مختصركتاب المناسك فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 1 الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على نبينا محمد ، وعلى آله وصحبه أجمعين . كتابُ الْمَنَاسِكِ قوله : (المناسك) : جمع منسك ، ويقال للعابد: ناسك ، والنسك التعبد، ومنه قوله تعالى {وَلِكُل أُمَّة جَعَلْنَة مَنْسَةكا } والمناسكك مواضكع متعبدات الحج ،والمنسك مأخوذ من النَسيكة ، وهي الذبيحة ، ومنه قوله تعالى: {قُلْ إِنَّ صَلَ تِي وَنُسُكِي وَمَحْيَ يَ وَمَمَ تِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَ لَمِينَ} الحج في اللغة : القصد ،وهو قصد البيت الحرام لأداء النسك . الحج اصطلاحا : التعبد لله عز وجل بأفعال مخصوصة وفق سنة النبي صلى الله عليه وسلم . العمرة لغة : الزيارة . اصطلاحا : التعبد لله عز وجل بالطواف بالبيت ، وبالصفا والمروة ، وبالحلق أو التقصير . متى فرض الحج : هذه المسألة فيها خلاف بين أهل العلم على أقوال : القول الأول : أن الحج فرض في السنة الخامسة . دليلهم : حديث ضمام بن ثعلبة ، أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم [فأنشدك ، آلله أمرك أن يحج هذا البيت من استطاع إليه سبيلا ؟ قال : اللهم نعم] والحديثأصله في الصحيحين ، وضمام بن ثعلبة وفد على النبي صلى الله عليه وسلم ، سنة خمس من الهجرة ، قال ابن حجر والصحيح أنه وفد سنة تسع من الهجرة . القول الثاني : أن الحج فرض في السنة السادسة من الهجرة . دليلهم : قول الله تعالى {وَأَتِمُُّوا الْحَجَُّ وَالْعُمْرَةَ لِلَُّهِ}وهذه الآية نزلت بعد صلح الحديبية في السنة السادسة ويرد عليهم بأن الآية فيها وجوب إتمام الحج والعمرة إذا شرع المكلف فيهما وليس فيها دليل على إيجابه . القول الثالث : أن الحج فرض في السنة العاشرة . والدليل على ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم ، حج في السنة العاشرة. القول الرابع : أن الحج فرض في السنة التاسعة . دليلهم : أن الله تعالى أوجبه بقوله {وَلِلَُّهِ عَلَى النَُّ سِ حِجُُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَ عَ إِلَيْهِ سَبِيلا }وهذه الآية في صدر سورة آل عمران ، وصدر سورة آل عمران نزل في السنة التاسعة من الهجرة ، في عام الوفود . الراجح : القول الرابع ، وهو الذي رجحه شيخ الإسلام ابن تيمية ، وشيخنا ، وكثير من المحققين . فإن قال قائل : إذا كان الحج قد شرع في السنة التاسعة ، فلماذا أخر النبي صلى الله عليه وسلم ، الذهاب إلى مكة إلى السنة العاشرة ومن المعلوم أن الأمر للفور؟ ذكر أهل العلم أدلة لبيان سبب التأخير . فقيل : إن النبي صلى الله عليه وسلم ، كان خائفا على المدينة من اليهود سنة تسع ، وهذا القول فيه نظر ؛ لأن اليهود في تلك الفترة كانوا في حال ضعف ، وليس على المدينة منهم خطر . وقيل : لأنه صلى الله عليه وسلم ، في سنة تسع كان مشغولا بالوفود الذين قدموا للإسلام، والمصلحة المترتبة على بقائه في المدينة ، أعظم من مصلحة الذهاب للحج في تلك السنة ، فجلس ليعلمهم دين الله ، وهو المقصود الأكبر ولب رسالته صلى الله عليه وسلم ، وهذا القول قوي لا شك .
عدد الصفحات ١مختصركتاب المناسك فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 2 وقيل : أخره صلى الله عليه وسلم ؛ لأنه يريد أن يكون الحج متمحضاً للمسلمين، لا يشاركهم فيه المشركون ومن كانوا يطوفون عراة ، وأمر علياً أن ينادي في الناس [لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان] وقيل : أخره من أجل أن توافق حجته شهر ذي الحجة ؛ لأن المشركين كانوا يؤخرون الأشهر الحرم وينسؤون فيها {إِنَّمَ النَّسِيءُ زِيَ دَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَ مً وَيُحَرِّمُونَهُ عَ مً لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَ حَرَّمَ اللَّهُ} فكانت الأيام قد تبعثرت، والأشهر قد تغيرت أماكنها وأوقاتها، فأراد أن توافق حجته شهر ذي الحجة ، وقت الحج الحقيقي ولذا قال النبي صلى الله عليه وسلم [إن الزمان قد استدار كهيتئه يوم خلق الله السماوات والأرض، السنة اثنا عشر أشهر ، أربعة منها حرم ].. وهذا قول قوي أيضا ،فهناك أسباب أدت إلى تأخير النبي صلى الله عليه وسلم ، الحج إلى سنة عشر ، وهي أسباب وجيهة كما تقدم . حكم الحج والعمرة : قال المؤلف رحمه الله : الحَ جُّ والعُمرةُ واجبانِ . عبر المؤلف بالوجوب ، ولم يقل : الحج ركن ، لواحد من أمرين : الأمر الأول : أنه سيذكر حكم العمرة مع الحج ، وحكم العمرة الراجح وجوبها، أما الحج فإنه ركن من أركان الإسلام ومن مبانيه العظام ، فلا يمكن أن يقول المؤلف : الحج والعمرة ركنان . الأمر الثاني : أراد المؤلف أن يذكر بعد ذلك شروط الوجوب ، فعبر بالوجوب ليذكر بعد ذلك شروطه . أدلة وجوب الحج : دلَّ على وجوبه الكتاب والسنة والإجماع . 1- الكتاب : وذلك في قوله عز وجل {وَلِلَُّهِ عَلَى النَُّ سِ حِجُُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَ عَ إِلَيْهِ سَبِيلا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَ لَمِينَ} . 2- السنة : حديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال [ب الإسلام على خمس ]، وذكر منها، [وحج بيت الله الحرام لمن استطاع إليه سبيلا]وحديث [إن الله قد فرض عليكم الحج فحجوا] وهو في الصحيح . 3- الإجماع : أجمع أهل العلم رحمة الله عليهم ، إجماعاً معلوماً بالضرورة ، أن الحج واجب بل ركن من أركان الإسلام . حكم العمرة : هذه المسألة فيها خلاف على قولين : القول الأول : أن العمرة واجبة في العمر مرة ،وهو مذهب طائفة من الصحابة والسلف ومذهب الشافعية في الجديد ، والصحيح من مذهب الحنابلة . أدلتهم : الدليل الأول : قوله تعالى {وَأَتِمُُّوا الْحَجَُّ وَالْعُمْرَةَ لِلَُّهِ} فقرن الله تعالى بين العمرة والحج ، وأمر بالإتمام ، وعطف العمرة على الحج ، والعطف يقتضي أن تكون العمرة لها حكم الحج . ويناقش: بأن الآية ليست دليلاً على الوجوب، إنما هي دليل على وجوب الإتمام ، فمن شرع في العمرة والحج يلزمه إتمامهما ولو كانا نفلين ، بل يلزم المضي في فاسدهما كما سيأتي. الدليل الثاني : عن أبي رُزين العقيلي رضي الله عنه ، أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال [يا رسول الله ، إن أبي شيخ كبير ، لا يستطيع أن يثبت على راحلة ، وفي بعض الألفاظ : لا يستطيع الحج ولا العمرة ولا الظعن ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم ، حج
عدد الصفحات ٢مختصركتاب المناسك فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 3 عن أبيك واعتمر]أخرجه الخمسة ، وصححه الإمام أحمد رحمه الله ، وقال : (لا أعلم في إيجاب العمرة حديثا أجود من هذا ، ولا أصح منه) فالإمام يرى صحته . القول الثاني : أن العمرة ليست واجبة ، وهذا القول مروي عن بعض السلف ، وهو مذهب الحنفية ، والمالكية ، والشافعية في القديم ، والحنابلة في رواية اختارها شيخ الإسلام ابن تيمية ، والصنعاني ، والشوكاني . أدلتهم : الدليل الأول : عن جابر رضي الله عنه : [أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن العمرة ، أواجبة هي ؟ قال : لا ، وأن تعتمر خير لك ، وفي بعضها : فهو أفضل]أخرجه الإمام أحمد ، والترمذي ، وضعفه البيهقي، وإن صح الحديث فهو محمول على العمرة بعد الحج معه صلى الله عليه وسلم لمن اعتمر ، أو أن ذلك في عمرة القضاء ، سألوه : هل يجب علينا أن نعتمر ؟ فقال : لا ، والعمرة خير . الدليل الثاني : حديث ابن عمر السابق (بني الإسلام على خمس .... وحج البيت) ولم يذكر العمرة . الراجح : هو القول الأول قال الشنقيطي رحمه الله : القول بالوجوب فقال:(أكثر الأصوليين يرجحون الخبر الناقل عن أصل على الخبر المبقي على البراءة الأصلية)،ولأن العمل بأدلة الوجوب تبرأ به الذمة بالإجماع. العمرة لأهل مكة : هل العمرة واجبة على أهل مكة ؟ أم إن العمرة واجبة على الآفاقيين ، ويكتفي أهل مكة بالطواف ؟ قولان : القول الأول : أن العمرة واجبة على أهل مكة كغيرهم ، إليه ذهب الشافعية ، والحنابلة ، ورجحه شيخنا . أدلتهم : هي أدلة من قال بوجوب العمرة على الإطلاق ؛ لأنها أدلة عامة شاملة ، ومن خصها فعليه الدليل . القول الثاني : أن العمرة غير واجبة على المكي ، وإليه ذهب بعض السلف، والحنفية ، والمالكية ، والحنابلة في رواية عن أحمد ، قال ابن تيمية رحمه الله : (أصح الطريقين أنها لا تجب عليهم ، روايةً واحدة) . أدلتهم : من يرى عدم الوجوب مطلقا سيستدل بأدلة عدم الوجوب ، وهو حكم عام لا فرق بين مكي وغيره ،ويرى ابن عباس وعطاء أن العمرة واجبة ، قال ابن عباس: يا أهل مكة ليس عليكم عمرة ، وإنما عمرتكم طوافكم بالبيت) وفي سنده ضعف . ولهم تعليل : أن العمرة معظمها الطواف ، وأهل مكة يفعلونه فيطوفون بالبيت ، فلا يحتاجون إلى عمرة . ويناقش التعليل بأن يقال : هذا منقوض فيمن لم يطف منهم بالبيت ، ويمكن ، يتصور - نسأل الله العفو والعافية الراجح : والله أعلم ، هو القول الأول ، وأن العمرة واجبة على أهل مكة . على من يجبان : قال رحمه الله : الحَجُّ والعُمرةُ واجبانِ على الْمُسْلِمِ الحرِّ الْمُكَلَّفِ القادرِ . هذه خمسة شروط ، أن يكون مسلما ، حرا ، مكلفا (بالغا عاقلا) قادرا ، قال ابن قدامة : (ولا نعلم في هذا خلافا) قال الناظم : وتقسم هذه الشروط كما ذكر ابن قدامة وغيره ، إلى ثلاثة أقسام : 1- شرطا وجوب وصحة ، وهما : الإسلام والعقل . 2- شرطا وجوب وإجزاء ، وهما : البلوغ والحرية . فلو حج العبد أو حج الصغير يصح منه ، ولا يجزئه عن حجة الإسلام .
عدد الصفحات ٣مختصركتاب المناسك فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 4 3- شرط وجوب ، وهو : الاستطاعة . قوله : (المسلم) : فلا يصح الحج من الكافر ؛ لأنه مخاطب بالحج خطاب تكليف لا خطاب أداء ، وإذا أسلم أمر بأداء الحج لأنه ركن من أركان الدين . إذا حج ثم ارتد ثم أسلم ، فهل يؤمر بأن يأتي بالحج مرة أخرى أم لا ؟ هذه المسألة فيها خلاف بين أهل العلم رحمة الله عليهم ، الراجح ما ذهب إليه الشافعية ، والحنابلة ، أنه إذا أسلم فإنه لا يؤمر بإعادة الحج مرة أخرى ؛ لأن شرط حبوط العمل اتصال الردة بالموت ؛ لأن الله تعالى يقول {وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَ فِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَ لُهُمْ فِي الدُّنْيَ وَالْآَخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَ بُ النَّ رِ هُمْ فِيهَ خَ لِدُونَ}فإذا ارتد ثم رجع فإن عمله لا يحبط ، وهذا بنص القرآن . قوله : (الحر) : خرج به العبد ، فإن العبد لا يجب عليه الحج ، نقل الإجماع على ذلك النووي رحمه الله ؛ لأن العبد لا مال له ، ولأن منافعه مستحقة للسيد ، فلا يجب عليه الحج ، والله أعلم . . الْمُكَلَّفِ الحرِّ الْمُسْلِمِ على واجبانِ والعُمرةُ الحَجُّ : الله رحمه المصنف قال حج الصبي والمجنون : قوله : (الْمُكَلَّ فِ) ، هو البالغ العاقل ؛ فلا يجب على الصبي والمجنون بالإجماع ؛ لحديث علي رضي الله عنه ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : [رفع القلم عن ثلاثة : الصبي حتى يبلغ والمجنون حتى يفيق ، والنائم حتى يستيقظ] وإسناده صحيح ، وبعض أهل العلم يحسنه ، أما المجنون فلأنه لا قصد له ، والصغير يحتاج إلى مال وهو غير مكلف بالعبادات ، ولأن في فهمه قصورا ، فيحتاج من يليه . هل يصح من المجنون إذا عقده ؟ لا يصح بالإجماع ؛ لأن المجنون لا عقل له . هل يعقد ولي المجنون عنه كما يعقد عن الصغير ؟ هذه المسألة فيها خلاف بين أهل العلم على قولين : القول الأول : أنه لا يعقد الولي الحج عن المجنون ، ولا يصح منه ، و إليه ذهب الحنابلة رحمهم الله . أدلتهم : الدليل الأول : أن العقل شرط وجوب وصحة . الدليل الثاني : ولاقتصار النص على الطفل ، فإن النص اختص الطفل دون سواه ، فلا يقاس عليه غيره . القول الثاني : أنه يعقد الولي الحج و يصح من المجنون ، و إليه ذهب الحنفية ، والمالكية ، والشافعية ، والحنابلة في قول . دليلهم : القياس على الصبي ، بجامع أن كلا منهما ليس عنده تمييز . نوقش : بأن هذا قياس مع الفارق ؛ لأن الصبي عقله موجود ، لكن لا تمييز له ، بخلاف المجنون فلا عقل له . إبطال الإحرام بالجنون : هذه القضية أهم من قضية عقد الولي له ، هل يبطل الإحرام بالجنون ؟ اختلف العلماء فيها على قولين : القول الأول : أنه يبطل الإحرام بالجنون ، و إليه ذهب الحنابلة. دليلهم : أن المجنون لم يعد من أهل العبادات ، فلا يصح الإحرام منه ويبطل . القول الثاني : أنه لا يبطل إحرامه في هذه الحال ، و إليه ذهب الحنفية ، والمالكية ، والشافعية . دليلهم : القياس على الصوم إذا أفاق المجنون جزءا منه ، فإن صيامه يعتبر صحيحا . إبطال الإحرام بالإغماء : الجمهور : أنه لا يبطل الإحرام بالإغماء ، إليه ذهب الحنفية ، والمالكية ، والشافعية ، والحنابلة . دليلهم : القياس على الصيام ، فإن الإنسان لو أغمي عليه لم يبطل صيامه إذا أفاق جزءا من النهار . والحنابلة في وجه : أبطلوا إحرامه في هذه الحال .
عدد الصفحات ٤مختصركتاب المناسك فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 5 دليلهم : القياس على الجنون ، فالمجنون يبطل إحرامه ، قالوا وهذا مثله . إبطال الحج بالسكر : لو سكر الإنسان في الحج هل يبطل حجه ؟ . جمهور أهل العلم : أنه لا يبطل حجه ، وهو في المذهب قولا واحدا . وهل يتصور أن يكون حاجا سكرانَ ؟ يتصور ، كل شيء يمكن أن يقع ، يقع الزنا ،وغيره ، والفقيه يبحث المسائل ، لمعرفة الحكم ، فإذا وقعت المسألة كان حكمها جاهزا . قوله : (القادر) : أي المستطيع ، والحج لا يجب إلا مع الاستطاعة . والدليل على اشتراط القدرة قول الله تعالى {وَلِلَُّهِ عَلَى النَُّ سِ حِجُُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَ عَ إِلَيْهِ سَبِيلا }والاستطاعة شرط للوجوب ، وليست شرطا للصحة والإجزاء ، فلو أن الإنسان غير القادر حج ، فإن حجه صحيح ، فلو حج من لا مال له ، أو حج العاجز عن الحج ببدنه ،صح ،والدليل: الإجماع ، ومستند الإجماع ، أن النبي صلى الله عليه وسلم ، حج معه خلق كثير، لا مال لهم ، ومع ذلك لم ينقل أن النبي صلى الله عليه وسلم ، أمرهم بالإعادة. وفي وجوب الحج على العاجز تفصيل ، كالتالي : أولا : أن يكون عاجزا ببدنه ، قادرا بماله . فيجب عليه أن ينيب ، إذا كان عجزه مستمرا دائما ، كالمريض مرضا لا يرجى برؤه ، والكبير الذي لا يستطيع الذهاب والثبات على الراحلة . ثانيا : أن يكون قادرا ببدنه ، عاجزا بماله . فلا يلزمه الحج إلا إذا كان من أهل مكة ، وأمكنه السير ، أو كان عن مكة دون مسافة قصر ، ويمكنه السير ، فيلزمه في هذه الحال أن يحج على قدميه . فالضابط أنه يلزمه الحج والعمرة إذا لم يتوقف أداؤهما على المال ، كما قال ذكر شيخنا رحمه الله . ثالثا : أن يكون عاجزا ببدنه وماله . فلا يجب عليه الحج في هذه الحال . رابعا : أن يكون قادرا بماله وبدنه . فيلزمه في هذه الحال الحج ؛ لأنه مستطيع . قال رحمه الله : في عُمُرِه مَرَّةً . الحج لا يلزم الإنسان إلا مرة واحدة ، حكى الإجماع ابن المنذر ، وابن حزم ، والقرطبي ، وابن قدامة ، وشيخ الإسلام ابن تيمية ، وغيرهم كثير ، ومستند الإجماع حديث أبي هريرة قال : (خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال [ :أيها الناس قد فرض الله عليكم الحج فحجوا]فقال رجل أكل عام ؟ يا رسول الله فسكت حتى قالها ثلاثا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : [لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم] أخرجه الإمام مسلم . وحديث ابن عباس ، أن الأقرع بن حابس سأل النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : (يا رسول الله الحج في كل سنة أو مرة واحدة ؟ قال [ :بل مرة واحدة ، فمن زاد فهو تطوع]أخرجه الإمام أحمد ، والنسائي ، وابن ماجه ، وصححه الألباني ، وأصله في صحيح الإمام مسلم . وسيأتي في باب المواقيت : هل يلزم كل من مر بالميقات أن يحرم بعمرة أم لا ؟ الراجح من أقوال أهل العلم أن من أدى الواجب عليه من حج وعمرة لا يلزمه أن يحرم كلما مر بالميقات بعمرة أو بحج ، والمذهب أنه يلزمه الإحرام كلما مر بالميقات ، وهو قول مرجوح ، وهو مخالف للحديثين السابقين الدالين على وجوب الحج مرة واحدة . فورية الحج : قال رحمه الله : عَلَى الفَورِ .
عدد الصفحات ٥مختصركتاب المناسك فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 6 أفاد المؤلف أن الحج واجب على سبيل الفور والمبادرة ، فلا يجوز للإنسان الذي توفرت فيه الشروط الخمسة أن يؤخر الحج ، وهذه المسألة ونظائرها مبنية على مسألة : هل الأمر يقتضي الفور أو لا ؟والراجح أن الأمر يقتضي الفور ، وأدلة ذلك أدلة متوافرة ، منها : الدليل الأول : قول الله تبارك وتعالى: {وَسَ رِعُوا إِلَى مَغْفِرَة مِنْ رَبِّكُمْ}وقول الله{سَ بِقُوا إِلَى مَغْفِرَة مِنْ رَبِّكُمْ} . الدليل الثاني : حديث أم سلمة رضي الله عنها ، في تأخر الصحابة في صلح الحديبية ، حين أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بالحلق ، فتأخروا ، فغضب النبي صلى الله عليه وسلم لتأخرهم ، وهذا يدل على أن الأمر للفور . وبناء على هذه المسألة ، اختلف العلماء : هل يجب الحج على الفور أو لا ؟ على قولين : القول الأول : أنه يجب الحج والعمرة على الفور إذا توفرت الشروط الخمسة ، وهذا الرأي منقول عن عمر ، و علي ، و ابن عمر ، وابن عباس ، وهو مذهب الحنفية ، والمالكية ، والحنابلة. أدلتهم : الدليل الأول : قوله تعالى {وَلِلَُّهِ عَلَى النَُّ سِ حِجُُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَ عَ إِلَيْهِ سَبِيلا }و(على) من صيغ الوجوب ، فإذا تأخر الإنسان في تأدية الواجب فإنه يكون عاصيا بتأخيره . الدليل الثاني : قوله تعالى {وَأَتِمُُّوا الْحَجَُّ وَالْعُمْرَةَ لِلَُّهِ}هذا أمر ، والأمر يقتضي الفورية . ونوقش : بأن هذه الآية نزلت سنة ست ، في صلح الحديبية ، والنبي صلى الله عليه وسلم ، لم يحج إلا سنة عشر من الهجرة ، أو أن الآية لا تدل على وجوب الحج ابتداء ، وهو الراجح ، أن الآية تدل على وجوب الإتمام لا وجوب الشروع ، فإذا شرع الإنسان في حج أو عمرة لزمه المضي فيهما ، سواء كانا نفلا أم فرضا . القول الثاني : أن الحج والعمرة واجبان على سبيل التراخي لا الفور ، وهذا منقول عن ابن عباس (عنه نقلان) و أنس ، وجابر ، وعطاء ، وطاوس ، والثوري ، والأوزاعي ، وهو مذهب الشافعية ، والحنابلة في رواية . أدلتهم : الدليل الأول : قوله تعالى : (وَأَتِمُُّوا الْحَجَُّ وَالْعُمْرَةَ لِلَُّهِ ) قالوا : نزلت هذه الآية سنة ست هك ، ولم يحج النبي صلى الله عليه وسلم ، إلا سنة 10 ، وهذا دليل على أن الحج واجب لا على سبيل الفور .. ونوقش : بأن هذه الآية المراد بها وجوب الإتمام ، لا وجوب الشروع ، وثمة فرق بينهما . الدليل الثاني : عن ابن عباس رضي الله عنهما ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال [من أراد الحج فليتعجل] أخرجه الإمام أحمد ، و أبو داود ، وابن ماجه ، وفي رواية ابن ماجه : [فإنه قد يمرض المريض ، وتضل الضالة ، وتعرض الحاجة]وهو ضعيف ، ضعفه النووي وغيره . ونوقش من وجهين : الأول : أنه ضعيف . الثاني : أن النبي صلى الله عليه وسلم ، علق الأمر بالإرادة ، مما يدل على أن الأمر ليس لوجوب المبادرة . الراجح : هو القول الأول ، والله أعلم ، وأن الحج واجب على سبيل الفور إذا توفرت الشروط الخمسة : الإسلام ، العقل ، البلوغ ، الحرية ، الاستطاعة ، فإذا أخر كان عاصيا بالتأخير . إذا مات ولم يحج تسويفا : إذا توفرت فيه الشروط ولم يحج ،حتى مات، فهل يحج عنه أم لا ؟ وهل يسقط عنه الحج إذا حج عنه أم لا ؟ اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين :
عدد الصفحات ٦مختصركتاب المناسك فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 7 القول الأول : أنه يبقى الحج في ذمته ، ويحج عنه من ماله ، ويلزم الورثة ذلك ، ويخرجونه من الثلث ، بل لو استغرق كل التركة ؛ لأنه دين ، والدين مقدم على الميراث ، سواء أوصى أم لم يوص ، وهذا القول مروي عن أبي هريرة ، و سعيد بن جبير ، واسحاق ، ومذهب الشافعية ، والحنابلة ، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية ، وشيخنا ابن عثيمين ، رحمهم الله. أدلتهم : الدليل الأول : عن ابن عباس رضي الله عنهما ، (أن امرأة من جهينة جاءت إلى النبي صلى الله عليه و سلم فقالت إن أمي نذرت أن تحج فلم تحج حتى ماتت أفأحج عنها ؟ قال : [نعم حجي عنها أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضية ؟ اقضوا الله ، فالله أحق بالوفاء] أخرجه الإمام البخاري ، فأمر بحج النذر ، وهو غير واجب بأصل الشرع ، فالواجب بأصل الشرع من باب أولى . الدليل الثاني : عن ابن عباس رضي الله عنهما ، : (أن امرأة سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن أبيها مات ولم يحج ، أفأحج عنه ؟ قال : [حجي عن أبيك]أخرجه النسائي ، وصححه ابن حزم رحمه الله . مع أنه قد يقول قائل : هذا الحديث لا يدل على أنه كان قادرا في حال حياته ، فيقال : عموم الحديث يدخل فيه القادر وغير القادر ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ، لم يستفصل ويسأل المرأة : هل كان قادرا ولم يحج ، أو لم يكن قادرا ، فدل ذلك على العموم ، وأنه يحج عن الميت إذا لم يحج . القول الثاني : إذا توفرت فيه الشروط الخمسة السابقة ولم يحج حتى مات ، فإنه لا يحج عنه ، إلا إذا أوصى ، وهذا الرأي ذهب إليه الشعبي ، والنخعي ، وحماد بن أبي سليمان ، وهو مذهب الحنفية ، والمالكية ، (ويرى الحنفية) أنه إذا لم يوص جاز لقريبه وغيره أن يحج عنه تطوعا ، والمالكية عندهم أقوال في المسألة ، فعندهم قول : يجوز أن ينوب عنه ولده ، وقول : يجوز أن يحج عنه بالوصية ، وقول مشهور عندهم : لا يجوز الحج عنه مطلقا ، لا بوصية ولا بغيرها ، وهم أشد المذاهب في قضية النيابة . أدلتهم : الدليل الأول: قوله تعالى{وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَ نِ إِلَّ مَ سَعَى}دلت الآية على أنه لا ينوب أحد عن أحد في العبادات . ونوقش الاستدلال بالآية : إما أن يقال إنها عامة مخصوصة بالأحاديث التي ثبت فيها جواز النيابة في الحج وغيره من العبادات ، ولا يمنع أن يتبرع الإنسان بسعيه لغيره ، وهذا جواب طائفة من أهل العلم . الدليل الثاني : عن ابن عمر ، أنه قال (لا يحج أحد عن أحد ، ولا يصلي أحد عن أحد) أخرجه ابن أبي شيبة ، وهو مروي عن ابن عباس رضي الله عنهم . نوقش : بأن يقال إن ثبت الأثر فهو قول صحابي معارض للنص ، فيكون مطروحا ، أو أنه يحمل على ما إذا حج عن غيره مع قدرة الغير على الحج ، فرضا أو نفلا . الدليل الثاني : الحج عبادة بدنية ، فتسقط بالموت كالصلاة ، قياس الحج على الصلاة . نوقش : بأنه قياس مقابل النص ، فيكون فاسد الاعتبار ، فإن الحج تدخله النيابة ، والصلاة لا تدخلها النيابة . الراجح : هو القول الأول والله أعلم ، وأنه إذا مات الإنسان ولم يحج ، مع توفر الشروط ، تهاونا وكسلا ، فإنه يحج عنه من تركته ، ويلزم الوارث أن يحجج عنه ،وقد وردت أحاديث فيها تعظيم قضية ترك الحج ، والتأخر فيه ، كحديث ابن سابط المرفوع ، وأثر علي (من كان ذا قدرة فمات ولم يحج ، فليمت إن شاء يهوديا أو نصرانيا) ولا يثبت مرفوعا ، وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه (لقد هممت أن أبعث رجالاً إلى هذه الأمصار، فينظروا كل من كان له جدةٌ ولم يحج، فيضربوا عليهم الجزية، ما هم بمسلمين، ما هم بمسلمين) أخرجه البيهقي ، وهذه الآثار فيها ضعف ، لكن قد يقال بمجموعها : الأمر ليس بالسهل . زوال مانع الحج قبل الوقوف والطواف :
عدد الصفحات ٧لم يحج، فيضربوا عليهم الجزية، ما هم بمسلمين، ما هم بمسلمين) أخرجه البيهقي ، وهذه الآثار فيها ضعف ، لكن قد يقال بمجموعها : الأمر ليس بالسهل . زوال مانع الحج قبل الوقوف والطواف : قال المؤلف رحمه الله : فإن زالَ الرِّقُّ والجنونُ والصِّبَا في الحَجِّ بعَرفةَ وفي العُمرةِ قبلَ طَوافِها صَحَّ فَرْضًا .
عدد الصفحات ٧مختصركتاب المناسك فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 8 تقدم أن حج الصبي صحيح ، لكنه غير مجزئ ، وقد أجمع العلماء على صحته ، نقله ابن عبد البر ، والقاضي عياض ، والنووي ؛ لحديث ابن عباس رضي الله عنهما (لقي النبي صلى الله عليه و سلم ركبا بالروحاء ، فقال : [ :من القوم ؟] قالوا المسلمون ، فقالوا من أنت ؟ قال : رسول الله ، فرفعت إليه امرأة صبيا فقالت ألهذا حج ؟ قال : [نعم ولك أجر] )أخرجه الإمام مسلم ، وبالإجماع أنه لا يجزئه عن حجة الإسلام ، فإذا بلغ وتوفرت فيه الشروط لزمته حجة أخرى ، وكذا في العبد . مسألة: لو عتق العبد ، وعقل المجنون ، أو بلغ الصغير في عرفة أو قبل عرفة ، فهل يجزئهم ذلك عن حجة الإسلام أم لا ؟ وكذا في العمرة ، المؤلف بين أنه يجزئهم ، والمسألة فيها خلاف على قولين : القول الأول : أنها تجزئهم إن أدركا الوقوف في حجهما فيعتبر مجزئا ، و إليه ذهب الشافعية ، وهو المذهب عند الحنابلة ، وهو قول ابن عباس ، وإسحق ، والحسن في العبد خاصة . أدلتهم : الدليل الأول : قال الإمام أحمد رحمه الله : قال طاوس : (عن ابن عباس رضي الله عنهما ، إذا أعتق العبد بعرفة أجزأت عنه حجته ، فإن أعتق بجمع لم تجزئ عنه) وفيه انقطاع . الدليل الثاني : أنه أدرك الوقوف ، وهو حر بالغ عاقل ، فأجزأه ، كما لو أحرم تلك الساعة . القول الثاني : أن هذه الحجة لا تجزئهم عن حجة الإسلام ، إليه ذهب المالكية رحمهم الله ، والحنابلة في رواية ، ومذهب الحنفية ، والحنفية يختارونه في العبد ، وأما الصبي فإنه إذا جدد الإحرام أجزأه . أدلتهم : الدليل الأول : أن إحرامهما لم ينعقد واجبا ، فلا يجزئ عن الواجب ، كما لو بقيا على حالهما . العبد ولصبي لما أحرما في أول أمرهما ، إحرامهما غير واجب ، فلا يجزئ عن واجب ؛ لأنهما شرعا في نفل ، والآن سينقلب النفل إلى فرض . الراجح : هو القول الأول والله أعلم ، أنه إذا بلغ الصغير وعتق العبد في عرفة أجزأهم . وعند الحنابلة رحمهم الله ، أن المسألة مقيدة بما إذا لم يسع بعد طواف القدوم ، إذا بلغ الصبي في عرفة ، أو عتق العبد في عرفة ، أجزأهما الحج بشرط ألا يكونا قد سعيا بعد طواف القدوم ، فإن كانا قد سعيا لم يجزئ ، ولو أعادا السعي مرة أخرى ، فلو أنهما أحرما بالحج وذهبا إلى عرفة مباشرة ، ولم يطوفا طواف القدوم ، ولم يسعيا سعي الحج أجزأ عنهما ، أو كانا قد أحرما متمتعين ، وطافا وسعيا وقصرا ، ثم أحرما بالحج في يوم الثامن ، فهنا لم يسعيا ولم يفعلا شيئا من الأركان ، فيجزئ عنهما . هل يشترط أن يكونا لم يسعيا بعد طواف القدوم ؟ اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين : القول الأول : أنه يشترط ألا يكونا قد سعيا بعد طواف القدوم ، فإن سعيا لم يجزئ عن حجة الإسلام ، ولو أعادا السعي مرة أخرى ، وهو مذهب الحنابلة . أدلتهم : الدليل الأول : أنه يشترط في صحة الحج أن تجتمع أركان الحج في حال الكمال ، وهو إذا سعى بعد طواف القدوم فقد سعى وهو ليس أهلا للكمال ؛ لأنه لا يزال صغيرا أو عبدا ، وحال الكمال أن يكون بالغا حرا . الدليل الثاني : ولا تنفعه الإعادة ؛ لأنه لا يشرع تكرار السعي ، ولا الزيادة في عدده ، ولا يشرع التعبد به مفردا ، فلا يعاد مرة أخرى ، بخلاف الوقوف ، فإنه يمكن أن يعيده .
عدد الصفحات ٨مختصركتاب المناسك فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 9 القول الثاني : أنه لا يشترط أن يكونا قد سعيا بعد طواف الحج ، لكن إن كانا قد سعيا أعاداه ، إليه ذهب الشافعية ، والحنابلة في وجه ، بل إن بعض الشافعية عندهم أكثر من ذلك ، رأوا أنه لا حاجة إلى إعادة السعي مرة أخرى ، بل يجزئ عن الصغير والعبد عندهم ، وهو ظاهر كلام ابن قدامة ، و اختيار شيخنا رحمهم الله. أدلتهم : الدليل الأول : يصح حجه ؛ لحصول الركن الأعظم في الحج ، وهو الوقوف بعرفة ، سواء كان قد سعى قبله أم بعده. الدليل الثاني : ويؤمر بأن يرجع ويسعى مرة أخرى ، حتى تتم له حجته ، ويكون قد أدى جميع الأركان في حال الكمال ، وهو حر بالغ . وهذا القول مبني على أن السعي ركن أما على القول بأنه واجب أو سنة ، فإن هذه المسألة أمرها سهل ، يقال : يجزئه وعليه دم ، أو يعيد السعي مرة أخرى لأنه قد ترك واجبا . وركن الحج الأعظم هو الوقوف بعرفة . الراجح : إذا كان قد سعى بعد طواف القدوم فإنه يعيد سعيه مرة أخرى ، وإنما قيل بإعادة السعي ، مع أن السعي لا يشرع تكراره ، ولا الزيادة في عدده ، ولا التعبد به ؛ للحاجة إلى ذلك ، حتى تكمل حجته . قوله : (الجنون). المجنون لا ينعقد إحرامه، إجماعا ؛ لعدم القصد عنده ، فهل ينعقد إحرام وليه له ؟الجمهور : ينعقد ، والمذهب : لا ينعقد ، ويمكن أن يتصور بما إذا جن بعد إحرامه ، وقد تقدم أنه إذا جن بعد إحرامه ، فالمذهب : يبطل إحرامه ، وهو من المفردات ، والجمهور : لا يبطل إحرامه ، وكلا الصورتين القائل بهما الجمهور ، وأما الحنابلة ففي الصورتين لا يرون الصحة ، لا صحة إحرام وليه عنه ، ولا صحة إحرامه بعد طروء الجنون عليه. مسألة : هل يحتاج الصغير والرقيق تجديد إحرامهما ؟ الراجح من أقوال أهل العلم أنهما لا يحتاجانه ، هذا قول الشافعية والحنابلة ، وهو رأي الموفق رحمة الله عليه ، وأما الحنفية فهم يرون اشتراطه . ويمكن تلخيص ما سبق ، في أحوال : الحال الأولى : أن يعتق العبد ويبلغ الصبي بعد الحج . هنا لا يجزئهما عن حجة الإسلام . الحال الثانية : أن يبلغ الصبي ويعتق العبد بعد فوات الوقوف بعرفة .هنا لا يجزئهما ؛ لأن الوقوف قد فات . الحال الثالثة : أن يعتق العبد ويبلغ الصبي في عرفة أو بعد الذهاب من عرفة في وقت الوقوف ، ويمكنهما الرجوع . هنا تأتي المسألة السابقة والخلاف في المسألة ، حتى لو عتق ليلة جمع في مزدلفة قبل طلوع الفجر ، أو بلغ الصبي في مزدلفة ، فيرجع أو يرجعه أهله إلى عرفة ، ويقف أي وقوف ، ثم يعود مرة أخرى ، فيكون الحج مجزئا عن حجة الإسلام . قال رحمه الله : وفي العُمرةِ قبلَ طَوافِها . إذا بلغ الصغير ، أو عتق العبد ، أو أفاق المجنون من جنونه - على القول بأن إحرامه لا يبطل أو بصحة وليه عنه - قبل الشروع في طواف العمرة ، فإن العمرة تجزئه عن العمرة الواجبة ، على القول بوجوب العمرة عليه ، فتجزئه عن عمرة الإسلام ، أما إذا شرعوا في الطواف لم تجزئهم ؛ لأنه إذا شرع في الطواف يكون قد شرع في أسباب التحلل ؛ فلا تجزئه عن عمرة الإسلام . ما فعل الصغير والعبد قبل البلوغ والعتق ، هل هو نفل أم فرض ؟ قولان ، قول أنه نفل ، وقول أنه فرض متوقف على حصول حالة الكمال عندهما ، فإذا حصلت حالة الكمال يصبح ما فعل فرضا ، وأما أصحاب القول الأول فيقولون : ما فعله قبل بلوغه وقبل عتقه يعتبر نفلا ، وما فعله بعد ذلك يعتبر فرضا . قال رحمه الله : وفِعْلُهما من الصبيِّ والعَبْدِ نَفْلًا .
عدد الصفحات ٩مختصركتاب المناسك فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 10 الحج والعمرة من الصبي يعتبران نفلا لا واجبا مجزئا ، وتقدمت حكاية الإجماع على ذلك ، قال الترمذي (وقد أجمع أهل العلم عليه) وحكى ذلك طائفة كبيرة منهم الإمام الشافعي ، وابن عبد البر ، وابن قدامة ، والقرطبي . مستند الإجماع : ما روى ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعا ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال [أيما صبي حج ثم بلغ فعليه حجة أخرى ، وأيما عبد حج ثم عتق فعليه حجة أخرى] أخرجه ابن خزيمة ، والحاكم ، والبيهقي ، والشافعي وغيرهم ، وصححه طائفة من أهل العلم . حج العبد : ثمة خلاف بين أهل العلم رحمة الله عليهم في العبد إذا حج واعتمر هل يجزئه : القول الأول : أن العبد إذا حج حال رقه ثم عتق ، فإن عليه حجة أخرى ، وقال الترمذي : (وقد أجمع أهل العلم عليه) فهو قول جماهير أهل العلم . دليلهم : حديث ابن عباس السابق (وأيما عبد حج ثم عتق فعليه حجة أخرى) . القول الثاني : أن العبد إذا حج بإذن سيده أجزأه ، مذهب بعض أهل العلم ، واختاره شيخنا في آخر شروحه . أدلتهم : الدليل الأول : أن الحق للسيد ، فإذا أسقط السيد حقه سقط ، فجعلوا المناط هو حق السيد وإذنه . الدليل الثاني : أن العبد مكلف عاقل ، فأجزأ حجه عن حجة الإسلام . وهذه التعاليل التي ذكروها في مقابل النص والإجماع المنعقد . الراجح : أنه لا فرق بين أن يأذن له سيده أو لا ، والله أعلم ؛ لأن الحديث جاء فيه [وأيما عبد حج ثم عتق فعليه حجة أخرى]و يأت التفريق بين إذن السيد وعدم إذنه ، جاء مطلقا ، فمن قيد فعليه الدليل . سنذكر مسائل مهمة تتعلق بإحرام الصبي ، يتكلم الفقهاء في أربع مسائل : المسألة الأولى : الإحرام منه وعنه . المسألة الثانية : ما يفعله هو وما يفعل غيره عنه . المسألة الثالثة : فعل محظورات الإحرام منه . المسألة الرابعة : ما يلزمه من القضاء والكفارات والفدى . المسألة الأولى : أما الإحرام فلا يخلو الصبي من واحد من حالين : (أ) أن يكون مميزا ، فإن كان مميزا أحرم عن نفسه ، ولا يصح إحرام أحد عنه ؛ لأن النيابة لا تكون إلا عند حال العجز ، وهو الآن قادر ، إليه ذهب الجمهور ، الحنفية ، والمالكية ، والشافعية ، والحنابلة . اشتراط إذن الولي في حج الصبي : هل يشترط في صحة إحرام الصبي أن يأذن له الولي ؟ خلاف بين العلماء رحمهم الله على قولين : القول الأول : أنه يشترط لصحة إحرامه أن يأذن له وليه ، وإليه ذهب الشافعية ، والحنابلة . دليلهم : أنه عقد يؤدي إلى لزوم مال ، فلم ينعقد من الصبي بنفسه كالبيع ، إذ فيه فدى ، ومحظورات ، وهدي ، إذا كان قرانا أو تمتعا ، ونفقة الحج ، إلى غير ذلك ، وسيأتي أن الصبي في الأشياء المهمة يشترط إذن وليه له . القول الثاني : أنه لا يشترط إذن الولي له ، و إليه ذهب الحنفية ، والمالكية ، لكن المالكية قالوا : يحق للولي أن يحلله من إحرامه إن أراد ، فينظر إن كانت المصلحة في تحليله فله أن يحلله ،وإن تركه فله ذلك . الراجح :
عدد الصفحات ١٠مختصركتاب المناسك فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 11 القول الأول والله أعلم ، وهو اشتراط إذن الولي لصحة الإحرام ؛ للنفقات المالية في الحج . من هو وليه ؟ المذهب أن وليه أبوه أو وصيه ، أو الحاكم ، وفي المذهب وجه أن الولي أمه وعصبته ، والأقرب أن الولي هو : كل من يتولى عليه في ماله . (ب) أن يكون غير مميز ، فعامة أهل العلم على أنه يحرم عنه وليه ، وهذا مذهب الحنفية ، والمالكية ، والشافعية ، والحنابلة . تنبيه : ذكر بعض أهل العلم أنه لا ينعقد إحرام وليه عنه ، وهو مذهب الإمام أبي حنيفة ، ذكره ابن قدامة في (المغني ، والماوردي) والراجع إلى كتب الحنفية يرى أن الحنفية يرون صحة إحرام الولي عنه إذا كان غير مميز ، والدليل على انعقاد إحرام وليه عنه حديث ابن عباس السابق ، وكونه في محفتها يدل على أنه صغير ، غير مميز ، فيحرم عنه وليه ، وقاسوه على النكاح ، فإذا جاز أن يعقد الولي للصغير عقد النكاح ، جازعقد الإحرام . هل إحرام الصبي ينعقد لازما أم لا : لو أن الصبي لما أحرم بالعمرة مع أهله أو الحج ، أخذ له ساعتين ، ثم قال : لا أريد ، خذوا إحرامي عني ، ففي هذه المسألة خلاف على قولين : القول الأول : أن إحرام الصبي ينعقد لازما ، ولا يرتفض برفضه ، فإن لم يستطع كان كالمحصر ، لا بد من التحلل ، و إليه ذهب المالكية ، والشافعية ، والحنابلة . دليلهم : لأن طبيعة الإحرام أنه يلزم بالشروع فيه لقوله تعالى {وَأَتِمُُّوا الْحَجَُّ وَالْعُمْرَةَ لِلَُّهِ} ، ولا يخرج الإنسان من الإحرام إلا بالانتهاء منه ، أو بالشرط ، أو بالإحصار ، أو في الحج إذا فات يأتي بعمرة . القول الثاني : أنه ينعقد إحرام الصبي غير لازم ، وله رفضه وعدم إتمامه ، إليه ذهب الحنفية ، ومال إليه ابن مفلح صاحب الفروع ، وهو اختيار شيخنا ابن عثيمين ، رحمة الله عليهم . أدلتهم : الدليل الأول : حديث علي رضي الله عنه ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (رفع القلم عن ثلاثة ... والصبي حتى يبلغ) والحديث صحيح . الدليل الثاني : إنما جاءت الشريعة بالإذن في حج الصبي وعمرته ، من أجل تعويده على فعل المناسك ، حتى إذا بلغ وأصبح كبيرا يكون آلفا لها ، فله رفضهما. الراجح : هو القول الثاني والله أعلم ، وهو الذي فيه التسهيل على الناس واليسر عليهم ؛ لأنه ليس من أهل الوجوب ، وليس من أهل التكليف . المسألة الثانية : ما يفعله الصبي وما يفعل عنه ، أما ما يستطيع فعله فإنه يلزمه أن يفعله بنفسه ، مثل : الوقوف ، والمبيت بمزدلفة ، والطواف إن استطاعه ، ورمي الجمار إن استطاعه ، أما إذا عجز عن رمي الجمار ونحوه ، لم يلزمه فعله ، وإذا أراد الإنسان أن يرمي عنه ، فإنه يرمي عن نفسه أولا ، ولا بد أن يكون الرامي محرما بالحج ، فلا يرمي عنه شخص حلال . الطواف بالصبي : لا يخلو الصبي من حالين أن يكون مميزا أو غير مميز : فإن كان غير مميز وكان لا يستطيع أن يطوف على قدميه ، ولا أن يسعى عليهما ، لكونه صغيرا في اللفة ، أو لا يستطيع أن يمشي ، أو مشى ثم قال : خذوني ، فيحمله الإنسان ،فهل يقع الطواف عنه أو عن الحامل له ؟ خلاف بين أهل العلم رحمة الله عليهم :
عدد الصفحات ١١مختصركتاب المناسك فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 12 القول الأول : أنه إذا نوى عنه وعن المحمول أجزأ ، و إليه ذهب الحنفية ، والمالكية في رواية ، والشافعية في قول ، والحنابلة في رواية ، وهو اختيار الشيخ ابن سعدي ، والشيخ عبد العزيز بن باز رحمة الله عليهم جميعا أدلتهم : الدليل الأول : حديث ابن عباس ، لم يقل لها صلى الله عليه وسلم : طوفي عنه طوافا مستقلا ، وطوفي عن نفسك طوافا مستقلا ، واسعي عن نفسك وعنه سعيا مستقلا ، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز ، وهذه المرأة التي لا تعلم حكم حج الصبي الصغير ، فمن باب أولى ألا تعلم حكم حمله ، وهل تشترط النية له ولها ، وتجزئ النية عن الحامل والمحمول في آن واحد . الدليل الثاني : أن المقصود هو حصول الطواف بالبيت ، وهذا يحصل إذا حمل الإنسان الطفل ونوى عن نفسه وعنه ، كالوقوف بعرفة ، فإنه إذا نوى الوقوف عنه أجزأ عنهما . القول الثاني : أنه إذا حمله ونوى عن نفسه وعن الصبي في وقت واحد لم يجزئ عنهما ، بل لا بد أن ينصرف إلى أحدهما ، و إليه ذهب المالكية ، والشافعية ، والحنابلة ، وهو اختيار شيخنا رحمه الله . دليلهم : أنه لا يصح أن يقع الطواف بنيتين في آن واحد ، فلا بد أن يطوف أولا عن نفسه ، ثم يأخذ الصبي ويطوف به الراجح : هو القول الأول ، وأنه إذا حمله ونوى أجزأ عنهما ، استدلالا بالنص الثابت ، فلم يأمرها النبي صلى الله عليه وسلم ، مع حاجتها إلى التعليم في ذلك الوقت ،والنية يمكن أن تتعدد ، وهذا هو الأسهل للناس والأقرب للأدلة . وإن كان الصبي يميز ، لكن لا بد أن يحمل ، فنوى الصبي عن نفسه ، ونوى الحامل عن نفسه ، قالوا : فيصح عنهما جميعا ؛ لأن الحامل والمحمول نويا . وقد ذكروا مجموعة صور للنية في الطواف والسعي : الصورة الأولى : أن ينويا عن المحمول ، الحامل ينوي عن المحمول ، والمحمول ينوي عن نفسه ، فيقع عن المحمول الصورة الثانية : أن ينوي الحامل عن نفسه ، وينوي المحمول عن الحامل ، فيقع عن الحامل دون المحمول . الصورة الثالثة : أن ينوي المحمول ، ولا ينوي الحامل ، فيقع عن المحمول دون الحامل . الصورة الرابعة : أن ينويا جميعا عن نفسيهما ، فيقع عن المحمول دون الحامل ، على المذهب ، ويجعلون الحامل كالآلة ؛ لأن أخذ الأجرة على المحمول يدل على أنه قصده به ، لو استأجر شخصا يحمله ، وهو محرم ، الحامل محرم ، والمحمول محرم ، لكن الحامل طاف به بأجرة ، فهذا دليل على أنه قصد أن يكون الطواف للمحمول دونه . وخالف الشافعية في قول ، فقالوا : يقع عن الحامل ؛ لأنه الفاعل ، واختار الإمام أبو حنيفة أنه يقع عنهما جميعا ، وحسنه ابن قدامة ؛ لأن كلا منهما نوى نية صحيحة . الصورة الخامسة : ألا ينويا شيئا ! فلا يقع عن أحد . الصورة السادسة : أن ينوي كل منهما عن الآخر ، هنا لا تقع عن أحد ، صور عقلية ، ذكرها الزركشي . قال المؤلف رحمه الله : وفِعْلُهما من الصبيِّ والعَبْدِ نَفْلًا . المسألة الثالثة والرابعة : فعل محظورات الإحرام منه ، وما يلزم من الفدية . الصبي غير المميز الأصح عند الشافعية أنه لا فدية عليه ، وعندهم رواية أخرى أن عليه الفدية ، وأما الحنابلة فلم يفرقوا بين المميز وغيره ،ومذهب المالكية ، وصوبه المرداوي ، واختاره شيخنا ، والحنفية يرون أنه لا فدية عليه ، ومن باب أولى لا فدية على غير المميز ؛ لأنه ليس من أهل التكليف .
عدد الصفحات ١٢مختصركتاب المناسك فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 13 الحنابلة يفرقون في المحظور بينما يختلف عمده وسهوه وهو ما لا إتلاف فيه ، مثل الطيب واللبس ، فإذا فعلها المحرم من غير تعمد فلا شيء عليه ، وعندهم شيء لا يختلف عمده عن سهوه ، وهو ما يتضمن إتلافا ، مثل : الصيد ، وقلم الظفر ، والأخذ من الشعر ، والجماع ، فيرون أن هذا تتضمن إتلافا . أما الشافعية فأصح القولين وجوب الفدية عليه . إذن : الحنفية يرون أنه لا فدية عليه ، والشافعية : عليه الفدية في الأصح ، الحنابلة : التفصيل ، إذا تضمن فعل المحظور إتلافا فعليه الفدية ، وإن كان لا يتضمن إتلافا فلا فدية عليه ؛ لأنهم يفرقون بين ما يختلف سهوه عن عمده ، وما لا يختلف سهوه عن عمده . أدلة إيجاب الفدية : أن الإتلاف يستوي فيه العمد والخطأ . وهذا القول مرجوح ، والراجح أن المحرم إذا فعل محظورا ناسيا أو مخطئا أو مكرها فلا فدية عليه مطلقا . هل الفدية في مال الصبي أو الولي : أما إذا أحرم الصبي بغير إذن الولي فالفدية في ماله بلا خلاف ، وهذا لا يتأتى إلا على مذهب الحنفية ، والمالكية ، أما على مذهب الشافعية ، والحنابلة ، الذين يشترطون إذن الولي في الإحرام ،فالفدية على الولي. أما إذا أحرم الصبي بإذن الولي ، ففي هذه الحال اختلف العلماء على قولين : القول الأول : أن الفدية في مال الولي ، إليه ذهب المالكية ، والشافعية في قول ، وهو المذهب عند الحنابلة . دليلهم : أنه كلفه ذلك عن غير حاجة بالصبي إليه ، لأن الصبي لا حاجة له في أن يحرم ويدخل في الإحرام . القول الثاني : أن الفدية تكون في مال الصبي ، وإليه ذهب الشافعية في قول ، وهو رواية عند الحنابلة . دليلهم : أنه هو الذي فعل المحظور . نفقة حج الصبي : هل النفقة على الولي أو الصبي ؟ في المذهب التفصيل السابق ، إن أحرم الصبي بغير إذن الولي ، فالنفقة في ماله ، وإن أحرم بإذن الولي ، فإن النفقة تكون في مال الولي . قال رحمه الله : والقادرُ مَن أَمْكَنَه الركوبُ ووَجَدَ زادًا وراحلةً صالِحَيْنِ لِمِثْلِه . تقدم أن الشرط الخامس للحج أن يكون الإنسان قادرا ، وهو : المستطيع بماله وبدنه ، والدليل عليها قوله تعالى {مَنِ اسْتَطَ عَ إِلَيْهِ سَبِيلا }وضابط القدرة ، قال المؤلف (القادر من أمكنه الركوب ووجد زادا وراحلة صالحين لمثله) هذا هو ضابط القدرة ، أما في الركوب في الزمن الماضي من كان ضِنو الخلقة ، أي ضعيف الخلقة ، لا يستطيع المشي ولا الركوب على الرواحل ، وفي الزمن الحاضر يتصور فيما لو كان شخص لا يستطيع أن يركب الطائرة ؛ لأنه لو ركب الطائرة يغمى عليه ، أو يصاب بحالة نفسية ، أو يتقيأ ، فهذا لا يستطيع الركوب. قوله : (وأن يجد زادا) : ما يتزود به من طعام وشراب وغيرهما . قوله : (زادا وراحلة صالحين لمثله) : راحلة يركبها ، كالدواب سابقا ، وفي الزمن الحاضر الطائرات والسيارات والقطارات ، سواء كانت لديه قيمتها، أو عنده الأجرة التي يستطيع أن يدفعها لركوب هذه الأشياء ، فيجب عليه الحج في هذه الحال . ضابط القدرة والاستطاعة : اختلف الفقهاء رحمهم الله فيها على قولين : القول الأول : أن ضابط القدرة والاستطاعة : الزاد والراحلة ، أو قيمة الزاد والراحلة ، وذهب إليه طائفة من السلف ، فهو رأي عمر ، وابن عباس ، والحسن ، ومجاهد ، وسعيد بن جبير ، وإسحق ، وإليه ذهب الحنفية ، والشافعية ، وهو المذهب عند الحنابلة ، حتى قال الترمذي رحمه الله (والعمل عليه عند أهل العلم) .
عدد الصفحات ١٣مختصركتاب المناسك فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 14 أدلتهم : الدليل الأول : قوله تعالى {مَنِ اسْتَطَ عَ إِلَيْهِ سَبِيلا } وفسر النبي صلى الله عليه وسلم الاستطاعة بالزاد والراحلة ، وقد جاء هذا التفسير من سبع طرق ، عن سبعة من الصحابة رضي الله عنهم ، وهذه الطرق ضعيفة ، كل إسناد من أسانيدها ضعيف ، لكن قالوا : بمجموعها تصل إلى درجة الصحة . ونوقش الدليل : بأنه لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ، تفسير الاستطاعة بأنها الزاد والراحلة ، وقال الطبري رحمه الله : (أحاديث الزاد والراحلة ، في أسانيدها نظر ، لا يجوز الاحتجاج بمثلها في الدين) . وناقش قول الطبري الشيخ الشنقيطي ، فقال : (والذي يظهر لي والله أعلم ، أن حديث الزاد والراحلة المذكور ثابت ، ولا يقل عن درجة الاحتجاج) ولذا أخذ به أصحاب المذاهب الثلاثة ، الحنفية ، والشافعية ، والحنابلة . الدليل الثاني : أن الحج عبادة تتعلق بقطع مسافة بعيدة ، فاشترط لوجوبها الزاد والراحلة كالجهاد ، فإن المجاهد في سبيل الله يحتاج إلى زاد وراحلة ؛ لأنه سيقطع مراحل طويلة . القول الثاني : أن المراد بالاستطاعة إمكان الوصول إلى مكة والمشاعر المقدسة بلا مشقة زائدة عن المعتاد ، مع الأمن على النفس والمال ، و إليه ذهب المالكية ، وهو مروي عن عطاء ، والطبري، إذا كان قادرا على المشي ويتكسب بالصنعة ، وهو قول الحنابلة إذا كان دون مسافة القصر ويقدر على المشي ، وأما إذا كان فوق مسافة القصر فيشترطون الزاد والراحلة ، وإذا لم يستطع أن يمشي فيشترطون له الزاد والراحلة ، حتى لو كان دون مسافة القصر . أدلتهم : الدليل الأول : دليل أصحاب القول الأول {وَلِلَُّهِ عَلَى النَُّ سِ حِجُُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَ عَ إِلَيْهِ سَبِيلا }والأحاديث التي فسرت الآية لا تثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، والسبيل جاء في الآية مطلقا غير مقيد بقيد ، فيعم كل طريق يوصل إلى مكة ، ومن الطرق أن يمشي على قدميه إذا كان قادرا على المشي ، من غير مشقة عظيمة ، زائدة عن مشقة السفر ، أما إذا كان ثمة مانع من عجز أو عدو أو ضعف ، فلا يعتبر مستطيعا . نوقش : بأن الأحاديث على الأقل صالحة للاحتجاج ، وأخذ بها عامة أهل العلم ، وهي سبعة أحاديث من طرق متعددة ، وقد أخذ أهل العلم بهذا التفسير ، وتواطؤوا عليه ، من عهد الصحابة رضي الله عنهم ، إلى اليوم ، فإنهم يفسرون الاستطاعة بالزاد والراحلة . رد : أنه لو صحت الأحاديث ، فإن التفسير فيها هو بالأغلب ، الغالب أن الاستطاعة تكون بالزاد والراحلة ، لكن لا يمنع أن يجب الحج على من استطاع السفر بغير زاد وراحلة . لدليل الثاني : قوله تعالى {وَأَذِّنْ فِي النَّ سِ بِ لْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَ لا وَعَلَى كُلِّ ضَ مِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ}فقد سوى الله عز وجل بين الراجل والراكب ، بل قدم الراجل على الراكب ، فدل على وجوب الحج على من استطاع الوصول إلى مكة والمشاعر من غير مشقة زائدة . نوقش : بأن الناس على قسمين ، أما من كان قريبا من الحرم ومن مكة ، ويستطيع الوصول إلى المشاعر وإلى مكة بلا مشقة زائدة ، فيجب عليه الحج ، وأما من كان بعيدا فإن الاستطاعة في حقه الزاد والراحلة ، لأنه إذا لم يكن معه زاد وراحلة لم يستطع أن يصل إلى مكة والمشاعر ، ولذا فهم الحنابلة رحمهم الله هذا ، فقالوا : إذا كانوا فوق مسافة قصر احتاج إلى زاد وراحلة ، وإذا كان دون مسافة القصر ، ويستطيع أن يمشي ، فإنه يجب عليه الحج ، ولا يشترط له زاد وراحلة . الراجح :
عدد الصفحات ١٤مختصركتاب المناسك فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 15 أن الاستطاعة تفسر بالزاد والراحلة ،ومن كان قريبا من مكة ، بحيث يستطيع الوصول إلى مكة والمشاعر المقدسة ، وأن يؤدي مناسكه على أقدامه ، من غير مشقة زائدة عن مشقة السفر المعتادة ، لزمه الحج حينئذ ، ويكون مستطيعا ، لكن الغالب أن الناس لا يستطيعون الوصول إلى مكة والمشاعر إلا عن طريق الزاد لأنه ضرورة لكل أحد ، وأما الراحلة فقد يستطيع الحج بدونها . قوله : (صالحين لمثله) : لا بد أن يكون الزاد والراحلة صالحين لمثله عادة ، فإنا كانا لا يصلحان لمثله عادة لم يلزمه الحج ؛ لأنه يكون عليه غضاضة ومعرة ، والمؤمن منهي عن أن يهين نفسه . وذهب بعض الأصحاب إلى أنه لا يشترط أن يكونا صالحين لمثله ؛ لظاهر الآية ، فإنه لم يأت تقييد السبيل بأن يكون صالحا لمثله ، ولئلا يفضي إلى ترك الحج ، من أغنياء الناس وأثريائهم ، فالقول بأنه يشترط أن يكونا صالحين لمثله يحتاج إلى دليل . الراجح : أنه إذا وجد زادا وراحلة صالحين ولو كانا أقل من زاد وراحلة مثله ، فإنه يجب عليه الحج حينئذ . حج من عليه حقوق : قال رحمه الله : بعدَ قضاءِ الواجباتِ . لا يجب عليه الحج إذا وجد زادا وراحلة إلا بعد أشياء ، قال : (بعد قضاء الواجبات) أي لا يكون مستطيعا قادرا إلا بعد قضاء الواجبات ، والمراد بالواجبات : كل ما يجب على الإنسان بذله ، كالدين لله عز وجل ، أو لآدمي ، والكفارات والنذور ، سواء كان هذا الدين حالا أو مؤجلا لم يجب عليه الحج ، وسواء كان لله أو لآدمي ؛ لأن ذمته مشغولة بالدين ، وبراءة الذمة مقدمة على الحج ، ولقول النبي صلى الله عليه وسلم [مطل الغني ظلم]أي : تأخير الأداء الذي في ذمة الإنسان ظلم ،ولا فرق بين أن يأذن الدائن أو لا يأذن . وإذا كان الدين مؤجلا ففيه تفصيل ، الأصل أنه لا يجب عليه الحج ، لكن إذا كان هذا الإنسان إذا حج فسيبقى بعد الحج معه مال يؤديه فإنه يحج ، وإذا حل الأجل سدد ما عليه ، أما إن كان إذا حج لم يبق معه مال يؤديه ، قيل له : لا تحج ، بل ابذل هذا المال الذي معك للدائن ، وأبرئ ذمتك ، ولو قدر أن المدين يحج ، ويأخذ أجرة من عمل يعمله في الحج ، كبعض الناس ، يخرج مع حملة ، فيقولون له : تشتغل معنا في هذه الحملة ، إما مشرفا ثقافيا ، وإما مسؤولَ خدمات ، أو سائقا ، أو غير ذلك من أعمال الحج ، ونعطيك مبلغا من المال مقابل هذا العمل ، وهو مدين ، فهل يجب عليه الحج هنا ؟ ينظر ، فإن كان الدين أقل من الأجرة ، فله أن يحج ، مثال : لو كان عليه خمسة آلاف ريال دينا ، قالوا : سنعطيك ستة آلاف ريال ، أو سبعة آلاف ريال ، فيحج ويحصل له خيران ، أنه سيحج ، و سيقضي دينه الذي في ذمته ، أما إن كان الدين أكثر من الأجرة فلا يجب عليه الحج . مسألة أخرى : لو تبرع له شخص بالحج ، قال له شخص : أنا أريد أن تحج على حسابي بما أنك مدين ، فأريدك أن تحج معي مجانا ، أو تحج مجانا ، فهل يحج ؟ فيه تفصيل ، قال شيخنا رحمه الله : (إذا كان لو بقي لعمل وحصل أجرة فبقاؤه خير من الحج ، وإذا كان لا يحصل على شيء إذا بقي فهنا يتساوى في حقه الحج وعدمه) وينبغي أن يعلم أنه ما دام مدينا لم يجب عليه الحج أبدا . هل يجب عليه الحج ببذل غيره له ؟ لو جاء شخص ، وقال : أنت لم تحج ، وهذه نفقة الحج كاملة ، سواء كان مدينا أم غير مدين ، فهل يجب عليه الحج ؟ ذهب الحنفية ، والمالكية ، وأكثر الحنابلة إلى أنه لا يصير مستطيعا ببذل غيره له ، سواء كان الباذل قريبا أم أجنبيا ، فلا يجب عليه ، للمنة التي تحصل له . وذهب الإمام الشافعي رحمه الله ، إلى أنه إذا بذل له ولده ما يتمكن به من الحج ، فإنه يلزمه ؛ لأنه أمكنه الحج من غير منُّة تلزمه ، ولا
عدد الصفحات ١٥