مختصر كتاب المناسك 2 فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 102 عليه ، وإنما يكتفي بطواف الوداع ، والمسألة محتملة؛ لأن العلماء مختلفون في حد البعيد والقريب ، فإذا عاد وأتى بطواف الوداع فيسقط الدم المترتب في ذمته ، وما دام العلماء اختلفوا في المسألة وليس ثمة دليل فالأمر فيه سعة . الإحرام لمن رجع من بعيد : الحنفية والحنابلة يقولون : إذا رجع فإنه يحرم من الميقات ، لأن الحنفية يرون البعيد هو من تجاوز الميقات ، فيحرم من الميقات ، ويذهب إلى مكة ، ويطوف طواف العمرة ، ثم يأتي بطواف الوداع ، والراجح خلاف ذلك ، وهو قول الشافعية ، وأنه لا يلزم الداخل إلى مكة أن يحرم إلا في حالين : إذا كان يريد نسكا ، أو كان لم يؤد النسك مطلقا في حياته ، فحينئذ يجب عليه أن يحرم؛ لأنه يجب عليه المبادرة إلى النسك . قال رحمه الله : فإن أَخَّرَ طَوافَ الزيارةِ فطَافَه عندَ الخروجِ أَجْزَأَ عن الوَداعِ . الأصل أن يأتي الإنسان بطواف الإفاضة وطواف الوداع ، وهذا هو فعل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، وهكذا ينبغي أن يفعل الحاج ، يأتي بالأطوفة جميعا : طواف القدوم ، أو طواف العمرة إن كان متمتعا ، ثم يأتي بطواف الإفاضة في وقته ، في يوم النحر أو بعده ، ثم إذا أراد الخروج من مكة يطوف للوداع ، لكن أحيانا قد لا يستطيع الإنسان الذهاب، لأن معه امرأة كبيرة ، أو لكونه متعبا أو مريضا ، أو لوجود الزحام فهل يجوز أن يجمع طواف الإفاضة مع طواف الوداع ، بنية الإفاضة ، أو بنية الإفاضة والوداع ، فما الحكم في ذلك؟. طواف الإفاضة في آخر أيام التشريق : لا يخلو من ثلاث حالات : الحال الأول : أن ينوي طواف الوداع فقط . الحال الثانية : أن ينوي طواف الإفاضة فقط . الحال الثالثة : أن ينويهما معا . ولكل حالة حكم ، أما في الحالة الأولى إذا نوى طواف الوداع فقط ، فهل يجزئه عن طواف الإفاضة؟ . إجزاء نية الوداع عن الإفاضة : اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين : القول الأول : أنه إذا أخر طواف الإفاضة إلى وقت طواف الوداع ، ونوى طواف الوداع ، فإنه لا يجزئه ، و إليه ذهب أبو ثور ، وابن المنذر ، ومحمد بن القاسم ، وهو وجه عند الشافعية ، و المذهب عند الحنابلة . أدلتهم : الدليل الأول: قول النبي صلى الله عليه وسلم[إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى]فالنية هي التي تميز الأعمال بعضها عن بعض، فطواف الوداع واجب، وطواف الإفاضة ركن، وهو هنا لم يميز بينهما . الدليل الثاني : أن الطواف عبادة محضة تتعلق بالبيت ، فاشترط لها النية ، كالصلاة ، فقاسوا الطواف على الصلاة ، والمسألة تقدمت ، وتقدم أن الراجح أنه إذا نوى أنه سيؤدي فريضة كفى ولا يشترط التعيين . القول الثاني : أنه إذا أخر طواف الإفاضة إلى وقت طواف الوداع ، ونوى طواف الوداع ، فإنه يجزئه عن طواف الإفاضة ، و إليه ذهب الحنفية ، والمالكية ، والشافعية في وجه .
عدد الصفحات ٢٦١مختصر كتاب المناسك 2 فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 103 أدلتهم : الدليل الأول : أنه فرض مستحق في زمن بعينه ، فلا يجب تعيين النية له كمن صام رمضان بمطلق النية في رمضان ، فإنه ينصرف إلى صوم رمضان ، ولا ينصرف إلى غيره ، وهنا قد أوقع الطواف في وقت طواف الإفاضة؛ فينصرف الطواف مباشرة إلى طواف الإفاضة، لأنه مطلوب منه والزمن زمنه ، فينصرف إليه . الدليل الثاني : أن نية الحج تشمل جميع أعمال المناسك، كما أن نية الصلاة تشمل جميع أعمال الصلاة ، فلا يشترط في الصلاة نية الركوع والسجود والرفع منه ، بل إذا نوى في أول الصلاة شمل جميع أعمالها . الراجح : هو القول الأول ، أنه إذا طاف طواف الإفاضة ونوى الوداع ، فإنه لا يجزئه عن طواف الإفاضة ، أما لو طاف بنية مطلقة ، لم يحدد شيئا ، فإنه ينصرف مباشرة إلى طواف الإفاضة ، لأن النية شاملة، فيحدده الوقت ، لكن هنا هو نوى شيئا غير المراد ، هو صرف النية من شيء إلى شيء آخر ، فالأقرب هو القول الأول . الحال الثانية : أن ينوي طواف الإفاضة ولا ينوي طواف الوداع ، أو يصرف نيته عن الوداع إلى الإفاضة . هذه المسألة اختلف فيها العلماء على قولين : القول الأول : أن من أخر الإفاضة إلى الوداع ، ونوى الإفاضة فقط ، فإنه يجزئه عن طواف الوداع ، وهذا رأي عامة العلماء ، وهو رأي عطاء و إليه ذهب الحنفية ، والمالكية والشافعية ، وهو المذهب عند الحنابلة . أدلتهم : الدليل الأول : حديث ابن عباس (أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت) متفق عليه ، وهذا الإنسان أمر بالطواف ، وقد فعل ما أمر به ، فيكون مجزئا . الدليل الثاني : أن ما شرع لتحية المسجد ، أجزأ عنه الواجب من جنسه ، كتحية المسجد ، فلو أن الإنسان صلى الفرض بدلا عنها أجزأه، كذلك هنا، المراد بطواف الوداع أن يكون آخر عهده بالبيت، وهذا آخر عهده بالبيت ، لأنه قد طاف طواف الإفاضة . القول الثاني : أنه إذا أخر طواف الوداع إلى وقت طواف الإفاضة ثم طاف بنية الإفاضة دون الوداع ، فإنه لا يجزئه ، و إليه ذهب الحنابلة في رواية . دليلهم : أنهما عبادتان واجبتان فلم تجزئ إحداهما عن الأخرى ، كالصلاتين الواجبتين ، إذا كان لديه صلاة عصر وصلاة ظهر ، وأراد بنيته الصلاتين جميعا فلا يجزئه . يقال : هذا قياس مع الفارق؛ لأن هاتين العبادتين لا ينطبق عليهما ما ذكرتم ، وأنهما واجبتان على سبيل القصد لهما ، إنما المقصود بطواف الوداع توديع الكعبة ، وأن يكون آخر العهد بالبيت ، بخلاف طواف الإفاضة ، فإنه ركن من أركان الحج. الراجح : القول الأول ، أنه إذا أخر طواف الإفاضة إلى وقت طواف الوداع ، ثم طاف بنية الإفاضة دون الوداع فإنه يجزئه عن طواف الوداع الحال الثالثة : أن ينويهما جميعا ، يؤخر طواف الإفاضة إلى وقت طواف الوداع ، ثم ينويهما جميعا ، اختلف العلماء على قولين : القول الأول : أنه إذا أخر طواف الإفاضة إلى الوداع ونواهما أجزأ ، إليه وذهب الحنفية ، والمالكية ، والشافعية ، ويتخرج القول بالجواز على انعقاد الصلاة إذا كبر المصلي بتكبيرة واحدة ينوي بها الإحرام ، وتكبيرة الركوع ، وهو رواية عند الحنابلة ، فلو أن المصلي جاء والإمام راكع ، فكبر تكبيرة واحدة ، ينوي بها تكبيرة الإحرام وتكبيرة الركوع فإنه يجزئه ، تكبيرة الإحرام ركن ،
عدد الصفحات ٢٦٢مختصر كتاب المناسك 2 فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 104 وتكبيرة الركوع واجبة على الراجح ، فهو جمع عبادتين بنية واحدة ، والرواية منصوصة عن الإمام أحمد ، وقد رجحها الخرقي ، وابن قدامة وغيرهما . أدلتهم : الدليل الأول : أنهما عبادتان من جنس واحد ، فإذا نواهما أجزأتا ، مثل تكبيرة الركوع وتكبيرة الإحرام . الدليل الثاني : أنه لا دليل على الإبطال ، والأصل الصحة ، فنبقى على الصحة ، والانتقال من الصحة إلى الإبطال يحتاج إلى دليل ، لأن الناقل عن الأصل يطالب بالدليل . القول الثاني : أنه إذا نوى بطوافه طواف الإفاضة والوداع فإنه لا يجزئه ، وهذا المذهب عند الحنابلة تخريجا على ما لو كبر ونوى بها تكبيرة الركوع وتكبيرة الإحرام في آن واحد . دليلهم : أنه شرك في النية بين الركن وغيره ، فلم يصح . نوقش : بأن تكبيرة الركوع لا تنافي نية الافتتاح ، ولهذا يحكم بدخوله في الصلاة بهذه النية ، ولم تؤثر نية الركوع في إفسادها . الراجح : هو القول الأول ، أنه إذا أخر طواف الإفاضة ، وطاف ونوى بطوافه الإفاضة والوداع أجزأه؛ لأنهما عبادتان من جنس واحد ، ولأن الأصل هو الصحة . تأخير طواف الإفاضة لمن لم يسع : بعض الناس يؤخر طواف الإفاضة إلى طواف الوداع ، وهو لم يسع سعي الحج بعدُ ، فيطوف طواف الإفاضة بنية الإفاضة والوداع ، ثم بعد ذلك يذهب ويسعى ، فهل يؤثر هذا أو لا يؤثر؟ و هل يحتاج أن يعيد السعي مرة أخرى أم يكتفي بطوافه الأول؟ أما على القول بأنه يجوز تقديم السعي على الطواف في أيام التشريق ، فإنه لا بأس أن يقدم السعي ثم يطوف بنية الإفاضة والوداع ، ويجزئه ، والطريقة الأخرى : أن يطوف ثم يسعى ، ولا يضره الفصل بالسعي؛ لأن السعي تابع للطواف ، وإذا كان كذلك لم يضره لو أخر السعي بعد الطواف . ويدل على ذلك : أن عائشة رضي الله عنها في عمرتها المكية ، لما طلبت من النبي صلى الله عليه وسلم أن تعتمر أعمرها من التنعيم ، ذهبت هي وأخوها عبد الرحمن وأحرمت بالعمرة ، ثم جاءت وطافت ، وسعت ، وصلت ، ثم انصرفت ، ولم يثبت أنها طافت للوداع بعد سعيها؛ لأن السعي تابع للطواف فلا يكون فاصلا مؤثرا . الدليل الثاني : أن النبي صلى الله عليه وسلم ، طاف طواف الوداع قبل الفجر ، وصلى صلاة الفجر من يوم الرابع عشر ، وقرأ بسورة الطور ، ثم انتهى من صلاته ، وبعد ذلك انصرف ، وهذا فاصل ، وهذا الفاصل لم يضر ، لم يثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم ، أعاد الطواف بعده ، وهذه الطريقة اختارها شيخنا رحمه الله ، وقال : (إذا جاء ولم يطف ولم يسع ، فإنه يطوف طواف الإفاضة ، ثم يسعى سعي الحج إن لم يكن قد سعى من قبل ، ولا يضر هذا الفاصل بين الطواف والخروج ، قال (فهذا يدل على أن مثل هذا الفصل لا يضر ، وهذا عندي أقرب من القول الذي يقول بتقديم السعي؛ لأن هذا يحصل فيه الترتيب المشروع ، وهو : أن يقدم الطواف على السعي) . الراجح : أنه يطوف ، ثم يسعى ، ويخرج بعده ، ولا حاجة إلى أن يجدد الطواف مرة أخرى ، لأن هذا الفصل بالسعي لا يضر ، ولأنه غير طويل ، ولفعل عائشة رضي الله عنها ، فلم ينقل أنها طافت بعدما سعت .
عدد الصفحات ٢٦٣مختصر كتاب المناسك 2 فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 105 طواف الوداع في العمرة : هذه من المسائل المهمة التي لها تطبيق واقعي كبير ، ويسأل عنها الناس كثيرا ، وسبب ذلك هو اشتهار فتوى شيخنا ابن عثيمين رحمه الله ، بوجوب طواف الوداع للعمرة ، والشيخ بن باز رحمه الله ، يرى عدم وجوبه ، وكثير من أهل العلم فيما مضى على القول بعدم الوجوب ، فاختلف العلماء في هذه المسألة على قولين : القول الأول : أن طواف الوداع غير واجب في العمرة ، و إليه ذهب جماهير العلماء والمذاهب الفقهية الأربعة. أدلتهم : الدليل الأول : أن النبي صلى الله عليه وسلم ، اعتمر ثلاث عمر منفردة ، وعمرة مع حجه ، ولم ينقل عنه صلى الله عليه وسلم ، أنه طاف طواف الوداع للعمرة . الدليل الثاني : أن عائشة رضي الله عنها ، في عمرتها المكية طافت وسعت ، ثم خرجت ولم تطف طواف الوداع ، مما يدل على عدم وجوب طواف الوداع حينئذ . نوقش : بأن عائشة رضي الله عنها ، قد جعلت آخر عهدها بالبيت؛ لأن السعي تابع للطواف . القول الثاني : أن طواف الوداع واجب للعمرة، و إليه ذهب جمع من العلماء، على أن الطواف عبادة مستقلة وليس نسكا، فيؤمر به كل خارج من مكة ، على رأي البغوي، والمتولي، والرافعي ، والقول بوجوب طواف الوداع للعمرة اختيار شيخنا ابن عثيمين أدلتهم : الدليل الأول : عن ابن عباس رضي الله عنهما ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال [لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت] وهذا عام ، يشمل الحج والعمرة . نوقش : بأن النبي صلى الله عليه وسلم ، قاله في حجة الوداع ، فيكون خاصا بالحج دون العمرة . رد : بالتسليم أنه كان في حجة الوداع ، لكن الله لم يوجب طواف الوداع إلا في حجة الوداع ،فيكون لما يُستقبل من حج وعمرة، وتخصيصه بالحج دون العمرة يحتاج إلى دليل، وأما كونه جاء في الحج ، فلا يؤثر في عمومه الدليل الثاني : عن يعلى بن أمية رضي الله عنه ، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، قال للرجل الذي سأله عن العمرة ، قال [اصنع في عمرتك ما أنت صانع في حجك]متفق عليه ، والذي يصنعه في عمرته من أفعال الحج هو ما يتعلق بالبيت ، وهو الطواف والسعي وطواف الوداع ، وبالإجماع أنه لا يفعل في عمرته غير ذلك ، فلا يقف في عرفة ، ولا يبيت في مزدلفة ، ولا منى ، ولا يرمي جمارا ... الخ ، هذا بالإجماع ، فدل على أنه مأمور بفعل الأفعال التي يفعلها في حجه مما يشترك فيه الحج والعمرة . الراجح : هذه المسألة كما تلحظون الخلاف فيها قوي ، وأدلة أصحاب القول الثاني أدلة قوية جدا ، وتدل على عمق الفهم والنظر ، ولها وجاهة ، لذا ذهب شيخنا رحمه الله إلى وجوب طواف الوداع في العمرة . قال رحمه الله : وَيقفُ غيرُ الحائضِ بين الركنِ والبابِ . هذا ما يتعلق بالالتزام وأحكام الملتزم . المراد بالملتزم : الملتزم : اسم مفعول من التزم الشيء ، أي اعتنقه ، والملتزم هو ما بين الركن الذي فيه الحجر ، وبين الباب؛ لأن الناس يعتنقونه ويضمونه إلى صدورهم .
عدد الصفحات ٢٦٤مختصر كتاب المناسك 2 فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 106 وهو اصطلاحا : هو المكان الذي بين الركن الذي به الحجر الأسود ، وباب الكعبة ، وذَرْعه أربعة أذرع . صفة الالتزام : أن يلصق صدره ووجهه وبطنه على جدار الكعبة، ويجعل يمينه نحو الباب، ويساره نحو الحجر الأسود، ويدعو . وقد استدل الحنابلة وغيرهم على هذه الصفة بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه أنه قال : (طفت مع عبد الله ابن عمرو رضي الله عنهما ، فلما جئنا دبر الكعبة قلت : ألا تتعوذ؟ قال : نعوذ بالله من النار ، ثم مضى حتى استلم الحجر ، وأقام بين الركن والباب في موضع ، صدره ووجهه وذراعاه هكذا ، وبسطهما بسطا ، ثم قال : هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعله) أخرجه أبو داود ، والحديث ضعيف . حكم الالتزام : الالتزام سنة على رأي عامة العلماء ، بلا خلاف بينهم ، واستدلوا بالحديثين المرفوعين السابقين ، لكنهما حديثان ضعيفان ، لكن يشهد لهما أثر ابن عباس رضي الله عنهما ، قال : (هذا الملتزم بين الركن والباب) وقد أخرجه عبد الرزاق ، وصححه الألباني . مكان الالتزام : قوله : (بين الركن والباب) : هذا موضع الملتزم، وهذا الذي عليه عامة العلماء، وقد دل عليه الحديثان المرفوعان، والآثار المنقولة عن الصحابة رضي الله عنهم، ونقل عن السلف نقول أخرى أن الملتزم هو دبر الكعبة، فقالوا : الالتزام يكون من الخلف، ومن أهل العلم من قال: الالتزام أن يلتزم جدار الكعبة الذي تحت الميزاب، وإليه ذهب عكرمة مولى بن عباس، وهو منقول عن الإمام أحمد لكن بدون التزام (ضم صدر وبطن) وإنما بالدعاء في هذا الموضع، وذكر الإمام أحمد أنه يأتي الحطيم أيضا، وهو تحت الميزاب فيدعو فعندنا أقوال 1- ما بين الركن والباب ، وهذا الأشهر والأكثر . 2- دبر الكعبة . 3- تحت الميزاب .4- داخل الكعبة . والالتزام داخل الكعبة جاء من حديث أسامة بن زيد رضي الله عنه (أن النبي صلى الله عليه وسلم ، دخل البيت ومعه أسامة ، وكان البيت إذ ذاك على ستة أعمدة ، فمضى النبي صلى الله عليه وسلم ، حتى أتى الاسطوانتين اللتين تليان باب الكعبة ، فجلس ، فحمد الله وأثنى عليه ، وسأله ، واستغفره ، ثم قام حتى أتى ما استقبل من دبر الكعبة ، فوضع وجهه وجسده على الكعبة ، فحمد الله وأثنى عليه وسأله ، واستغفره ، ثم انصرف ، حتى أتى كل ركن من أركان البيت ، فاستقبله بالتكبير والتهليل والتسبيح ، والثناء على الله ، والاستغفار والمسألة ، ثم خرج فصلى ركعتين خارجا من البيت ، مستقبلَ وجه الكعبة ، ثم انصرف ، فقال [ :هذه القبلة ، هذه القبلة] أخرجه الإمام أحمد والضياء في (المختارة) وحسنه ، وصححه محققو المسند ، فهل يقاس خارج الكعبة على داخلها من هذا الحديث ، فيلتزم أي مكان من الكعبة أو يقتصر على ما جاء النص به . وقت الالتزام : المؤلف رحمه الله يقول (ويقف غير الحائض ...) هذا الفعل يكون بعد طواف الوداع ، هذا وقت الالتزام؛ لأن المؤلف رحمه الله قد ذكره في هذا الموضع ، وهذه المسألة جاء فيها عدة آراء عن السلف : القول الأول : أن وقت الالتزام يكون بعد طواف الوداع ،وهو مذهب الحنفية ، والمالكية ، والشافعية ، والحنابلة القول الثاني : أن الالتزام يكون عند القدوم إلى مكة ، وهذا ما عليه عمل الصحابة، وأما ما عليه عامة الفقهاء ، فيكون بعد طواف الوداع .
عدد الصفحات ٢٦٥مختصر كتاب المناسك 2 فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 107 القول الثالث : أنه لا وقت محددا للالتزام ، بل يلتزم في أي وقت شاء ، حتى في أثناء السنة في غير وقت الحج سواء كان في وقت الوداع أو غيره ،لكنه غير مخصص بوقت دون وقت ، ويُنقل عن الفقهاء كثيرا ، يقول : كانت بي ضائقة فأتيت الملتزم والتزمت ، فقضى الله حاجتي ... دعوت الله في الملتزم فأجاب الله دعوتي ... قال رحمه الله : داعيًا بما وَرَدَ . الدعاء في الملتزم : ذكر العلماء أن الدعاء في الملتزم مستجاب ، وقد نص على ذلك طائفة من أهل العلم رحمة الله عليهم ، منهم شيخ الإسلام رحمه الله ، فقد قال لما تكلم عن الدعاء المستجاب : (والدعاء مستجاب عند نزول المطر ، وعند التحام الحرب ... والدعاء بالمشاعر ، كعرفة ومزدلفة ومنى والملتزم ونحو ذلك من مشاعر مكة) وبعضهم يقول : دعوت في الملتزم فاستجيبت دعوتي ، فينبغي الحرص على الدعاء فيه . صيغة دعاء الملتزم : ذكر العلماء صيغة الدعاء ، وهو منقول عن ابن عباس رضي الله عنه ، قال شيخ الإسلام رحمه الله (وإن شاء قال في دعائه المأثور عن ابن عباس (اللهم إني عبدك وابن عبدك وابن أمتك ، حملتني على ما سخرت لي من خلقك ، وسيرتني في بلادك حتى بلغتني بنعمتك إلى بيتك ، وأعنتني على أداء نسكي ، فإن كنت رضيت عني فازدد عني رضا ، وإلا فمن الآن فارض عني ، قبل أن تنأى عن بيتك داري ، فهذا أوان انصرافي إن أذنت لي غير مستبدل بك ولا ببيتك ولا راغب عنك ولا عن بيتك ، اللهم فأصحبني العافية في بدني ، والصحة في جسمي ، والعصمة في ديني ، وأحسن منقلبي ، وارزقني طاعتك ما أبقيتني ، واجمع لي خيري الدنيا والآخرة ، إنك على كل شيء قدير) هذا الدعاء منقول عن ابن عباس رضي الله عنه ، يستحبه العلماء في هذا المكان . قال رحمه الله : وَتقفُ الحائضُ ببابهِ وتَ دعُ و بالدُّ عاءِ . الحائض لا تأتي الملتزم ، وإنما قال المؤلف هذا لأنها لا تدخل المسجد ، ولذا لما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم ، أن صفية قد حاضت ، قال [ :أحابستنا هي؟ ثم لما أخبر أنها قد طافت ، قال [ :فلتنفر]وهذا دليل على أن الحائض لا يجوز لها أن تدخل المسجد ، وأما حديث [لا أحل المسجد لجنب ولا لحائض] فهو حديث معلول قوله (وتدعو بما ورد) : هذا يحتاج إلى دليل؛ ولذا قال العلماء رحمهم الله : ليس هناك نص عن النبي صلى الله عليه وسلم ، ولا دليل على أن الحائض تقف عند الباب وتدعو ، ولذا لم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم ، صفية بالدعاء ، وإنما قال [فلتنفر] و لم يقل لهم : قولوا لها فلتأت ولتدعو ، أو تأتي عند الباب . مستحبات بعد طواف الوداع : ذكر العلماء أمور تستحب بعد طواف الوداع ، منها ما هو مسلم به ، ومنها ما هو غير مسلم به . 1- دخول الكعبة : بعضهم يرى استحباب دخول الكعبة ، وأنه من المناسك ، وهذه المسألة اختلف فيها العلماء على قولين : القول الأول : أنه يستحب لمن حج أن يدخل الكعبة ، وأنه من المناسك ، و إليه ذهب الشافعية ، والحنابلة . أدلتهم : الدليل الأول : أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم دخل الكعبة في حجة الوداع ، فعن ابن عمر قال : (دخل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، البيت هو وأسامة بن زيد وبلال وعثمان بن طلحة ، فأغلقوا عليهم ، فلما فتحوا كنت أول من ولج ..) أخرجه الإمام البخاري ، ومسلم .
عدد الصفحات ٢٦٦مختصر كتاب المناسك 2 فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 108 نوقش : بأن دخول النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن في حجة الوداع ، إنما كان في فتح مكة . ورُدّ : بأن النبي صلى الله عليه وسلم ، دخل أكثر من مرة ، فقد روى ابن عباس رضي الله عنهما (لما قدم صلى الله عليه وسلم ، أبى أن يدخل البيت وفيه الآلهة ، فأمر بها فأخرجت ، فأخرجوا صورة إبراهيم وإسماعيل في أيديهما الأزلام ، فقال صلى الله عليه وسلم [ :قاتلهم الله ، أما والله لقد علموا أنهما لم يستقسما بها قط] فدخل البيت فكبر في نواحيه ، ولم يصل فيه) أخرجه البخاري ، هنا يقول (لم يصل فيه) وابن عمر ذكر أنه قد صلى فيه ، وقول ابن عمر وبلال مثبت ، والمثبت مقدم على النافي. الدليل الثاني : عن عائشة رضي الله عنها ، قالت : (خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ، من عندي وهو قرير العين طيب النفس ، ثم رجع إلي وهو حزين ، فقلت له ، فقال [ :إني دخلت الكعبة ، ووددت أني لم أكن فعلت ، إني أخاف أن أكون أتعبت أمتي من بعدي] )أخرجه الخمسة إلا النسائي ، وصححه الترمذي ، وابن خزيمة ، والحاكم ، قالوا : هذا دليل على أنه في حجة الوداع؛ لأن عائشة لم تكن معه في فتح مكة . ونوقش : بأن القصة لا يتمنع أن تكون حدثت في المدينة ، وأن النبي صلى الله عليه وسلم ، خرج من عندها طيب النفس سعيدا ، ورجع إليها حزينا؛ لأنه تذكر الدخول إلى الكعبة . القول الثاني : أن دخول الكعبة ليس من مناسك الحج ، فلا يستحب فيه ، و إليه ذهب الحنفية ، والمالكية ، وهو رأي سفيان ، ونقله سفيان عن طائفة من أهل العلم رحمة الله عليهم ، وهو اختيار النووي ، وابن القيم . أدلتهم : الدليل الأول : أنه لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ، أنه دخل الكعبة في الحج ، وما دام أنه لم يثبت فإنه يحتاج إلى دليل؛ لأن هذه عبادة ، والعبادة لا بد لها من توقيف ، وابن عمر كان كثير الحج ولم يكن يدخل الكعبة ، مع أنه معروف ومشهور بشدة المتابعة للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم . الدليل الثاني : أن النبي صلى الله عليه وسلم، اعتمر ثلاث عمر، ولم يثبت أنه دخل الكعبة فيها . الراجح : هو القول الثاني ، أن دخول الكعبة ليس من مناسك الحج ولا من مستحباته ، إلا إذا ثبت دليل يدل على دخول النبي صلى الله عليه وسلم إلى الكعبة ، ولا دليل على هذا ، لكن لو تيسر للإنسان الدخول ، ويفعل كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم ، يكبر في نواحيها ، ويذكر الله ، ويحمده ويهلله ويستغفره ويدعوه . 2- الشرب من ماء زمزم : ذكر الفقهاء رحمهم الله أن مما يشرع بعد طواف الوداع الشرب من ماء زمزم ، وقد ذهب إلى ذلك الشافعية ، والحنابلة ، ولا دليل على هذا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ، إنما شرب في يوم النحر ، بعد أن طاف طواف الإفاضة ، وبعد أن ذهب إلى أقاربه وهم يسقون من زمزم ، فناولوه دلوا فشرب منه ، وقد تقدم أن بعض أهل العلم يقول : أنا في شك من كونه سنة ، حتى في يوم النحر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ، قد يكون شرب لحاجته إلى الماء ، لكونه عطشان مثلا ، أو أنه لما ناولوه الدلو لم يرده صلى الله عليه وسلم ، أو لأن شرب ماء زمزم مطلوب في كل وقت . 3- استلام الحجر والتكبير : ذكروا هذا مما يستحب بعد طواف الوداع ، و إليه ذهب الحنفية ، والمالكية ، والشافعية ، والحنابلة ، واستدلوا بالأدلة التي جاء فيها أن النبي صلى الله عليه وسلم ، استلم الحجر بعد طواف القدوم ، في حديث جابر ، وهذا لا يدل على أنه يستلمه بعد طواف الوداع ، الذي جاء إنما جاء في طواف القدوم .
عدد الصفحات ٢٦٧مختصر كتاب المناسك 2 فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 109 4- اروج من الثنية السفلى : هذا تقدم في باب دخول مكة ، وهو من السنن المطلوبة المقصودة . 5- تقبيل عتبة الكعبة والخروج بالقهقرى : ذكر بعض العلماء أنه إذا طاف للوداع فإنه يقبل عتبة باب الكعبة ، ويرجع إلى الوراء ، ولا يولي الكعبة دبره ، ويكون وجهه إلى الكعبة حتى يخرج من المسجد لكيلا تغيب عن نظره ، وبعضهم يقول : يمشي ويلتفت إلى الكعبة ، ويظل ملتفتا حتى يخرج ، حتى لا تفارق عينه الكعبة ، وكل ذلك لا دليل عليه ، لا تقبيل عتبة الكعبة ، ولا مشي القهقرى ، ولا الالتفات ، فلما لم ينقل دل على أنه ليس بسنة . يذكرون هذا أيضا عند السلام على قبر النبي صلى الله عليه وسلم ، يقول شيخ الإسلام : لا يفعل هذا عند قبر النبي ، فلا يرجع القهقرى بعد أن يسلم على قبر النبي ، أو يمشي ويلتفت ناحية القبر حتى يذهب ، أو يقبل الحديد وما كان على القبر ، كل ذلك من البدع المنكرة ، ولأنه كلما توسع الإنسان في البدعة والعمل بها ، ضيق على السنة ، وكذلك كما قال ابن مسعود رضي الله عنه (اقتصاد في سنة خير من اجتهاد في بدعة) . النزول بالمحصَّب : النبي صلى الله عليه وسلم ، لما رمى الجمرة يوم الثالث عشر ، ذهب ونزل بالمحصب ، ويسمى الأبطح ، نسبة إلى البطحاء ، وهي الحصى الصغار أيضا ، وهو وادي إبراهيم المنحدر من أعلى مكة ، والخارج من أسفلها ، وموقعه الآن من المنحنى الذي بعد إمارة مكة للداخل ، يأتي الخط وينحني ذات الشمال ، من المنحنى إلى مقبرة الحجون (مقبرة المِعلاة ) هذا هو المحصب ، وهو الآن مسفلت ، وعليه المحلات والمباني ، ولم يعد منزلا للناس ، واختلف العلماء رحمهم الله ، هل النزول في المحصب سنة أم لا؟ . حكم النزول في المحصب : هذه المسألة اختلف فيها العلماء على قولين : القول الأول : أن النزول في المحصب سنة ،وهو مذهب الحنفية ، والمالكية ، والشافعية ، والحنابلة . أدلتهم : الدليل الأول : عن أنس رضي الله عنه ، (أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء ، ثم رقد رقدة بالمحصب ، ثم ركب إلى البيت فطاف) أخرجه الإمام البخاري . الدليل الثاني : عن أبي هريرة رضي الله عنه ، حينما سئل النبي صلى الله عليه وسلم : أين تنزل غدا من دارك؟ قال [...نحن نازلون غدا إن شاء الله بخيف بني كنانة ، حيث تقاسموا على الكفر]متفق عليه . القول الثاني : أن النزول بالمحصب ليس سنة ، وهذا رأي ابن عباس ، وعائشة ، وعطاء ، ومجاهد ، وعروة أدلتهم : الدليل الأول : عن أبي رافع قال : (لم يأمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أن أنزل بمن معي بالأبطح ، ولكن أنا ضربت قبته ، ثم جاء فنزل) أخرجه الإمام مسلم نوقش : بأن فعل أبي رافع رضي الله عنه قد وافق قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالأمس . الدليل الثاني : عن ابن عباس رضي الله عنهما ، أنه قال : (التحصيب ليس بشيء ، إنما هو منزل نزله رسول الله صلى الله عليه وسلم) متفق عليه .
عدد الصفحات ٢٦٨مختصر كتاب المناسك 2 فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 110 فنحن الآن بين من يقول بالسنية والاستحباب، وبين من يرى أن هذا النزول إنما كان أرفق وأسمح لخروج النبي صلى الله عليه وسلم ، فلا تثبت السنية به ، والآن هو مسفلت ، وليس فيه مكان للنزول ،لكن نقول إنه سنة . قال المؤلف رحمه الله : وتُسْتَحَبُّ زِيارةُ قَبْرِ النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ وقَبْرَيْ صَاحِبَيْهِ . هذه من المسائل الكبيرة ذات الذيول ، التي تحتاج إلى شيء من البسط ، وهذه المسألة تدخل ضمن مسألة أخرى ، وهي : شد الرحال إلى القبور والمشاهد والمزارات . حكم شد الرحال : هذه مسألة اختلف فيها أهل العلماء ، وقد امتحن فيها وحبس شيخ الإسلام ابن تيمية رحمة الله عليه ، بفتواه الشهيرة ، حينما أفتى بعدم جواز شد الرحل إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم ، وقبر صاحبيه ، ولا خلاف بين العلماء ، في سنية زيارة مسجد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، وأنه يستحب شد الرحل إليه ، إنما اختلفوا في شد الرحل إلى قبره وإلى قبر صاحبيه ، وإلى سائر مشاهد وقبور الصالحين والأنبياء، خلاف على قولين : القول الأول : أنه يجوز شد الرحل إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم ، وقبر صاحبيه ، وإلى جميع المشاهد ، وقبور الأنبياء وغيرهم ، مذهب المتأخرين من الحنفية ، ومذهب المالكية، والشافعية ، والحنابلة ، يقول المرداوي رحمه الله (فإذا فرغ من الحج استحب له زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبيه ، وعليه الأصحاب قاطبة ، متقدمِهم ومتأخرهم) والمراد من هذا أنه مذهب المتأخرين ، ليس مذهب المتقدمين ، لأن هذه البدعة لم تأت إلا مؤخرا قال ابن عبد الهادي رحمه الله : (فدعوى من ادعى أن مجرد السفر إلى القبور يستحب عند جميع علماء المسلمين كذب ظاهر ، وكذلك إن ادعى أن هذا قول الأئمة الأربعة ، أو أنه قول جمهور أهل العلم والمسلمين ، فهو كذب بلا ريب ) أدلة القائلين بجواز شد الرحال إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم ، وقبر صاحبيه . الدليل الأول : قول الله تبارك وتعالى {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا} تدل هذه الآية على أن الإنسان إذا أذنب يستغفر الله ، ويأتي إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم ، فيستغفر له الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأنه حي في قبره ، كما جاء في حديث أنس رضي الله عنه ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال [الأنبياء أحياء في قبورهم يصلون] أخرجه أبو يعلى ، وصححه البيهقي والألباني . ونوقش الاستدلال : أن قوله تعالى {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ}هذا محمول على الماضي ، وليس محمولا على المستقبل؛ لأن هناك فرقا بين (إذ) و (إذا) فالأولى ظرف لما مضى ، والثانية ظرف لما يستقبل ، ولو كان المقصود المستقبل لقال (ولو أنهم إذا ظلموا أنفسهم جاؤوك) فهذا يدل على أنه أمر قد وقع وانتهى . وأما الحديث الذي رواه أبو يعلى ، فهو إن ثبت فهو محمول على الحياة البرزخية ، لا على الحياة الدنيوية ، وثمة فرق بين حياة البرزخ ، وبين الحياة الدنيوية ، فحياة البرزخ تختلف تماما عن الحياة الدنيوية ، النبي صلى الله عليه وسلم قد مات ، قال الله عز وجل {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ} الدليل الثاني : عموم أدلة زيارة القبور ، وأنها لم تفرق بين زيارة بشد أو زيارة بغير شد ، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال [ :كنت نهيتكم عن زيارة القبور، ألا فزوروها]وهذا يدل على استحباب زيارة القبور، وجاءت الأحاديث مطلقة ، غير مقيدة بشد رحل أم بدونه .
عدد الصفحات ٢٦٩مختصر كتاب المناسك 2 فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 111 نوقش : بأن ثمة فرقا بين الزيارة وبين شد الرحل، فالزيارة سنة بالإجماع ، وأما شد الرحل فهي مسألة أخرى ، وهذه الأحاديث لا تحتمل مشروعية شد الرحل . الدليل الثالث : استدلوا بأحاديث وآثار تدل على استحباب زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم خصوصا ، ويؤخذ منها زيارة قبري صاحبيه ، منها : [من حج البيت ولم يزرني فقد جفاني] أخرجه ابن عدي وابن حبان في الضعفاء ، وهو حديث موضوع ، القول الثاني : أن السفر لزيارة القبور لا تجوز ، ومنها قبر النبي صلى الله عليه وسلم ، وقبرا صاحبيه ، بل هي بدعة ، إليه ذهب بعض الحنفية ، وهو قول الإمام مالك ، وبعض الشافعية ، والحنابلة في رواية ، ورأي ابن تيمية ، وابن القيم ، ، واللجنة الدائمة في المملكة ، والشيخ ابن باز ، والشيخ ابن عثيمين رحمهم الله أدلتهم : الدليل الأول : قول النبي صلى الله عليه وسلم ، في حديث أبي هريرة المشهور [ :لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد : المسجد الحرام ، ومسجد الرسول صلى الله عليه وسلم ، والمسجد الأقصى] متفق عليه ، وفي لفظ لمسلم [إنما يسافر إلى ثلاثة مساجد : مسجد الكعبة ، ومسجدي ، ومسجد إيليا]فقوله (لا تشد .. لا يسافر) : هو نفي بمعنى النهي ، كقول الله تبارك وتعالى {فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ} أي لا يرفث ولا يفسق ولا يجادل ، والدليل أنه قد جاء في صحيح مسلم بلفظ (لا تشدوا) مصرحا بالنهي . نوقش الاستدلال بالحديث بأن المستثنى منه محذوف ، الرسول صلى الله عليه وسلم قال [ :لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد] أين المستثنى منه؟ قالوا : محذوف تقديره : لا تشد الرحال إلى مسجد إلا المساجد الثلاثة ... ، فيكون المنهي عنه شد الرحال إلى المساجد إلا الثلاثة مساجد وما سواها يجوز شد الرحل إليه و منها قبور الصالحين والأنبياء ، وأخصها قبر النبي صلى الله عليه وسلم ، وصاحبيه رضي الله عنهما ، ويدل عليه أنه قد جاء عند الإمام أحمد من حديث أبي سعيد ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال [لا ينبغي للمطي أن تشد رحاله إلى مسجد يبتغى فيه الصلاة ]... نص على المستثنى منه . رُد أولا : بأن هذه الزيادة منكرة، لعدم ورودها في الطرق الأخرى، ثم هي من أوهام شهر بن حوشب وهو ضعيف ورُد ثانيا : بأن هذا استثناء مفرغ ، والمقدر فيه واحد من أمرين : الأمر الأول : إما أن يكون المقدر المسجد : فلا تشد الرحال إلى مسجد إلا المساجد الثلاثة ، وبالتسليم أن المقدر هو المسجد ، فإذا كانت المساجد لا يجوز شد الرحل إليها ، مع فضيلتها ، وبركتها ، فغيرها من باب أولى ، فإذا كان التقدير هذا ، كان نهيا عن المساجد باللفظ ، ونهيا عن سائر البقاع التي يعتقد فضيلتها بطريق التنبيه والأولى . الأمر الثاني : وإما أن يكون التقدير : لا تشد الرحال إلى بقعة ابتغاء فضلها إلا المساجد الثلاثة ، فيشمل النهي قبور الأنبياء والصالحين ، وغيرها من البقاع الصالحة . الدليل الثاني : عن أبي بصرة الغفاري رضي الله عنه ، أنه لقي أبا هريرة وهو جاءٍ ، فقال : من أين أقبلت؟ قال : أقبلت من الطور ، صليت فيه ، قال : أما إني لو أدركتك لم تذهب ، إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول [لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد]..أخرجه الإمام مالك في الموطأ ، وصححه الألباني ، قالوا فهم الصحابي من هذا الحديث عمومه لكل بقعة ، سواء كانت مسجدا أم غير مسجد ، ورأى أن الطور لا يشد الرحل إليه ، ووافقه الصحابي الآخر ، فإنه لم يرد عليه .
عدد الصفحات ٢٧٠مختصر كتاب المناسك 2 فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 112 مناقشات عامة الأحاديث : قالوا هذه الأحاديث محمولة على نفي الكمال والفضيلة ، لا على التحريم ، ومعنى ذلك أن أفضل الشد إنما هو لهذه المساجد الثلاثة ، وأما غيرها فهو دونها في الفضل ، فيجوز شد الرحل إليها ، واستدلوا بما روى الإمام أحمد (ولا ينبغي للمطي أن تُعمل إلى مسجد يبتغى فيه الصلاة ...) . رد : بأن هذه الرواية ضعيفة لأنها من أوهام شهر بن حوشب ، والعجيب أن الحافظ بن حجر رحمه الله يصححها ، لكن العلماء أنكروا عليه تصحيحه . وقالوا : إن قوله (لا ينبغي) دال على أنه نفي كمال ، وليس نهيا ، ورد : بأن لفظة (لا ينبغي) تأتي للممتنع غاية الامتناع ، قدرا وشرعا ، فهي من أعظم الصيغ تعبيرا عن النهي . الراجح : هو القول الثاني ، أنه لا يجوز شد الرحال إلى القبور ، لا إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم ، ولا قبر غيره . وهو مما حدث في القرون المتأخرة على أيدي الرافضة والمبتدعة ، مما يدل على أن هذا القول ضعيف . قال رحمه الله : و (صِفَةُ العُمرةِ ) أن يُحْرِمَ بها من الْمِيقاتِ . صفة العمرة أن يحرم بها من الميقات إذا جاء من خارج مكة ، وهذا تقدم ، لقول النبي صلى الله عليه وسلم [هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن أراد الحج والعمرة]وأما إن كان في مكة فقد حكي الإجماع أنه يحرم من الحل ، وهل يحرم من التنعيم أو من غيره؟ وقع خلاف بين أهل العلم ، لكن ذهب الحنفية ، والحنابلة إلى أن الأفضل أن يحرم من التنعيم ، وغيرهم يرى من الجعرانة أو غيرها . قال رحمه الله : أو من أَدْنَى الْحِلِّ من مَكِّيٍّ ونَحوِه لا من الْحَرَمِ . تقدم في حديث عائشة ، حينما أرادت العمرة ، وخرجت مع أخيها عبد الرحمن فإنها أحرمت من التنعيم . قال رحمه الله : فإذا طافَ وسَعَى وقَصَّرَ حَلَّ . إذا طافَ وسعى وقصر أو حلق فإنه يحل ، وهذه صفة العمرة ، ولا حاجة لإعادة الكلام . قال رحمه الله : وتُباحُ كلَّ وقتٍ . تفعل العمرة في كل وقت ، وليس ثمة وقت تمنع العمرة فيه ، بل هي مباحة طول العام ، في رمضان ، وفي شهر ذي الحجة ، وفي شهر ذي القعدة ، وفي المحرم ، في كل وقت ، لكن هل ثمة وقت تكره العمرة فيه؟ . أوقات تكره فيها العمرة : اختلف العلماء هل توجد أوقات تكره فيها العمرة أم لا؟ على قولين : القول الأول : أن العمرة تباح في كل وقت ، وإليه ذهب المالكية ، والشافعية ، والحنابلة . دليلهم : عموم الأدلة التي جاء فيها الأمر بالعمرة ، مثل [تابعوا بين الحج والعمرة ، فإنهما ينفيان الذنوب والفقر كما ينفي الكير خبث الحديد]وغ ذلك . القول الثاني : أن العمرة تكره في أيام، يوم عرفة وأربعة أيام بعده ، أي : يوم النحر (يوم العيد) وأيام التشريق الثلاثة ، و إليه ذهب الحنفية رحمهم الله . أدلتهم : الدليل الأول : حديث عائشة ، أنها كانت تقول (حلت العمرة في السنة كلها ، إلا في أربعة أيام : يوم النحر ، وأيام التشريق ، ويوم عرفة) أخرجه البيهقي عنها .
عدد الصفحات ٢٧١مختصر كتاب المناسك 2 فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 113 الدليل الثاني : أن الإنسان مشغول فيها بأداء مناسك الحج ، فتكره العمرة فيها ، حتى لا يتشاغل عن الحج . والراجح أن العمرة ليست مكروهة في هذه الأيام ، وإن كان للمالكية بعض التفصيل ، أنه إذا اشتغل بالحج فليس له الحق في أن يعتمر ، ومن لم يكن حاجا لم تكره له العمرة ، وليس ثمة وقت تكره فيه . قوله : (تباح كل الوقت) : فتباح كل وقت حتى للمكي ، فإنه يجوز له أن يعتمر أكثر من مرة ، ويكررها . تكرار العمرة : تكرار العمرة ينقسم إلى قسمين : 1- تكرار العمرة في العام . 2- تكرار العمرة في السفرة الواحدة . هما مسألتان مهمتان جدا . كم عمرة يفعل في السنة؟ ما حدها؟ وكذا تكرار العمرة في السفرة الواحدة ، كما يفعل كثير من الناس الآن ، يذهب إلى مكة ، فيعتمر ، ثم يعتمر مرة ثانية ، ثم ثالثة ، وبعضهم يحلق الرأس نصفين ، نصفا في عمرة ، ونصفا في عمرة أخرى ، لكن نتكلم عن تكرار العمرة في العام ، ثم تكرارها في السفرة . تكرار العمرة في العام : هذه المسألة اختلف فيها العلماء على قولين : القول الأول : أنه يستحب تكرار العمرة في العام الواحد أكثر من مرة ، و إليه ذهب طائفة من السلف ،وهو مذهب الحنفية ، والشافعية ، والحنابلة ، والظاهرية ، وابن الماجشون ، ومطرِّف ، وابن حبيب من المالكية . أدلتهم : الدليل الأول : عن أبي هريرة رضي الله عنه ، مرفوعا [العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما]قالوا : فهذا شامل للمرة والمرتين والثلاث ، بل ظاهره أنه يستحب تكرار العمرة أكثر من مرة . الدليل الثاني : أن عائشة رضي الله عنها ، أهلت بالحج متمتعة ، فلما وصلت إلى سرف حاضت ، فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم ، أن تجعل حجها قرانا ، ولما انتهت من حجها رضي الله عنها ، طلبت من النبي صلى الله عليه وسلم ، أن يُعمرها ، لأنها تظن أن عمرتها قد بطلت وانتهت ، فأذن لها النبي صلى الله عليه وسلم تطييبا لخاطرها ، وأمر أخاها عبد الرحمن أن يخرج بها إلى التنعيم ، ثم رجعت بعمرة ، فهي اعتمرت عمرتين ، عمرة مع حجها ، وعمرة مفردة ، كما نص على ذلك الإمام الشافعي ، قالوا : وهذا دليل على استحباب تكرار العمرة ، بل ذهبوا إلى أبعد من ذلك ، أنه يستحب تكرارها في اليوم الواحد فضلا عن السفرة القول الثاني : أنه يكره أداء العمرة في السنة أكثر من مرة، وهو مذهب المالكية، مع أنهم يقولون: إذا أحرم بالعمرة أصبحت لازمة، فلو أحرم بعمرة ثانية أصبحت لازمة يأتي بها، فرأيهم، أنه مكروه وليس محرما . أدلتهم : الدليل الأول : أن النبي صلى الله عليه وسلم ، لم يكرر العمرة مع قدرته على ذلك . نوقش : بأن النبي صلى الله عليه وسلم ، لم يكرر العمرة ، لأنه كان مشغولا بما هو أهم من العمرة ، الجهاد في سبيل الله ، والدعوة ، وتبليغ العلم ، ودعوة الناس إلى دين الله ، وهذه أهم من العمرة ، فتلك أمور واجبة فضلها عظيم ، والعمرة مستحبة وفضلها عظيم ، لكنها لا تصل إلى قدر تلك الأعمال العظيمة عند الله عز وجل ، ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم يترك العمل وهو يحبه مخافة أن يفرض على أمته .
عدد الصفحات ٢٧٢مختصر كتاب المناسك 2 فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 114 الدليل الثاني : قياس العمرة على الحج ، بجامع أن كلا منهما فيه طواف وسعي فاقتضى حكمها أن لا تفعل إلا مرة واحدة في السنة ، فكذلك العمرة . ونوقش : بأنه قياس مع الفارق ، الحج مؤقت بوقت معين ، لا يمكن أن يكرره ، بخلاف العمرة فهي غير مؤقتة الراجح : أنه يستحب تكرار العمرة في السنة الواحدة أكثر من مرة ، لذا قال ابن عبد البر : (ولا أعلم لمن كره العمرة في السنة مرارا حجة من كتاب ولا سنة يجب التسليم لمثلها ، والعمرة فعل خير والله تعالى يقول: (وافعلوا الخير) تكرار العمرة في السفرة الواحدة : تقدم الخلاف في حكم تكرار العمرة في العام الواحد، وأن المالكية يكرهون ذلك ويرون أنه إن أحرم بعمرة أكثر من مرة انعقدت وصحت منه، وبناء عليه فيكره عندهم تكرار العمرة في السفرة الواحدة من باب أولى . وقد اختلف العلماء في حكم تكرار العمرة في السفرة الواحدة اختلفوا على أقوال : القول الأول : أن تكرار العمرة في السفرة الواحدة مستحب ، و إليه ذهب الحنفية ، والشافعية ، والحنابلة . أدلتهم : الدليل الأول : قصة عائشة رضي الله عنها ، أنها اعتمرت عمرتين في سفرة الواحدة . نوقش : بأن عائشة رضي الله عنها لم يأمرها النبي صلى الله عليه وسلم ابتداء ، لكنها طلبت وألحت عليه ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم ، يحب أن يجيب طلبها ،والصحابة الذين حجوا قرانا لم يعتمروا ويقال : إن جماهير أهل العلم على جواز أن يعتمر الإنسان بعد حجه ، لكنه ليس سنة ، بل أقصى ما فيه الجواز الدليل الثاني : أن ابن عباس رضي الله عنه ، كان لا يرخص لأحد من أهل مكة يخرج من الحرم إلا رجع محرما ، إلا الحطابين ومن تكرر دخولهم ، أخرجه البيهقي ، وجود إسناده ابن حجر رحمه الله . القول الثاني : أنه يكره الإكثار من العمرة في السفرة الواحدة والموالاة بينها ، وليس محرَّما ، و إليه ذهب الحنابلة على الصحيح من المذهب ، والمحب الطبري رحمه الله . أدلتهم : الدليل الأول : أنه ظاهر قول السلف رحمة الله عليهم ، ولهذا قال عكرمة : (يعتمر إذا أمكن الموسى من شعره) وقال عطاء : (إن شاء اعتمر في كل شهر مرتين) . الدليل الثاني : أنه لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم ، الموالاة بين العمر . القول الثالث : أن تكرار العمرة في السفرة الواحدة بدعة ، إليه ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية رحمة الله عليه ، وهو اختيار شيخنا ابن عثيمين ، وشيخ الإسلام في بعض المواضع قال : (بدعة) وفي بعضها قال : (مكروه) والمستحب هو الطواف دون الاعتمار ، بل الاعتمار فيه حينئذ بدعة لم يفعلها السلف ، ولم يقم عليها دليل . دليلهم : أنه لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم ، الإكثار من العمرة ، ولا تكرارها في السفرة الواحدة ، ولا عن أحد من الصحابة ، ولا التابعين ، ولا تابعيهم ، ولم ينقل عمن سكن الحرم من الصحابة رضي الله عنهم . الراجح : أن يقال : الإكثار من العمرة ، والموالاة بينها ، والمتابعة بينها مكروه كراهة شديدة؛ لأدلة أصحاب هذا القول ، وأما القول بالبدعية فلا يجسر الإنسان أن يقول : هذا الفعل بدعة ، ويحتاج إلى دليل واضح .
عدد الصفحات ٢٧٣مختصر كتاب المناسك 2 فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 115 الوقت بين العمرتين : على القول باستحباب التكرار، وكراهة الموالاة الشديدة ، ما هو الحد الذي يفتى به؟ اختلف العلماء رحمهم الله ، فكان عكرمة يقول (يعتمر إذا أمكن الموسى من رأسه) ،وقال شيخ الإسلام : (يعتمر في الشهر مرتين) قال الإمام أحمد : (إذا اعتمر فلا بد أن يحلق أو يقصر ، وفي عشرة أيام يمكن حلق الرأس) وهو فعل أنس بن مالك أنه كان إذا حمم رأسه خرج فاعتمر . مسائل مترتبة : أولا : هل يجوز في السنة الواحدة تكرار؟ عرفنا أن في المسألة قولين : قولا بالاستحباب ، وقولا بالكراهة . ثانيا : في السفرة الواحدة . في المسألة ثلاثة أقوال : قول بالاستحباب ، وقول بالكراهة الشديدة ، وقول بالبدعية ، فإذا قيل بالاستحباب أو الكراهة ، فما حده؟ حده أن يحمم رأسه ، المدة : عشرة أيام عند بعضهم ، وبعضهم يطلق ويقول : لا يقال بالأيام ، وإنما يقال : متى ما أمكن أن يجد شعرا يحلقه فإنه يستحب التكرار ، وأما قبل ذلك فلا يستحب . مكان الإحرام لتكرار العمرة : اختلف فيه أهل العلم : القول الأول : مذهب الحنفية والحنابلة كما تقدم ، أنه يحرم من التنعيم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ، بعث بعائشة مع أخيها إلى التنعيم فأحرمت منه . القول الثاني : أنه يحرم من الجعرانة . القول الثالث : أنه يحرم من الحل من أي موضع كان ، فإنه يخرج إلى الحل فيحرم منه . والنبي صلى الله عليه وسلم بعث عائشة إلى التنعيم؛ لأن التنعيم أقرب نقطة إلى الحرم ، قرابة خمسه كيلو ، وسمي تنعيما؛ لأنه بين جبلين ، جبل اسمه : ناعم ونُعيم ، والوادي نُعمان ، فسمي المجموع التنعيم ، ويوجد فيه الآن مسجد يسمى مسجد عائشة رضي الله عنها ، وفيه مكان لدورات المياه ومستحمات يغتسل فيها الناس. القول الرابع : أنه يحرم من الميقات ، يرجع إلى الميقات ويحرم منه ، وهو منقول عن علي ، وعائشة ، واختاره الشيخ الألباني ، لكن الجمهور على أنه يعتمر من الحل ، اختلفوا في الموضع واتفقوا على الحل . العمرة التي تجزئ عن الفرض : قال المؤلف رحمه الله : وتُجزئُ عن الفرضِ . أي إن العمرة من التنعيم ، وعمرة المتمتع ، وعمرة القارن تجزئ عن الفرض؛ لأن العمرة إما أن يأتي بها من الميقات ، وإما أن يأتي بها من التنعيم ، كأن يكون في مكة ويخرج ويعتمر من التنعيم . أما عمرة المتمتع فلا خلاف في أنها تجزئ عن الفرض ، وهو رأي ابن عمر ، وعطاء ، وهو مذهب الحنفية ، والمالكية ، والشافعية ، والحنابلة ، والمراد به على من قال إن العمرة واجبة وفرض . أما لو حج مفردا ، ثم خرج بعد أن انتهى من حجه إلى التنعيم وأتى بعمرة ، فهل تجزئه عن عمرة الإسلام أو لا؟ الصحيح من المذهب الإجزاء ، وهو قول جمهور العلماء؛ لأنهم يرون أن العمرة من التنعيم صحيحة ، فتجزئ عن عمرة الإسلام ، لأنه تقدم أنها مستحبة عند الحنفية ، والشافعية ، وعند المالكية لو أحرم بها أجزأت.
عدد الصفحات ٢٧٤مختصر كتاب المناسك 2 فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 116 أدلة القائلين بعدم الإجزاء : الدليل الأول : قوله تعالى {وَأَتِمَُّوا الْحَجََّ وَالْعُمْرَةَ لِلََّهِ} قال عمر وعلي رضي الله عنهما (إنما إتمامهما أن تأتي بهما من دويرة أهلك) . الدليل الثاني : قالت عائشة رضي الله عنها ، : (والله ما كانت عمرة ، إنما كانت زيارة). الراجح : أن الإجزاء مبني على الصحة ، فإن كانت هذه العمرة صحيحة فإنها مجزئة ، وأما إذا قيل بعدم صحتها فإنها غير مجزئة ، لكن الجمهور على أنها منعقدة صحيحة فتكون مجزئة. عمرة القارن وإجزاؤها عن عمرة الإسلام : الجمهور على أنها تجزئ عن عمرة الإسلام ، هذا رأي ابن عمر ، وعطاء ، وطاوس ، ومجاهد . أدلتهم : الدليل الأول : حديث الصبي بن معبد ، حينما جاء إلى عمر رضي الله عنه ، فقال (يا أمير المؤمنين ، إني وجدت الحج والعمرة مكتوبين علي فأهللت بهما، فقال عمر : هديت لسنة نبيك) رواه أبو داود وصححه الألباني وجه الاستدلال : أن هذا الرجل أحرم بهما على أنهما واجبان عليه ، وإذا كانا واجبين عليه فإن ذمته تبرأ بأدائهما ، لأنه قد أداهما . الدليل الثاني : حديث عائشة رضي الله عنها في حجتها ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال [ :طوافك بالبيت وبالصفا والمروة يسعك لحجك وعمرتك]فهذا دليل على أن عمرتها قد أجزأت عن عمرة الإسلام . القول الثاني : أن عمرة القارن لا تجزئ عن عمرة الإسلام ، إليه ذهب الحنابلة في رواية اختارها أبو بكر. أدلتهم : الدليل الأول : أنها غير تامة لا تجزئ ، لأنه لا طواف لها ، ففي التمتع يطوف ويسعى ويقصر ، ثم يطوف ويسعى في الحج ، و في القران والإفراد يطوف طوافا واحدا ويسعى سعيا واحدا ، قالوا : فهي ناقصة . نوقش : بأن هذا تعليل في مقابل النص، لقول النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة [قد حللتِ من حجك وعمرتك]. الدليل الثاني : أن عائشة لو كانت عمرتها في قرانها مجزئة عن عمرة الإسلام ، لما احتاجت أن تكرر العمرة. ونوقش : بأن عمرتها بعد الحج إنما كان بطلب منها ، ولم يكن بأمر من النبي صلى الله عليه وسلم ، وإنما استجاب لها تطييبا لخاطرها ، ولهذا فالقارنون معه لم يأمرهم أن يأتوا بعمرة . الراجح : هو القول الأول ، أن القارن عمرته تجزئه عن عمرة الإسلام . قال رحمه الله : وأركانُ الحجِ الإحرامُ . سيتلكم المؤلف عن أركان الحج ، وقد عدها العلماء وحصروها بالتتبع والاستقراء . أركان الحج : الركن هو جانب الشيء الأقوى ، وهو جزء من الماهية ، وهو الجزء الذي لا يتصور وجود وقيام الشيء إلا به الإحرام : هو ركن عند المالكية ، والشافعية ، والحنابلة ، والمراد بالإحرام : نية الدخول في النسك .
عدد الصفحات ٢٧٥مختصر كتاب المناسك 2 فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 117 حكم الإحرام : قد ذهب الجمهور إلى أنه ركن : أدلتهم : الدليل الأول : لأنه لا يجبر بدم ، وهذه صفة الركن ، بخلاف الواجب ، فإنه إذا لم يمكن تداركه يجبر بدم . الدليل الثاني : أنه تنشأ عنه صفة تلازم الماهية ، وتقارن جميع الأركان كلها ، فصار كأنه جزء منها وداخل فيها ، فالإحرام يصاحب الحج من أوله حتى آخره ، وكذا العمرة ، وهذه صفة الركن. القول الثاني : أن الإحرام شرط للحج والعمرة ، وليس ركنا ، و إليه ذهب الحنفية رحمهم الله ، والحنابلة في رواية ، وعند الحنابلة رواية أخرى أنه واجب ، وذكر بعض الحنفية أنه شرط من وجه ، وركن من وجه آخر ، أدلتهم : الدليل الأول : عن عبد الرحمن بن يعمر الديلي رضي الله عنه ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال [الحج عرفة] وهذا دليل على أن الركن هو الوقوف بعرفة ، وما سوى الوقوف بعرفة فليس بركن . ونوقش : بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال هذا لبيان أن أهم الأركان هو الوقوف بعرفة؛ لأنه يفوت على الحاج ، بخلاف غيره فيمكن تداركه ، وإلا فإنه بالإجماع أن طواف الإفاضة ركن من أركان الحج . الدليل الثاني : قياس الإحرام على نية الصلاة ، فإن النية في الصلاة شرط ، والنية في الإحرام في الحج شرط؛ لأن كلا منهما نية ، فهذا نية الدخول في الصلاة ، وذاك نية الدخول في النسك ، هذا إحرام وهذا تحريم. الراجح : أن يقال: هو ركن، كما ذكر الجمهور؛ لأنه لايجبر بدم، ولايتم النسك إلا به، والقول بالشرطية له وجه قوي جدا ثمار النزاع : الثمرة الأولى : أن الحنفية أجازوا الإحرام بالحج قبل أشهر الحج ، وهذا من ثمرة القول بأنه شرط وليس ركنا ، فلو قيل إنه ركن فلا بد أن يكون في الوقت ، لكن القول على أنه شرط يجوز تقديم الإحرام على أشهر الحج. الثمرة الثانية : أن المتمتع لو أحرم بالعمرة قبل أشهر الحج ، وأتى بأفعال العمرة في أشهر الحج فإنه يعتبر متمتعا ، إما يأتي بالأفعال كاملة ، أو يأتي بأكثر الركن ، كأربعة أشواط من طوافها ، فإنه في هذه الحال يعتبر متمتعا؛ لأنهم يرون أن الإحرام ليس ركنا ، بل هو شرط ، و إذا عرف الإنسان أصول المسائل اتضحت له مجموعة من الفروع الفقهية التي يقولون بها ، ولا يستشكل الإنسان : لماذا قالوا بهذا القول؟ ج/ لأنه مبني على أصل عندهم مطرد يمضون عليه. الثمرة الثالثة : أنه لو أحرم الصبي ثم بلغ فإن لم يجدد إحرامه لم يجزئه عن حجة الإسلام ، بل لا بد أن يجدد الإحرام من أجل أن يوقع الركن في وقته . الثمرة الرابعة : أنه لو جدد إحرامه قبل الوقوف ونوى أنه حجة الإسلام فإنه يجزئه ، وإنما ذهبوا إلى هذا بناء على أنه شبيه بالركن ، واحتياطا للعبادة . قال رحمه الله : والوقوفُ . وقدم تقدم من قبل والأدلة على ركنيته ، ونقل إجماع أهل العلم في موضعه .
عدد الصفحات ٢٧٦