المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

مختصر كتاب المناسك

فهد المطيري

صفحة ٢٠ من ٢٣

مختصر كتاب المناسك 2 فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 118 قال رحمه الله : وطَوافُ الزيارةِ . تقدم أيضا ، وهو طواف الإفاضة وقد تقدمت أسماؤه وحكمه ، وأنه ركن بإجماع أهل العلم رحمة الله عليهم .  قال رحمه الله : والسّعيُ . تقدم الخلاف فيه من قبل ، وأن العلماء اختلفوا فيه على ثلاثة أقوال : 1- قول بالركنية . 2- قول بالوجوب . 3- قول بالاستحباب والسنية .  قال رحمه الله : وواجباته : ولما ذكر رحمه الله أركان الحج ، وهي : الإحرام ، الوقوف بعرفة ، الطواف ، السعي ، تكلم عن واجبات الحج ، وعددها سبعة .  قال رحمه الله : الإحرامُ من الميقاتِ المعتبرِ لهُ . تقدم هذا في باب المواقيت ، وأن الحاج يحرم من ميقاته الأصلي إذا مر به ، فإن مر بغير ميقاته أحرم منه . قال رحمه الله : والوقوفُ بعرفةَ إلى الغروبِ . الوقوفُ بعرفةَ إلى الغروبِ عند جماهير أهل العلم واجب من واجبات الحج ، ولهذا اختلفوا فيما لو دفع قبل الغروب هل يلزمه دم أم لا؟ الجمهور : يلزمه ، والشافعية : لا يلزمه .  قال رحمه الله : والمبيتُ لغيرِ أهلِ السقايةِ والرعايةِ بمنى ومزدلفة. تقدم حكم المبيت بمنى وأن العلماء اختلفوا فيه على قولين : أنه واجب ، وهذا قول الجمهور ، وقول بأنه سنة ، وهذا قول الحنفية ، و تقدم حكم المبيت بمزدلفة وأن العلماء اختلفوا فيه على ثلاثة أقوال : قول بأنه واجب يجبر بدم ، وهذا رأي جماهير أهل العلم ، وقول بأنه ركن ، وهو منقول عن ابن عباس ، وابن الزبير رضي الله عنهم ، ومنقول عن خمسة من كبار التابعين ، علقمة ، والأسود ، والشعبي ، والحسن البصري ، وذهب عطاء في رواية عنه ، والشافعية في قول إلى أن المبيت سنة وليس بواجب . والمذهب عندنا أن المبيت بمنى ومزدلفةَ واجبان من واجبات الحج ، وهو قول جمهور أهل العلم . قوله : (والمبيت لغير أهل السقاية والرعاية) : أهل السقاية والرعاية لا يجب عليهم المبيت ، وقد خفف عنهم لاشتغالهم بمصلحة عامة للحجيج . قال رحمه الله : إلى بعد نصفِ اللّيلِ . يجب على الحاج أن يبيت بمنى ومزدلفة نصف الليل ، وتقدم مقدار المبيت ، ذكر أهل العلم أنه يبيت أكثر الليل ، وأكثر الليل هو الزيادة على النصف ، وهل تقاس المدة من غروب الشمس إلى طلوع الشمس ، أو من غروب الشمس إلى طلوع الفجر؟ الأحوط أن تقاس من غروب الشمس إلى طلوع الشمس حتى تكون المدة أوسع . غير أهل السقاية والرعاية يجب عليهم المبيت في مزدلفة وفي منى ، وأما أهل السقاية والرعاية فلا يجب عليهم المبيت فيهما ، ومثلهم كل من يتضرر بالمبيت ، فلا يجب عليه ، وكل من له عذر جاز له ترك المبيت ، ومثلهم الشرط ومن يعملون في الصحة وما يتعلق بشؤون الحجاج . فدية من ترك المبيت : اختلف فيها العلماء على قولين : القول الأول: أن أهل السقاية والرعاية ومن ترك المبيت لعذر، سواء عذر خاص أم عام، خاصا كالمرض، أو عاما كمن يعمل في شؤون الحجاج، إذا تركوا المبيت فلا شيء عليهم، إليه ذهب الشافعية، والحنابلة.

عدد الصفحات ٢٧٧

مختصر كتاب المناسك 2 فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 119 أدلتهم : الدليل الأول : عن ابن عمر رضي الله عنهما ، قال (استأذن العباس النبي صل الله عليه وسلم ، أن يبيت بمكة ليالي منى من أجل سقايته ، فأذن له) . القول الثاني : أنه يجوز لأهل السقاية والرعاية وأهل الأعذار ترك المبيت ، لكن عليهم دم ، وإن كان لضرورة أو حاجة ، و إليه ذهب المالكية رحمهم الله . أدلتهم : الدليل الأول : أثر ابن عباس رضي الله عنهما ، (من ترك شيئا من نسكه أو نسيه فليهرق دما) وهذا جاء عاما في النسيان والترك ، الناسي معذور ومع ذلك قال إن عليه دما ، فمثله من كان محتاجا لترك المبيت . الراجح : هو القول الأول ، أن من ترك المبيت بمنى ومزدلفة لعذر لا يجب عليه شيء؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يوجب على العباس دما ، بل أذن له ولم يأمره بشيء . قال رحمه الله : وَالرَّميُ . تقدم هذا من قبل، و تقدم أنه واجب من واجبات الحج، وعليه عامة أهل العلم رحمة الله عليهم ، ولم يخالف في ذلك إلا الزهري ، وابن الماجشون ، ذهبوا إلى ركنيته ، والراجح ما ذهب إليه الجمهور . قال رحمه الله : والحِلاقُ . تقدم أن الحلق واجب من واجبات الحج والعمرة ، الحلق أو التقصير ، وهذا قول عامة أهل العلم ، ولم يخالف في هذا إلا الشافعية ، فذهبوا إلى أن الحلق والتقصير ركن من أركان الحج ، وهل هو إطلاق من محظور أو نسك من الأنساك؟ تقدم . قال رحمه الله : والودَاعُ . أي طواف الوداع ، تقدم الكلام عنه ، وفيه قولان : الجمهور أنه واجب من واجبات الحج ، يجبر بدم إذا تركه ، ويخفف فيه عن الحائض والنفساء ، هذا رأي الحنفية ، و الشافعية ، والحنابلة ، وخالف المالكية فاستحبوه ، والراجح قول الجمهور أنه واجب في الحج ، أما في العمرة ففيه قولان تقدما . قال رحمه الله : والباقي سُننٌ . الباقي بعد الواجبات سنن ، مثل : المبيت بمنى ليلة عرفة ، والدعاء بعد الجمار ، والوقوف بعد رمي الجمرة ، واستقبال القبلة في رمي الجمار ، على القول باستحبابه ، واستقبال جمرة العقبة ، والوقوف في الدعاء في عرفة ، وغير ذلك من السنن التي جاءت في حجة النبي صلى الله عليه وسلم ، إذا تركها لا يجب عليه شيء . قال رحمه الله : وأركانُ العمرةِ إحرامٌ وَطوافٌ وسَ عيٌ . أركان العمرة : لما انتهى من الحج تكلم عن أركان العمرة ، وأركانها ثلاثة بالتتبع والاستقراء : 1- الإحرام. ويجري فيه الخلاف الذي جرى في الإحرام في الحج ، بين الجمهور ، والحنفية . 2- الطواف. وهو ركن بالإجماع في العمرة .

عدد الصفحات ٢٧٨

مختصر كتاب المناسك 2 فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 120 3- السعي . وفيه الخلاف السابق ، هل هو ركن أو واجب أو سنة ، ثلاثة أقوال ، والحنابلة على أنها أركان كما ذكر المؤلف ، يقول ابن هبيرة (أجمعوا على أن أفعال العمرة من الإحرام والطواف والسعي أركان لها كلُها ) . واجباتها : قال رحمه الله : وواجِباتُها الحِلاقُ . الحلق واجب من واجبات العمرة كما هو واجب من واجبات الحج ، ويجري فيه الخلاف السابق . قال رحمه الله : والإحرامُ من ميقاتِها . الإحرام واجب من ميقاتها كما هو في الحج . قوله : (من ميقاتها) : يشمل ميقات الآفاقي ، وميقات المكي ، فالآفاقي يمر من ميقاته الذي يمر عليه ، وأما المكي فيحرم من الحل قال رحمه الله : فمنْ تركَ الإحرامَ لم ينعقدْ نسُكُهُ . إذا لم ينو الإحرام لا ينعقد نسكه ، وهذا إذا تصورت هذه المسألة ، وتصورها صعب ، هل يتصور أن إنسانا يترك نية الإحرام؟ إذا تصور فإنه لم يحرم وإذا لم ينو لم ينعقد نسكه ، ومثله في الصلاة يكبر تكبيرة الإحرام وهو لم ينو الفعل؟ لا أدري ، لكن يمكن أن يكون في بعض الحالات ، بعض الناس يتكلمون وهم نيام ، من طبعه أن يقوم ويتكلم ، وإذا سألته قال : لم أشعر ، بل بعضهم يقول : لم أستيقظ إلا وأنا أتوضأ ، يدور في البيت ويتوضأ فإذا وضع الماء على وجهه استيقظ ، لو كبر في هذه الحال ، أقام وكبر ، ولم يصح إلا في الصلاة ، لا تنعقد صلاته ، لكن الفقهاء يقولون : تصوير هذا صعب ، وأنا وقفت على بعض الأشخاص الذين هم بهذه الصورة ، يقوم ويمشي ويدور وهو لا يدري ، حتى يصل بعضهم إلى المغسلة ويتوضأ .  قال رحمه الله : ومَن تَرَكَ رُكْنًا غَيرَه أو نِيَّتَه لم يَتِمَّ نُسُكُه إلا به . من ترك ركنا غير الإحرام أو نية الإحرام ، لم يتم حجه أو عمرته إلا به ، من ترك الركن فلا بد أن يأتي به ، بخلاف الواجبات فإنها تجبر بدم ، أما الركن فلو قدر أنه ترك طواف الإفاضة ، فيُلزم بأن يبقى على إحرامه ، ويأتي بطواف الإفاضة ،وإن فات وقت الوقوف ، هذا لا يمكن ، لأنه دخل في مسألة الفوات والإحصار ، يكون قد فاته الحج حينئذ ، ويتحلل بعمرة ، المهم أن من ترك ركنا لا يتم نسكه حتى يأتي به ، والله أعلم . قوله : (أونيته) هل مقصوده ترك أصل النية؟ كأن طاف بلا نية؟ هذا لا إشكال فيه ، لو طاف وهو لم يقصد الطواف فإنه لا يصح طوافه ، لعدم وجود النية ، وبعض أهل العلم يرى أنه يصح ، ومثله السعي وغيره ، واستثنوا من هذا الوقوف بعرفة ، فأجمعوا على أنه لو وقف وهو لا يدري أنها عرفة فإنه يصح وقوفه ، أو وقف وهو ناس ، فيصح وقوفه . وتقدم الخلاف هل يشترط تعيين العبادة أو النسك؟ في المسألة خلاف ، والراجح عدم اشتراط ذلك ، فمن طاف طواف الإفاضة مثلا في يوم النحر ، ولم ينو أنه طواف إفاضة ، بل نوى أصل الطواف ، فإنه يجزئه ، ولكن لو طاف لشيء ونوى غير ما طاف له فإنه لا يجزئه ، مثلما لو طاف الإفاضة بنية أنه وداع ، فعل شيئا ونوى غيره ، نعم لو طاف بلا نية تعيين فإنه يصح . قال رحمه الله : ومَن تَرَكَ واجبًا فعليه دمٌ . هذه المسألة مرت من قبل ، والمراد بالدم شاة أو سبع بقرة أو سبع بدنة ، وهذا رأي عامة أهل العلم ، ولم يأت دليل على وجوب الدم في ترك الواجب إلا ما جاء في الإحصار ، فإن الله تبارك وتعالى قال : {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَ مَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ } هذا الذي جاء النص عليه وبه ، وأما ما سوى ذلك فلم يأت نص عن النبي صلى الله عليه وسلم ، ولم يأت نص من القرآن على وجوب الهدي فيه ، لكن العلماء رحمهم الله يستدلون بأثر ابن عباس المشهور (من ترك شيئا من نسكه أو نسيه فليهرق دما)

عدد الصفحات ٢٧٩

مختصر كتاب المناسك 2 فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 121 وبعضهم يرى أن له حكم الرفع ، لأنه لامجال للاجتهاد فيه ، وقد تقدم أنه صحيح موقوفا ، وضعيف مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم . ونوقش قولهم بأنه مما يحتمل الاجتهاد ، وأنه رضي الله عنه رأى أن من ترك ما يجب فعله يجب عليه الدم ، كمن فعل ما يحرم فعله ، فإنه تجب عليه الفدية ، مثلا : من حلق رأسه فقد جاء النص في القرآن والسنة أن عليه فدية ، وأن الفدية ثلاثة أشياء : إما إطعام ستة مساكين أو صيام ثلاثة أيام أو ذبح شاة ، فربما قاس ابن عباس رضي الله عنهما هذا على ذاك ، ورأى أن من ترك واجبا فعليه دم ، قياسا على من فعل محظورا فعليه فدية ، واقتصر رضي الله عنه على وجوب الدم ، وبعضهم يقول : ربما قاس رضي الله عنه على الإحصار ، المحصر يجب عليه دم كما سيأتي . لذلك كان من أهل العلم من يرى أن من ترك واجبا فلا شيء عليه ، إلا ما جاء النص عليه ، وهو دم الإحصار ، وأما ما سواه فلا يجب فيه دم ، ومن أهل العلم من نص على بعض المسائل ، كمن تجاوز الميقات ، من أهل العلم من يرى عدم وجوب الدم عليه ، كما نقل عن عطاء ، والحسن ، والنخعي ، فإنهم يرون أن لا دم عليه ، قالوا : ومثله من ترك شيئا من الواجبات الأخرى فإنه لا دم عليه . ذهب شيخنا ابن عثيمين رحمه الله ، وبعض أهل العلم إلى وجوب الدم على من ترك واجبا من واجبات الحج ، من باب السياسة الشرعية ، ومن باب استصلاح الناس ، يقولون : يخرج الإنسان من العهدة إذا قال : الفقهاء والعلماء قالوا بوجوب الدم ، فإذا سئل قال : ذكر العلماء والفقهاء أن من ترك واجبا فعليه دم ، وبهذا يكون قد خرج من العهدة ، فهو مجرد ناقل ، لذا قال شيخنا عليه رحمة الله (والذي يظهر لي أن من ترك واجبا فعليه دم احتياطا واستصلاحا للناس؛ لأن كثيرا منهم قد يتساهل إذا لم يكن عليه شيء) .  قال رحمه الله : أَو سُنةً فلا شيءَ عليهِ . من ترك سنة من سنن الحج فلا شيء عليه ، والدم إنما يكون في الواجبات كما ذكر المؤلف؛ قياسا على الصلاة ، فلا يشرع سجود السهو في ترك سننها ، فلا يشرع هنا من باب أولى؛ لأن سجود السهو أدخلُ من باب جبران الحج؛ لأن السهو يتعدى من الإمام إلى المأموم ، فالمأموم سيكون تاركا لها تبعا له ، كما لو ترك الجهر بالقراءة في الصلاة ، ومع ذلك لم يجب السهو في ترك السنن ، فهنا من باب أولى؛ لأن ترك السنة يقتصر على الحاج نفسه ، هكذا ذكروا ، وهو تعليل صحيح ، فلا يجب في ترك سنن الحج شيء باب الفوات والإحصار قوله : (الفوات) : اسم مصدر فات فوتا وفواتا ، والجمع أفوات ، وهو : إذا سبق فلم يدرك . ومعناه اصطلاحا لا يخرج عن معناه اللغوي ، وهو أن يفوته الوقوف بعرفة . الإحصار اصطلاحا : المنع من إتمام أركان الحج أو العمرة ، أو هما ، لا الواجبات . فإذا منع من إتمام الأركان سمي إحصارا ، كما لو منع من الوقوف بعرفة ، أو صد عن البيت أو منع من الحج. نص الحنفية ، والمالكية ، والشافعية ، والحنابلة ، أن الفوات لا يتصور في العمرة؛ لأن وقتها متسع . قال المؤلف رحمه الله : مَن فَاتَه الوُقوفُ فاتَه الْحَجُّ . لا يفوت الوقوف بعرفة حتى يطلع الفجر من يوم النحر ، وهذا مذهب الحنفية ، والمالكية ، والشافعية ، والحنابلة ، بل قد حكي إجماعا ، ونقل الإجماع ابن قدامة ، والنووي ، وابن المنذر ، وابن عبدالبر .

عدد الصفحات ٢٨٠

مختصر كتاب المناسك 2 فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 122 أدلتهم : الدليل الأول : عن عبد الرحمن بن يعمُر الدِيلي رضي الله عنه ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (الحج عرفة ، من جاء ليلة جمع قبل طلوع الفجر فقد أدرك الحج) أخرجه الخمسة وغيرهم بإسناد صححه أهل الحديث الدليل الثاني : عن جابر رضي الله عنه ، أنه قال (لا يفوت الحج حتى يطلع الفجر من ليلة جمع ، قال أبو الزبير : فقلت له : أقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك؟ قال : نعم) أخرجه البيهقي رحمه الله . قال رحمه الله : وتحَللَ بعمرةٍ . إذا فاته الوقوف بعرفة فقد فاته الحج ، إنسان قدم إلى مكة يريد الحج ، وقد أحرم من الميقات ، لكنه لم يصل إلى عرفة إلا بعد الفجر ، قالوا : يتحلل بعمرة . التحلل بعمرة لمن فاته الوقوف : اختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين : القول الأول : أن من فاته الوقوف بعرفة ، يجب عليه أن يتحلل بعمرة ، و إليه ذهب الحنفية ، والشافعية . أدلتهم : الدليل الأول : الآثار الثابتة عن الصحابة رضي الله عنهم ، أنهم كانوا يأمرون من فاته الحج أن يذهب ويطوف ، قال (فاذهب إلى البيت فلتطف به سبعا ، وبين الصفا والمروة) من أثر ابن عمر . الدليل الثاني : أن إحرام الحج حينئذ يصير في غير أشهره ، فصار كالمحرم بالعبادة قبل وقتها ، لأنه إذا أراد ألا يتحلل وأن يبقى إلى السنة القادمة ، معنى ذلك أنه سيكون إحرامه بالحج قبل وقت الحج ، (الحج القادم). القول الثاني : أنه مخير بين أن يبقى على إحرامه إلى العام القادم ، وإن شاء تحلل ، والأفضل أن يتحلل ، فهو بالخيار و إليه ذهب المالكية ، والحنابلة. دليلهم : أن تطاول المدة بين الإحرام وبين فعل النسك لا يمنع إتمامه كالعمرة ، فمن أحرم بها وبقي محرما شهرا أو شهرين ثم أتى بها جاز ، وكالمحرم بالحج قبل أشهره ، فإنه لا يضر ، وهذا على قول الجمهور ، وتقدم أن الراجح هو قول الشافعية رحمهم الله ، أنه إذا أحرم بالحج قبل أشهره ينعقد عمرة . قوله (تحلل بعمرة) : ذهب إلى هذا جماهير العلماء، بل حكي إجماعا ، فهو رأي عمر ، وابن عمر ، وزيد بن ثابت ، وابن عباس ، وابن الزبير ، وعطاء والثوري ، ومذهب الحنفية ، والمالكية ، والشافعية ، والحنابلة . واستدلوا بمجموعة من الآثار : الأثر الأول : أثر الأسود بن يزيد ، رضي الله عنه ، أنه قال : (جاء رجل إلى عمر قد فاته الحج ، فقال له عمر : اجعلها عمرة وعليك الحج من قابل ، قال الأسود بن يزيد : مكثت عشرين سنة ، ثم سألت زيد بن ثابت فقال مثل قول عمر) أخرجه الإمام الشافعي ، والبيهقي ، وصححه النووي . الأثر الثاني : أثر سليمان بن يسار ، أن أبا أيوب خرج حاجا ، حتى إذا كان بالنازية من طريق مكة ضلت راحلته ، فقدم على عمر رضي الله عنه يوم النحر ، فذكر ذلك له - فاته الحج - فقال عمر : (اصنع كما يصنع المعتمر ، ثم قد حللت) أخرجه الإمام مالك ، والإمام الشافعي ، والبيهقي ، وصححه النووي .

عدد الصفحات ٢٨١

مختصر كتاب المناسك 2 فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 123 مسألة : الفقهاء يقولون يتحلل بعمرة ، هل المراد أن إحرامه بالحج ينقلب إلى عمرة ؟ أو المراد أنه يأتي بأفعال عمرة؟ قولان لأهل العلم : القول الأول : أن إحرامه ينقلب إلى عمرة ، و إليه ذهب الحنابلة ، وهو رأي أبي يوسف من الحنفية . أدلتهم : الدليل الأول : قول عمر في أثر الأسود (اجعلها عمرة) فنص على أنها عمرة . الدليل الثاني : قول ابن عمر (فليأت البيت فليطف به سبعا ، وليطف بين الصفا والمروة سبعا ، ثم ليحلق أو يقصر) وهذا دليل على أنها عمرة . القول الثاني : ذهب الحنفية ، والمالكية ، والشافعية ، والحنابلة في رواية ، إلى أن إحرامه لا ينقلب إلى عمرة ، بل يبقى على ما هو عليه ، ليس عمرة ، لكنه يأتي بأفعال العمرة ، طواف وسعي ، وزاد بعضهم الحلق . أدلتهم : الدليل الأول : أن الصحابة رضي الله عنهم يقولون (اصنع كما يصنع المعتمر) وهذا دليل على أنها ليست عمرة؛ لأنها لو كانت عمرة لقالوا : اعتمر . لكن يرد كلامهم بأن عمر رضي الله عنه قال (اجعلها عمرة) . الدليل الثاني : أن هذه الأفعال في حقيقتها تحلل لا عمرة ، بدليل عدم تجديد الإحرام فيها ، ولو كانت عمرة لأمر بتجديد الإحرام ثمرة النزاع : الخلاف ليس الخلاف لفظيا ، وإن كان ابن أخي ابن قدامة الشارح قد قال (فلا خلاف بين القولين) لكن على قول أصحاب الثاني هناك فرق بين القولين : لو جامع الإنسان بعد الفوات وقبل أن يتحلل بطواف وسعي ، إذا قلنا : انقلبت إلى عمرة فمعناه أنه جامع قبل الشروع في الطواف فيلزمه قضاء العمرة ، وهذا على القول بأن من شرع في عمرة واجبة أو تطوع يلزمه القضاء إذا أفسدها بالجماع . قال رحمه الله : ويَقضِي ويَهدِي إنْ لم يكنِ اشترطَ . تقدم ما يترتب على من فاته الحج : أنه يتحلل بعمرة ، ويقضي الحج الذي فاته ، والحج الذي فاته لا يخلو إما أن يكون واجبا ، أو تطوعا ، والحج الواجب إما أن يكون واجبا بأصل الشرع ، وإما أن يكون واجبا بالنذر . قضاء الحج الواجب الفائت : أما إذا فاته الحج الواجب لزمه القضاء مطلقا، وهو رأي الصحابة الكرام ورأي الأئمة الأربعة وحكي الإجماع. أدلتهم : الدليل الأول : لأنه لم يأت به على وجهه ، فلم يكن بد من الإتيان به . الدليل الثاني : ولأن الله عز وجل يقول {وَأَتِمَُّوا الْحَجََّ وَالْعُمْرَةَ لِلََّهِ} وهذا قد شرع في الحج فيلزمه أن يأتي بالحج الذي لم يأت به . قضاء الحجِّ النفلِ الفائتِ : أما إذا كان قد شرع في حج تطوع ، وفاته الوقوف بعرفة ، وتحلل بعمرة ، فهل يلزمه أن يقضي هذا الحج؟ اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين :

عدد الصفحات ٢٨٢

مختصر كتاب المناسك 2 فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 124 القول الأول : أنه يجب قضاء حج التطوع إذا فات الوقوف بعرفة، و إليه ذهب الحنفية، والمالكية، والشافعية ، والحنابلة ، وهو مروي عن عمر ، وابنه ، وزيد بن ثابت ، وابن عباس ، وابن الزبير ، بل حكي إجماعا . أدلتهم : الدليل الأول : قوله تعالى {وَأَتِمَُّوا الْحَجَ وَالْعُمْرَةَ لِلََّهِ} وهذا قد شرع في الحج ، فيلزمه قضاؤه حين خرج منه قبل إتمامه . الدليل الثاني : أثر الأسود بن يزيد ، و أثر سليمان بن يسار ، وابن عمر ، ففيها الأمر بوجوب القضاء ، ولم يستفصلوا رضي الله عنهم ، هل الحج تطوع أو واجب ، مما يدل على أنه يلزمه القضاء مطلقا . القول الثاني : أن من فاته حج التطوع فلا يلزمه قضاؤه ، وهو رأي عطاء ، و إليه ذهب الإمام مالك في رواية ، والحنابلة في رواية أدلتهم : الدليل الأول : عن ابن عباس رضي الله عنهما ، أن الأقرع بن حابس سأل النبي صلى الله عليه وسلم [الحج في كل عام؟ فقال : الحج مرة ، فمن زاد فهو تطوع] أخرجه الإمام أحمد ، والنسائي ، وصححه الألباني وغيره ، فدل على أن الحج يجب مرة واحدة ، وإذا قيل بوجوب قضاء حج التطوع إذا فات استلزم هذا أنه قد أوجب الحج عليه أكثر من مرة ، وهذا خلاف النص . ويناقش : بعدم التسليم ، إذ إنه ليس وجوبا مبتدأً ، بل هو وجوب قضاء ، لأنه قد شرع في شيء يلزمه الإتيان به ، فلزمه أن يقضيه . الدليل الثاني : أثر ابن عباس المشهور قال : (إنما البدل على من نقض حجه بالتلذذ ، فأما من حبسه عذر أو غير ذلك فإنه يحل ولا يرجع) أخرجه الإمام البخاري معلقا بصيغة الجزم . الدليل الثالث: أنه عبادة تطوع كسائر التطوعات، فالمسلم إذا شرع في تطوع لم يلزمه قضاؤه . ولكن أصحاب القول الأول يمنعون من ذلك، ويقولون: الحج والعمرة ليسا كغيرهما؛ لأنهما يلزمان بالشروع فيهما. قوله : (يهدي) : أي يذبح هديا ، فصار عليه ثلاثة أشياء : 1- أن يأتي بعمرة . 2- أن يقضي من العام القابل . 3- يجب عليه أن يذبح هديا . الهدي في الفوات : يرى المؤلف أنه يقدم هديا ويوزعه على الفقراء ، وهذه المسألة اختلف فيها العلماء على قولين : القول الأول : أنه يجب على من فاته الحج أن يذبح هديا ، سواء كان الحج تطوعا أو واجبا ، وهذا مروي عن عمر ، وابن عمر ، وزيد بن ثابت ، وابن عباس ، وابن الزبير ، وهو مذهب المالكية ، والشافعية ، والحنابلة . أدلتهم : الدليل الأول : أثر ابن عمر رضي الله عنهما ، (من لم يدرك عرفة حتى طلع الفجر ، فليأت البيت ، وليطف سبعا ، ثم ليطف بين الصفا والمروة سبعا .. و إن كان معه هدي فلينحره قبل أن يحلق..) أخرجه البيهقي ، الدليل الثاني : أثر سليمان بن يسار ، أن عمر رضي الله عنهما ، قال (إذا أدركت الحج قابلا فاحجج واهد ما استيسر من الهدي) ولم يستفصل عن الحج هل هو تطوع أو واجب .

عدد الصفحات ٢٨٣

مختصر كتاب المناسك 2 فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 125 القول الثاني : أنه لا يجب على من فاته الحج أن يذبح هديا ، و إليه ذهب الحنفية ، والحنابلة في رواية ، وفي رواية عند الحنابلة لا يجب الهدي إلا على من ساقه ، ومن لم يسق فلا شيء عليه . دليلهم : أنه لو كان الفوات سببا لوجوب الهدي، للزم المحصرَ هديان، هدي عن الإحصار ، وهدي عن الفوات ونوقش : بأن المحصر لم يفته الحج؛ لأنه تحلل قبل فواته ، فالمحصر إذا منع من الحج فإنه يتحلل وينصرف . الراجح : هو القول الأول ، أن من فاته الحج لزمه الهدي ، وذلك للآثار الثابتة عن الصحابة رضي الله عنهم ، وقول الصحابي حجة ما لم يخالف نصا أو قول صحابي آخر . قوله : (إِن لَمْ يكنِ اشترطَ ) إذا اشترط فإنه لا يجب عليه هدي ، سواء كان الحج واجبا أو تطوعا ، وهذا لا إشكال فيه ، ولا يجب عليه قضاء بالنسبة لحج التطوع ، أما الحج الواجب فإنه في ذمته ، لا بد أن يأتي به ولا ينفعه الاشتراط ، وهذه فائدة الاشتراط ، أن الحاج يحل مجانا ، لا يلزمه شيء ، لا دم ولا غيره . متى يذبح الهدي في سنة القضاء أو الفوات : قولان لأهل العلم رحمهم الله : القول الأول : أن الهدي يذبح في حجة القضاء ، و إليه ذهب الشافعية في أصح القولين ، وهو مذهب الحنابلة . أدلتهم : الدليل الأول : أن عمر رضي الله عنه قال (فاحجج من قابل ، واهد ما استيسر من الهدي) . الدليل الثاني : أثر سليمان بن يسار ، أن عمر قال له (فإذا كان عامٌ قابل فاحجج ، فإن وجدت سعة فاهدِ ..) . القول الثاني : أنه يذبحه في العام الذي فاته الحج فيه ، و إليه ذهب الشافعية في قول ، والحنابلة في رواية . دليلهم : يمكن أن يستدل لهم بأنه وقت الوجوب . وهذا يناقش : بأن العلماء قد اختلفوا متى وقت الوجوب ، هل وقت الوجوب سنة القضاء أو سنة الفوات؟ محتمل إذا أخطأوا يوم عرفة : إذا أخطأ الحجاج يوم عرفة فله حالتان : الحال الأولى : أن يخطئ أكثر الحجاج الوقوف فإنه يجزئهم ، على قول جماهير أهل العلم رحمة الله عليهم ، واشترط الشافعية للإجزاء أن يكون الحجاج على العادة ، أما إن أخطأت طائفة يسيرة فلا تعتبر ، لو وقفوا يوم الثامن أو العاشر ، أجزأهم إذا كانوا كثيرا . أدلتهم : الدليل الأول : عن أبي هريرة ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال [الصوم يوم تصومون ، والفطر يوم تفطرون ، والأضحى يوم تضحون] أخرجه أبو داود بإسناد صحيح ، قالوا : دل على أنه إذا وقف أكثر الناس فالمعتبر هم الأكثر لا الأقل . الدليل الثاني: جاء في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:[يوم عرفة اليوم الذي يُعرِّف الناسُ فيه]ضعيف الحال الثانية : أن يكون الصواب من الحجاج كلهم ، إلا القليل ، فإنه لا يجزئ القليل هؤلاء . أنواع الإحصار : النوع الأول : أن يحصر الحاج عن البيت ، لا عن عرفة ، وذكره المؤلف .

عدد الصفحات ٢٨٤

مختصر كتاب المناسك 2 فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 126 قال رحمه الله : و مَن صدَّه عدوٌّ عن البيتِ أهدَى ثمَّ حلَّ . النوع الأول من الإحصار وهو الإحصار عن البيت، سواء كان قبل الوقوف بعرفة أو بعده ، فإنه يهدي و يتحلل ما يفعل المحصر عن البيت : اختلف العلماء رحمهم الله في المسألة على أقوال : القول الأول : من صد عن البيت فإنه يبقى على إحرامه، ولا يتحلل، ولا يأخذ حكم المحصر، وإذا زال الحصر عنه طاف ، وذهب إليه الحنفية ، والمالكية. أدلتهم : الدليل الأول : عن عبد الرحمن بن يعمر الديلي ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال [الحج عرفة]قالوا : من أدرك عرفة فقد أدرك الحج ، ولا يفوت عليه الحج بفوات غيره ، فيبقى على إحرامه حتى يأتي البيت وإن طالت المدة . الدليل الثاني : أثر ابن عمر، أنه قال : (من حبس دون البيت بمرض فإنه لا يحل حتى يطوف بالبيت) أخرجه الإمام مالك بإسناد صحيح . القول الثاني : أن من أحصر عن البيت بعد الوقوف بعرفة فإن كان قبل رمي الجمرة فله حكم المحصر ، فيحل ، وإن كان بعد التحلل الأول (رمي الجمرة) فليس له التحلل ، و إليه ذهب بعض الحنابلة . دليلهم : أن الإحرام هنا يمنعه من النساء فقط ، والشرع إنما ورد التحلل فيه بالإحصار إذا كان الإحصار يحرم جميع المحظورات ، فلا يثبت حكم هذا لحكم هذا ، الحاج إذا تحلل فيمنع من النساء فقط ، والإحصار في أصله إنما جاء في الصد والمنع من البيت في حال يكون الإنسان ممنوعا من كل المحظورات . القول الثالث : أن من أحصر عن البيت يأخذ حكم المحصر ، سواء كان قبل الوقوف بعرفة ، أو بعده ، تحلل أو لم يتحلل ، و إليه ذهب الشافعية ، والحنابلة . أدلتهم : الدليل الأول : عموم قول الله تعالى {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ } وهذا اللفظ عام شامل لكل أنواع الحصر ، سواء كان قبل التحلل أم بعده ، قبل الوقوف بعرفة أم بعده ، ومن خصه بشيء فعليه الدليل . الدليل الثاني : أن الحصر يفيد من جميع الحج ، فأفاد التحلل من بعضه ، فالحصر في الأصل يحل للإنسان أن يتحلل من الحج كله ، فكذلك يفيد الإنسان أن يتحلل من بعض الحج ، فإذا صُد عن البيت بعد أن وقف بعرفة فإنه يتحلل ويمضي. الراجح : هو القول الثالث ، والله أعلم ، أن من صد عن البيت فإن له التحلل ، سواء وقف بعرفة أم لم يقف ، سواء تحلل التحلل الأول أم لا ، فإن الإحصار يبيح له أن يتحلل ، وذلك عملا بعموم النص القرآني . النوع الثاني : الإحصار الشامل للحج كله . المؤلف ذكر الصد عن البيت ، وهناك الصد عن الحج كله ، لو منع الإنسان من الحج كله ، كما منع النبي صلى الله عليه وسلم ، من العمرة كلها ، منع من الوصول إلى الحرم ، ومن أن يأتي بالعمرة ، إذا صد عن النسك جميعا ، سواء كان الحج أو العمرة ، فإنه يتحلل ، بشرط ألا يستطيع الوصول إلى البيت بأي طريقة ممكنة ، فإن كان يستطيع أن يذهب من طريق ولو كانت بعيدة لزمه ، وهنا لا فرق بين أن يكون الحصر عاما لكل الحجاج والعياذ بالله ، أو خاصا ببعضهم دون بعض ، فإن الحكم يسري عليهم جميعا

عدد الصفحات ٢٨٥

مختصر كتاب المناسك 2 فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 127 ،فإذا حصر فعل كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم ، يُهدي ، ثم يحلق ، ثم يحل ، وذلك لقول الله تعالى {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِ نَ الْهَدْيِ } فقد نزلت في النبي صلى الله عليه وسلم وفي أصحابه حينما منعوا من الوصول إلى البيت بالمرة ، ولم يؤدوا شيئا من نسكهم ، ومثلهم كل من منع من أداء النسك البتة ، فإنه يتحلل. قال رحمه الله : أهْدَى ثُمَّ حَلَّ . الواجب على من أحصر أن يهدي أولا ثم يحل، يجب الهدي لقوله تعالى {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ } أي : فالواجب ما استيسر من الهدي ، و إليه ذهب المالكية ، والشافعية ، والحنابلة . أين يذبح هدي الإحصار : اختلف فيه العلماء على قولين : القول الأول : أنه يذبح في محل الحصر ، و إليه ذهب المالكية ، والشافعية ، والحنابلة ، وهو اختيار شيخنا. أدلتهم : الدليل الأول : قول الله تعالى {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ } أي : فالواجب عليكم ما استيسر من الهدي ، ولم تذكر الآية البعث إلى الحرم ، فمن قيد فعليه الدليل . الدليل الثاني : أن النبي صلى الله عليه وسلم ، وأصحابه الذين معهم هدي ، ذبحوا هديهم في الحديبية ، ولم ينقلوه إلى الحرم . القول الثاني : أنه يذبح الهدي في الحرم ، و إليه ذهب الحنفية. دليلهم : أن الله تعالى قال {حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ} قالوا : فيجب عليه أن يوصل الهدي إلى الحرم . نوقش : أن هذا القول لا شك أنه ضعيف؛ لأنه مخالف لفعل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فإن الله تعالى أوجب على نبيه وعلى من كان معه هدي من الصحابة ، أوجب عليهم ذبح الهدي ، وعَمِلَ النبي صلى الله عليه وسلم بذلك هو ومن معه هدي ، فذبحوه في موضعهم في الحديبية ، ولم ينقلوه للحرم ، بل كانوا قريبا من الحرم ، مع أن النبي صلى الله عليه وسلم ، كان إذا أراد أن يصلي ، ذهب وأصحابه وصلوا في الحرم (منطقة الحرم) وهذا دليل على أنه لا يجب ذبح الهدي في الحرم . الدليل على أن النبي صلى الله عليه وسلم ذبح الهدي في موضعه الذي هو فيه في الحديبية. اشتراط النية للتحلل : الراجح أنه تشترط النية للتحلل عند ذبح الهدي أو الصيام ، وإليه ذهب الشافعية ، والحنابلة . 1- لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول [ :إنما الأعمال بالنيات ، وإنما لكل امرئ ما نوى]وهذا العمل عبادة وجبت على سبيل البدل (الذبح - الهدي - الصيام) فاشترط لها النية . 2- أن المحصر يريد الخروج من عبادة قبل كمالها فافتقر إلى قصده ، فلا بد أن يقصد الخروج ، وهذا يحصل إذا نوى التحلل . 3- أن الذبح يكون لغير التحلل ، فاشترطت له النية ، حتى تحدد القصد منه ، بخلاف الرمي مثلا ، فإن الرمي لا يكون إلا للمنسك ، أما النحر فقد يكون للتحلل ، وللطعام .  قال رحمه الله : فإن فَقَدَه صامَ عَشرةَ أَيَّامٍ ثم حَلَّ . قوله : (فإن فقده) : أي فقد الهدي ، وفقده يكون لعدم وجود قيمته ، أو أن لا يكون الهدي موجودا أصلا ، معه ثمن لكن الهدي غير متوفر ، فهو يعتبر هنا فاقدا للهدي ، فما الواجب عليه؟ خلاف على قولين :

عدد الصفحات ٢٨٦

مختصر كتاب المناسك 2 فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 128 فاقد هدي الإحصار : القول الأول : أنه يصوم عشرة أيام ، و إليه ذهب الشافعية في قول ، وهو المذهب عند الحنابلة . القول الثاني : أنه لا يلزمه أن يصوم عشرة أيام ، و إليه ذهب الحنفية ، والمالكية ، والشافعية في قول ، وهذا اختيار شيخنا وغيره من أهل العلم . دليلهم : أن هذا هو ظاهر فعل الصحابة الكرام رضي الله عنهم ، فلم ينقل أنهم أمروا بأن يصوموا عشرة أيام ، بدلا عن الدم حينما لم يُهدوا ، وهم فقراء، ولو كان واجبا لأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بالصيام ، ولنقلوه لنا الراجح : أن المحصر لا يلزمه أن يصوم عشرة أيام ، والله أعلم ؛ وذلك لعدم الدليل . الحلق للمحصر : هل يجب على المحصر أن يحلق رأسه؟ اختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين : القول الأول : أن الحلق أو التقصير واجب لتحلل المحصر من الإحرام ، و إليه ذهب المالكية في قول ، وهو الأظهر عند الشافعية ، والحنابلة في قول. دليلهم : أن النبي صلى الله عليه وسلم ، يوم الحديبية في عمرته ، أمر أصحابه بالحلق ، فلما تلكؤوا ولم يحلقوا غضب النبي صلى الله عليه وسلم ، وعظم عليه ذلك ، حتى بادر بالحلق فحلقوا معه ، كما في الصحيحين . القول الثاني : أن الحلق أو التقصير غير واجب لتحلل المحصر من الإحرام ، و إليه ذهب الحنفية ، والمالكية في قول ، والشافعية في قول ، والحنابلة في قول . دليلهم : أن الحلق من توابع الوقوف ، والوقوف متعذر ، فلا يجب عليه الحلق حينئذ . نوقش : بأن هذا تعليل في مقابل النص ، النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم ، قالوا [ :قوموا فانحروا ثم احلقوا]أمرهم بالنحر والحلق ، مما يدل على وجوب النحر لمن كان يملك هديا ، وعلى وجوب الحلق. الراجح : أن من أحصر عن البيت وجب عليه أن ينحر الهدي إن كان معه ، وإن لم يكن معه هدي فلا نحر عليه ولا صوم ، ويجب عليه أن يحلق رأسه أو يقصر منه ، يبدأ أولا بالنحر ثم بالحلق . حكم قضاء الحج للمحصر : الحج كما تقدم في الفوات ، إما أن يكون واجبا أو تطوعا ، فإن كان الحج واجبا فيجب على المحصر أن يقضيه؛ لأن ذمته لا زالت مشغولة به ، ونقل فيه الإجماع ، وأما إن كان نفلا فلا قضاء عليه ، والله أعلم. المحصر وقضاء حج التطوع : المسألة فيها خلاف على قولين : القول الأول : أنه لا يجب على المحصر أن يقضي حج التطوع ، و إليه ذهب المالكية ، والشافعية ، والحنابلة أدلتهم : الدليل الأول : عن ابن عباس رضي الله عنهما ،الحج مرة ، فمن زاد فهو تطوع] وإذا أوجب الحج على المحصر المتطوع فقد وجب عليه الحج في عمره أكثر من مرة ، وهذا خلاف ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وتقدمت مناقشة هذا الدليل .

عدد الصفحات ٢٨٧

مختصر كتاب المناسك 2 فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 129 الدليل الثاني : استدلوا بأثر ابن عباس رضي الله عنهما ، (إنما البدل على من نقض حجه بالتلذذ ، فأما من حبسه عذر أو غيره ، فإنه يحل ولا يرجع) أخرجه الإمام البخاري معلقا بصيغة الجزم . القول الثاني : أن المحصر المتطوع يجب عليه قضاء النسك الذي أحصر عنه ، الحج أو العمرة ، إليه ذهب طائفة من أهل العلم ، فهو رأي مجاهد ، والشعبي ، وعكرمة ، وهو مذهب الحنفية ، والحنابلة في رواية . أدلتهم : الدليل الأول : قول الله تعالى {وَأَتِمَُّوا الْحَجََّ وَالْعُمْرَةَ لِلََّهِ} وهذا قد شرع في الحج والعمرة التطوع ، فيلزمه الإتمام إذا زال المانع . الدليل الثاني : أثر عكرمة ، عن حجاج بن عمرو الأنصاري رضي الله عنه (أن النبي صلى الله عليه وسلم قال [من كُسر أو عَرِج فقد حل ، وعليه حجةٌ أخرى]قال عكرمة : فذكرته لابن عباس وأبي هريرة ، فقالا : صدق) أخرجه الخمسة وصححه النووي . نوقش بأن قوله (وعليه حجة أخرى) محمول على الحج الواجب ، وليس محمولا على التطوع . الراجح : عدم وجوب قضاء حج التطوع أو عمرة التطوع ، هذا الأقرب دليلا والله أعلم ، فلم يأت في آية البقرة ذكر للقضاء ، ولم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم الذين كانوا معه من أصحابه ، وكان عددهم قرابة ألف وثلاثمائة أو ألف وأربعمائة رجل ، لم يأمرهم بالقضاء في العام المقبل ، مع أنه قضى ، وطائفة ممن كانوا معه لم يأتوا معه في العام الذي بعده . قال رحمه الله : وَإنْ صُدَّ عنْ عرفةَ تحلّلَ بعمرةٍ . هذا النوع الثالث من أنواع الإحصار ، وهو الإحصار عن عرفة فإذا صد عن عرفة فإنه يتحلل بعمرة ، فهل هو محصر؟ وما الحكم الذي يترتب على إحصاره؟. اعتبار من صد عن عرفة محصرا : المسألة مختلف فيها على أقوال : القول الأول : أن من صد عن عرفة فإنه ليس بمحصر، و إليه ذهب الحنفية ، والحنابلة في رواية ، ورأوا أنه يمكن أن يصبر حتى يفوته الحج ، فيتحلل بعمرة . دليلهم : أنه يمكن أن يتحلل بالعمرة ، فلا حاجة إلى التحلل بالهدي ، كالفوات ، فلا يتحلل بهدي الإحصار ، بل ينتظر حتى تفوته عرفة ، فإذا فاتته ذهب وطاف وسعى وقصر ، ثم ذبح الهدي على القول بوجوب الهدي ، مع أنهم لا يرون وجوب الهدي في التطوع ، فيكون قد تحلل حينئذ . القول الثاني : أن من صد عن عرفة فإنه محصر ويتحلل بعمرة ، إليه ذهب المالكية ، والشافعية ، والحنابلة . أدلتهم : الدليل الأول : قوله تعالى {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ}فالآية عامة في كل حصر ، سواء كان عن عرفة أم عن غير عرفة ، ويتحلل بعمرة . الدليل الثاني : أن الحصر يفيد من النسك كاملا ، فيفيد التحلل من بعضه . القول الثالث : التفصيل ، فإن كان قبل الوقوف فإنه يتحلل كالمحصر ، وإن كان بعد الوقوف فإنه يأخذ حكم من فاته الحج ، وهذا اختاره شيخنا ابن عثيمين رحمة الله عليه .

عدد الصفحات ٢٨٨

مختصر كتاب المناسك 2 فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 130 دليلهم : علل رحمه الله بأنه يجوز لمن أحرم بالحج أن يجعله عمرة، ولو بلا حصر، ما لم يقف بعرفة ، فإذا وقف بعرفة فليس له الحق في جعله عمرة ، فإذا صد عن عرفة قبل فوات الوقوف تحلل كالمحصر ، وإن لم يتحلل إلا بعد ، صار كمن فاته الوقوف ، يتحلل بعمرة ويقضي من العام القادم. لا يزال إشكال في القول الثالث ، هل هو قبل يعتبر محصرا ، وبعدُ يعتبر كمن فاته الحج؟ أم يعتبر كمن فاته الحج مطلقا؟ والذي يبدو لي أنه يعتبر محصرا قبل الوقوف ، ويعتبر بعد الوقوف كمن فاته الوقوف بعرفة؛ لأن هذا هو مقتضى التفصيل ، وإلا فلا فائدة من التفصيل حينئذ . الراجح : هو القول الأخير ، أنه إن صد عن عرفة وفاته الوقوف ، فحكمه حكم من فاته الحج ، وإن أحصر عن عرفة تحلل و يأخذ حكم المحصر . قال المؤلف : وإن حَصَرَه مَرَضٌ أو ذَهابُ نَفَقَةٍ بَقِيَ مُحْرِمًا . الأقرب لغةً :فإن أحصره مرض؛ لأن الإحصار يطلق على الإحصار بالمرض ، والحصر يكون بالعدو . إن أحصره مرض ونحوه ، كضياع النفقة ، أو فوات الرفقة فهل يأخذ حكم المحصر؟ اختصاص الحصر بالعدو : هل الإحصار يختص بالعدو أم يشمل كل أنواع الحصر؟ أولا : اتفق الفقهاء جميعا ، على أنه إذا حصر بعدو ، بأن منعه من الوصول إلى البيت فإنه محصر. أدلتهم : الدليل الأول : استدلوا بقوله تعالى {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ }وهذه وقعت للنبي صلى الله عليه وسلم ، ولأصحابه حينما صدهم مشركو قريش عن الوصول إلى البيت ، وعن أداء النسك . الدليل الثاني : أن النبي صلى الله عليه وسلم ، خرج حتى وصل إلى الحديبية ، فصده كفار قريش عن الحرم ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم للصحابة [قوموا فانحروا ثم احلقوا]متفق عليه . الدليل الثالث : من العلماء من نقل الاتفاق على أن من أحصر بعدو فإنه يأخذ حكم المحصر ، نقله النووي وغيره . ثانيا : اختلف العلماء في قطع الإحرام لإحصار غير العدو : كضياع نفقة، أو مرض هل يعتبر محصراً ؟ القول الأول : أن الإحصار إنما يكون بالعدو دون غيره، رأي ابن عباس، ومذهب المالكية، والشافعية، والحنابلة أدلتهم : الدليل الأول : قول الله تعالى {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} قالوا : هذه الآية نزلت لما حصر النبي صلى الله عليه وسلم ، وأصحابه المشركون ، وهذا لا يتعدى إلى حالة أخرى ، هو خاص بحصر العدو. الدليل الثاني : عن عائشة رضي الله عنها ، قالت : (دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على ضباعة بنت الزبير رضي الله عنها ، فقال لها [ :لعلك أردت الحج؟قالت : والله لا أجدني إلا وجعة ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم [ :حجي واشترطي ، قولي : اللهم إن محِلي حيث حبستني] متفق عليه ، وجه الاستدلال : قالو لو كان المرض يحصل به حكم الإحصار ، لما أرشدها النبي صلى الله عليه وسلم إلى الاشتراط . نوقش : بأن النبي صلى الله عليه وسلم، أرشدها إلى الاشتراط؛ لأن الاشتراط فيه فائدة غير موجودة في التحلل بالإحصار؛ لأن من اشترط فإنه يحل مجانا ، بخلاف من أحصر ، فإنه يحتاج إلى الهدي ، والحلق أو التقصير .

عدد الصفحات ٢٨٩

مختصر كتاب المناسك 2 فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 131 القول الثاني : أن قطع الإحرام يكون بالحصر بالعدو وبغيره ، كالمرض وذهاب النفقة ، وموت الراحلة ، وهو رأي ابن مسعود ، ومذهب الحنفية ، والإمام مالك في رواية ، ومذهب الظاهرية ، والحنابلة ، وابن تيمية . أدلتهم : الدليل الأول : قول الله تعالى : {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} قالوا : وهذه الآية عامة شاملة لكل أنواع الحصر ، فيدخل فيها الحصر بالعدو ، والحصر بضياع النفقة ، والحصر بالمرض وغيره . الدليل الثاني : أن الأصل في لغة العرب أن الإحصار :المنع من تمام النسك بسبب المرض ، يقال : أحصره المرض إحصارا فهو محصر ، وحصره العدو فهو محصور ، فالإحصار في أصله للمرض ، وليس للعدو ولهذا قال مالك (المحصر الذي أراد الله في الآية هو المريض، وإنما جعلنا للمحصر بالعدو أن يحل بالسنة) الراجح : أن قطع الإحرام بالإحصار يشمل كل سبب وكل عذر ، فيشمل الحصر بالعدو ، وبضياع النفقة ، والمرض ، وغير ذلك؛ لأن هذا هو الذي تدل عليه آية البقرة ، وحديث عكرمة في روايته عن حجاج بن عمرو الأنصاري. إمكان الإحصار عن العمرة : نقل عن الإمام مالك رحمه الله ، أنه لا يمكن الحصر عن العمرة ، وإنما يكون عن الحج ، وقد انتقد ذلك ابن قدامة ، فقال : (إن الآية إنما نزلت في صلح الحديبية ، وكانوا محرمين بعمرة) . مسألة : إذا أحصر عن واجب فلا يتحلل ، باتفاق المذاهب فإليه ذهب الحنفية ، والمالكية ، والشافعية ، والحنابلة على الصحيح من المذهب ، قالوا؛ لأنه يمكن جبر الواجب بالدم (وحجه صحيح) لتمام أركانه). وقال القاضي من الحنابلة : يتوجه فيمن أحصر بعد تحلله الثاني يتحلل وأومأ إليه، وقال شيخنا : له التحلل). وأفتى به شيخنا وشيخه ابن باز رحمهما الله ، في من لم يستطع رمي جمرة الثاني عشر ولم يطف طواف الوداع لعذر. والله أعلم. حيض المرأة والإحصار : إذا حاضت المرأة ولم تستطع البقاء حتى تطوف طواف الإفاضة ، ولا تتمكن من العود إلى مكة مرة أخرى ، فهل تكون محصرة أم لا؟ هذه مسألة مهمة ، والسؤال عنها كثير . إذا حاضت المرأة التي قدمت من مكان بعيد ، ولا تستطيع العود إلى الحرم ، وبقي عليها طواف الإفاضة ، فهل يجوز لها أن تطوف وهي حائض أو لا؟ اختلف فيها أهل العلم سلفا وخلفا ، وسبب الخلاف أنهم اختلفوا في علة نهي الحائض عن الطواف ، هل هي لكونها منهية عن اللبث في المسجد ، والطواف يقتضي اللبث؟ أو أن العلة هي النهي عن الدخول مطلقا ، لمرور وغيره ، في الحرم أو غيره ، فيقتضي عدم جواز الطواف لأنها لا يجوز لها الدخول؟ أم إن العلة هي أن الطواف يحرم مع الحيض كما تحرم الصلاة مع الحيض؟ أم إن السبب أن الطهارة شرط لصحة الطواف؟ بعضهم يعلل بهذا وبعضهم يعلل بذاك . حكم طواف الحائض : اختلف العلماء في ذلك على ثلاثة أقوال : القول الأول : أن طواف الحائض لا يجوز ولا يصح، ولو كانت معذورة حال طوافها، وإليه ذهب المالكية والشافعية، والحنابلة. أدلتهم : الدليل الأول : عن عائشة رضي الله عنها ، في قصة حيضها ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال [اصنعي ما يصنع الحاج ، غير ألا تطوفي بالبيت]و لفظ الموطأ (ولا بالصفا والمروة) وأصل الحديث متفق عليه .

عدد الصفحات ٢٩٠

مختصر كتاب المناسك 2 فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 132 الدليل الثاني : عن عائشة رضي الله عنها ، أن صفية زوج النبي صلى الله عليه وسلم حاضت ، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك ، فقال [ :أحابستنا هي؟قالت عائشة : فأخبرت النبي صلى الله عليه وسلم ، أنها قد طافت طواف الإفاضة ، فقال : [فلتنفر إذن] متفق عليه ، فبين أن الحائض تحبس الحاج ، والسبب في حبسها له أنه لا يجوز طواف الحائض ، وبناء عليه لا يصح طوافها . القول الثاني : أنه لا يجوز للحائض أن تطوف ، لكن إن طافت صح طوافها ، وأجزأها ، وعليها بدنة ، و إليه ذهب الحنفية ، والحنابلة في رواية ، لكن الحنابلة قالوا : عليها شاة ، وليس عليها بدنة ، وذهب شيخ الإسلام إلى ما هو أبعد ، أنها إن تعمدت وطافت وهي حائض من غير ضرورة ، فإن عليها شاة ، وطوافها صحيح ، أدلتهم : الدليل الأول : قول الله تعالى {ثُمََّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ} قالوا : جاء الطواف مطلقا من غير تقييد بشيء، الله جل وعلا لم يشترط فيه الطهارة ، ولا يجوز تقييد مطلق الكتاب بخبر الآحاد ، والنصوص التي استدل بها من قال بوجوب الطهارة آحاد . ونوقش : بأن هذا يرجع إلى مسألة خبر الواحد ، هل هو حجة أو ليس بحجة ، قال النووي رحمه الله : (الذي عليه جماهير العلماء أن خبر الواحد الثقة حجة من حجج الشرع ، يلزم العمل بها ، ويفيد الظن ولا يفيد العلم . الدليل الثاني : أن الطواف بالبيت اسم للدوران حوله ، وهذا يتحقق من المحدث وغير المحدث ، ويصدق على المحدث أنه طائف ، واشتراط الطهارة في الطواف زيادة على النص ، وهذه الزيادة مثلها لا يثبت بخبر الواحد ويمكن أن يناقش بما سبق ، وكذا بمسألة الزيادة على النص التي عندهم ، ويقال : القول بها غير صحيح ، هم يرون أن الزيادة على النص تعتبر نسخا ، وهذا غير صحيح ، وليس هذا موضعه . القول الثالث : أن طواف الحائض صحيح، ولا شيء عليها، وإليه ذهب الحنابلة في رواية اختارها شيخ الإسلام ، وابن القيم ، والشيخ عبد العزيز بن باز ، واختارها شيخنا ابن عثيمين رحمهم الله ، وقيدوها بحال الضرورة ، فإذا كانت المرأة الحائض مضطرة إلى الطواف جاز أن تطوف حال ضرورتها ، والضرورة تحصل الآن ، مثلما لو كانت قادمة من خارج المملكة ، فإنه لا يمكن أن تعود مرة أخرى إلا بشِق الأنفس ، تأشيرات ونفقات ضخمة ، لا تستطيع أن تتحملها إلا مرة واحدة ، بل كما تسمعون الكثير من القصص ، ربما يجمع بعضهم طول عمره تكاليف حجة واحدة ، فكيف يقال للمرأة أن ترجع ثم تعود مرة أخرى؟ . أدلتهم : الدليل الأول : أدلة من قال بأنه لا تشترط الطهارة للطواف ، وتقدمت في كتاب الطهارة وفي شروط الطواف . الدليل الثاني : أن علة منع الحائض من الطواف لا تخلو من واحدة من علل : المنع من البقاء في المسجد ، وإذا كانت العلة هي المنع من أجل المكث في المسجد ، جاز لها الطواف ؛ لأنه يجوز للمرأة إذا خافت على نفسها أو على عرضها أو على مالها ، أن تدخل المسجد وتبقى فيه ولو كانت حائضا ، فهذه ضرورة ، وتلك ضرورة . وإن قيل : إن النهي لكون الطهارة شرطا من شروط الطواف ، قيل إن الشروط تسقط مع العجز . الدليل الثالث : أن الضرورات تبيح المحظورات ، والمشقة تجلب التيسير ، وإذا ضاق الأمر اتسع ، قواعد مقررة في الشريعة ، وهذه المرأة مضطرة ، وعليها مشقة بالغة لو بقيت ، فتأتي رخص الشريعة وسهولتها ويسرها ، ويباح لها حينئذ أن تطوف ، ما هي المشقة؟ قالوا : أن المرأة الحائض لا تخلو من أحوال :

عدد الصفحات ٢٩١

مختصر كتاب المناسك 2 فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 133 الحال الأولى : أن يقال بسقوط الطواف عنها مع العجز عن شرطه ، وهذا لم يقل به أحد؛ لأن الطواف في هذه الحال ركن ، والركن لا يمكن إسقاطه ، ولا يتم نسك إلا به . الحال الثانية : أن المرأة تبقى في مكة ، ولا تسافر حتى تطهر ، وهذا لا شك أن فيه مشقة بالغة ، وعليها ضرر الحال الثالثة : أن الحائض ترجع إلى بلدها وأهلها وتظل على إحرامها ، لأنها لا تتحلل التحلل الثاني ، حتى تطهر ثم تعود ، وهذا يلزم منه أن زوجها لا يستمتع بها ، ولا يمكن العقد عليها عقد نكاح ، وهذا الأمر يصعب عليها ، وقد تبقى سنين طويلة وهي محرمة ، وهذا عسر لا يمكن أن تأتي به الشريعة . الحال الرابعة : أن تأخذ حكم المحصر ، فتحل كما يحل المحصر إن لم تشترط ، وتبقى ذمتها مشغولة بالحج ، فيقال لها : أنت محصرة فتحللي بالهدي وقص الشعر ، قالوا : وسبب الحصر خوف أن تبقى وتقيم . وهذا غير صحيح؛ لأنها متمكنة من البيت ، هي تستطيع أن تذهب إلى البيت ، فكيف تمنع منه . الحال الخامسة : أن يوجب عليها أن تنيب غيرها ، قياسا على المعضوب العاجز عن الحج بنفسه ، وهذا يراه بعضهم؛ لأنه إذا جاز لها النيابة في الحج كله جاز لها في بعضه ، لكن من شرط النيابة عند من قال به أن يكون في بعض النفل لا الفرض ، وهم الحنابلة . ونوقش : بأن قياسها على المعضوب قياس مع الفارق؛ لأن المعضوب عذره ممتد ، والحائض عذرها مؤقت بوقت ، فلم يبق إلا أن يقال : يجوز لك أن تطوفي وأنت حائضا للضرورة ، والشريعة لا يمكن أن تأتي بالعسر الراجح : أن الحائض يجوز لها أن تطوف حال الضرورة ، وهذا القول هو الموافق والمبني على أصول الشريعة ، وهذا الذي رجحه ابن تيمية ، واختاره ابن القيم ، والشيخ ابن باز ، وشيخنا ابن عثيمين رحمهم الله ، لكنهم يستفصلون ويستقصون ، كان شيخنا رحمه الله يقول : إذا كانت المرأة قد قدمت من خارج المملكة ، فإنه يجوز لها أن تطوف حينئذ ، وأما إذا كانت في البلد ، وتستطيع أن تذهب وترجع مرة أخرى ، لم يجز لها أن تطوف حال كونها حائضا ، بل ترجع إلى بلدها ، ثم إذا طهرت يأتي بها زوجها أو محرمها إلى مكة ، وتطوف طواف الإفاضة ، أو يبقى محرمها يستأجر حول الحرم ثلاثة أيام أو أربعة أيام ، وسائل النقل متوفرة ولله الحمد ، إن كان قادرا ركب طائرة ، إن لم يكن قادرا ركب أجرة ، أو أوتوبيس ، فيذهب إلى بلده في المملكة؛ لأنه لا يحتاج إلى تأشيرة وذهاب وإياب ، والنفقة تكون أقل ، لكن قد تعرض بعض الصور يكون فيها حال من كان بالداخل مثل حال من كان في الخارج ، إذا كان كذلك فالقياس يقتضي أن يكون حكم هذه كحكم تلك ، والله أعلم . بابُ الهديِ والأُضْحِيَةِ الهدي : كل ما يهدى للحرم من النعم وغيرها تقربا إلى الله عز وجل . وسمي بذلك؛ لأن الإنسان يهديه إلى ربه الأضحية : واحدة الأضاحي ، وهي ما يذبح تقربا إلى الله جل وعلا في أيام النحر ، وسميت أضحية لأنها تذبح ضحى يوم النحر مشروعية الأضحية : دل عليها الكتاب والسنة والإجماع . الكتاب : الدليل الأول : قول الله تعالى {فَصَلِ لِرَبَِّكَ وَانْحَرْ} قال بعض أهل العلم : {وَانْحَرْ} اذبح أضحيتك بعد أن تصلي صلاة العيد . الدليل الثاني : قول الله تعالى {وَلِكُلِ أُمََّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا لَِّيَذْكُرُوا اسْمَ اللََّهِ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مَِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ}.

عدد الصفحات ٢٩٢