مختصر كتاب المناسك 2 فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 86 موضع رمي جمرة العقبة : فيه خلاف على قولين : القول الأول : أنه يقف قِبلَها ، ويجعل منى عن يمينه ، ومكة عن يساره ، وهو قول ابن مسعود ، وجابر ، ورأي القاسم بن محمد ، وسالم ، ونافع ، وعطاء ، والثوري ، وهو مذهب الحنفية ، والمالكية ، والشافعية . أدلتهم : الدليل الأول : حديث جابر رضي الله عنه ، وفيه (حتى أتى الجمرة التي عند الشجرة فرماها بسبع حصيات ، يكبر مع كل حصاة منها مثل حصى الخذف ، رمى من بطن الوادي) أخرجه الإمام مسلم ، وإن لم يكن صريحا في موقفه ، إلا أنه في بطن الوادي ، ولا يتصور أن يرمي من بطن الوادي ويجعلها عن يمينه ، بل إذا كان في بطن الوادي فسيستقبلها بوجهه ، ويدل عليه حديث ابن مسعود الآتي . الدليل الثاني : عن عبد الرحمن بن يزيد ، قال رمى عبد الله بن مسعود جمرة العقبة من بطن الوادي بسبع حصيات ، يكبر مع كل حصاة ، فقيل له : إن أناسا يرمونها من فوقها ، فقال : والذي لا إله غيره ، هذا مقام الذي أنزلت عليه سورة البقرة) أخرجه الإمام البخاري ، وهو نص صريح في موضع الرمي . القول الثاني : أنه يقف في بطن الوادي ، ويجعل الجمرة عن يمنيه ، ويستقبل القبلة ، و إليه ذهب الحنابلة . دليلهم : أثر عبد الرحمن بن يزيد قال (لما أتى عبد الله جمرة العقبة استبطن الوادي واستقبل القبلة ، وجعل يرمي الجمرة على حاجبه الأيمن ، ثم رمى الجمرة بسبع حصيات ، ثم قال : والذي لا إله إلا هو ، من ههنا رمى الذي أنزلت عليه سورة البقرة) أخرجه الترمذي ، وصححه الألباني ، وهذه الرواية شاذة ، لمخالفتها حديث الصحيحين ، ففيه أنه جعل مكة عن يساره ومنى عن يمينه ، واستقبل الجمرة ، ورماها بسبع حصيات . الراجح : هو أن يستقبل الرامي الجمرة ، ويجعل منى عن يمينه ، ومكة عن يساره ، ويرميها بسبع حصيات ، والله أعلم الوقوف بعد جمرة العقبة : قال المؤلف رحمه الله : وَلَا يَقِفُ عِندَها . إذا رمى جمرة العقبة لا يقف عندها بل ينصرف ، أي إنه لا يدعو . بعد الجمرة الأولى سيذهب ذات اليمين ، ويُسهِل قليلا ويدعو ، وفي الثانية سيجعلها عن يمينه ، ويذهب ذات الشمال ، ويدعو طويلا أيضا ، لكن لا يقف بعد جمرة العقبة ، وهذا رأي عامة أهل العلم رحمة الله عليهم . أدلتهم : الدليل الأول : أن النبي صلى الله عليه وسلم ، لم يقف بعدها ، لما رمى انصرف ، ودل عليه حديث ابن عمر المتقدم (ثم يرمي جمرة ذات العقبة من بطن الوادي ، ولا يقف عندها ، ثم ينصرف ، فيقول : هكذا رأيت النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يفعل) أخرجه الإمام البخاري . الدليل الثاني : أن هذا الدعاء تابع للعبادة ، والدعاء التابع للعبادة يكون في داخل العبادة لا خارجها مثل دعاء الاستخارة يكون في آخر الصلاة عقب التشهد ، وكذا قول المصلي (اللهم أعني على ذكرك وعلى شكرك وعلى حسن عبادتك) يكون في آخر الصلاة ، ولا يكون بعدها ، لأن الدعاء إنما يكون في جوف العبادة .
عدد الصفحات ٢٤٥مختصر كتاب المناسك 2 فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 87 قال رحمه الله : يفعلُ هذَا في كُلِّ يَومٍ مِنْ أَيّامٍ مِنْ أيّامِ التشريقِ بعدَ الزّوالِ . يرمي الجمرة الصغرى ثم الوسطى ثم الكبرى ، يفعله في أيام التشريق ، اليوم الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر ، إن لم يتعجل في اليوم الثاني عشر ، وهذا فعل النبي صلى الله عليه وسلم . قوله : (بعد الزوال) : بين المؤلف رحمه الله متى يبدأ وقت الرمي ،وقد أجمع العلماء على أن الوقت الفاضل لرمي هذه الجمار الثلاث بعد الزوال ، وأجمعوا على أن النبي صلى الله عليه وسلم ، رمى بعدما زالت الشمس ، وأنه لم يرم قبل الزوال إجماعا ، لكن هل يلزم من رمي النبي صلى الله عليه وسلم ، بعد الزوال أن يكون الرمي بعد الزوال واجبا ، ولا يجوز أن يكون قبل الزوال؟ اختلف العلماء في هذه المسألة على ثلاثة أقوال : الرمي قبل الزوال : القول الأول : أنه لا يجوز الرمي قبل الزوال مطلقا ، سواء كان في اليوم الحادي عشر أو الثاني عشر أو الثالث عشر ، وهو مذهب المالكية ، والشافعية ، والحنابلة ، والظاهرية ، ومذهب الحنفية في اليومين الأولين ، واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ، وشيخنا ابن عثيمين رحمهم الله . أدلتهم : الدليل الأول : عن جابر رضي الله عنه ، (أن النبي صلى الله عليه وسلم رمى الجمرة أول يوم ضحى - أي جمرة العقبة - ثم لم يرم بعد ذلك حتى زالت الشمس) أخرجه لإمام مسلم . الدليل الثاني : عن ابن عمر رضي الله عنهما ، أنه قال (كنا نتحين ، فإذا زالت الشمس رمينا) أخرجه البخاري. القول الثاني : أنه يجوز الرمي قبل الزوال في يوم النفر وهو مذهب الحنفية ، والحنابلة في رواية ، وقال المالكية ، والشافعية : إن أخر رمي يوم جاز أن يرميه قبل الزوال من اليوم الثاني ، لو أخر رمي اليوم الحادي عشر ، جاز له أن يرميه قبل الزوال من اليوم الثاني عشر ، والحنفية خصوا الجواز بيوم النفر . أدلتهم : الدليل الأول : عن ابن عباس رضي الله عنهما ، قال (إذا انتفخ النهار من يوم النفر ، فقد حل الصِّدْر ) أخرجه البيهقي وضعفه . الدليل الثاني : أنه يجوز في اليوم الثالث عشر ترك الجمار جميعا ، لو أنه تعجل في يوم الثاني عشر ، له أن يترك رمي الثالث عشر بالكلية ، فإذا جاز ذلك فلأن يجوز له أن يرمي قبل الزوال من باب أولى . وهذا القياس قياس في مقابل النص ، ويقال : نعم ، يجوز له إذا أراد أن ينفر في يوم الثاني عشر و يترك رمي جمار الثالث عشر جميعا ، لكنه إذا بقي فلا بد أن يلتزم بما جاءت به الشريعة ، مثل مصلي النافلة ، مصلي النافلة يجوز له عدم فعلها ، لكن إذا صلاها فلا بد أن يلتزم بالشريعة فيها ، يأتي بأركانها وشروطها وواجباتها ، ولا يجوز له أن يترك من واجباتها شيئا ، وإن كانت نافلة إلا ما استثني. القول الثالث : أنه يجوز الرمي قبل الزوال مطلقا ، في اليوم الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر ، وإليه ذهب عطاء في رواية ، وهو رواية عن الإمام أبي حنيفة ، وهو رأي ابن الجوزي من الحنابلة . أدلتهم : الدليل الأول : أن النبي صلى الله عليه وسلم ، لم يحدد وقت البدء بالرمي ، وإنما فعله فعلا ، ومجرد الفعل لا يدل على الوجوب ، وما قبل الزوال مسكوت عنه ، والمسكوت عنه عفوٌ .
عدد الصفحات ٢٤٦مختصر كتاب المناسك 2 فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 88 الدليل الثاني : قياس الرمي أيام التشريق على الرمي يوم النحر ، إذ يجوز الرمي يوم النحر ضحى ، فكذلك رمي الجمار الثلاث في الأيام الثلاثة يجوز قبل الزوال . وهذا القياس قياس لا يصح؛ لأن الثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم ، أنه كان لا يرمي إلا بعد الزوال ، والصحابي نص وبين أنه رمى الجمرة يوم النحر ضحى ، وأما في الأيام الباقية فيرمي بعد الزوال ، وذلك في حديث جابر ، فدل على التفريق بينهما . الراجح : أنه لا يجوز الرمي قبل الزوال للأدلة الواضحة المتقدم ذكرها ، وهل يبيح ما حصل من حوادث في الزمن الماضي القول بالرمي قبل الزوال؟ ينظر إليه الفقهاء باعتبار المعطيات والقرائن الحاصلة ، وربما تجتمع الهيئات الشرعية فتنظر فيه ، ولله الحمد ، بعد التوسعة الجديدة للجمار أصبح هذا الأمر يكاد ينسى ، هناك أربعة أو خمسة أدوار ، يتوزع الناس فيها ، ويتم تنظيمهم تنظيما دقيقا ، لكن المتوقع في السنوات القادمة أن تزيد أعداد الحجاج ، فربما نحتاج مرة أخرى إلى نظر العلماء ، لكن الأصل عدم الجواز . الرمي ليلا : تقدم من قبل في رمي جمرة العقبة ، وتقدم هناك أن المسألة فيها خلاف على أقوال : القول الأول : أن وقت الرمي يمتد إلى غروب الشمس ، وما بعد الغروب إلى طلوع الفجر يجزئ مع الكراهة ، ولا دم عليه ، وهذا مذهب الحنفية رحمهم الله ، وهو رأي إسحاق ، وابن المنذر . القول الثاني : أن وقت الرمي يمتد إلى غروب الشمس، ومن رمى بعد الغروب فعليه دم، ويكون قضاء ، و إليه ذهب المالكية، والشافعية في وجه، والحنابلة لا يرون الرمي ليلا فإن لم يرم فإنه لا يرمي إلا بعد الزوال من الغد . القول الثالث : أن وقت الرمي يمتد إلى آخر أيام التشريق ، حتى رمي جمرة العقبة ، و إليه ذهب الشافعية ، والحنابلة ، ولا شيء عليه في التأخير ، لكن الحنابلة يرون أنه لا يرمي إلا بعد الزوال إذا أخر إلى الحادي عشر والثاني عشر ، وأما الشافعية فلا يقيدون ، يقولون يجوز أن يرمي ليلا ، وهو رأي أبي يوسف ، ومحمد بن الحسن من الحنفية . الراجح : في الأزمنة الأخيرة ينبغي أن يحتاط الإنسان جدا في قضية الرمي ليلا؛ لأن مكان الجمار أصبح واسعا ، يتسع لخلق كثير، ومن حج في السنة الأخيرة أو التي قبلها، يرى الناس بعد صلاة العصر، في الساعة الخامسة عصرا، يكون المرمى شبه فارغ في بعض الأدوار ، فكيف يقال للإنسان : ارم ليلا ، إنما الرمي ليلا حينما كان الناس يحتاجون إليه لعذر،إذا كان مشغولا بالأمور العامة، كرجال الأمن، أو الصحة، أو من يتعلق عمله بالحاج ، كالمفتين والمعلمين، وغيرهم، فهؤلاء ربما يقال لهم : لا بأس أن ترموا ليلا، لانشغالكم مع الناس بأمور عامة قال رحمه الله : مُستَقبلَ القبلةِ . تقدم لنا هل من السنة أن يستقبل القبلة في رمي الجمار الثلاث أو لا؟ المذهب أنه يستقبل القبلة ، في الأولى يجعل الجمرة عن يساره ، ويستقبل القبلة ، ويرميها ، وفي الوسطى يجعلها عن يمينه ، ويستقبل القبلة ، ويرميها من عند حاجبه الأيمن ، وفي جمرة العقبة يستقبل القبلة ، ويجعلها عن يمينه ، ويرميها من ناحية حاجبه الأيمن، والأولى والثانية لا دليل عليها، وتقدم أنه يرمي من حيث تيسر له الرمي ، لعدم الدليل . أما جمرة العقبة فتقدم الخلاف ، الحنابلة يذهبون إلى هذا ، ويستدلون بأثر منقول عن ابن عباس ، أخرجه الإمام أحمد وغيره ، وجمع من أهل العلم رأوا أن الحديث صحيح ، لكن الحافظ ابن حجر وطائفة من أهل العلم رأوا أنه شاذ لمخالفته حديث الصحيحين ،
عدد الصفحات ٢٤٧مختصر كتاب المناسك 2 فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 89 الثابت عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ، أن النبي صلى الله عليه وسلم ، جعل الكعبة عن يساره ، وجعل منى عن يمينه ، واستقبل الجمرة ، ورماها بسبع حصيات ، وقال (هذا مقام الذي أنزلت عليه سورة البقرة) . قال رحمه الله : مرتِّباً . تكلمنا عن شروط الجمار ، وهل يشترط فيها الترتيب أو لا ؟ اختلف فيها أهل العلم على قولين : القول الأول : لا بد من الترتيب في رمي الجمار ، مذهب عامة العلماء، فيبدأ بالصغرى ثم الوسطى ثم الكبرى دليلهم : أن النبي صلى الله عليه وسلم ، فعل هكذا ، وقال [خذوا عني مناسككم]وهو فعلها على سبيل النسك . القول الثاني : أنه لا يجب الترتيب في رمي الجمار، فلو بدأ بالوسطى قبل الصغرى، أو الكبرى ثم الصغرى ثم الوسطى ، أو الكبرى ثم الوسطى ثم الصغرى ، صح رميه ، ولا شيء عليه ، رأي ابن حزم، ومذهب الحنفية . الراجح : أن الترتيب شرط ، وأنه إذا رمى غير مرتب فإن أمكنه أن يعيد الرمي أعاد ، وأما إذا لم يستطع أن يرتب ، بسبب أن أيام التشريق قد مضت ، أو أنه قد سافر ، فإن شيخنا رحمه الله يقول (أرجو أن يجزئه؛ لأن هذا اختلاف في الوصف لا في ذات العبادة) لأن هذا الإنسان قد صدق عليه أنه قد رمى ، لكن خالف في وصف العبادة ، ووصف العبادة الترتيب . الموالاة في رمي الجمار : الموالاة إما أن تكون بين الجمار الثلاث ، الصغرى والوسطى والكبرى ، وإما أن تكون بين الحصيات . المسألة الأولى مثالها : لو رمى الصغرى ، ثم ترك الرمي ، وبعد ساعتين أو ثلاث جاء ورمى الوسطى ثم الكبرى ، هل يصح هذا أو لا؟ المسألة الثانية : لو رمى حصاتين ، ثم تعب وخرج من المرمى وارتاح نصف ساعة مثلا ، ثم رجع ورمى البقية من الجمار ، أو أنه رمى من الأخيرة خمسا أو أربعا ، ثم مضى ، فأخبر أنه لا بد من إتمامها ، فرجع بعد ساعتين أو ثلاث وأكمل البقية ، فهل يصح هذا أو لا؟ هاتان مسألتان : المسألة الأول : الموالاة بين الجمار . هذه المسألة فيها خلاف على قولين : القول الأول : أن الموالاة بين الجمار سنة ، فلو فصل بينها بفاصل فلا بأس بذلك ، و إليه ذهب الحنفية ، والمالكية ، والشافعية على الصحيح ، وهو المذهب عند الحنابلة ، يقولون : الموالاة سنة ، فإن فصل بينها بفاصل ، ولو كان الفاصل طويلا فلا بأس به. أدلتهم : الدليل الأول : عدم الدليل على الموالاة ، لأنه يصدق على من رمى غير موال أنه قد رمى . الدليل الثاني : أن الرمي نسك لا يتعلق بالبيت ، فلم تشترط فيه الموالاة . القول الثاني : أنه تشترط الموالاة في رمي الجمار ، و إليه ذهب الشافعية في قول . دليلهم : ربما يستدل لهم بأنها عبادة مكونة من أجزاء ، فاشترطت فيها الموالاة ، كالطواف والسعي والصلاة الراجح : القول الأول : وأنه لا تشترط الموالاة في رمي الجمار ، فلو رمى الصغرى ، ثم ارتاح طويلا ، ورمى الوسطى ، فإن الرمي يكون صحيحا ، ومما يدل على أنه لا تشترط الموالاة ، أن النبي صلى الله عليه وسلم ، رمى الصغرى ثم دعا دعاء طويلا ، حتى جاء عن ابن عمر أنه (ابن عمر) دعا دعاء طويلا بمقدار سورة البقرة
عدد الصفحات ٢٤٨مختصر كتاب المناسك 2 فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 90 وهذا قد يناقش : بأن هذا من أجزاء العبادة ، ليس فصلا للموالاة ، هو رمى ، ثم جاء بسنة العبادة ، وهو الدعاء ، ولو أطال فهو لم يفصل . الموالاة بين الحصى : المسألة الثانية : الموالاة بين الحصى . هذه المسألة فيها خلاف على قولين : القول الأول : أن الموالاة بين حصى الجمار سنة ، و إليه ذهب جمهور العلماء ، فهو مذهب الحنفية ، والمالكية ، والشافعية ، وهو الظاهر من مذهب الحنابلة ، ولذا يذكر أهل العلم أن هذا قول الحنابلة مع الجمهور ، وأنه لا يشترط الموالاة في رمي الحصيات ، وأنه يجوز أن يفرق بينها. القول الثاني : أن الموالاة بينها شرط ، و إليه ذهب الشافعية في قول . دليلهم : ربما يستدل لهم بأنها عبادة مكونة من أجزاء ، فاشترطت فيها الموالاة ، كالطواف والسعي والصلاة الراجح : هو القول الأول ، وإن كان القول الثاني هو المتمشي مع القواعد ، القواعد التي نأخذها دائما أنه تقتضي أن يكون الرمي بين الحصيات متواليا ، لكن ما دام أن جمهور العلماء ، قد ذهبوا إلى عدم اشتراطها فيتابع الإنسان عامة أهل العلم فيه ، وإلا فقد يقول قائل : لماذا يشترط في الغسل الموالاة ، وفي الطواف ، وفي السعي ، وفي .... وهذه قاعدة مستمرة ، حتى تأتي حصيات الجمار التي هي عبادة واحدة فيقال : لا تشترط الموالاة ! له وجه ، لكن عامة العلماء على عدم الاشتراط . قال رحمه الله : فَإن رَماهُ كلَّه في الثالثِ أَجْزَأَه . إن أخر رمي الجمار كلها في اليوم الثالث عشر فإن ذلك يجزئه ، جمرة العقبة ، ورمي أيام التشريق الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر ، فإن ذلك يجزئ ،وفيها خلاف على أقوال ، لكن قبل ذكر الخلاف يقال : العلماء رحمهم الله ، ذهبوا جميعا إلى أن من أخر فإن الرمي مجزئ (كلهم) وإن كانوا قد اختلفوا فيما بينهم ، هل هو أداء أم قضاء ، وهل يجب عليه دم أم لا؟ هذا محل الخلاف . تأخير رمي الجمار إلى الثالث : اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين : القول الأول : أنه يجوز تأخير رمي الجمار إلى آخر أيام التشريق ، ويكون أداء ، ومثله جمرة العقبة ، ولا شيء عليه ، و إليه ذهب الشافعية ، والحنابلة على الصحيح ، وهو رأي أبي يوسف ، ومحمد بن الحسن من الحنفية ، وعند الحنابلة قول أنه يجوز التأخير ، لكنه يعتبر قضاء . أدلتهم : الدليل الأول : عن عاصم بن عدي رضي الله عنه ، أن النبي صلى الله عليه وسلم (رخص لرعاء الإبل أن يرموا يوما ويدعوا يوما) أخرجه الخمسة وصححه الألباني ، يرمون الحادي عشر ويتركون الثاني عشر ، ويرمون الثاني عشر مع الثالث عشر ، وهذا دليل على أن الوقت كله محل للرمي ، ولو لم يكن اليوم الثاني وقتا للرمي لما أجاز التأخير إليه . الدليل الثاني : أن أيام التشريق جميعا وقت للرمي ، فإذا أخر الرمي من أول وقته إلى آخره لم يلزمه شيء ، فهو كما لو أخر الوقوف بعرفة إلى آخر وقته ، ووقت الوقوف بعرفة يمتد من زوال الشمس إلى طلوع الفجر من اليوم الثاني ، فلو لم يأت إلا في
عدد الصفحات ٢٤٩مختصر كتاب المناسك 2 فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 91 آخر الليل أجزأه ، ومثله الصلاة ، فلو أنه لم يكن حوله جماعة ، وأخر إلى آخر الوقت جاز ، نعم فعل العبادة في أول وقتها أفضل ، لكن التأخير جائز . القول الثاني : أنه لا يجوز تأخير الرمي عن وقته مطلقا ، فيرمي الحاج كل يوم في يومه ، و إليه ذهب الحنفية ، والمالكية ، لكن رأى الحنفية أنه إن أخره إلى بعد غروب الشمس فإنه يرمي إلى طلوع الفجر ولا شيء عليه ، وأما المالكية فيرون إن أخره إلى غروب الشمس فعليه دم ، ويكون قضاء . أدلتهم : الدليل الأول : حديث ابن عباس وابن عمر (أن النبي صلى الله عليه وسلم ، رخص للرعاة في الرمي ليلا) . الدليل الثاني : أن الرمي عبادة مؤقتة ، فلا يجوز تأخيره عن وقته ، أليس هو مؤقتا بالنهار ، ومؤقتا بالأيام؟ بلى ، فيجب الرمي في هذا الوقت . الراجح : القول الثاني والله أعلم ، أنه لا يجوز تأخير رمي اليوم عن يومه ، إلا في حال العذر ، كأن يكون رجلا كبيرا أو مريضا ، أو بعيدا عن محل الجمار ، كما لو كان في شرق منى ، وكذا المرأة الحامل ، أو حتى الشابة ، قد يصعب عليها الذهاب إلى هذا الموضع؛ لأن المكان بعيد جدا ، وكذا ما لو كان الإنسان مشغولا بأمر عام ، كالسقاة والرعاة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، وكرجال الشرط والأمن والصحة ، ومن يعمل في خدمة الحجيج ، أما التأخير بلا حاجة فلا يجوز . جمع الجمار تقديما : جمع الجمار جمع تأخير ، إلى يوم الثالث عشر ، تقدم حكمه ، أما جمع التقديم فالذي عليه عامة أهل العلم ، أنه لا يجوز مطلقا ، لا يجوز له أن يرمي يوم الحادي عشر جمار الثاني عشر ، أو جمار الثالث عشر في يوم الثاني عشر ، أو جمار الحادي عشر في اليوم العاشر ،وهو مذهب الحنفية ، والمالكية ، والشافعية ، والحنابلة . وبعض أهل العلم ذهبوا إلى جواز التقديم ، ويستدلون ببعض ألفاظ حديث عاصم بن عدي المتقدم ، فإن في بعضها (أن يرموا ليومين في أحدهما) أي في المتقدم أو في المتأخر . لكن الذي عليه عمل أهل العلم المنع ، وأنه لا يجوز ، وهو المنقول عن الإمام مالك نصا . قال رحمه الله : وَيرتّبُه بنيّتِهِ . إذا أخر رمي الجمار ، كأن يؤخر رمي الحادي عشر والثاني عشر إلى الثالث عشر ، فإذا أراد الرمي في اليوم الثالث عشر ، يقال : رتبه بنيتك ، يرمي أول مرة على أنه عن يوم الحادي عشر ، فيرمي الصغرى ثم الوسطى ثم الكبرى ، ثم يرجع ويرمي على أنه عن الثاني عشر ، الصغرى ثم الوسطى ثم الكبرى ، ثم يأتي ويرمي عن الثالث عشر الصغرى ثم الوسطى ثم الكبرى . وقد بحثت في كلام أهل العلم ، هل قال أحد بجواز أن يرمي وينوي الصغرى عن الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر ، ثم يذهب للوسطى ويرمي عن الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر ، ثم الكبرى مثل ذلك؟ وبحثت في كلام شيخنا فلم أجد ، لكنهم يذكرون أنه لا بد من الترتيب ، يرمي جمار الحادي عشر ثم جمار الثاني عشر ، ثم جمار الثالث عشر ، ويرتبها بنيته . قال رحمه الله : فإن أَخَّرَه عنه أو لم يَبِتْ بها فعليه دَمٌ . إن أخر الرمي عن أيام التشريق لزمه الدم؛ لأنه ترك واجبا من واجبات الحج ، حتى خرج وقته ، و إليه ذهب عامة أهل العلم ، بل حكي إجماعا ، أنه إن أخر الرمي عن وقته حتى خرج ، وهو غروب شمس يوم الثالث عشر ، فإن عليه دما بتأخيره ، إلا ما
عدد الصفحات ٢٥٠مختصر كتاب المناسك 2 فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 92 يحكى عن عطاء في رمي الجمار ، قال : (من رمى جمرة العقبة ثم خرج إلى إبله ، ثم رمى قبل طلوع الفجر من ليلة الرابع عشر يجزئه) وهذا مخالف لما عليه العلماء ، من ثلاثة أوجه الوجه الأول : أن محل الرمي النهار ، فيخرج وقت الرمي بخروج النهار ، بغروب الشمس . الوجه الثاني : أن الحج قد انتهى بانتهاء يوم الثالث عشر، فيذهب الرمي، لأنه عبادة مؤقتة بوقت ومضى وقتها الوجه الثالث : أن من أهل العلم من نقل الإجماع على عدم جواز تأخير الرمي عن يوم الثالث عشر ، وأنه إذا غربت الشمس لا يجزئه ، وعليه دم . فدية تأخير الرمي : قال المؤلف رحمه الله : فإن أَخَّرَه عنه ..... فعليهِ دمٌ . أي إذا أخر الرمي عليه دم؛ لأنه بمثابة التارك له ، وهنا لابد من الإشارة إلى ماذا يجب على من ترك رمي الجمار كلها أو بعضها ، وأسوقه على المذاهب : ذهب الحنفية إلى أنه لو ترك رمي جمرة العقبة فعليه دم ، ولو ترك ثلاث حصيات منها لزمه دم ، وإن ترك حصاة أوحصاتين أو ثلاث لزمه صدقة ، عن كل حصاة نصف صاع بر ، أو صاع من تمر أو شعير . وإن ترك الجمار كلها فعليه دم ، وإن ترك يوما واحدا من أيام التشريق لزمه دم ، وكذا إن أخرها ليوم بعده . وإن ترك رمي أكثر حصيات يوم لزمه دم؛ لأن للأكثر حكم الكل ، وإن ترك الأقل فعليه لكل حصاة نصف صاع من بر ، أوصاع من تمر أو شعير . وذهب المالكية إلى أنه لو ترك الرمي كله ، أو جمرة منها ، أو ترك حصاة من جمرة حتى خرجت أيام منى فعليه دم ، أو أخرها إلى الليل ، وسواء في ذلك جمرة العقبة أو غيرها . وذهب الشافعية إلى أنه إذا ترك الرمي كله لزمه دم ، وكذلك من ترك رمي يوم أو يومين أو يوم النحر ، أو ترك ثلاث حصيات من رمي أي جمرة لزمه دم ، والحصاة فيها مد من طعام ، وفي الحصاتين مدان . وذهب الحنابلة إلى أنه إذا ترك الرمي كله لزمه دم ، أو يوم من أيام التشريق ، أو يوم النحر ، أو جمرة من يوم حتى خرجت أيام التشريق فعليه دم ، وإن ترك حصاة أو حصاتين فلاشيء عليه ، قال ابن قدامة : (الظاهر عن أحمد لاشيء عليه في حصاة أو حصاتين) وفي رواية أن في الحصاة دما ، وفي رواية في ثلاث حصيات دم ، وفي دونها مد من طعام . التوكيل في رمي الجمار : ذهب جمهور العلماء إلى مشروعية التوكيل في رمي الجمار إلى العاجز عنها ، وقد ذهبوا إلى جواز ذلك سواء كان بأجرة أو بدونها . أدلتهم على جواز التوكيل : الدليل الأول : عن جابر رضي الله عنه ، قال : (حججنا مع النبي صلى الله عليه وسلم فلبينا عن الصبيان ورمينا عنهم) أخرجه الإمام أحمد ، وابن ماجه . الدليل الثاني : ولأنه إذا جازت النيابة في أصل الحج فجوازها في أبعاضه من باب أولى . وقد اشترط العلماء لصحة التوكيل شروطا : الشرط الأول : أن يكون الوكيل حاجا في تلك السنة وهو مذهب الحنابلة ، وقال الشافعية يجوز وإن كان حلالا. الشرط الثاني : أن يكون الموكل عاجزا عن الرمي كالكبير والمرأة الحامل والصبي الصغير ونحوهم .
عدد الصفحات ٢٥١مختصر كتاب المناسك 2 فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 93 الشرط الثالث : أن يرمي الوكيل عن نفسه أولا ثم عن وكيله. ترك المبيت بمنى : قال رحمه الله : أو لم يبت بها فعليه دم . أي إذا لم يبت بمنى أيام التشريق فعليه دم؛ لأنه ترك واجبا ، والمبيت بمنى واجب ومن تركه فعليه دم ، والحنفية يرون أن المبيت سنة ولا شيء على من تركه . والمؤلف رحمه الله أفاد أن من ترك المبيت فعليه دم ، وهذا ذهب إليه المالكية ، والشافعية ، والحنابلة هذا إذا ترك الليالي الثلاث ، أما إذا ترك المبيت ليلة أو ليلتين ففيه خلاف بينهم على قولين : القول الأول : أن من ترك المبيت ليلة أو ليلتين فعليه دم ، وإليه ذهب المالكية ، والحنابلة في رواية . القول الثاني : ذهب الشافعية والحنابلة أن عليه مدا عن كل ليلة ، وقال الحنابلة في رواية عليه طعام مسكين إن ترك ليلة ومسكينين إن ترك ليلتين ، وقيل قبضة من طعام وقيل درهم ، وقيل يتصدق بشيء ، قالوا لأن الليلة ليست نسكا بمفردها . والراجح - والله أعلم - أن يتصدق بشيء؛ لأن الصدقة تطفئ الخطيئة وإن لم يفعل فلا شيء عليه قاله شيخنا . مسألة : ما مقدار المبيت الواجب بمنى؟ مقدار المبيت أن يبيت أكثر المدة وذلك بحساب المدة من غروب الشمس إلى طلوع الفجر والأحوط إلى طلوع الشمس ، فإذا بقي في منى أكثر من نصف الليل أجزأه . من لم يجد مكانا بمنى فهل يسقط عنه المبيت : اختلف العلماء المعاصرون في هذه المسألة على قولين : القول الأول : أنهم يبيتون عند آخر خيمة من خيام أهل منى ، وإليه ذهب شيخنا . أدلتهم : الدليل الأول : قال الله تعالى {فَاتََّقُوا اللََّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ }وقال تعالى {لَا يُكَلَِّفُ اللََّهُ نَفْسًا إِلََّا وُسْعَهَا }. قالوا وهذا قدر استطاعته فإنه يستطيع أن يبيت عند آخر خيمة بمنى ، فيلزمه سواء من جهة مزدلفة أو جمرة العقبة . الدليل الثاني : القياس على المسجد إذا امتلأ وجب اتصال الصفوف ، ولاتصح من بعيد . القول الثاني : أن من لم يجد مكانا في منى فإنه يبيت حيث شاء ، وإليه ذهب الشيخ ابن باز رحمه الله . أدلتهم : الدليل الأول : قول الله تعالى {لَا يُكَلَِّفُ اللََّهُ نَفْسًا إِلََّا وُسْعَهَا} قالوا فالعبد بذل ما في وسعه ولم يجد محلا فلا يجب عليه شيء . الدليل الثاني : ولأن المبيت واجب يسقط بالعجز عنه كسائر الواجبات . الراجح : هو القول الثاني ، أن الإنسان إذا لم يجد محلا في منى فإنه يبيت حيث شاء . ومن واقع التجربة أن القول الأول لا يمكن تحقيقه إلا بصعوبة بالغة ، فإنه إذا أراد أن يذهب ليبيت في مزدلفة عند آخر خيمة من منى ، فسيجد من الصعوبة الشيء العظيم حتى يصل إلى ذاك الموضع ، ويلزم منه إما أن يكون مفترشا ، أو أن يبحث عن مكان يبيت فيه ، وكذلك من جهة العقبة .
عدد الصفحات ٢٥٢مختصر كتاب المناسك 2 فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 94 المبيت في الشوارع : هل يلزم أن يبيت في الشوارع؟ الجواب : هذا لا يلزم ، لا يلزم أن يبيت على الأرصفة ، فإنه ليس لائقا ، لكن لا يقال بالوجوب ، إذا لم يجد موضعا يبيت فيه ، ويأخذ راحته فيه ، ويجلس فيه بخيمة أو نحوها فإنه لا يلزمه فإن وجدت مكانا بمنى فبها ونعمت، وإن لم تجد فبت حيث شئت، سواء في العزيزية أو غيرها . قال رحمه الله : ومَن تَعَجَّلَ في يومينِ خَرَجَ قبلَ الغُروبِ . من تعجل في يومين فإنه يخرج من منى قبل غروب الشمس ، وهذا من رحمة الله وتخفيفه على عباده ، فإنه إذا أراد أن يخرج من منى يوم الثاني عشر جاز له ، قال الله تعالى {فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى} أي : من نفر فلا إثم عليه في تعجله ومن تأخر فلا إثم عليه في تأخيره ، وهو رأي ابن عمر ، وابن عباس ، والحسن ، وعكرمة ، ومجاهد ، والسدي ، وقتادة ، هذا وجه في تفسير الآية ، وهناك قول {فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ}فهو مغفور له لا إثم عليه ، ومن تأخر فهو مغفور له لا إثم عليه ، وهذا قول لابن عمر ، وابن عباس ، وابن مسعود ومجاهد رضي الله عنهم ، فقوله (لمن اتقى) أي إذا اجتنبوا ما أمر الله باجتنابه ، وفعلوا ما أمر الله بفعله . قوله : ( خرجَ قبلَ الغروبِ ) اشترط المؤلف لجواز التعجل أن يخرج قبل الغروب ، فلا تغرب عليه الشمس وهو بمنى ، و إليه ذهب عامة أهل العلم رحمهم الله ، فإن غربت وهو بمنى فلا يجوز له التعجل . اشتراط التعجل قبل غروب الشمس : اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين : القول الأول : أن من أدركه غروب الشمس وهو بمنى ، أقام إلى الغد ، فيرمي من الغد ثم ينفر ، وهو مروي عن عمر ، وابن عمر رضي الله عنهما ، وهو مذهب المالكية ، والشافعية ، والحنابلة . أدلتهم : الدليل الأول : قول الله تعالى {فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ} فقوله تعالى : {فِي يَوْمَيْنِ} {فِي} للظرفية ، والظرف لا بد أن يكون أوسع من المظروف ، فلا بد أن يكون الخروج في نفس اليوم . الدليل الثاني : أن اليوم اسم للنهار ، فمن أدركه الليل فما تعجل في يومين ، وقد غربت عليه الشمس فخرج عن مسمى اليوم ، ولا بد أن يبقى إلى الغد . القول الثاني : أن من أدركه غروب الشمس وهو في منى فله النفر حتى يطلع الفجر من يوم الثالث عشر ، وهذا رأي مجاهد ، ومذهب الحنفية . دليلهم : أنه لم يدخل وقت الرمي من اليوم الآخر ، فجاز له النفر ، كما قبل المغرب ، هذا دليل الحنفية ، عندهم أن وقت الرمي يبدأ من طلوع الفجر . الراجح : هو القول الأول والله أعلم ، وهو الذي دلت عليه آية البقرة ، وأنه لا بد من النفر قبل غروب الشمس ، وإذا غربت عليه الشمس في منى لم يجز له النفر.
عدد الصفحات ٢٥٣مختصر كتاب المناسك 2 فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 95 مسألة : من غربت عليه الشمس وهو في شغل الارتحال ، أو قبل انفصاله عن منى وهو سائر ، كأن يمنعه الزحام ونحوه ، جلس يحمل متاعه ، فهل له النفر؟ اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين : القول الأول : أن من غربت عليه الشمس وهو في شغل الارتحال أو قبل انفصاله عن منى جاز له النفر ، إليه ذهب الشافعية ، وهو اختيار شيخنا ابن عثيمين رحمهم الله . أدلتهم : الدليل الأول : أنه حبس بغير احتيار منه . الدليل الثاني : أنه قد شرع في أسباب الارتحال ، فجاز له الارتحال حينئذ . القول الثاني : أن من غربت عليه الشمس وهو في شغل الارتحال ، أو غربت عليه الشمس قبل الانفصال وهو سائر ، فإنه ليس له النفر ، و إليه ذهب الحنابلة . دليلهم : أدلة أصحاب القول الأول في المسألة السابقة ، الآية {فَمَنْ تَعَجَّلَ}..وأثر عمر وأثر ابن عمر . يقول شيخنا رحمه الله (وظاهر كلامه أنه إذا تأخر عن الغروب ولو لمشقة الخروج قبل الغروب فإنه يلزمه المبيت ، مثال ذلك : رجل هدم خيمته وحمل متاعه على رأسه ، ونزل يريد أن يرمي ويمشي ، ولكن حبسه المسير - تزاحم السيارات أو تزاحم الناس عند الجمرات - فعجز أن يرمي قبل الغروب ، وقدر على الرمي بعد الغروب ، فهل نقول يرمي ويستمر؟ أو نقول يبقى؟ الصواب أنه لا يلزمه البقاء؛ لأن الرجل تعجل وحبس عن الخروج من منى) . الراجح : هو قول الشافعية ، أنه إذا شرع في شغل الارتحال جاز له الدفع . قوله رحمه الله (ومن تعجل) : (من) من ألفاظ العموم ، فهل هذا التعجل يشمل كل أحد؟ يشمل أهل مكة وغيرهم؟ ظاهر كلام المؤلف أنه عام يشمل كل أحد؛ لأنه لم يخص ، لم يقل : إلا أهل مكة . لمن التعجل : هذه المسألة فيها أقوال لأهل العلم : القول الأول : أن التعجل رخصة لكل أحد ، المكي وغيره ، وهو مذهب الحنفية ، والشافعية ، والحنابلة . أدلتهم : الدليل الأول : عموم الآية {فَمَنْ تَعَجَّلَ}.. فالآية لم تقيد ، و (من) من ألفاظ العموم ، فهي للناس عامة . الدليل الثاني : عن عبد الرحمن بن يعمر الديلي ، قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول [الحج عرفة ... أيام منى ثلاثة أيام، فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه، ومن تأخر فلا إثم عليه]أخرجه الخمسة ، وهو صحيح القول الثاني : أن التعجل رخصة لكل أحد إلا لأهل الحرم ، فلا يجوز لهم ، و إليه ذهب عمر رضي الله عنه ، القول الثالث : أن المكي إن كان له عذر جاز لهم النفر ، وإن لم يكن له عذر فلا ينفر ، و إليه ذهب المالكية الراجح : هو القول الأول ، والله أعلم ، أن التعجل عام لكل أحد ، لأن الآية قد جاءت عامة ، فلا تخص إلا بدليل ، وليس ثمة دليل يخصصها ، فتبقى على عمومها ، وليس لأحد أن يخصها إلا بدليل .
عدد الصفحات ٢٥٤مختصر كتاب المناسك 2 فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 96 أفضلية التعجيل والتأجيل : أيهما أفضل؟ هذا مبني على تفسير آية البقرة ، فإن قيل : الآية تدل على أن من تعجل فلا إثم عليه ، ومن تأخر فلا إثم عليه لمن اتقى ، وأن من تأخر فهو أفضل ، فيكون التأخر أفضل ، وأما من قال إن معنى (فلا إثم عليه) أي مغفور له ، ومن تأجل فهو مغفور له ، إذا فعل ما أمر الله به واجتنب ما نهى عنه ، فهنا يستوي الأمران . وهذه المسألة فيها خلاف على قولين : القول الأول : جمهور أهل العلم على أن التأخر أفضل ، و إليه ذهب الحنفية ، والشافعية ، والحنابلة . أدلتهم : الدليل الأول : أنه فعل النبي صلى الله عليه وسلم ، والاقتداء والتأسي به هو الأفضل والأكمل . الدليل الثاني : أنه أكثر عملا . القول الثاني : ذهب المالكية إلى أنهما مستويان . دليلهم : يستدل لهم بتفسير الآية السابقة ، فإنه تقدم رأي ابن عمر، وابن عباس ، وغيرهم ، أن معنى الآية : من تعجل فهو مغفور له لا إثم عليه إن اتقى ، ومن تأخر فهو مغفور له لا إثم عليه إن اتقى، فيكونان على حد سواء الراجح : هو القول الأول ، أن نفي الإثم في الآية ، لا يقتضي المساواة؛ لأن الآية نزلت بسبب ، فإن أهل الجاهلية كان منهم من يؤثم المتقدم ، ومنهم من يؤثم المتأخر ، فجاءت الآية : لا إثم على من تقدم ، ولا إثم على من تأخر لمن اتقى، أي من اتقى فلا إثم عليه ، سواء تقدم أم تأخر ، فالإثم منفي عنه ، وبعضهم يقول : كان أهل الجاهلية يبقون، لأنهم في اليوم الثالث عشر ينشدون الأشعار، ويفتخرون بآبائهم وأجدادهم وتراثهم، فمن بقي في هذا الموضع يفعل ما أمر الله به، ويجتنب ما نهى عنه، وليس جلوسه رياء وسمعة ومفخرة، فهذا لا بأس بجلوسه . قال رحمه الله : وَإلا لَزِمَهُ المبيتُ . أي إن غربت الشمس وهو لم يخرج لزمه المبيت على التفصيل السابق ، وهو الذي عليه جمهور أهل العلم ، وخالف فيه الحنفية ، فرأوا جواز الدفع إلى طلوع الفجر . قال رحمه الله : والرَّميُ من الغَدِ . فيلزمه المبيت والرمي في يوم الثالث عشر، فيرمي الجمرة الصغرى والوسطى والكبرى ، ثم ينصرف إلى مكة قال رحمه الله : إذا أرادَ الخروجَ من مَكَّةَ لم يَخْرُجْ حتى يَطوفَ للوداعِ . إذا انتهى من مناسك الحج فإنه لا يخرج حتى يطوف للوداع وجوبا ، وذلك لوجوبه على الحاج . حكم طواف الوداع : اختلف فيه أهل العلم على قولين : القول الأول : أن طواف الوداع واجب يجبر بدم، وهو رأي ابن عباس ومذهب الحنفية ، والشافعية ، والحنابلة . أدلتهم : الدليل الأول : عن ابن عباس رضي الله عنهما ، أنه قال : (كان الناس ينفرون من كل وجه ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم [لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت] )أخرجه الإمام مسلم .
عدد الصفحات ٢٥٥مختصر كتاب المناسك 2 فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 97 الدليل الثاني : حديث ابن عباس(أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت، إلا أنه خفف عن الحائض) متفق عليه القول الثاني : أن طواف الوداع سنة ، وهو مذهب المالكية ، والشافعية في قول ، ومذهب الظاهرية . دليلهم : أن طواف الوداع لو كان واجبا لما سقط عن الحائض ، ولأمرت ببدل عنه ، فهو كطواف القدوم ، ولأنه تحية البيت ، أشبه طواف القدوم ، فهذا توديع ، وذاك تحية ، والأول سنة ، فليكن الأخير سنة . ونوقش : بأن إسقاط طواف الوداع عن الحائض ، دليل على وجوبه على غيرها ، إذ لو كان ساقطا عن الكل لم يكن لتخصيصها بذلك معنى ، ولذا فالمبيت بمنى ليلة التاسع لا يقال : خفف عن الصنف كذا ، أو من لم يأت فإنه يسقط عنه ، لأنه سنة ، والسنة لا حاجة إلى ذكر أنها تسقط أو لا ، لأنها غير واجبة في الأصل . الراجح : أن طواف الوداع واجب ، ولو تركه فإن عليه دما ، ويترتب عليه مسائل : طواف الوداع نسك أو عبادة مستقلة يؤمر به كل خارج من الحرم اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين : القول الأول : أن طواف الوداع نسك من مناسك الحج ، و إليه ذهب الحنفية ، والمالكية ، والشافعية ، والحنابلة أدلتهم : الدليل الأول : قول النبي صلى الله عليه وسلم [خذوا عني مناسككم]وقوله صلى الله عليه وسلم [ :لتأخذوا عني مناسككم] وقد طاف بالبيت ، وأمر الناس بالطواف بالبيت ، مما يدل على أنه نسك . الدليل الثاني : عن نافع عن ابن عمر ، أن عمر قال (لا يصدِرن أحد من الحاج حتى يطوف بالبيت ، فإن آخر النسك الطواف بالبيت) أخرجه الإمام مالك ، فقوله : (آخر النسك) : نص على أنه نسك . القول الثاني : أن الطواف عبادة مستقلة ، يؤمر بها كل خارج من مكة ، حاجا أو غير حاج ، و إليه ذهب البغوي ، والمتولي ، والرافعي من الشافعية ، وشيخ الإسلام ابن تيمية من الحنابلة ، وهو رأي لبعض المالكية . أدلتهم : الدليل الأول : عن العلاء بن الحضرمي ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال [ :يقيم المهاجر بعد انقضاء نسكه ثلاثا]أخرجه مسلم ، فهذا يدل على أنه ليس من أنساك الحج ، لأنه قال [بعد انقضاء نسكه]فالنسك قد انتهى ، وهو مقيم ، وإذا أراد الخروج من مكة فإنه يؤمر بطواف الوداع . ونوقش : بأن قوله صلى الله عليه وسلم [بعد انقضاء نسكه]المراد انقضاء غالب النسك ، فإن عامة نسكه قد انتهى بخروجه من منى في آخر أيام التشريق ، ولم يبق عليه إلا طواف الوداع . الدليل الثاني : أن طواف الوداع عبادة يؤمر بها كل من خرج من الحرم تعظيما للكعبة ، وتشبيها للخروج من الحرم بالدخول إليه ، فيؤمر بطواف الوداع كما يؤمر بطواف القدوم إذا دخل . ويناقش هذا : بأن الذي يؤمر بطواف القدوم هو الذي أهل بحج ، أو الذي أتى بعمرة ، فيأتي بطواف الوداع ، وأما من دخل مكة بغير إحرام وليس في نسك فإنه لا يؤمر بطواف ، كذلك الخارج ، لا يؤمر به . ثمرة النزاع : أن من رأى أنه عبادة مستقلة ، فإن طواف الوداع يلزم كل خارج من مكة ، من أدى المناسك ومن لم يؤدها . وأما بالنسبة للنية ، فمن قال : هو عبادة مستقلة، فتشترط فيه النية، ومن قال : هو من المناسك لا تشترط النية.
عدد الصفحات ٢٥٦مختصر كتاب المناسك 2 فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 98 قوله : (فإذا أرادَ الخروجَ من مَكَّةَ ) ظاهر كلام المؤلف أن كل من خرج من مكة يلزمه طواف الوداع ، حتى لو كان من أهل الحرم ، فلو فرضنا أنه ساكن في مزدلفة ، أو جهة الحديبية ، فيلزمه أن يطوف طواف الوداع. الذي يلزمه طواف الوداع : هذه المسألة مما وقع فيه الخلاف بين السلف على أقوال : القول الأول : أن طواف الوداع يجب على كل خارج من الحرم ، أما أهل مكة والحرم فلا طوافَ وداع عليهم ، وهذا رأي الثوري ، وقياس قول الإمام مالك رحمه الله ، ومذهب الحنابلة . أدلتهم : الدليل الأول : قول النبي صلى الله عليه وسلم [لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت] . الدليل الثاني : أنه خارج من مكة ، فلزمه التوديع كالبعيد ، أما حاضري المسجد الحرام ، فلا طواف عليهم . القول الثاني : أن طواف الوداع يجب على كل من كان أهله فوق مسافة القصر ، و إليه ذهب البغوي رحمه الله دليلهم : أن من كان دون مسافة القصر في حكم الحاضر ، لأنه لا يجوز لهم أن يقصروا الصلاة ، ولا أن يفطروا ، فهم كالحاضر في المكان ، فالتحديد هنا بمسافة القصر ، وبناء على هذا القول : أهل جدة لا طواف وداعٍ عليهم ، وكذا أهل الطائف ، أما على القول الأول (أهل الحرم وأهل مكة) فإنه يلزم أهل جدة الطواف والطائف ، ومن خارج الحرم من جهة جدة ، بحرة ونحوها ، فإنه يلزمهم أن يطوفوا طواف الوداع . القول الثالث : أن طواف الوداع واجب على كل من أراد الخروج إلى وطنه ، سواء كان أهله في الحرم ، أم فوق ذلك ، وهو القول الصحيح عند الشافعية ، حتى لو كان أهله في الحرم ، يلزمه أن يطوف طواف الوداع . القول الرابع : أن طواف الوداع واجب على من كان منزله وراء المواقيت ، و إليه ذهب الحنفية رحمهم الله ، لأن من كان دون المواقيت معدود من حاضري المسجد الحرام ، بدليل سقوط دم المتعة عنه ، وهذا القول يلزم منه أن يسقط الطواف عن من كان جهة قرن المنازل ، بعد قرن المنازل يجب عليه طواف الوداع ، ومن كان دون ذي الحليفة على بعد 350 كم ، لا يجب طواف الوداع عليه ، فهنا وجب على القريب ، وسقط عن البعيد. الراجح : القول الأول والله أعلم ، أن طواف الوداع يجب على من كان أهله خارج مكة وخارج الحرم ، أما من كان من أهل مكة ومن أهل الحرم فلا يجب عليهم طواف الوداع؛ لأنهم من حاضري المسجد الحرام ، وأما من سواهم فيجب عليهم. وقت طواف الوداع : قال المؤلف (فإن أراد الخروج) هذا فيه إشارة إلى وقت طواف الوداع ، وأنه يكون عند إرادة الخروج من مكة بعد الانتهاء من أعمال النسك ، وإليه ذهب المالكية ، والشافعية ، والحنابلة . دليلهم : حديث ابن عباس ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال [ :لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت]وفي الحديث الآخر (أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت ، إلا أنه خفف عن الحائض) . القول الثاني :أن بدء وقت طواف الوداع يكون بعد طواف الزيارة ، إذا كان عازما على السفر ، ولو بقي بعد انتهاء المناسك شهرا أو شهرين ، والأفضل عندهم أن يقع قبل السفر، وإليه ذهب الحنفية.
عدد الصفحات ٢٥٧مختصر كتاب المناسك 2 فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 99 أدلتهم : الدليل الأول : أن طواف الوداع عبادة فعلت في وقتها ، فلا حاجة إلى إعادتها . الدليل الثاني : أن المراد بقول النبي صلى الله عليه وسلم [لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت]المراد به : آخر عهده بالبيت نسكا لا إقامة ،آخر عهده] المراد أفعال المناسك، وليس المراد الإقامة، فالحديث محمول على الاستحباب لا على الوجوب الراجح : هو القول الأول وأن طواف الوداع يكون آخر الأعمال ، لصراحة الأحاديث في ذلك ، ولأن المقصود من الطواف هو توديع البيت ، فيودع ثم ينصرف ولا يبقى بعد التوديع شهرا أو شهرين أو ثلاثة كما يقول الحنفية . قوله : (فإذا أراد الخروج..) : ما ضابط الخروج؟ بعض الناس قد يطوف طواف الوداع ، ويكون مرهقا متعبا ، فيحتاج إلى أن ينام خارج مكة ، أو أن ينام في أطراف مكة ، فما هو ضابط الخروج؟ متى يعتبر خارجا من مكة ، ولا يلزمه إعادة الطواف مرة أخرى؟ هذه من المسائل التي يحتاج إليها الناس كثيرا ، ويكثر سؤالهم وفعلهم لها ، فإن الحاج يخرج بعد طواف الوداع والزحام الذي فيه ، ويكون متعبا مرهقا غالبا ، فيحتاج إلى أن يبيت في أطراف مكة ، أو قريبا منها ، ثم يمضي إذا أصبح ، ويكون هذا في الليل غالبا . ضابط الخروج من مكة : هذه المسألة يمكن أن تخرج على مسألة أخرى، وهي: أن الحائض والنفساء خفف عنهن في ترك طوا ف الوداع فإذا طهرت إحداهن، ذكر العلماء أنها تعود وتطوف، واختلفوا، متى يلزمها العود؟ خلاف على ثلاثة أقوال : القول الأول : أنه يلزمها طواف الوداع والعود ما لم تفارق بنيان مكة ، فإذا فارقت البنيان لم يلزمها العود ، و إليه ذهب الشافعة في أصح الوجهين ، وهو المذهب عند الحنابلة . أدلتهم : الدليل الأول : أن من لم يفارق البنيان في حكم المقيم ، ولذا لا يترخص برخص السفر ، ولا يقصر الصلاة ، ولا يفطر في رمضان ،فحكمه كالمقيم ، فإذا طهرت الحائض قبل أن تفارق البنيان لزمها أن تعود. الدليل الثاني : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :[ف ينفرن حتى يكون آخر عهده بالبيت] ،والذي ينفر هو الذي يخرج عن البنيان ، وأما إذا لم يفارق البنيان بعد فإنه لا يسمى نافرا . فالحكم معلق بالنفر . القول الثاني : أن طواف الوداع والعود يلزمها إن طهرت قبل مسافة القصر ، وأما بعد ذلك فلا ، و إليه ذهب الحنفية ، والشافعية في قول ، وذكروا أن من دون مسافة القصر في حكم المقيم . القول الثالث : أنه يلزمها العود والطواف ما لم تخرج من الحرم ، و إليه ذهب الثوري رحمه الله ، فعلق الحكم بالخروج من الحرم ، و إليه ذهب الشافعية في أحد الوجهين إن عُلق الحكم بغير مسافة القصر . دليلهم : يمكن أن يستدل لهم بأن من في الحرم حكمه حكم من كان في مكة ، فيلزمه أن يعود . الراجح : أنه يلزم الحائض العود ما لم تفارق البنيان ، فإذا فارقت البنيان لا يلزمها العود ، فمن فارق البنيان فهو في حكم المسافر الضارب في الأرض ، كما تقدم في أحكام السفر (إذا فارق عامر قريته وخيام قومه) وينبني على هذا أن الخارج بعد طواف الوداع إذا فارق عامر مكة يجوز له أن يبيت خارج البنيان ، وقبل ذلك ليس له المبيت .
عدد الصفحات ٢٥٨مختصر كتاب المناسك 2 فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 100 ذكر ابن القاسم رحمه الله نقلا عن صاحب الفروع (فإن ودع ثم أقام بمنى ولم يدخل مكة فيتوجه جوازه) لأن منى في ذلك الزمان لم تكن داخل مكة ، لم يكن البنيان متصلا إليها ، أما الآن فقد اتصل ، لذلك ليس له الحق في هذا الوقت أن يبيت في منى إذا طاف طواف الوداع ، لأنها أصبحت حيا من أحياء مكة . إذا أقام بعد طواف الوداع : قال رحمه الله : فإن أَقامَ أو اتَّجَرَ بعدَه أَعادَهُ . إذا أقام بعد طواف الوداع لزمه أن يعيد الطواف مرة أخرى؛ لأنه لا بد أن يكون الطواف آخر أعماله ، وتقدم في هل يجوز له البقاء بعد الطواف أو لا؟ الجمهور أنه لا يبقى بعد طوافه ، وإن بقي فإنه يلزمه إعادة الطواف ، والحنفية يرون إذا طاف بعد طواف الزيارة بنية الذهاب ، فإنه لو بقي شهرا أو شهرين أو ثلاثة فإنه لا يضره ، والراجح أنه إن أقام فإنه يعيد الطواف مرة أخرى؛ لأنه لا يسمى من بقي بعد الوداع مودعا في عرف الناس . استثنى العلماء رحمهم الله ، لو أقام لانتظار رفقة ، أو أقام بسبب عذر ، كعطل سيارته فأصلحها ، أو أقام لمرضه ، أو أقام لأن بعض من معه زُحم فلم يستطع الطواف ، ففي هذه الحالات لا يضره ، حتى لو بقي يوما أو يومين أو أكثر من ذلك؛ لأن حبسه هنا بغير اختياره ، فلا يحتاج إعادة الطواف ثانية . يحدث أحيانا أن يكون الحاج مرتبطا بحملة ، والحملة فيها أناس كثر ، فيطوف طواف الوداع ، ثم إذا أراد أن ينصرف تنتظر الحملة الناس حتى يجتمعوا ويتكاملوا ، ومنهم من يتأخر لساعتين أو ثلاث أو أربع ، ثم يقدمون بعد ذلك ويتجمعون ويمضون ، في هذه الحال لا يضره البقاء هذه المدةَ . قوله : (فإن أَقامَ أو اتَّجَرَ بعدَه أَعادَه ) ظاهر كلام المؤلف أنه إن أقام قليلا أو أقام كثيرا ، فإنه يعيد الطواف مرة أخرى ، فعبارة المؤلف مطلقة ، فإذا أقام بعده ولو كانت مدة الإقامة يسيرة من غير حاجة لزمته الإعادة . قوله : (أو اتجر) : لو أنه اشترى شيئا أو باع شيئا من أجل التجارة فإنه يعيده ، ومفهوم كلام المؤلف رحمه الله أنه لو اشترى شيئا لغير التجارة ، لحاجته في سفره ، أو بعد وصوله إلى بلده ، فإنه لا يضره ، ولا يعيده ، كما لو اشترى زادا يأكله في الطريق ، أو اشترى متاعا يستخدمه في سفره ، أو اشترى هدايا أو نحو ذلك ، ومثله لو دخل إلى الفندق ليحمل المتاع إلى سيارته ، فإنه لا يضره بقاؤه، كما نقل ذلك عن شيخ الإسلام رحمه الله . قال رحمه الله : وإن تَرَكَه غيرُ حائضٍ رَجَعَ إليه . المؤلف قيده بغير الحائض؛ لأن الحائض قد خفف عنها بترك الطواف ، وكذا النفساء ، فلا يلزمهما أن يعودا إلى مكة ، الذي يعود هو الذي ترك الطواف جهلا أو نسيانا أوعمداً . قوله : (فإن تركه غير حائض) : هذا يشمل ما لو تركه عالما أو جاهلا، أو ناسيا، أو مكرها، فإنه يلزمه أن يعود للطواف، فإن لم يعد فعليه دم؛ لتركه واجباً لأثر ابن عباس (من ترك شيئا من نسكه أو نسيه فليهرق دماً ). لكن هل يلزمه أن يعود أو لا؟ المؤلف يقول : يلزمه أن يرجع ، وإن رجع سقط عنه الدم، لكن الفقهاء قيدوا الرجوع هذا بألا يكون قد بعد، لأن البعيد قد استقر الدم في ذمته ، لكنهم اختلفوا رحمهم الله في مقدار البعد . مقدار البعد للخارج من مكة : اختلف العلماء في هذه المسألة على ثلاثة أقوال : القول الأول : أن البعيد من تجاوز الميقات ، فإن لم يكن قد تجاوز الميقات فليس ببعيد ، و إليه ذهب الحنفية .
عدد الصفحات ٢٥٩مختصر كتاب المناسك 2 فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 101 دليلهم : أن من دون المواقيت ترك طوافا واجبا أمكنه أن يأتي به من غير حاجة إلى تجديد إحرام ، فيجب عليه الرجوع القول الثاني : أن البعيد هو من تجاوز مسافة القصر ، و إليه ذهب الشافعية ، والحنابلة ، وهو رأي عطاء . أدلتهم : الدليل الأول : أن من دون مسافة القصر في حكم الحاضر المقيم ، فيلزمه أن يعود ، ولذا لا يقصرون الصلاة ، ولا يترخصون برخص السفر عموما ، فيلزمهم العود . الدليل الثاني : قالوا (إن عمر رضي الله عنه رد رجلا من مر الظهران) أخرجه الإمام مالك، والأثر ضعيف. القول الثالث : أن من كان في الحرم فهو قريب ، ومن خرج من الحرم فهو بعيد ، و إليه ذهب الإمام الثوري . دليله : يمكن أن يستدل له بأن من كان في الحرم فهو من حاضري المسجد الحرام ، فإذا خرج فهو بعيد . الراجح : أن من تجاوز مسافة القصر فهو بعيد ، ومن كان دون مسافة القصر فهو قريب ، وإن كان الإنسان قد يجد تناقضا في بعض الأقوال ، قد يقول قائل : في مسالة الحائض علق الحكم بالخروج من مكة ومفارقة البنيان ، وهنا علق الحكم بمسافة القصر ، قد ينفصل الإنسان بجواب ، ويقول : إن الحائض قد خفف عنها ، فالأصل التخفيف عنها وعدم إيجاب العبادة عليها ، فإذا فارقت بنيان مكة اعتبرت ضاربة في الأرض مسافرة ، فلا يلزمها الحكم ، لوجود التخفيف في الأصل ، أما هذا فلا يعامل بالرخصة؛ لأنه قد ترك واجبا ، فإذا كان قد ترك الواجب ألزم بالعود ، ما لم يصل إلى مسافة القصر ، فإن تجاوزها فهو بعيد . قال رحمه الله : فإن شَقَّ أو لم يَرْجِعْ فعليه دَمٌ . إن شق عليه الرجوع ، لكونه مرتبطا بحملة مثلا ، أو ليس عنده مال يرجع به ، أولا يستطيع العود إلى مكة ،أو قال : أنا لن أرجع ، وسأذبح ذبيحة وأوزعها على الفقراء في مكة لترك هذا الواجب ، فعليه دم؛ لأثر ابن عباس المشهور (من ترك شيئا من نسكه أو نسيه فليهرق دما) وهو قد ترك شيئا من نسكه أو نسيه ، فعليه دم . سقوط الدم عن البعيد إذا رجع : لو أن البعيد الذي تجاوز مسافة القصر - على القول بهذا الحد - أو على قول الحنفية : من تجاوز الميقات ، لو أنه رجع وطاف طواف الوداع ، هل يسقط الدم عنه أو لا؟ اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين : القول الأول : أن من كان بعيدا ورجع فإن الدم لا يسقط عنه، و إليه ذهب الشافعية في الأصح، ومذهب الحنابلة دليلهم : أن الدم قد استقر في ذمته ببلوغ مسافة القصر على القول بتحديده ، مثل من تجاوز الميقات وأحرم من دون الميقات ، ثم رجع إلى الميقات ، فإن الدم يستقر في ذمته ، ولا يسقط عنه . القول الثاني : أنه إذا رجع البعيد وطاف طواف الوداع فإن الدم يسقط عنه ، و إليه ذهب الحنفية ، والشافعية في قول ، والحنابلة في قول ، وقال الحنفية : إن بعد فالأولى عدم العود . أدلتهم : الدليل الأول : أنه واجب أتى به فلم يجب عليه بدله كالقريب . الدليل الثاني : أنه ترك طوافا غير مؤقت بوقت ، وأمكنه أن يأتي به، فسقط عنه ما وجب من الدم لترك الواجب وبناء على القول باستقرار الدم في ذمته ، يقال : إذا كان بعيدا أو رجع إلى بلده ، فإن الدم يستقر في ذمته ، وأما إن رجع من قرب فإنه لا يجب الدم
عدد الصفحات ٢٦٠