مختصر كتاب المناسك 2 فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 134 السنة : (أن النبي صلى الله عليه وسلم ، ضحى بكبشين أملحين أقرنين ، ذبحهما بيده ، وسمى وكبر ، ووضع رجله على صفاحهما) أخرجه الإمام البخاري ومسلم . الإجماع : أجمع المسلمون على مشروعية الأضحية ، وتناقلوها كابرا عن كابر ، وممن نقل الإجماع ابن قدامة وغيره ، فالناس يعملون بها من زمن النبي صلى الله عليه وسلم ، إلى زمننا هذا . مشروعية الهدي : دل على مشروعيته : الدليل الأول : فعل النبي صلى الله عليه وسلم ، فإنه أهدى في حجة الوداع مائة من الإبل ، كما أخرج الإمام مسلم رحمه الله ، ذبح ثلاثا وستين بيده ، وأعطى عليا رضي الله عنه فذبح البقية . الدليل الثاني : ثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم ، كان يبعث بهديه من المدينة إلى مكة ، ويذبح في مكة ، ولا يشترط في الهدي أن يكون الإنسان حاجا أو معتمرا ، بل يجوز أن يبعث به إلى مكة . الأضحية عن الأموات : الأصل في الأضحية أنها عن الأحياء ، لكن هل تشرع عن الأموات أو لا؟ قال شيخنا رحمه الله في رسالة الأضاحي: وأما الأضحية عن الأموات فهي ثلاثة أقسام : الأول : أن تكون تبعا للأحياء ، كما لو ضحى الإنسان عن نفسه وأهله وفيهم أموات ، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يضحي ، ويقول [اللهم هذا عن محمد وآل محمد] ومنهم من مات سابقا - الثاني : أن يضحي عن الميت استقلالا ، فقد نص فقهاء الحنابلة على أن ذلك من الخير ، وأن ثوابها يصل إلى الميت وينتفع به؛ قياسا على الصدقة عنه ، ولم ير العلماء أن يضحي أحد عن الميت إلا أن يوصي به ، لكن من الخطأ ما يفعله كثير من الناس اليوم ، يضحون عن الأموات تبرعا ، ثم لا يضحون عن أنفسهم وأهليهم الأحياء ، فيتركون ما جاءت به السنة ، ويحرمون أنفسهم فضيلة الأضحية ، وهذا من الجهل ، وإلا فلو علموا بأن السنة أن يضحي الإنسان عنه وعن أهل بيته ، فيشمل الأحياء والأموات ، وفضل الله واسع . الثالث : أن يضحي عن الميت بموجب وصية منه تنفيذا لوصيته ، فتنفذ كما أوصى ، بدون زيادة ولا نقص قال المؤلف رحمه الله : أَفْضَلُها إِبِلٌ ، ثم بَقَرٌ ، ثم غَنَمٌ . أفضلها الإبل : لأن النبي صلى الله عليه وسلم كما تقدم في حديث جابر ، أهدى مائة من الإبل ، وشرك عليا معه ، ثم البقر ، ثم الغنم ،وهذا إذا ضحى بها كاملة أو أهداها كاملة ، أما إذا كان يريد أن يشرك في الأضحية ، سبعةً في بقرة ، سبعة في بدنة ، فالشاة أفضل على الصحيح من المذهب؛ وذلك لكثرة ثمنها ونفع الفقراء . أما العقيقة فالشاة عند الأصحاب أفضل من الإبل؛ لأن السنة وردت بها ، فقالوا : يبدأ أولا بالشاة . أفضل ما يضحى به : قيل : الأفضل هو الأسمن؛ لأنها إذا كانت أسمن فسيكون اللحم أكثر ، وسيكون من يناله اللحم أكثر ، فهو أفضل من المتوسطة ، أما الهزيلة فإنها لا تجزئ . وقيل : الأغلى ثمنا . وقد اختار شيخ الإسلام رحمه الله ، أن الأجر على قدر القيمة مطلقا ، كلما كانت أغلى كانت أفضل . فهما قولان : الأسمن ، وقيل : الأغلى ، ويكون الفضل على قدر قيمتها .
عدد الصفحات ٢٩٣مختصر كتاب المناسك 2 فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 135 أفضل الغنم سنا : على الصحيح من المذهب : الجذعة من الضأن أفضل من غيرها ، فلو دار الأمر بين مسنة من المعز أو جذع من الضأن ، قالوا : يقدم الجذع من الضأن على المسنة من المعز ، لأنها أطيب لحما وأطعم . هذا الشرط الأول من شروط الأضحية ، أن تكون من بهيمة الأنعام ، فلا يجزئ بغيرها ، فلو ضحى بخيل فارهٍ ثمين لم يجزئ ، أو غزال ثمين نفيس؛ لأن من شرط التضحية أن تكون من بهيمة الأنعام ، وهو شرط في العقيقة والأضحية والهدي؛ لقول الله تعالى {وَلِكُلِ أُمََّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا لَِّيَذْكُرُوا اسْمَ اللََّهِ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مَِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ} وبهيمة الأنعام تطلق على الإبل والبقر والغنم . ما يجزئ في الأضحية : قال رحمه الله : ولا يُجْزِئُ فيها إلا جَذَعُ ضَأْنٍ ، وثَنِيٌّ سِوَاهُ . الأصل أنه لا تجزئ إلا المسنة ، إلا جذعَ الضأن ، وهذا هو الشرط الثاني من شروط الأضحية والعقيقة والهدي ، أن تبلغ السن المعتبر شرعا ، وما سوى الضأن هو : الإبل والبقر والمعز . دليلهم : عن جابر رضي الله عنه ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال [ :لا تذبحوا إلا مسنة ، إلا أن يعسر عليكم فتذبحوا جذعة من الضأن] أخرجه الإمام مسلم ، ولهذا لما ضحى أبو بردة بن نيار رضي الله عنه قبل صلاة العيد ، أخبره النبي صلى الله عليه وسلم أنها لا تجزئ ، وأنها شاة لحم ، وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن عنده عناقا ، وقال : هي أحب إلي من شاتين ، أفتجزئ عني؟ قال [نعم (اذبحها - اجعلها مكانها-]ولن تجزئ عن أحد بعدك]متفق عليه من حديث البراء بن عازب . عمر جذع الضأن : الجمهور : يرون أن الجذع من الضأن ما تم له ستة أشهر ، إليه ذهب الحنفية ، والحنابلة . والشافعية في الأصح : ذهبوا إلى أن الجذع من الضأن ما تم له سنة ، ويقولون : هذا المشهور عن أهل اللغة . أدلة الجمهور : الدليل الأول : عن جابر رضي الله عنه ، (لا تذبحوا إلا مسنة ...) . الدليل الثاني : عن مجاشع بن سليم رضي الله عنه مرفوعا [إن الجذع يوفي مما يوفي منه الثنية] . و ذهب ابن عمر رضي الله عنهما ،أنه لايجزئ إلا الثني من كل شيء ، واستدلوا بحديث جابر رضي الله عنه ، (لا تذبحوا إلا مسنة ...) فإنما أجاز ذبح الجذعة عند الإعسار ، فالشرط أن تكون مسنة على الإطلاق ، سواء في الإبل أو البقر أو الغنم ، أما الإبل والبقر والمعز فواضح ، وأما الضأن فيلحقونها بالإبل والبقر والغنم . ونقل عن عطاء ، والأوزاعي أنه يجزئ الجذع من كل شيء إلا المعز ، عكس قول ابن عمر ، والزهري . قال النووي رحمه الله عن حديث جابر رضي الله عنه ، ( لا تذبحوا إلا مسنة...) ( رأي الجمهور منقول حمله على الأفضل ، والتقدير : يستحب لكم ألا تذبحوا إلا مسنة ، فإن عجزتم فاذبحوا جذعة من الضأن ... وليس فيه تصريح بمنع الجذعة من الضأن وأنها لا تجزئ .... وأجمعت الأمة على أن الحديث ليس على ظاهره؛ لأن الجمهور يجوزون الجذع من الضأن مع وجود غيره) هذا توجيه النووي رحمه الله للحديث . والراجح : هو قول الجمهور؛ وذلك لقوة دليلهم ، والله أعلم .
عدد الصفحات ٢٩٤مختصر كتاب المناسك 2 فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 136 سن المسنة : قال رحمه الله : فالإِبِلُ خَمْسٌ ، والبَقَرُ سَنَتَانِ ، والْمَعْزُ سَنَةٌ ، والضأْنُ نِصْفُها . الإبل ما تم له خمس ، والبقر ما تم له سنتان ، والمعز ما تم له سنة ، وهذا في الهدي والعقيقة والأضحية ، والضأن نصفها ، ستة أشهر ، وهذا الشرط الثاني . قال رحمه الله : وتُجْزِئُ الشاةُ عن واحدٍ ، والبَدَنَةُ والبقرةُ عن سبعةٍ . تجزئ الشاة عن واحد : عن الإنسان وعن أهل بيته وعن عياله؛ لحديث أبي رافع المتقدم ، أن النبي صلى الله عليه وسلم ضحى وقال [ :اللهم هذا عن محمد وآل محمد]وقد كان تحته تسع نسوة ، ودخل في أضحيته بقية أهله ، وهذا الذي كان يفعله السلف من عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، فإنهم كانوا يضحي الواحد بالشاة عنه وعن أهل بيته الأحياء والأموات ،والبدنة والبقرة عن سبعة؛ لما أخرج الإمام مسلم من حديث جابر رضي الله عنه ، قال : (أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أن نشترك في الإبل والبقر ، كل سبعة منا في بدنة) وتجزئ الأضحية عن الرجل وعن أهل بيته من الأحياء والأموت ، وهذا رأي عامة أهل العلم ، أنها تجزئ ويصح الاشتراك فيها ، وهو مذهب الحنفية ، والشافعية ، والحنابلة ، جماهير أهل العلم ، أن البقرة والبدنة تجزئ عن سبعة ، يشتركون فيها ، وتكون عنهم وعن أهلهم . وقد ذكر شيخنا في رسالة الأضاحي : أن الاشتراك يقع على وجهين : (1 )- اشتراك في الثواب ، بأن يكون مالك الأضحية واحدا ، ويشرك معه غيره من المسلمين في ثوابها ، فهذا جائز ، ولو كثر عدد من شرّكهم ، وذلك لما روى الإمام مسلم عن عائشة مرفوعا ( [يا عائشة هلمي المدية ثم قال : اشحذيها بحجر]ففعلت ، ثم أخذها وأخذ الكبش فأضجعه ثم قال [ :اللهم تقبل من محمد وآل محمد ومن أمة محمد]ثم ضحى به) فهذا اشتراك في الثواب ، والتشريك في الثواب لا حصر له وفضل الله واسع . (2 )- إشراك في الملك ، بأن يشترك شخصان فأكثر في ملك أضحية ، ويضحيا بها ، فهذا لا يجوز ولا يصح أضحيةً ، إلا في إبل وبقر إلى سبعة ، وذلك لأن الأضحية عبادة وقربة إلى الله تعالى ، فلا يجوز إيقاعها ولا التعبد بها إلا على الوجه المشروع زمنا وعددا وكيفية ولو اشترك اثنان في شاة لم تجزأ عنهما. مسألة في الاشتراك : لو اشترك سبعة في بدنة ، ستة منهم يريد الأضحية ، وواحد يريد اللحم ، الراجح أنه يجزئ . قوله : (والبَدَنَةُ والبقرةُ عن سبعةٍ ) أي إلا في العقيقة فإنهما لاتجزئان إلا عن نفس واحدة؛ لأن العقيقة فداء نفس والفداء لابد فيه من التقابل والتكافؤ فتفدى نفس بنفس . قال رحمه الله : ولا تُجْزِئُ العَوراءُ . هذا الشرط الثالث من شروط الأضحية والعقيقة ، أن تكون البهيمة سالمة من العيوب المانعة من الإجزاء شرعا والأصل في العيوب حديث البراء المشهور ، قال : (قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال [ :أربع من الضحايا لا تجوز – وفي رواية لاتجزئ– : العوراء البين عورها ، والمريضة البين مرضها ، والعرجاء البين ظَلَعها ، والهزيلة التي لا تُنْقي ] أخرجه الخمسة وهو صحيح ، هذا حديث الأصل في العيوب .
عدد الصفحات ٢٩٥مختصر كتاب المناسك 2 فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 137 قوله : (العوراءُ ) هي التي انخسفت عينها إلى الداخل ، أو برزت إلى الأمام ، أو ذهبت ، فإذا كانت لا تبصر بعينها وعورها واضح ظاهر ، بأن انخسفت العين أو برزت أو ذهبت بالكلية فإنها لا تجزئ . إذا كانت لا تبصر بعينها ، وليس في عينها شيء ، عينها سليمة ولا تبصر بها ، فهل تجزئ؟ تجزئ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال [الب عورها] ف بد أن يكون العور بينا ، فاشترط شرطين : عوراء ، و بيّن عورها ، فإن كانت عوراء لكن عورها غير بيّن أجزأت . العلة في عدم إجزاء العوراء : 1- تشويه المنظر ، فإن منظرها يكون مشوها ، ولا إشكال في هذا ، يكون في شكلها بشاعة ، وهو يريد أن يقرب إلى الله فلا بد أن يقرب شيئا جميلا في هيئته وصفته وشكله ، وأن يكون كاملا في ذاته وصفاته . 2- قلة الغذاء ، فإن العوراء ليست كالصحيحة ، لأنها ترى من جانب واحد ، فإذا كانت في المرعى فهي ترى جزءا من الشجرة ، بخلاف المبصرة فهي ترى كل الشجرة فتأكل أكثر منها ، ولا تجزئ العمياء من باب أولى قال رحمه الله : وَالعجْفاءُ . هي الهزيلة التي لا مخ فيها ، ولذا قال صلى الله عليه وسلم [ :والعجفاء التي لا تنقي] أي : التي ليس فيها نِقْيٌ ، والنِقْيٌ هو المخ ، فهذه لا تجزئ؛ لأنها ضعيفة البنية ، كريهة المنظر . ذكر شيخنا وغيره - وحتى عامة الناس - أنها قد تكون سمينة لا مخ فيها ، وهذا ممكن ، فهل تجزئ؟ لأنها ليست عجفاء ، والحديث ذكر وصفين [العجفاء التي لا تنقي] فهذه السمينة ، تجزئ ، وهو ظاهر ما يراه شيخنا قال رحمه الله : وَالعَرْجاءُ . وهي التي يكون فيها ظَلَع ، ولكنه صلى الله عليه وسلم ، اشترط في هذا الظلع أن يكون بينا ، فإن كان فيها ظلع لكنه ليس ببين ، فإنها تجزئ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم وصفها بوصفين [عرجاء بين ظلعها]. ضابط العرج : قالوا : أن لا تطيق المشي مع الصحيحات ، فإذا مشت الغنم خلفتها وراءها ، فهذه عرجاء بين ظلعها ، وأما إذا كانت تطيق المشي مع الصحيحات ، تمشي إذا مشت الغنم ، وهي في جملة الغنم ، فهذه تجزئ . قال رحمه الله : وَالهتْماءُ . هي التي ذهبت ثناياها من أصلها ، ما لها ثنايا . علة عدم الإجزاء : 1- أن ذهاب الثنايا تشويه للصورة . 2- أنها لا تستطيع أن ترعى كبقية الأغنام ، لأن رعيها يكون ضعيفا . وقد ذكر ابن تيمية أن الهتماء هي التي ذهبت بعض أسنانها ، والأصحاب يرون ذهاب جميع الثنايا . وما ذكر المؤلف رحمه الله ، من عدم إجزاء الهتماء هو وجه عند الأصحاب. وهناك وجه آخر : أن الهتماء تجزئ ، وهذا الوجه اختاره شيخ الإسلام رحمه الله ، و شيخنا . دليلهم : أنه لا دليل يلحقها بغير المجزئة ، ولا يوجد نص ، ولا هي داخلة تحت المنصوص ولا بمعناه ، ومن قال بعدم الإجزاء فإنه يطالب بالدليل ، ولا دليل على أن الهتماء لا تجزئ .
عدد الصفحات ٢٩٦مختصر كتاب المناسك 2 فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 138 قال رحمه الله : والجَدّاءُ . الجَدّاء : هي التي نشِف ضرعها ، فأصبحت لا تدِر لبنا ، بسبب الكبر ، قالوا : وهذا نقص ، فلا تجزئ . الراجح : أنه تجوز التضحية بها بلا كراهة . ونشاف الضرع إما أن يكون بسبب الكبر أو المرض ، فإن كان نشاف الضرع بسبب المرض فإذا كان المرض بينا فإنها لا تجزئ ، وأما إن كان نشاف الضرع بسبب كبر السن فهي عند الأصحاب لا تجزئ ، لكن الراجح أنه تجوز التضحية بها بلا كراهة؛ لأنه لا نقص في لحمها ولا خلقتها ، واللبن غير مقصود في الأضحية . قال رحمه الله : والمريضَةُ . لا تجزئ المريضة ، لكن النبي صلى الله عليه وسلم اشترط في المريضة أن تكون بينا مرضها ، فإن كان المرض غير بين فإنها تجزئ . والمرض يظهر ويبين بأمرين : 1- بآثاره ، فيظهر على البهيمة الخمول والتعب وعدم الأكل . 2- أو بصورته ، كالجرب ونحوه . ودليل عدم الإجزاء : 1- حديث البراء رضي الله عنه . 2- أن المريضة ناقصة ، فلو أراد الإنسان أن يأكل لحما فسيختار الشاة السليمة . 3- أنه يخشى من لحمها على الإنسان أن تؤثر على صحته . قال شيخنا رحمه الله (ويلحق بهذه الأربع ما كان بمعناها أو أولى ، والخامسة : الزمْنى ، وهي العاجزة عن المشي لعاهة؛ لأنها أولى بعدم الإجزاء من العرجاء البيّن ظلعها ، فأما العاجزة عن المشي لسمن فصرح المالكية بأنها تجزئ؛ لأنه لا عاهة فيها ولا نقص في لحمها ، السادسة : مقطوعة إحدى اليدين أو الرجلين؛ لأنها أولى بعدم الإجزاء من العرجاء البين ظلعها) فيحلق بالعيوب المذكورة ما كان أشد منها ، العوراء : الأشد منها العمياء ، العرجاء : الأشد منها الزمنى ... وهلم جرا ، تلحق بها بقياس الأولى . قال رحمه الله : وَالعضْباءُ . هي التي ذهب أكثر قرنها أو أكثر أذنها ، هذا المذهب ، و أنها لا تجزئ؛ لحديث علي (أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يضحى بأعضب القرن أو الأذن) قال قتادة : فذكرت ذلك لسعيد بن المسيب ، قال (العضْبُ النصف فأكثر من ذلك) أخرجه الإمام أحمد ، والنسائي ، وأبو داود وفيه رجل لا يحتج به ،وفي صحته نظرا . ودليل عدم الإجزاء : 1- أنه عيب، فربما أدمى، ربما يخرج من القرن أو الأذن دم فيؤلم الشاة فيكون كمرضها .2- أنه يقبح منظرها هذا المذهب ، وقوله : (أكثر أذنها ، أكثر قرنها) معناه : إذا ذهب أقل من النصف أجزأت . الجمهور : يرون إجزاء العضباء بلا كراهة؛ لأن في صحة الخبر نظرا ، كما ذكر ابن مفلح ، ولأن الأصل عدم المنع ، ولأن القرن لا يؤكل ، والأذن لا يقصد أكلها ، لكن قد تؤكل عرضا . ولذا ذهب شيخنا رحمه الله إلى صحة الإجزاء مع الكراهة ، ويستدل رحمه الله بحديث علي (أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم ، أن نستشرف العين والأذن ، وألا نضحي بمقابلَة ولا مدابرة ، ولا شرقاء ولا خرقاء) أخرجه الخمسة ، وقال الترمذي : حسن صحيح ، وصححه الحاكم ، ومعنى نستشرف : نطلع عليها ونتحراها .
عدد الصفحات ٢٩٧مختصر كتاب المناسك 2 فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 139 قال المؤلف رحمه الله : بل الْبَتْرَاءُ خِلْقَةً . لما ذكر المؤلف رحمه الله ، مجموعة مما لا يجزئ في الهدي والأضحية ، ذكر ما يجزئ . قوله : (البتراء) : التي ليس لها ذنب ، وقيد المؤلف بأن تكون هكذا خلقة ، ولدت بلا ذنَب ، وإن قطع ذنبها أو ذيلها فمفهوم كلام المؤلف أنها لا تجزئ؛ قياسا على العضباء ، وقد تقدم أن العضباء التي قطع أكثر قرنها أو أذنها لا تجزئ؛ فكذلك البتراء؛ لأنها تستفيد من الذيل أكثر من القرن ، ولأن له منفعة . وظاهر كلام الأصحاب : أنها تجزئ مطلقا ، سواء كانت مخلوقة بلا ذنب ، أو مقطوعتَه ، وهذا رأي ابنِ قدامة ، واختاره شيخنا ، وهو المذهب؛ لأن الذنب غير مقصود ، وبناء عليه فيكون الماتن قد خالف المذهب ، إذ المذهب أن مقطوعة الذنب بفعل فاعل فإنها على المذهب تجزئ . مقطوعة الألية : قالوا : لا تجزئ؛ لأن الألية مقصودة ، وذات قيمة ، فالناس يستفيدون منها بأكلها ، وجعلها ودَكا ، ويستفيدون من شحمها. قال رحمه الله : وَالجَمّاءُ . أي التي لم يخلق لها قرن ، فهذه تجزئ ، وعكسها : القرناء ، التي لها قرن ، والجماء على الصحيح من المذهب تجزئ ، ولا إشكال فيها ، وإن كانت القرناء أفضل منها ، وذلك لحديث الجمعة [فكأنما قرب كبشا أقرن]متفق عليه ، فكونه صلى الله عليه وسلم ، يذكر هذا في الفضل ، يدل على أن القرناء أفضل من الجماء . قال رحمه الله : وَخَصيٌّ غيرُ مجبوبٍ . الخصي : ما قطعت خصيتاه ، قطعت أو رُضّت ، فهو مجزئ ، مع أنه ناقص الخلقة ، الخصي أقل خلقة من الفحل غير المخصي ، إلا أنه تجزئ التضحية به ، وقد ذهبت طائفة كبيرة من أهل العلم إلى الإجزاء ، فهو رأي عطاء، والشعبي، ومذهب الحنفية، والمالكية ، والشافعية ، والحنابلة ، بل قال ابن قدامة (لا نعلم فيه خلافا) أدلتهم : الدليل الأول : حديث أبي رافع ، وفيه (أن النبي صلى الله عليه وسلم ضحى بكبشين موجوءين) وهذا لفظ الإمام أحمد رحمه الله الدليل الثاني : أن الخصاء إذهابُ عضو غير مستطاب ، يطيب اللحم بذهابه ويسمن ، ولا إشكال في هذا ، فإن ذهاب الخصيتين من الفحل يزيد في سمنه ، ويطيب لحمه ، ويذهب الرائحة المنتنة التي تكون في الفحل . قوله : (وخصيٌّ غيرُ مجبوبٍ ) إن كان مجبوبا فظاهر كلام المؤلف رحمه الله أنه لا يجزئ ، والمجبوب : مقطوع الذكر مع الخصيتين ، وهو لا يجزئ على الصحيح من المذهب؛ لأن قطع الذكر لا يزيد ولا يطيب اللحم ، لا فائدة من قطعه ، وهو قطع عضو ، فيشبه قطع الأذن ، هذا المذهب . وذهب الحنابلة في قول إلى أن المجبوب يجزئ ، ولا يؤثر قطع الذكر في الإجزاء شيئا؛ لأن الذكر غير مقصود ، ولعدم الدليل على عدم الإجزاء ، وقد تقدم أن الأصل في البهائم الإجزاء ، ومن خالف طولب بالدليل الراجح : إجزاء المجبوب ، والله أعلم ، وكذا لو كان مجبوبا من دون وجء (قطع الخصيتين) . قال رحمه الله : وما بأُذُنِه أو قَرْنِه قَطْعٌ أَقَلُّ من النِّصْفِ . تقدم أن العضباء التي قطع أكثر قرنها أو أذنها على كلام الماتن لا تجزئ .
عدد الصفحات ٢٩٨مختصر كتاب المناسك 2 فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 140 إذا كان القطع أقل من النصف فهل تجزئ أو لا؟ تجزئ مع الكراهة ، وكذا إذا كان القطع للنصف ، وهذا رأي جمهور العلماء ، لحديث علي رضي الله عنه ، أنه قال : (أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم ، أن نستشرف العين والأذن ، ولا نضحي بمقابلَة ولا مدابرة ، ولا شرقاء ولا خرقاء) والمقابلَة : التي شُقت أذنها من الأمام عرضا ، والمدابرة : التي شقت من الخلف عرضا ، والشرقاء : التي قطعت أذنها طولا ، والخرقاء : التي خُرقت أذنها ، فتحت فيها فتحة ، الخلاصة : ما بأذنه أو قرنه قطع أقل من النصف ، فإنه تجزئ التضحية به . وخالف المؤلف المذهب هنا أيضا ، أن ما قطع نصف قرنها أو أذنها لا تجزئ ، والمذهب أنها تجزئ ، معنى قوله : إذا قطع النصف فما فوقُ لم تجزئ ، والمذهب : من النصف فما دون تجزئ . قال شيخنا رحمه الله في رسالة الأضحية : " تنقسم العيوب إلى ثلاثة أقسام : القسم الأول : ما دلت السنة على عدم إجزائه ، وهي أربع : 1- العوراء البين عورها . 2- المريضة البين مرضها . 3- والعرجاء البين ظلعها . 4- العجفاء التي لا تنقي . هذه جاء النص على عدم إجزائها كما في حديث البراء ، ويقاس عليها ما كان مثلها أو أولى منها . القسم الثاني : ما ورد النهي عنه دون الإجزاء . وهذه ما جاءت في حديث علي ، وهي ما في أذنها أو قرنها عيب من خرق أو شق طولا أو عرضا ، أو قطع دون النصف؛ لأن النهي في حديث البراء يدل على الحصر وعدم الإجزاء فيها دون غيرها . القسم الثالث : عيوب لم يرد النهي عنها ، لكنها تنافي كمال السلامة . فهذه لا تكره التضحية بها ولا تحرم ، وإن كان عيبا مثل العوراء التي عورها غير بين ، ومثل العرجاء عرجا يسيرا ، فهذه عيوب لا تمنع الإجزاء ولا توجب الكراهة؛ لعدم الدليل ، والأصل الإجزاء" اهـ . قال رحمه الله : و (السُّنَّةُ ) نَحْرُ الإبِلِ قائمةً مَعْقُودَةً يَدُها الْيُسْرَى . سيتكلم المؤلف عن طريقة ذبح الهدي والأضاحي والعقائق .والسنة، أن الإبل تنحر قائمة ، معقولة يدها اليسرى الأدلة : الدليل الأول : قول الله تبارك وتعالى {فَاذْكُرُوا اسْمَ اللََّهِ عَلَيْهَا صَوَافََّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا} قوله : (صواف) : قائمة على ثلاث قوائم ، معقولة اليد الرابعة اليسرى ، (فإذا وجبت) : سقطت على جنبها ، فإذا نحرت فإنها ستتحرك وتسقط على الجهة اليسرى ، وبهذا ينبعث الدم المسفوح من منحرها ، وبه تطيب . الدليل الثاني : عن زياد بن جبير ، قال : (أتى ابن عمر على رجل أناخ بدنته لينحرها فقال : ابعثها قياما مقيدة ، سنةَ محمد صلى الله عليه وسلم) . أخرجه الإمام البخاري ومسلم. وذهب إلى استحباب هذه الكيفية المالكية ، والشافعية ، والحنابلة ، وهو رأي إسحق ، وابن المنذر . وقد ذهب الحنفية رحمهم الله ، إلى أنه يخير بين نحرها قائمة ونحرها باركةً .
عدد الصفحات ٢٩٩مختصر كتاب المناسك 2 فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 141 الراجح : القول الأول ، ولا شك أنه السنة والأفضل ، وهو الثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم ، لكن إن لم يستطع أن ينحرها قائمة جاز أن ينحرها باركة ، كأن يخشى أن تنفر منه ، كما قال الإمام أحمد رحمه الله : (وينحر الإبل معقولة على ثلاث قوائم ، فإن خشي عليها أن تنفر أناخها) وهذا لا يعدو أن يكون سنة ، وكيفما حصل الذبح وإنهار الدم أجزأت ، باركة أو على جنب أو قائمة . قال رحمه الله : فيَطْعَنُها بالْحَرْبَةِ في الْوَهْدَةِ التي بينَ أَصْلِ العُنُقِ والصدْرِ . طريقة النحر : أن يطعنها بحربة أو سكين أو رمح ، في الوهدة ، وهي المنخفض الذي في أصل العنق ، المنطقة التي بين العنق والصدر ، ثم يسحب السكين أو الرمح أو الخنجر ، يسحبها من أجل أن يقطع الحلقوم والمريء ، وبذلك ينبعث الدم منها . قال رحمه الله : ويَذْبَحُ غَيْرَها ، ويَ جوزُ عَكْسُها . النحر للإبل ، وأما غيرها فتذبح ، البقر والغنم ، فإن جاء بالعكس ، ذبح الإبل ونحر البقر والغنم جاز ، لكن الإبل الأفضل فيها أن تنحر نحرا؛ لأنه أريح لها ، وأقل إيلاما؛ لأن رقبتها طويلة ، فلو ذبحت ذبحا فإن هذا سيؤدي إلى إيلامها؛ لأن الدم حتى يصل من القلب إلى محل الذبح يقطع مسافة طويلة ، بخلاف النحر ، فإنه يكون في الوهدة التي في أصل العنق ، وهي قريبة من القلب ، فينبعث الدم ، ويكون سريعا في موتها . كذلك البهائم الأخرى ، النحر بالنسبة لها أشد إيلاما من الذبح ، فتذبح ذبحا ، حتى الخيل ، تذبح ذبحا . فإن قال قائل : أليست أسماء رضي الله عنها تقول (نحرنا فرسا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم)؟ فالجواب : بلى ، ولكن أهل العلم رحمهم الله ، وجهوا هذا بأن النحر المراد به الذبح . قال رحمه الله : ويقولُ (باسمِ اللهِ واللهُ أَكْبَرُ ، اللهمَّ هذا منكَ ولكَ ) . يقول بسم الله : وجوبا . والله أكبر : استحبابا . والتسمية، شرط من شروط حل الذبيحة، لا تسقط بحال، لا بجهل ولا نسيان، ويجب الإتيان بها؛ لأن الله تبارك وتعالى يقول {وَ تَأْكُلُوا مِمََّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللََّهِ عَلَيْهِ} وقال صلى الله عليه وسلم [ما ذكر اسم الله عليه، وأنهر الدم فكل] قوله : (اللهم هذا منك ولك) : وقال بعضهم إن قال : (اللهم تقبل مني كما تقبلت من إبراهيم خليلِك ) فلا بأس به ، قاله شيخ الإسلام وغيره ، إن قال هذا أو هذا فلا بأس . قوله : (هذا منك) : أي عطاء ورزقا ، وقوله : (ولك) : أي تعبدا وطاعة وإخلاصا . قال رحمه الله : ويَتَوَلَّاهَا صاحبُها . الذي يتولى ذبح الأضحية والعقيقة والهدي صاحبها؛ لأنها له ، وهو المسؤول عن هذه العبادة ، والمراد من العبادة ظهور آثارها عليه ، وحصول التقوى له بفعلها ، هذا لب وجوهر العبادة ، ليس المقصود أن يخرج الإنسان دراهمَ هكذا ، إنما المقصود ظهور آثار هذه العبادة على الإنسان قال الله تعالى {وَلَكِن يَنَالُهُ التََّقْوَى مِنكُمْ}وهذا يحصل بمباشرة العبادة ، والتلبس بها ، أما أن يعطي دراهم ويوكل شخصا بذبحها ، فلا تظهر آثار هذه العبادة عليه ، فرق شاسع بين إنسان تولى ذبح أضحيته أو هديه أو عقيقة ولده بنفسه ، وبين آخر دفع الدراهم ولم يباشر ، لأن ملابسة العبادة فيها شعور بالتقوى والتقرب إلى الله عز وجل ،فإن لم يستطع أن يتولاها فإنه يوكل في ذبحها، سواء كان جاهلا بالذبح ، أو لا يستطيع أن يتولاها لكونه مشغولا بمرض أو عمل .
عدد الصفحات ٣٠٠مختصر كتاب المناسك 2 فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 142 قال رحمه الله : أو يُوَكِّلُ مُسْلِمًا ويَشْهَدُها . قوله : (ويشهدها) : أي يحضر حال الذبح ، ولا شك أنه سيكون مؤثرا على قلبه ، وإن لم يباشر الذبح . قوله : (مسلما) : فهم منه أنه لا يوكل كافرا ، ولا خلاف بين أهل العلم رحمة الله عليهم ، أنه لا يجوز توكيل غير الكتابي ، لا خلاف بينهم فيه؛ لأن ذبيحة غير الكتابي لا تحل أبدا ، كالبوذي والمجوسي . توكيل الكتابي في ذبح الأضحية : توكيل الكتابي في ذبح الأضحية جائز؛ لأن ذبائح أهل الكتاب حلال قال الله تعالى {الْيَوْمَ أُحِلََّ لَكُمُ الطََّيَِّبَاتُ وَطَعَامُ الََّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حِلٌَّ لََّكُمْ} والمراد بطعامهم : ذبائحهم ، فهي حلال للمسلمين ، بشرط أن يذكروا اسم الله عليها ، فإن لم يذكروا اسم الله عليها فإنها حرام لا تحل ، كما أن ذبيحة المسلم التي لم يذكر اسم الله عليها لا تحل ، فإن ذكروا غير اسم الله عليها فهذه حرام لا إشكال فيها ، لأنه أهلَّ عليها بغير اسم الله عز وجل ، مع أنه قد ينازع منازع ويقول : الهدي لا يتصور فيه هذا؛ لأن الكافر ممنوع من دخول الحرم ، ومن شرط ذبحها أن تكون في الحرم ، لكن في الأضحية والعقيقة ، هل يجوز أو لا؟ . القول الأول : أنه يستحب ألا يذبح الأضحية والعقيقة إلا مسلم ، فإن وكل كتابيا أجزأت مع الكراهة ، إليه ذهب الحنفية ، الشافعية ، والحنابلة ، وهو رأي أبي ثور ، وابن المنذر . أدلتهم : الدليل الأول : أن الكتابي يجوز له ذبح غير الأضحية ، فيجوز له ذبح الأضحية . الدليل الثاني : أنه يجوز أن يتولى الكافر ما كان قربة للمسلم ، كبناء المساجد، فيجوز له أن يذبح أضحية المسلم القول الثاني : أنه لا يجوز أن يذبحها إلا مسلم ، فإن ذبحها كافر لم تكن أضحية ، بل تكون شاة لحم ، و إليه ذهب المالكية ، والحنابلة في رواية . أدلتهم : الدليل الأول : أن الذبح عبادة ، فلم يصح أن يوكل فيها كتابيا؛ لأنه ليس من أهل القربة ، أي : لا يصح أن يتقرب إلى الله عز وجل؛ لأنه فاقد لشرط صحة العمل وهو الإيمان ، فليس من أهل القربة ، وأضحيته لا تجزئ ، وإن كانت الذبيحة حلالا إذا ذكر اسم الله عليها ، لكن عندنا حل ذبيحة ، وكونها أضحية ، الحل هي حلال ، لكنها لا تجزئ عن الأضحية . الدليل الثاني : تعليل قد يناقَش ، أن الشحوم تحرم علينا مما ذبحوا . وهذا غير مسلم لهم ، بل الشحوم من الذبائح التي ذبحوها حل لنا ، وإن كانت حراما عليهم هم . قال رحمه الله : وَوَقْتُ الذبحِ بعدَ صلاةِ العيدِ أو قَدْرُه إلى يومينِ بعدَه . يبين المؤلف : وقت الذبح متى يبدأ ، وأنه بعد صلاة العيد أو بعد قدر صلاة العيد لمن لا صلاةَ عيدٍ عندهم . وهذه المسألة فيها خلاف كبير بين أهل العلم . وقت الذبح : يقسم الكلام إلى قسمين: وقت الذبح لمن عندهم صلاة عيد ومن ليس عندهم صلاة عيد، كالمسافرين وأهل البوادي وقت الذبح لمن عندهم صلاة عيد : اختلف العلماء رحمهم الله في هذه المسألة على أقوال : القول الأول : أنه من بعد صلاة العيد ، يبدأ الذبح، و إليه ذهب الحنفية، وهو الصحيح من المذهب عند الحنابلة
عدد الصفحات ٣٠١مختصر كتاب المناسك 2 فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 143 أدلتهم : الدليل الأول : عن جندب بن عبد الله رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم [ :من ذبح قبل أن يصلي فليعد مكانها أخرى] متفق عليه ، فالذبح بعد الصلاة . الدليل الثاني : عن البراء رضي الله عنه ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال [ :من صلى صلاتنا ونسك نسكنا ، فقد أصاب النسك ، ومن ذبح قبل أن يصلي فليعد مكانها أخرى]متفق عليه . القول الثاني : أن الوقت يبدأ من بعد ذبح إمام صلاة العيد أو قدره ، إن لم يذبح لعذر ، فإن لم يذبح لغير عذر فمن بعد الصلاة ، و إليه ذهب المالكية رحمهم الله ، فهم يربطون بذبح الإمام . القول الثالث : أن الوقت يبدأ من بعد مضي قدر الصلاة ، سواء صلى الإمام أم لم يصل ، و إليه ذهب الشافعية قوله : (أو قدره) : هذا بالنسبة لمن لا يصلون العيد ، لكونهم بادين في البراري ، أو مسافرين . وقت الذبح لمن لا صلاة عندهم : القول الأول : أنه يبدأ من بعد مضي قدر الصلاة ، وهو مذهب الحنابلة ، كما قال : (أو قدره) . القول الثاني : يبدأ من طلوع الفجر يوم النحر ، وهذا مذهب الحنفية رحمهم الله . القول الثالث : يبدأ من بعد ذبح أقرب الأئمة إليهم ، وهذا قول المالكية . القول الرابع : من بعد مضي قدر الصلاة والخطبة بعد دخول الوقت ، وهذا قول الشافعية . الراجح : ما ذكر المؤلف ، وهو مذهب الحنابلة ، أنه يبدأ من بعد صلاة العيد أو قدر وقتها إذا كانوا لا يصلون . قوله : (إلى يَومينِ بعدَهُ ) بعد يوم العيد ، فتكون ثلاثة أيام . أيام الذبح : هذه المسألة مما اختلف فيه أهل العلم على ثلاثة أقوال : القول الأول : أن وقت الذبح يوم العيد ويومان بعده ، و إليه ذهب الحنفية ، والمالكية ، والحنابلة . أدلتهم : أنه مروي عن غير واحد من الصحابة كابن عمر، وأنس، وابن عباس رضي الله عنهم لكنها بأسانيد ضعيفة . القول الثاني : أن الذبح يكون في يوم العيد فقط ، و إليه ذهب ابن سيرين . دليله : أن يوم العيد هو اليوم الذي يسمى يوم النحر ، وما سواه لا يسمى يوم نحر . القول الثالث : أن وقت الذبح يكون في يوم العيد وفي ثلاثة أيام بعده ، و إليه ذهب علي رضي الله عنه ، وهو رأي الحسن ، وعطاء ، وهو مذهب الشافعية ، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية ، وشيخنا ابن عثيمين رحمهم الله أدلتهم : الدليل الأول : قول النبي صلى الله عليه وسلم [أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر لله عز وجل] أخرجه الإمام مسلم ، فجعل الأيام الثلاثة أيام أكل أي لما يذبح فيها . الدليل الثاني : عن جبير بن مطعم رضي الله عنه ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال [ :كل أيام التشريق ذبحٌ ]
عدد الصفحات ٣٠٢مختصر كتاب المناسك 2 فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 144 الراجح : هو القول الأخير والله أعلم ، أن أيام النحر ثلاثة أيام بعد يوم العيد ، التي هي الحاديَ عشر والثانيَ عشر والثالث عشر ، مع يوم العيد؛ لأنها أيام أكل ، يُذبح فيها حتى تؤكل هذه الذبائح . خروج الإمام بأضحيته إلى المصلى وذبحها هناك : هذه المسألة ذكرها العلماء ، لما روي عن ابن عمر ، قال : (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يذبح وينحر بالمصلى). أخرجه الإمام البخاري ، يخرج بها معه ، ويذبحها وينحرها بالمصلى ، وهذا لو فعل الآن لكان فيه إحياء سنة ، وأن الناس يقتدون بالإمام في الذبح . قالوا : وإذا خرج الإمام بأضحيته فلا ينحر أحد حتى ينحر الإمام . ولا ينحر أحد حتى ينتهي الإمام من خطبته ، وذلك لما روي عن جابر رضي الله عنه (أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بهم يوم النحر بالمدينة ، فسبقهم رجال فنحروا ، وظنوا أن النبي صلى الله عليه وسلم قد نحر ، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم ، من كان نحر قبله أن يعيد بنحر آخر ، ولا ينحر حتى ينحر النبي صلى الله عليه وسلم) أخرجه الإمام مسلم. الذبح في الليل : قال رحمه الله : ويُكْرَهُ في ليلتِهما . يكره الذبح في ليلة الحادي عشر وليلة الثاني عشر ، فيكون الذبح في النهار لا الليل . وهذه المسألة (الذبح ليلا) اختلف فيها على ثلاثة أقوال : القول الأول : أنه يجزئ النحر ليلا، وإليه ذهب الحنفية، والشافعية، وهو الصحيح من مذهب الحنابلة، وإن كان الحنابلة يرون أنه مكروه، لكنه مجزئ . أدلتهم : الدليل الأول : أن الليل زمن يصح فيه الرمي ، فأشبه النهار ، وهذا مبني على مسألة جواز الرمي ليلا ، وقد يناقش مناقش ويقول : أنا لا أسلم لكم أنه يجوز الرمي ليلا . الدليل الثاني : أن الليل داخل في مدة الذبح ، فجاز الذبح فيه؛ لأنه ضمن هذه المدة . القول الثاني : أن الذبح ليلا لايجزئ ، و إليه ذهب المالكية ، والحنابلة في رواية . أدلتهم : الدليل الأول : قول الله تعالى {وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللََّهِ فِي أَيََّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ}فذكر الأيام ، والليل غير داخل في مسمى اليوم . الدليل الثاني : حديث جبير بن مطعم السابق [كل أيام التشريق ذبح]فذكر لفظ اليوم . الراجح : القول الأول والله أعلم ، أنه يجزئ الذبح ليلا ، وذلك للأدلة السابقة ، ولأنه ليس هناك دليل يدل على عدم الذبح ليلا ، نعم يقال : إن كان الذبح ليلا يؤدي إلى عدم تفرقة اللحم ، أو يؤدي إلى تغير اللحم ، هنا يكون الذبح ليلا مكروه ، لا لذاته ، بل لأمر خارج عنه ، والله أعلم .
عدد الصفحات ٣٠٣مختصر كتاب المناسك 2 فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 145 قال المؤلف رحمه الله : فإنْ فاتَ قَضَى واجِبَه . إن لم يذبح في وقت الذبح فإنه يقضي الواجب الذي عليه؛ لأن الأضحية تتعين بالتعيين ، وكذلك الهدي ، فإذا فات وقته ، وكان معذورا بفوات الوقت فإنه يذبح الهدي الذي وجب في ذمته ، ولو لم يذبحه متعمدا فإنه يجب عليه قضاء واجبه؛ لأن الهدي والأضحية يتعينان بالتعيين ، أما الهدي فهو واجب عليه إذا كان هدي قران أو تمتع ، فإذا فات وقته (أيام التشريق) لزمه ذبحه ، ويكون آثما بتأخيره عن وقته ، فإن نسي الهدي فإنه يذبحه متى ما تذكر ، وكذا الأضحية ، إذا فات وقت الأضحية (على المذهب يوم النحر ويومان بعده والراجح أنه يوم النحر وثلاثة أيام بعده كما هو مذهب الشافعية وعلي رضي الله عنه وطائفة من أهل العلم) إذا فات وقت الأضحية لزم أن يذبح الأضحية التي عينها ، ويذبح الأضحية الواجبة ، وهي الأضحية المنذورة . فإن كانت الأضحية غير واجبة لم يلزمه الذبح حينئذ؛ لأنها ليست واجبة ، والمؤلف يقول (قضى واجبه) فالواجب يقضيه ، وغير الواجب لا يلزمه قضاؤه . بم تتعين الأضحية : قال رحمه الله : ويَتَعَيَّنَانِ بقَولِه : (هذا هَدْيٌ أو أُضْحِيَةٌ ) لا بالنِّيَّةِ . إذا قال : هذا هدي ، أو أضحية ، بقصد الإنشاء لا الإخبارِ ، فإن هذه البهيمة تتعين؛ لأنه لفظ يقتضي الإيجاب ، فترتب مقتضاه عليه . ويتعينان بالفعل مع النية ، مثلما لو أشعره ، أو قلده ، مع النية أن هذا هدي أو أضحية ، فإنه يصبح متعينا؛ لأن الفعل مع النية يقوم مقام اللفظ ، مثلما أن الفعل يدل على المقصود ، كمن بنى مسجدا وأذن للناس بالصلاة فيه ، فإنه يصبح مسجدا ، فالفعل مع النية يدل على المقصود . قوله : (لا بالنية) : أي لا يتعين الهدي والأضحية بالنية ، فإذا اشترى شاة ونوى أن تكون أضحية أو هديا لم تتعين ، وهذه المسألة محل خلاف على قولين ، وسبب الخلاف : الخلاف في حكم الأضحية ، هل هي واجبة أو لا؟ فمن قال إنها واجبة قال : تتعين بالنية مع الشراء؛ لأنه فعل الواجب عليه بالشراء ، وإن قيل : الأضحية غير واجبة ، فلا بد من اللفظ ، وكما تقدم ، المسألة فيها خلاف على قولين : القول الأول : أن الأضحية والهدي لا يتعينان بالنية ، بل لا بد فيهما من النية واللفظ ، و إليه ذهب المالكية ، والشافعية ، والحنابلة . دليلهم : قالوا : إنه إزالة مِلك على وجه القربة فلم تؤثر فيه النية المقارنة للشراء ، كالصدقة والعتق والوقف . فلو أن إنسانا أراد أن يشتري سلعة يتصدق بها ، فاشترى هذه السلعة بنية الصدقة ، فهل يلزمه أن يتصدق بها؟ الجواب : لا يلزمه ، إن أراد أن يتصدق فله وإن أحجم فله ، وتعليلهم قوي ، فقاسوا الأضحية على الصدقة والوقف ، فإنها لا تلزم إلا بالقول أو الفعل بعد الشراء . القول الثاني : أن الهدي والأضحية يتعينان بالنية مع الشراء ، و إليه ذهب الحنفية ، والحنابلة في قول . دليلهم : لأنه مأمور بشراء أضحية ، فإذا اشتراها بالنية وقعت عنها ، كالوكيل ، فإن الوكيل إذا اشترى لموكله سلعة ونوى أنها لموكله فإنها لموكله . قال رحمه الله : وإذا تَعَيَّنَتْ لم يَجُزْ بَيْعُها . يذكر المؤلف بعض الأحكام المترتبة على تعيين الأضحية والهدي .
عدد الصفحات ٣٠٤مختصر كتاب المناسك 2 فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 146 إذا تعينت لم يجز بيعها ، فإذا قال : هذه أضحية ، أو هذا هدي ، لم يجز أن يبيعها كالوقف؛ لأنها أصبحت معينة ، وقد تقرب بها إلى الله عز وجل ، وهي صدقة والصدقة لا يجوز بيعها . ويستدل لهم بحديث عمر رضي الله عنه ، حينما حمل على فرس في سبيل الله ، فضيعها من حمل عليها ، فأراد عمر أن يشتريها ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم [ :لا تشترها ولو أعطاكها بدرهم] فإذا أخرج الإنسان الشيء لله ، لم يجز له العود فيه . ويقول العلماء : لا يجوز بيعها حتى لو هزُلت أو نقَصت ؛ لأنه أخرجها لله . قال رحمه الله : ولا هِبتها إلا أن يُبْدِلَها بِخَيْرٍ منها. لو أرد أن يهبها أو يتصدق بها ، ليس له الحق في ذلك ، بل لا بد أن يذبحها؛ لأنه أخرجها لله عز وجل ، إلا إذا أعطى شخصا أضحيته ، وأخذ منه ما هو خير منها ، فإنه يجوز ، فالإبدال يجوز ، فإن قيل : الإبدال نوع من البيع ، فالجواب : نعم ، هو نوع من البيع ، لكن البيع غالبا يكون بالنقد ، والإبدال يكون بغير النقد ، بعين . مثال : لنفرض أنه كانت عنده شاة تساوي ألف ريال ، فوجد شاة تساوي ألف وخمسمائة ريال ، فقال لصاحب الشاة : سأعطيك شاتي وآخذ مكانها شاتك ، وسأزيدك خمسمائة ريال ، قالوا : لا بأس به . ويقال : إنه هنا زادها خيرا؛ لأنه إذا أخذ ما هو أثمن وأغلى وأكبر فإنه سيكون فيه نفع للفقراء . وعلم من قوله (إلا أن يبدلها بخير منها) أنه لو باعها ليشتري خيرا منها فإنه لا يجوز. والصحيح من المذهب : أنه يجوز له بيعها ليشتري خيرا منها . وشيخنا ابن عثيمين رحمه الله ، رأى أنه لا يجوز من باب سد الباب ، لئلا يتلاعب الناس في أضاحيهم ، فيبيع الإنسان من أجل أن يشتري خيرا منها ، ثم يشتري ما هو أقل . قال رحمه الله : ويَجُزُّ صُوفَها ونحوَه إن كان أَنْفَعَ لها ويَتَصَدَّقُ به . هذه المسائل مترتبة على قضية التعيين؛ لأنه لما عينها أصبحت كلها لله عز وجل ، لا يجوز له التصرف فيها . ومن ذلك أنه يجز صوفها ونحوه كالشعر والوبر ، إن كان في جز الصوف نفع لها ، فإن لم يكن فيه نفع فلا . أحوال جز الصوف : الحال الأولى : أن يكون جز صوفها أنفع لها ، فيجزه حينئذ ، كما لو كان الجو حارا ، وكما لو كان فيها جرح يريد مداواته ، فيجز ما حول الجرح ، فهذا أنفع لها . الحال الثانية : أن يكون جز الصوف يضرها ، فلا يجوز جزه ، كما لو كان الجو باردا . الحال الثالثة : أن يستوي الحالان ، فيمنع من جز الصوف حينئذ . قوله : (ويتصدق به) : ظاهر كلام المؤلف أنه لا ينتفع به ، يتصدق بالصوف؛ لأن هذه الذبيحة أخرجها لله عز وجل ، فليس له أن يأخذ منها شيئا ، بل يخرجها لله عز وجل . وذهب بعض الأصحاب إلى أن الصدقة به مستحبة ، وله الانتفاع به . وقالوا : يجوز له أن ينتفع بجلدها ، فبشعرها وصوفها من باب أولى ، وهذا الذي رجحه شيخنا .
عدد الصفحات ٣٠٥مختصر كتاب المناسك 2 فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 147 قال رحمه الله : ولا يُعْطِي جَازِرَها أُجْرَتَه منها . لا يعطي الجزار الذي جزرها الأجرة من لحمها ، بل يعطيه مالا من عنده ، وهذا رأي عامة أهل العلم رحمة الله عليهم ، فهو مذهب الحنفية ، والمالكية ، والشافعية ، والحنابلة . أدلتهم : الدليل الأول : عن علي رضي الله عنه ، قال : (أمرني النبي صلى الله عليه وسلم ، أن أقوم على بُدْنه ، وأن أقسم جلودها وجِلالَها ، وأن لا أعطي الجازر منها شيئا ، وقال [نحن نعطيه من عندنا] )متفق عليه . الدليل الثاني : أن ما يدفعه للجزار عوض عن عمله وجزارته ، ولا يجوز المعاوضة منها بشيء . وقد ذكر الفقهاء أنه يجوز له أن يُهديه أو أن يتصدق عليه من لحمها ، بشرط أن لا ينقص ذلك من أجرته شيئا ، فإن نقص من أجرته شيئا لم يجز؛ لأن النقص يدل على أنه قد عاوضه منها ، وهذا أمر لا يجوز . قال رحمه الله : ولا يَبيعُ جِلْدَها ولا شيئًا منها بل يَنْتَفِعُ به . لا يبيع جلدها ، سواء كانت تطوعا أم واجبة؛ لأنه أخرجها لله عز وجل ، وما أخرج لله وفي سبيل الله لم يجز له أن يبيع منه شيئا ، ويستدل بحديث عمر السابق ، في قصة الفرس التي حمل عليها في سبيل الله ، فضيعها من حمل عليها ، فأراد أن يشتريها عمر ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : (لا تشترها ولو أعطاكها بدرهم) فمن أخرج شيئا لله عز وجل لم يجز له بيع شيء منه ولا شراؤه ولا العود فيه . قال رحمه الله : وإن تَعَيَّبَت ذَبَحَها وأَجْزَأَتْه . فلو تعيبت بعد التعيين فإنه يذبحها ، فلو سقطت وانكسرت رجلها ، أو عدا عليها ذئب فأكل منها ، يذبحها وتجزئه ، وإلى هذا ذهب الجمهور ، فهو رأي عطاء ، والحسن ومذهب المالكية ، والشافعية ، والحنابلة . أدلتهم : الدليل الأول : عن أبي سعيد رضي الله عنه ، أنه قال : (ابتعنا كبشا نضحي به ، فأصاب الذئبُ من أليته ، فسألنا النبي صلى الله عليه وسلم ، فأمرنا أن نضحي به) .أخرجه الإمام أحمد ، وابن ماجه ، وهو ضعيف . الدليل الثاني : القياس على الوديعة ، فلو كانت عند الإنسان فتعيبت من غير تعد ولا تفريط ، فإنه لا يضمنها . القول الثاني : أن الأضحية إذا تعيبت لا تجزئ ، و إليه ذهب الحنفية ، والحنابلة في رواية . دليلهم : أن الأضحية واجبة ، فلا تبرأ ذمته منها إلا بإراقة دمها سليمةً . الراجح : القول الأول ، أنها إذا تعيبت بعد أن تعينت وكان من غير تعد منه ولا تفريط أجزأته . أحوال التعيب : 1- أن يكون بتعد منه وتفريط . 2- أن يكون بغير تعد منه . فإن كان بتعد منه وتفريط فإنه يضمنها بمثلها ، والتفريط هو ترك ما يجب ، والتعدي فعل ما لا يجوز . وأما إن كان بغير تعد منه ولا تفريط ، فلا يخلو إما أن تكون واجبة قبل التعيين كالمنذورة ، وإما أن تكون غير واجبة قبل التعيين ، فإن كانت واجبة لزمه أن يضمنها بمثلها ، وإن كانت غير واجبة ، فإنه لا ضمان عليه
عدد الصفحات ٣٠٦مختصر كتاب المناسك 2 فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 148 مسألة : إذا تغيبت فذبح بدلها ، ثم حصلها - ضاعت بتعد أو تفريط منه ، فأتى ببدلها ، وذبحه ثم وجدها - فهل يلزمه الذبح حينئذ أو لا؟ قولان لأهل العلم ، قول بأنه يلزمه أن يذبحها ، وقول بعدم الوجوب – وهو الراجح -؛ لأن البدل له حكم المبدل منه ، وقد برئت ذمته . قال رحمه الله : إلا أن تكونَ واجبةً في ذِمَّتِ ه قبلَ التعيينِ . إذا كانت واجبة في ذمته قبل التعيين لزمه البدل ، مثل هدي القران والتمتع ، ومثل الأضحية المنذورة ، فإنه يلزمه أن يذبح مثلها ، على الصورة التي وجب عليها ، وهو وجب كاملا سالما من كل عيب . ويقولون : الواجب قبل التعيين يلزمه بدله و ذبحه أيضا؛ لأنه تعين لله عز وجل ، أما البدل فلأنه بدل عن الواجب في ذمته ، وأما المبدل منه (المتعيب) فإنه أخرجه لله عز وجل ، فيلزمه أن يذبحه . قال رحمه الله : والأضحيةُ سنةٌ . بين المؤلف رحمه الله حكم الأضحية ، وأنها ليست واجبة ، بل هي سنة يتطوع بها الذي يذبحها يتقرب بها إلى الله عز وجل ، فليست واجبة عليه . حكم الأضحية : اختلف العلماء في حكم الأضحية على قولين : القول الأول : أن الأضحية سنة مؤكدة ، يكره للقادر عليها تركها ، وإليه ذهب المالكية ، والشافعية ، والحنابلة . أدلتهم : الدليل الأول : عن أم سلمة رضي الله عنها ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال [ :إذا دخلت العشر وأراد أحدكم أن يضحي ]... أخرجه الإمام مسلم . وجه الاستدلال : أن النبي صلى الله عليه وسلم علق الحكم بالإرادة ، ومعلوم أنه لو كانت واجبة ، لم يعلق النبي صلى الله عليه وسلم الحكم بالإرادة . نوقش الاستدلال : بأن تعليق الحكم بالإرادة والمشيئة لا يدل على عدم الوجوب ، بل قد يكون الشيء معلقا بالإرادة وهو واجب قال الله تعالى {هُوَ إِلََّا ذِكْرٌ لَِّلْعَالَمِينَ (27 )لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ (28 })وهل الاستقامة واجبة أو لا؟ واجبة ، هذا الدين لا بد أن يستقيم الإنسان عليه ، ليس مخيرا بين الاستقامة وعدمها . الدليل الثاني : أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : (يا رسول الله ، أرأيت إن لم أجد إلا منيحة أنثى ، أفأضحي بها - المنيحة الشاة أو المِعزاة التي يعطيها الغني الفقير يشرب حليبها وينتفع بها ثم يردها وهي غالية عندهم ومصدر من مصادر الرزق - فقال النبي صلى الله عليه وسلم [ :لا ،ولكن تأخذ من أشعارك وأظفارك ، وتقص شاربك وتحلق عانتك ، فتلك تمام أضحيتك عند الله] ) أخرجه أبو داود ، ورواته ثقات . وجه الاستدلال : أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يوجب عليه الأضحية ، مما يدل على عدم وجوبها . وقد يناقش : أن هذا الرجل ليس عنده قدرة على التضحية، ولو كان قادرا لربما قال له النبي صلى الله عليه وسلم : ضحِّ ، لكن هذا الرجل ما عنده إلا منيحة له ولأولاده، فلا يمكن أن يذبحها ويترك أولاده بلا طعام، والواجب إنما هو على المستطيع، ومن لا يستطيع فعل الواجب سقط عنه . القول الثاني : أن الأضحية واجبة للقادر عليها، وهو مذهب الحنفية، والحنابلة في رواية، واختيار ابن تيمية.
عدد الصفحات ٣٠٧مختصر كتاب المناسك 2 فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 149 أدلتهم : الدليل الأول : عن أبي هريرة رضي الله عنه ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال [ :من كان له سعة ولم يضح فلا يقربن مصلانا] أخرجه الإمام أحمد، وابن ماجه، والحاكم، وصححه الحاكم . وجه الاستدلال : أن الحديث خرج مخرج الوعيد على ترك الأضحية، ولا وعيد إلا على ترك واجب . الدليل الثاني : عن مُخْنف بن سليم رضي الله عنه ، أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب الناس فقال [ياأيها الناس ! على أهل كل بيت في كل عام أضحية وعتيرة] أخرجه الخمسة ، والحديث سنده قوي. وجه الاستدلال : أن النبي صلى الله عليه قال [على أهل كل بيت....] فتجب الأضحية على كل قادر عليها . نوقش : قال أبو داود عن الحديث : العتيرة منسوخة ، وهذا الخبر منسوخ . رد : بأنهم ينفصلون عن هذا بأن يقولوا : العتيرة منسوخة ، لكن الأضحية باقية على الأصل . وهذه أدلة قوية لا شك ، وأصحاب القول الأول أدلتهم قوية أيضا . ولذا كان شيخنا رحمه الله ، يميل إلى القول بالوجوب ، ولا يصرح به ، ويرى أن القول بالوجوب قوي . قال رحمه الله : وذَبْحُها أَفضلُ من الصدَقَةِ بثَمَنِها . لو دار الأمر بين أن يذبح شاة أو يتصدق بثمنها ، قالوا : ذبحها أفضل ، الشاة تساوي ألفا وخمسمائة ريال ، قال : ما رأيكم؟ أضحي بشاة أم أتصدق بألف وخمسمائة؟ يقال له : الذبح أفضل . الأدلة : الدليل الأول : أن فيه إراقة دم لله عز وجل ، وهي إراقة مقصودة ، قال جل وعلا {فَصَلِ لِرَبَِّكَ وَانْحَرْ} فجعلها مقرونة بالصلاة التي هي من أعظم العبادات ، وقال الله تبارك وتعالى {قُلْ إِنََّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلََّهِ رَبَِّ الْعَالَمِينَ} والنسك : الذبائح التي تذبح لله عز وجل؛ لأن في كل ملة صلاة ونسيكة ، لا يقوم غيرها مقامها . الدليل الثاني : أنه لو كان التصدق بثمنها أفضل لكان الصحابة يتصدقون ، ولنقل ذلك عنهم . قال رحمه الله : وسُنَّ أن يَأْكُلَ ويُهدي ويتصدقُ أثلاثاً . من السنة أن يأكل الإنسان من أضحيته وهديه . الدليل : أن النبي صلى الله عليه وسلم ، في حديث جابر في الحج ، أهدى مائة من الإبل ، وذبح ثلاثا وستين بيده ، ووكل عليا بذبح الباقي ، ثم أمر أن يؤخذ من كل جمل قطعة ، ثم طبخت في قدر ، وأكل النبي صلى الله عليه وسلم ، من لحمها ، وشرب من مرقها ، فمن السنة أن يأكل من هديه وأضحيته . وإن كان بعض أهل العلم قد ذهب إلى وجوب الأكل منها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ، فعل هذا الأمر امتثالا لقول الله تعالى : {فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ} والآية فيها الأمر ، والأصل في الأمر الوجوب . قوله (يأكلُ ويُهدي ويتصدقُ أثلاثاً ) ثلثا ياكله ، وثلثا يتصدق به ، وثلثا يهديه ، وهذا ذهب إليه الشافعية ، وهو مذهب الحنابلة ، وهو قول إسحق ، رحمهم الله .
عدد الصفحات ٣٠٨