنع والدرء وعدم فتح الباب ، ولذا جاء في الحديث التفريق بين أبناء عشر سنين في المضاجع من باب الاحتياط وسد الذريعة الموصلة إلى الوقوع في الفاحشة ، والله أعلم . هل يجب على المحرم الذهاب مع المرأة : هذه المسألة اختلف فيها العلماء رحمهم الله تعالى على قولين : القول الأول : أنه لا يلزمه أن يذهب معها ، و إليه ذهب الحنابلة على الصحيح من المذهب . أدلتهم : الدليل الأول : أنه لو أُلزم بها لكلف بعبادة غيره . الدليل الثاني : ولأنا إذا ألزمناه فقد كلفناه إتمام واجب على غيره ، فيأثم بإثم غيره ، والله تعالى يقول {وَلَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} مع ما في الحج من كلفة ومشقة . القول الثاني : أنه يلزم المحرم أن يذهب معها ، و إليه ذهب الحنابلة في رواية ، وهو رأي ابن حزم رحمه الله
عدد الصفحات ٢٤مختصركتاب المناسك فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 25 دليلهم : عن ابن عباس رضي الله عنهما ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم [(لا تسافر امرأة إلا ومعها ذو محرم]فقال رجل : يا رسول الله إني اكتتبت في غزوة كذا وكذا ، وإن امرأتي خرجت حاجة ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم [ :انطلق فحج مع امرأتك]متفق عليه ، فأمره بالحج ، والأصل في الأمر الوجوب . نوقش : أن الاستدلال بالحديث فيه نظر ؛ لأن الرجل سأل عن أمر قد وقع ، فالمرأة خرجت حاجة ، وتحتاج إلى حفظ ، وهو أصبح ملزما بذلك ، لأنها خرجت ، لكن في بدء الحج يقال للمرأة : لا يجوز لك أن تسافري إلا مع ذي محرم ، فإن لم تجدي ذا محرم ، أو لم يوافق ، فلا يجب الحج عليك ، فالدليل خارج المسألة ، هذه المرأة قد خرجت ، ومسألتنا مفروضة في امرأة لم تخرج بعد ، تريد الخروج شروط المحرم : عد العلماء مجموعة من شروط المحرم ، منها : 1- أن يكون مسلما . و إليه ذهب الحنابلة ، وهو من مفردات المذهب ؛ لأن الكافر لا يؤمن أن يفتنها عن دينها ، خاصة أنه أبوها أو أخوها مثلا ، ولأن إثبات المحرمية يقتضي الخلوة بها ، فوجب أن يمنع من ذلك ، ولئلا يثبت لكافر على مسلم ولاية كالحضانة ، قال ابن قدامة رحمه الله (ولا ينبغي أن يكون في المجوسي خلاف ، لأنه لا يؤمن عليها ويعتقد حلها ، نص عليه أحمد في مواضع) مفهومه أن غير المجوسي يقع الخلاف فيه ، لكن المجوسي لا ينبغي ؛ لأن المجوسي يرى حل نكاح المحارم ، فربما وقع على ابنته أو أخته. القول الثاني : أنه لا يشترط في المحرم أن يكون مسلما ، إليه ذهب الحنفية ، المالكية ، والشافعية ، والحنابلة في رواية. دليلهم : لأن هذه المرأة تحرم عليه على التأبيد ، ولأن أباها أشد الناس حبا لها وحفظا في الغالب. ولذا فالمشترط هو أن يكون أمينا ، فإذا كان الرجل أمينا على موليته جاز أن يكون محرما لها. الراجح : أنه لا يشترط في المحرم أن يكون مسلما ، بل الشرط أن يكون أمينا ، لكن لو قدر وجود مجوسي في الزمن هذا ، فإنه يقال فيه ما قال الإمام أحمد رحمه الله . 2- أن يكون مكلفا (بالغا عاقلا) . لأن غير العاقل والصبي لا يصلح أن يكون محرما ؛ لأن المعنى الذي شرع وجود المحرم من أجله هو حفظ المرأة ، وهذا يحتاج إلى من يحفظه ، وفي الحديث [لا تسافر امرأة إلا مع ذي محرم]متفق عليه ، والخطاب لا يتوجه إلا لمكلف ، فلا يكون المحرم إلا مكلفا ، بالغا عاقلا ، قال المرداوي رحمه الله في الإنصاف (بلا نزاع). 3- أن يكون ذكرا . و إليه ذهب الحنيفة ، والحنابلة ، وقد خالف في ذلك المالكية ، والشافعية ، وهو اختيار شيخ الإسلام رحمه الله ، رأوا أن المحرم لا يشترط أن يكون ذكرا ، بل لو كانت المرأة مع مجموعة من النساء كفى ، وتقدم أن عدم اشتراط المحرم منقول عن طائفة كبيرة من السلف رحمة الله عليهم ، فهو منقول عن عمر ، وعائشة ومجموعة من الصحابة ، وعطاء ، وهو مذهب الإمام مالك ، والإمام الشافعي ، وطائفة من أهل العلم 4- أن يكون حرا . وإليه ذهب بعض الأصحاب رحمهم الله ؛ لأن العبد يحتاج إلى من يتولى عليه . القول الثاني : أنه لا يشترط أن يكون حرا ، بل المشترط أن يكون أمينا يحفظ المرأة ، وهو قول الجمهور ؛ لأن المقصود بالمحرم هو الحفاظ على المرأة ، لا فرق في ذلك بين أن يكون حرا أو أن يكون عبدا ، بل قد يكون العبد خيرا من الحر في الحفاظ على بناته ومولياته . 5- أن يكون بصيرا .
عدد الصفحات ٢٥مختصركتاب المناسك فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 26 و إليه ذهب بعض الأصحاب ؛ لأن الأعمى لا يستطيع الحفاظ على مولياته ، ولأن حفظ الأعمى ليس كحفظ البصير ، ولأن الأعمى قد يُستغفل ، وهذا قد يقع ، وأما المذهب فلا يشترط فيه أن يكون بصيرا ؛ لأن النصوص جاءت من غير تقييد بالبصر . الراجح : أنه ينظر إلى حال الموليات وحال هذا الرجل الأعمى ، لأن بعض المكفوفين يكون أحسن من المبصرين ، وأشد حفاظا ، وتكون له هيبة عند مولياته و عند الآخرين ، لكن إذا جمع مع فقد البصر عدم الفهم ، فالعلة التي من أجلها شرع المحرم مفقودة في حقه ، فلا ينبغي أن يكون محرما ، فينظر إلى قرائن الأحوال المحيطة به وبهن ، إذا كان يستطيع الحفاظ عليهن فهو كغيره . نفقة المحرم : هل تكون على الحاجة أم عليه هو ؟ ذهب الحنفية على الصحيح ، وهو مذهب الحنابلة نص عليه الإمام أحمد رحمه الله ، أن نفقة المحرم واجبة على المرأة الحاجة ، فإذا كان يحتاج إلى تذاكر طيران ، وجب عليها أن توفرها له ، وكذا الطعام والشراب والسكن ، فهي واجبة عليها هي ، والمحرم من السبيل كما ذكر الإمام أحمد ، فإذا كان كذلك فتلزمها ، والله تعالى يقول {مَنِ اسْتَطَ عَ إِلَيْهِ سَبِيلاً} فهو كالراحلة التي تركبها وتذهب بها ، وكالطائرة والسيارة ، فلا بد مع وجود المحرم من أن تجد نفقته . والحنفية في قول يقولون : إذا وجد المحرم نفقته ، وتوفرت شروط الحج في المرأة ، وجب الحج عليها ، ومفهومه أنهم لا يوجبون نفقة المحرم في هذه الحال ، والراجح هو القول الأول ، وأن نفقة المحرم واجبة على الحاجة نفسها ، فإذا كانت تستطيع نفقته مع نفقتها وجب الحج عليها ، وإذا كانت لا تستطيع نفقته ، لم يجب عليها . منع الزوجة من الحج : هل للزوج أن يمنع زوجته من الحج ؟ فصل المرداوي رحمه الله ، وقال : لا يخلو الحج من أن يكون واجبا ، وإذا كان واجبا فلا يخلو من أن يكون واجبا بأصل الشرع أو واجبا بالنذر ، وإما أن يكون تطوعا ، فإن كان تطوعا فإما أن يكون بإذنه أو بغير إذنه ، هل له منعها وهل له تحليلها ؟ إذا شرعت في الحج فهل له أن يحللها من حجها ؟ أما إن كان حجا واجبا بأصل الشرع فليس للزوج منع زوجته إذا اكتملت شروط الوجوب فيها ، وهي الشروط الخمسة السابقة مع المحرم ، و إليه ذهب الحنفية ، والشافعية في القول الأصح ، وهو المذهب عند الحنابلة ، ورأي النخعي ، واسحاق ؛ لأنه لا يجوز للزوج أن يمنع زوجه من الصلاة والصيام ، فكذا الحج الواجب عليها ، والذي هو ركن دينها ، وذهب الشافعية في قول إلى جواز أن يمنع الزوج زوجته من الحج الواجب ، وهذا بناء على القول بأن الحج واجب على سبيل التراخي ، وليس على سبيل الفور ، فإذا كان واجبا على سبيل التراخي ، فله أن يمنعها ، وتحج في سنوات مقبلة ، وليس في السنة التي أراد أن تحج فيها ، قال ابن قدامة رحمه الله (ويستحب لها استئذانه ، نص عليه ، فإن أذن لها وإلا خرجت) . إذا أحرمت المرأة بالحج ، فهل لزوجها أن يحللها ؟الجواب : إن كان واجبا بأصل الشرع وشرعت فيه ، لم يجز له تحليلها ، وليس له الحق في ذلك ، على قول كثير من أهل العلم ، وذهب الشافعية في قول إلى جواز أن يحللها ، بناء على أن الحج على سبيل التراخي ، لا على سبيل الفور ، لكن الأكثر على أنه لا يجوز له التحليل ؛ لأن الحج يلزم بالشروع فيه ، فإذا شرعت في الحج فليس له الحق في تحليلها ، كما لو شرعت في الصلاة أو الصيام أو قضاء رمضان ؛ ولأنه يفضي إلى عدم وجوب الحج عليها ، لأنه إذا كان كل سنة يحللها ويمنعها من أداء الحج ، فمعنى ذلك أنه سيستمر الحال سنين طويلة ، ويفضي في النهاية إلى ألا تحج مطلقا. إذا أحرمت بنذر ، فإن كان بإذنه ، فليس له الحق في تحليلها قولا واحدا ، نذرت أن تحج ، واستأذنت منه ، وأذن لها ، وشرعت في
عدد الصفحات ٢٦تمر الحال سنين طويلة ، ويفضي في النهاية إلى ألا تحج مطلقا. إذا أحرمت بنذر ، فإن كان بإذنه ، فليس له الحق في تحليلها قولا واحدا ، نذرت أن تحج ، واستأذنت منه ، وأذن لها ، وشرعت في الحج ، فأراد أن يحللها من حجها ، فليس له الحق في تحليلها ، وإن أحرمت بغير إذنه ، ففي المذهب روايتان ، أما إذا أحرمت بتطوع ، فإن كان بغير إذنه فله الحق في تحليلها ، هذا المذهب ؛ لأن حقه ألا تخرج إلا بإذنه ، فمَلَك أن يخرجها منه كالاعتكاف ، فلو اعتكفت المرأة فلزوجها أن يقول : اخرجي من الاعتكاف ؛ لأن وقتها مفرغ للزوج ، هذا المذهب ، وذهب الحنابلة في رواية إلى أنه لا يملك تحليلها إذا شرعت فيه بغير إذنه ؛ لأن الحج يلزم بالشروع فيه ، وهذه الرواية تعتبر من مفردات مذهب الحنابلة ، الجميع يرى أن له تحليلها .
عدد الصفحات ٢٦مختصركتاب المناسك فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 27 فإن أحرمت بحج تطوع بإذنه ، فله تحليلها قولا واحدا ، وإذا أذن لها في حج التطوع فله الرجوع ، ما لم تحرم ، فإذا أحرمت فليس له حق في الرجوع . خروج المعتدة للحج : هل للمعتدة أن تخرج إلى الحج أو لا ؟ . عامة أهل العلم : أنه لا يجوز للمرأة المعتدة من وفاة أن تخرج للحج ، فهو رأي عمر ، وعثمان ، وابن مسعود ، وابن عمر ، وابن المسيب ، وهو رأي أبي عبيد ، ومذهب الحنفية ، والمالكية ، والشافعية ، والحنابلة . أدلتهم : الدليل الأول : حديث فريعة بنت مالك ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها : [امكثي في بيتك الذي جاء فيه نعي زوجك حتى يبلغ الكتاب أجله] أخرجه الخمسة وصححه الألباني ، وهذا حديث عام ، لم يخص منه شيء . الدليل الثاني : أثر مجاهد ، عن ابن المسيب قال : (رد عمر رضي الله عنه نساء حاجاتٍ أو معتمرات توفي أزواجهن من ظهر الكوفة) أخرجه عبد الرزاق ، ومراسيل ابن المسيب عن عمر مقبولة عند كثير من المحدثين القول الثاني : ذهب علي ، وابن عباس ، وجابر ، وعائشة رضي الله عنهم ، وعطاء ، وطاوس ، والحسن إلى أن المعتدة من وفاة لها الحج ، وذلك أنهم يرون أنه لا يلزم المعتدة البقاء في بيتها الذي بلغها وفاة زوجها وهي فيه ، فبناء عليه يجوز لها أن تخرج وتحج وتعتمر ، بل لها أن تخرج ولو لغير الحج والعمرة . الراجح : هو القول الأول – والله أعلم – وأنه لا يجوز لهن الخروج للحج والعمرة للزوم العدة عليهن في بيوتهن . موت زوجها في الطريق : إذا خرجت الحاجة من بلدها ، ومات زوجها ، فهل ترجع أو لا ترجع ؟ اختلف العلماء في هذه المسألة على ثلاثة أقوال : القول الأول : أنها ترجع ما لم تحرم ، فإن أحرمت أكملت حجها ، وإن لم تحرم لزمها أن ترجع إلى بلدها ، و إليه ذهب المالكية . القول الثاني : فصل الشافعية ، فقالوا : إن فارقت البلد فهي بالخيار بين الذهاب والرجوع ، وإن لم تفارق البلد لزمها أن تبقى . القول الثالث :عند الحنابلة إذا كانت المسافة قريبة رجعت ، وإن كانت بعيدة لا ترجع ، والمراد بالمسافة مسافة القصر. قال رحمه الله : وإن ماتَ مَن لَزِمَاه أُخْرِجَا من تَرِكَتِه . إذا مات الإنسان قبل أن يحج وكان تركه للحج على سبيل التهاون والكسل فهل يخرج عنه من تركته أم لا؟ اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين : القول الأول : أنه إذا مات الإنسان لزم الورثة أن يخرجوا من تركته من رأس المال ما يحج به عنه ، أوصى أو لم يوص ، وهذا رأي الحسن ، وعطاء ، وطاوس ، والأوزاعي ، والثوري ، وأبي ثور ، وإسحق ، ومذهب الشافعية ، والحنابلة ، وهو منقول عن أبي هريرة ، وابن جبير ، وابن المسيب ، وهو رأي شيخنا رحمه الله . القول الثاني : أنه لا يحج عنه ولا يُخرج إلا إذا أوصى ، أما إذا لم يوص فلا ، وهذا ذهب إليه النخعي ، والشعبي ، وحماد ، وهو مذهب الحنفية ، والمالكية ، وهو اختيار ابن القيم رحمة الله عليه . وابن القيم يرى أنه واجب على الفور ، وإذا أخر فهو كسائر العبادات التي إذا أخرها عن وقتها لم تقبل منه ، وقد أجاب شيخنا في بعض تعليقاته عن هذه العلة بأن وقت الحج موسع ، ليس كالعبادات الأخرى التي تكون مؤقتة بوقت محدد لا يجوز الخروج عنه ، كرمضان مثلا ، لكنه وقت موسع ، وهو العمر كله ، فإذا أخر فوقت الحج ممتد ، فيجب على ورثته من بعده أن يخرجوا ما يحج به عنه
عدد الصفحات ٢٧مختصركتاب المناسك فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 28 باب المواقيت المواقيت : جمع ميقات . الميقات لغة : الحد ، وقّت له : حد له . الميقات اصطلاحا : زمان العبادة أو مكانها . وتنقسم المواقيت إلى قسمين : أ- مواقيت زمانية . ب- مواقيت مكانية . وسيبين المؤلف رحمه الله في هذا الباب المواقيت الزمانية والمكانية ، وبدأ بالمكانية . قال رحمه الله : ومِيقاتُ أَهْلِ المدينةِ ذو الْحُلَيْفَةِ . المواقيت المكانية جاءت في أحاديث ، مثل حديث ابن عمر ، وحديث ابن عباس ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال [يهل أهل المدينة من ذي الحليفة ، ويهل أهل الشام من الجحفة ، ويهل أهل نجد من قرن ، قال ابن عمر : وذكر لي ولم أسمع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ويهل أهل اليمن من يلَمْلم ] متفق عليه ، وكذا حديث ابن عباس وستأتي بقية الأحاديث . قوله (ذو الحُليفة ) بضم الحاء وفتح اللام : تصغير الكحَلْفاء ، واحدتها حَلْفة ، وهو نبات معروف يكثر نباته في تلك البقعة ، وبعضهم يرى أنه يخرج في الماء ، وتعرف الآن بك (أبيار علي) وذكر شيخ الإسلام وغيره ، أن العامة ينسبون هذا المكان إلى علي ؛ لأن عليا قاتل الجن في تلك البئر ، وقال الشيخ : هذه خرافة ، وشجاعة علي لا تحتاج إلى مثل هذه الخرافة ، وذكروا أن بينه وبين المدينة ستة أو سبعة أميال ، قرابة 11 كم ، وبينه وبين مكة مسيرة عشرة أيام ، وهي 433 كم ، وهو أبعد المواقيت عن مكة . قال رحمه الله : وأهلِ الشامِ ومصرَ والمغربِ الْجُحْفةُ . أما أهل الشام فلا إشكال ، وأما مصر والمغرب فهذا قبل أن تفتح قناة السويس ، أما بعد فتحها فلم يعد هناك عبور عن طريق السيارات أو الإبل أو الرواحل . والجحفة : قرية قديمة ، جحفها السيل وجرفها ، وزالت ، وقد دعا النبي صلى الله عليه وسلم ، أن ينقل الله عز وجل حمى المدينة إليها كما في صحيح الإمام البخاري، والناس الآن يحرمون من مكان محاذ للجحفة ، والجحفة أصبحت ميقاتا للناس ، والماء فيها شحيح ، ثم خربت وعدم الماء منها ، فانتقل الناس إلى رابغ ، ورابغ عنها قرابة 14 كم ، على طريق ينبع - مكة ، و الناس يحرمون من رابغ ، وبعضهم يحرم إذا حاذى لوحة الميقات ، ومنهم من يدخل إلى الجحفة ، فيحرم منها ، والآن تم إحياء ميقات الجحفة ، والجحفة تبعد عن مكة 187 كم ، ورابغ بعدها بك 14 كم ، فتبعد 201 كم ، وتبعد عن البحر 15 كم شرقا ، هذا ما يتعلق بميقات الجحفة ، وهو موجود الآن ، وهذا الميقات ميقات لمصر والمغرب قبل افتتاح قناة السويس ، وهو ميقات لأهل الشام ، وسوريا ولبنان والأردن وفلسطين . قال رحمه الله : وَأَهْلُ اليمنِ يَلَمْلَمُ . ويقال له أيضا : أَلَمْلم ، وهما وجهان مشهوران ، واسمه الآن : السعديُّة ، باسم بئر فيه ، وقيل اسم جبل من جبال تِهامة ، وقيل اسم واد يأتي من جبال تهامة ينزل حتى يصل البحر ، وبينه وبين مكة مسيرة ليلتين ، يبعد عن مكة من 90 إ 100 كم ، وبعضهم يقول : 85 ، وقد جاء تحديده صريحا في حديث ابن عباس ، حينما قال النبي صلى الله عليه وسلم [وقت النبي صلى الله عليه وسلم ... لأهل اليمن يلملم]متفق عليه ، وهذا الميقات يقع جنوب مكة ، على مسافة 100 كم ، وهو وادياً يخرج من جبل تهامة ، وله في رأس الجبل شعبتان ، إحداهما تذهب يمينا ، وشعبة تذهب يسارا إلى جبال الهدا والطائف ، ثم ينزل هذا الوادي من الجبل وهو متعرج ، حتى
عدد الصفحات ٢٨مختصركتاب المناسك فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 29 يصب في البحر ، والفرق بين الميقات الجديد والبحر 19 كم ، والمسافة بين القديم وبين البحر 40 كم ، ويقول بعض العلماء : الميقات هو الوادي جميعا ، فالوادي من رأس جبال تهامة ، حتى يصب في البحر ، كله ميقات ، فإذا أحرم الإنسان من فوق ، فسيحرم أقرب إلى مكة ، وإذا أحرم من نهاية ومصب الوادي ، فسيكون أبعد عن مكة ، وكلما ذهب إلى الأعلى كان أقرب إلى مكة ، هذا كله ميقات ، وبعض المؤرخين والعلماء يرى أن الواديَ كله من أعلى الجبل إلى مصبه في البحر كلَّه ميقات لأهل اليمن ، انظر الفرق ، بعضهم يقول : الميقات هو جبل هناك ، وصار اسما للبقعة كلها ، وبعضهم يقول : بل المراد وادي يلملم الذي ينزل من الجبل ، كله ميقات ، وعلى كل فلا إشكال ؛ لأنا إذا قلنا : هو الجبل ، فالإنسان إذا جاء من طريق آخر إذا حاذى الجبل أحرم ، وإذا جاء من طريق الساحل إذا حاذى الجبل أحرم ، وإذا قلنا : هو الوادي ، فإنه سيحرم إذا مر بالوادي من أي مكان كان . قال رحمه الله : وأهلِ نَجْدٍ قَرْنٌ . أي : قرن المنازل ، وقيل : هو واد به منازل ، نسب إلى تلك المنازل ، وقرن المنازل واد ممتد ، يتصل بوادي مكَحْرَم في الجبل من فوق ، جبل في الهدا ، في أعلى المنازل ، وهو في أعلى جبال الهدا ، يبعد عن مسجد السَّيل بحوالي 33 كم ، ويبعد قرن المنازل عن المسجد الحرام قرابة 80 كم ، وهو شمال شرق مكة ، ووادي محرم جنوب شرق مكة ، ويبعد عن المسجد الحرام 76 كم . قرن المنازل لأهل نجد ، كل من جاء من نجد أو جهته ، أحرم من هناك . قال رحمه الله : وَأهلُ المشرقِ ذاتُ عرقٍ . عرق : جبل صغير ، سميت به تلك البقعة ، لوجود عرق (جبل صغير) فيه ، وتسمى الآن الضريبة ، وهي عن مكة قرابة 94 كم ، يقع شمال قرن المنازل ، وفي الشمال الشرقي من مكة ، ويبعد عن قرن المنازل قرابة 35 كم ، لاحظ ، قرن المنازل واقع في المنتصف بين ميقات وادي محرم ، وبين ذات عرق ، 33 كم إلى وادي محرم ، و35 إ ذات عرق ، وبين الميقات والمسجد الحرام عبر درب الحاج العراقي 90 كم ، وليس ثمة طريق الآن يربط الميقات بأي مكان آخر ، وهذا الميقات ينسب إلى جبل يعلوه عُرف أسودُ على شكل عرق (جبل صغير) يمتد لمسافة 1500 م ، من الجنوب الغربي إلى الشمال الشرقي ، وهذا الجبل يقع على درب زُبيدة ، درب الحاج العراقي ، في أعلى وادي الضريبة ، قريب من منطقة انقسام الماء بين وادي الضريبة ووادي عقيق عُشيرة ، حيث يشرف جبل ذات عرق على وادي العقيق ، الآن في هذه الفترة ، تم بناء ميقات ذات عرق ، ويبعد عن عشيرة القرية المعروفة الآن 35 كم غربا ، وقد شُرع في بناء مسجد ومرافقه ، وفيه مواقف سيارات ، ومغتسل ، ويقع الميقات على طريقة مكة - القصيم ، والذي بدأ تنفيذ مرحلته الأولى من جهة القصيم ، وسيمر الخط السريع بالميقات تماما ، وقد شرع في بناء الميقات وتشييده ، ذكر المؤلف خمسة مواقيت : ذا الحليفة ، والجحفة ، ويلملم ، وقرن المنازل ، وذات عرق ، هذه المواقيت على قسمين : 1- قسم أجمع عليه أهل العلم رحمة الله عليهم ، والذي وقتها هو النبي صلى الله عليه وسلم ، وهي المواقيت الأربعة الأولى ، باستثناء ذات عرق . 2- قسم مختلف فيه وهو ذات عرق . ميقات ذات عرق : هل الذي وقته النبي صلى الله عليه وسلم أم عمر بن الخطاب رضي الله عنه ؟ اختلف العلماء على قولين : القول الأول : أنه النبي صلى الله عليه وسلم ، و إليه ذهب جمهور أهل العلم الحنفية ، والمالكية ، والشافعية ، والحنابلة أدلتهم : الدليل الأول : عن أبي الزبير ، قال : سمعت جابرا رضي الله عنه يُسأل عن المَهل ، فقال : سمعته أحسِبه رفعه إلى النبي صلى الله
عدد الصفحات ٢٩