مختصر كتاب المناسك 2 فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 70 لا خلاف بين أهل العلم رحمهم الله ، على أن من قدم الحلاق على الرمي والنحر ، أو قدم النحر على الرمي ، فإن حجه صحيح ومجزئ ، لكن هل عليه دم أم لا؟ اختلفوا . وتقديم الحلاقة على الرمي والنحر إما أن يكون نسيانا ، و إما يكون على سبيل العلم والعمد ، ولكل حكم . الإخلال بترتيب أنساك يوم النحر لعذر : اختلف العلماء في هذه المسألة على ثلاثة أقوال : القول الأول : أن من قدم الحلق أو النحر على الرمي جاهلا أو ناسيا فلا شيء عليه ، وهذا رأي طائفة من السلف والتابعين، وهو رأي أبي يوسف، ومحمد بن الحسن من الحنفية، ومذهب المالكية ، والشافعية ، والحنابلة أدلتهم : الدليل الأول : عن عبد الله بن عمرو بن العاص : (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف في حجة الوداع بمنى للناس يسألونه ، فجاءه رجل فقال لم أشعر فحلقت قبل أن أذبح؟ فقال (اذبح ولا حرج) فجاء آخر فقال لم أشعر فنحرت قبل أن أرمي؟ قال (ارم ولا حرج) فما سئل النبي صلى الله عليه و سلم عن شيء قدم ولا أخر إلا قال (افعل ولا حرج)) متفق عليه ، قوله (لم أشعر) دل على أن من قدم أو أخر ناسيا أو جاهلا فلا شيء عليه . نوقش : بأنه قد جاء الحديث بدون ذكر لفظة (لم أشعر) . الدليل الثاني : أن الخطأ والنسيان في الشرع معفو عنه ، فمن قدم الحلاقة على الرمي والنحر فلا شيء عليه . القول الثاني : أنه إذا قدم الحلق أو النحر على الرمي جاهلا أو ناسيا فعليه دم بكل حال ، وهو مذهب الحنفية دليلهم : يمكن أن يستدل لهم بأنه خالف الفعل الواجب ناسيا ، وابن عباس رضي الله عنهما يقول في الأثر المشهور (من نسي شيئا من نسكه أو تركه فليهرق دما) . القول الثالث : أنه إذا قدم الحلق على الرمي فعليه دم ، وإن قدمه على النحر فلا شيء عليه ، و إليه ذهب مالك دليلهم : الإجماع على أن الحاج ممنوع من حلق شعره قبل التحلل الأول، ولا يحصل التحلل الأول إلا برمي جمرة العقبة، فلا يجوز له أن يحلق قبل أن يرمي؛ لأنه إذا حلق قبل أن يرمي كان قد فعل محظورا من محظورات الإحرام ، وأما النحر فلا يضر أن يحلق قبل أن ينحر؛ لأن المأمور به أن يبلغ الهدي محله . الراجح : هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول ، أن من حلق قبل أن ينحر ، أو حلق قبل أن يرمي فلا شيء عليه. الإخلال بترتيب الأنساك عمدا : الأنساك التي يتكلم عنها ثلاثة (الحلق والرمي والنحر) إذا قدم بعضها على بعض متعمدا ففي المسألة خلاف : القول الأول: أن من قدم الحلق أو النحر على الرمي متعمدا لا شيء عليه، وإليه ذهب المالكية، والشافعية والحنابلة أدلتهم : الدليل الأول : حديث ابن عباس رضي الله عنهما (أن النبي صلى الله عليه وسلم ، قيل له يوم النحر وهو بمنى ، في النحر والحلق والرمي والتقديم والتأخير ، فقال (لا حرج)) متفق عليه .
عدد الصفحات ٢٢٩مختصر كتاب المناسك 2 فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 71 الدليل الثاني : حديث عبد الله بن عمرو (أتى النبي صلى الله عليه و سلم رجل فقال : حلقت قبل أن أذبح قال [ :فاذبح ولا حرج] قال : ذبحت قبل أن أرمي قال [ :ارم ولا حرج] متفق عليه ، فالحديث جاء مطلقا ، لم يقيد بالنسيان ، لم يقل السائل : لم أشعر ، نسيت . نوقش : بأنه جاء في الروايات الأخرى التقييد بالنسيان ، لذا قال الأثرم (سمعت الإمام أحمد رحمه الله ، يسأل عن رجل حلق قبل أن يذبح ، فقال : إن كان جاهلا فليس عليه دم ، وأما مع التعمد فلا. القول الثاني :أن من قدم الحلق أو النحر على الرمي متعمدا عليه دم، مذهب الحنفية، الحنابلة في رواية ،ومالك أدلتهم : الدليل الأول : قول الله تعالى {وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ} حيث نهى عز وجل أن يحلق الحاج رأسه حتى يبلغ الهدي محله ، ومن حلق قبل ذلك فقد خالف . نوقش : بأن من حلق يوم النحر قبل أن ينحر فقد حلق بعد أن بلغ الهدي محله؛ لأن المراد بالمحِل زمن حلوله ، والهدي يحل في يوم النحر ، وزمن ذبحه هو يوم النحر ، فمن حلق لم يخالف الآية . الدليل الثاني : أن النبي صلى الله عليه وسلم ، فعل هذه الأنساك مرتبة ، وقال [خذوا عني مناسككم]ومن لم يفعل فقد خالف النبي صلى الله عليه وسلم ، فعليه دم . ونوقش : بأن الذي فعل هذه المناسك ورتبها ، قال لما سئل [لا حرج]ونفى الحرج عمن قدم وأخر . الراجح : القول الأول : أن من قدم الحلق على الرمي ، أو على النحر ، أو قدم النحر على الرمي فلا شيء عليه . تقديم طواف الإفاضة على الأنساك الثلاثة : لو أنه قدم طواف الإفاضة على الحلق والرمي والنحر فما حكم فعله؟ اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين القول الأول : أنه يجوز تقديم طواف الإفاضة على الحلق والرمي والنحر ، و إليه ذهب كثير من أهل العلم ، فهو رأي عطاء ، وأبي ثور ، وإسحق ، و مذهب الحنفية ، والشافعية ، والحنابلة ، والظاهرية . أدلتهم : الدليل الأول : عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما ، (ما سئل النبي صلى الله عليه وسلم ، عن شيء قدم ولا أخر إلا قال [ :افعل ولا حرج] )متفق عليه ، فهو شامل لطواف الإفاضة مع هذه الأشياء الثلاثة . الدليل الثاني : حديث ابن عباس رضي الله عنهما ، وهو حديث صريح ، أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم (زرت قبل أن أرمي ، قال [ :لا حرج] )أخرجه الإمام البخاري . القول الثاني : أن من طاف قبل أن يرمي أو ينحر أو يحلق، لم يجزئه، وهذا مروي عن ابن عمر، والإمام مالك دليلهم : أثر عن ابن عمر رضي الله عنهما ، يرى أن من طاف أعاد الطواف مرة أخرى ، يأتي بالرمي والنحر والحلق ، ثم يطوف طواف الإفاضة مرة أخرى . القول الثالث : أن من طاف قبل أن يرمي أو ينحر أو يحلق متعمدا فعليه دم ، وإليه ذهب الإمام احمد في رواية. دليلهم : هي أدلتهم في المسألة السابقة في تقديم الحلق أو النحر على الرمي .
عدد الصفحات ٢٣٠مختصر كتاب المناسك 2 فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 72 الراجح : أن من قدم طواف الإفاضة على هذه الثلاثة أنساك ، النحر والرمي والحلق ، فلا شيء عليه ، وذلك لصراحة الأدلة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم ، [لا حرج] )و قول لأحد مع قوله صلى الله عليه وسلم قال رحمه الله : ثم قَدْ حَلَّ له كلُّ شيءٍ إلا النساءَ . التحلل على نوعين : النوع الأول : التحلل الأصغر . النوع الثاني : التحلل الأكبر . ويطلق عليهما التحلل الأول والثاني . أسباب التحلل الأول : المؤلف ذكر الرمي ثم ذكر الحلق ، وقال : إذا حلق تحلل ، وهذا المذهب ، ويضيفون أنه لو رمى وطاف أو حلق وطاف ، فإنه يتحلل التحلل الأول ، فيحصل التحلل باثنين من ثلاثة ، الاثنان : الرمي والحلق ، أو الطواف ؛ لأنه إذا كان الطواف يحصل به التحلل الأكبر ، فلأن يحصل به التحلل الأصغر من باب أولى . تقدم أن النحر لا علاقة له بالتحلل مطلقا؛ لأن من الحجاج من لا هدي عليه ، كالمفرد . بم يحصل التحلل الأول اختلف العلماء في هذه المسألة على ثلاثة أقوال : القول الأول : أنه إذا فعل اثنين من ثلاثة حل التحلل الأول ، وهي : الرمي والحلق والطواف ، هذا رأي ابن عباس ، وابن الزبير ، وعائشة رضي الله عنهم ، ، وهو مذهب الشافعية والمذهب عند الحنابلة . أدلتهم : الدليل الأول : عن عائشة رضي الله عنها ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال [ :إذا رميتم وحلقتم ، فقد حل لكم الطيب والثياب ، وكل شيء إلا النساء]أخرجه الإمام أحمد ، وهو ضعيف ، ضعفه البيهقي وأعل بالاضطراب الدليل الثاني : عن عائشة رضي الله عنها - وهو دليل قوي - قالت : (طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم لإحرامه حين أحرم ولحله قبل أن يطوف بالبيت) متفق عليه ، مفهومه : أن النبي صلى الله عليه وسلم ، قد حل قبل أن يطوف ، وهذا يحصل إذا رمى وحلق ، فإذا رمى وحلق فقد حل ، ويضاف له الطواف . الدليل الثالث : عن ابن عمر ، قال : (إذا رمى وحلق فقد حل له كل شيء ، إلا النساء والطيب) أخرجه النسائي عندهم أدلة ، الأول ضعيف ، والثاني صحيح ، والثالث صحيح ، الثاني قوي جدا ، وهو حديث عائشة . القول الثاني : أنه يحصل التحلل الأول بالرمي والحلق ، والتحلل عندهم مرتبط بالحلق أو التقصير ، وهم يشترطون الترتيب بين الأفعال ، يرمي أولا ، ثم يحلق ثانيا ، وهذا مذهب الحنفية رحمهم الله . دليلهم : أن الحلق هو سبب التحلل دون الرمي والطواف ، لأن التحلل من العبادة هو الخروج منها ، فالتحلل مرتبط بالحلق ، يرمي ثم يحلق ، ولا بد من الترتيب عندهم ، فلو رمى ثم طاف ، لا يحل حتى يحلق . القول الثالث : أنه يحصل التحلل الأول برمي جمرة العقبة فقط ، وهذا القول مروي عن طائفة من الصحابة ، ومذهب المالكية ، والشافعية في قول والحنابلة في رواية . أدلتهم : الدليل الأول : عن عائشة رضي الله عنها ، قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم [ :إذا رمى أحدكم جمرة العقبة فقد حل له كل شيء إلا النساء]أخرجه أبو داود ، وفي إسناده حجاج بن أرطأة ، لكن له شاهد يصححه.
عدد الصفحات ٢٣١مختصر كتاب المناسك 2 فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 73 الدليل الثاني : عن أم سلمة رضي الله عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( [إن هذا اليوم رخص لكم إذا أنتم رميتم الجمرة أن تحلوا]يع من كل ما حرمتم منه إلا النساء) أخرجه الإمام أحمد رحمه الله وأعل هذا الحديث ، وقيل إنه شاذ . إذن الأقوال الثلاثة : 1- اثن من ثلاثة . 2- الرمي ثم الحلق بالترتيب ، والمدار على الحلق فقط . 3- الرمي فقط . إذا نظرت إلى أدلة أصحاب القول الثالث تجد أنها أدلة قوية جدا ، ودلالتها واضحة وبينة ، وإذا نظرت إلى حديث عائشة في الصحيحين (ولحله قبل أن يطوف بالبيت) ترى أن فيه وجه دلالة على أن الحل يكون بالرمي والحلق ، لذا كان شيخنا رحمه الله يقول : يحصل بهذين (الرمي والحلق) بناء على حديث عائشة . الراجح : هو القول الثالث، أن التحلل يحصل بالرمي فقط، لكن الأحوط ألا يحل حتى يرمي ويحلق، كان الشيخ بن باز رحمة الله يقول (وهو الأحوط) لكن القول الثالث من ناحية النص أقوى لا شك . ما يحل بالرمي : اختلف العلماء في هذه المسألة على ثلاثة أقوال : القول الأول : أنه يحل له كل شيء إلا النساء ، وهومذهب الحنفية ، والشافعية ، والحنابلة. دليلهم : الأحاديث السابقة ، التي جاء فيها التصريح بأنه يحل له كل شيء إلا النساء . القول الثاني : أنه يحل له كل شيء إلا النساء والطيب والصيد ، و إليه ذهب الإمام مالك رحمه الله . أما الصيد فلقوله تعالى {لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} قال رحمه الله : وهو لا يزال محرما حتى يحل التحلل الثاني ، وأما الطيب والنساء فلقول عمر (إذا جئتم منى فمن رمى الجمرة فقد حل له ما حرم على الحاج ، إلا النساء والطيب ، لا يمس نساء ولا طيبا حتى يطوف بالبيت) في الأثر الذي أخرجه الإمام مالك رحمه الله . القول الثالث : أنه يحل له كل شيء إلا النساء والطيب ، وهو رأي عمر ، وابن عمر ، وعروة بن الزبير . أدلتهم : الدليل الأول : أثر عمر السابق ، قال (لا يمس أحد نساء ولا طيبا حتى يطوف بالبيت) . الدليل الثاني :عن ابن عمر قال (إذا رمى وحلق فقد حل له كل شيء إلا النساء والطيب) رواه النسائي وهو صحيح الراجح : القول الأول للأحاديث الصحيحة، فيمتنع عليه أمر النساء فقط ،وما يتعلق بالنساء يشمل دواعي الجماع من القبلة والمباشرة ، والكلام ، والمس ، ويشمل العقد على النساء ، يحرم عليه العقد بعد التحلل الأول . العقد بعد التحلل الأول : هذه المسألة فيها خلاف على قولين : القول الأول : أنه يجوز العقد على المرأة بعد التحلل الأول ، و إليه ذهب الحنفية، واختيار ابن تيمية رحمه الله القول الثاني : جمهور العلماء أنه يحرم عليه الجماع ، ومقدمات الجماع ، والعقد ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال [لا ينكح المحرم ولا يُنكح ولا يخطب]وهو محرم حتى يحل التحلل الثاني ، وهذا ينبغي الاحتياط فيه؛ لأنه إذا تزوج قبل التحلل الثاني ، على رأي الجمهور يكون عقده فاسدا ، ويحتاج إلى تجديد العقد مرة أخرى .
عدد الصفحات ٢٣٢مختصر كتاب المناسك 2 فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 74 فصل في حكم طواف الإفاضة والسعي قال رحمه الله : ثم يُفيضُ إلى مَكَّةَ . أي : يذهب من منى إلى مكة؛ لأنه سيفيض من عرفات إلى مزدلفة ، ومن مزدلفة إلى منى ، بعد أن يرمي جمرة العقبة ، وينحر ويحلق ، يذهب ضحى يوم النحر إلى مكة ، ليطوف طواف الإفاضة . يفيض : مأخوذ من قولهم : أفاض الحجاج ، أي أسرعوا في دفعهم من مزدلفة ورجوعهم من منى إلى مكة . أسماء طواف الإفاضة : طواف الإفاضة . طواف الزيارة . طواف الصِّدْر (الصدر من منى) . طواف النساء؛ لأن المرأة تصبح حلالا بعده . طواف الفرض . طواف الركن . الحاج إذا قدم مكة قارنا أو مفردا ولم يطف طواف القدوم حتى ذهب إلى عرفة ، هل يطوف طواف القدوم بعد أن يرجع من عرفة أو لا؟ وكذا المتمتع ، الراجح هو قول جماهير أهل العلم ، أن ليس عليه طواف القدوم ، والإمام أحمد رحمه الله ، ذهب إلى أن على المتمتع طواف قدوم ، والراجح قول جمهور العلماء لأنه لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم ، ولا عن أصحابه الذين تمتعوا معه في حجة الوداع ، ولا أمر به أحدا) . قال رحمه الله : ويَطوفُ القارِنُ والمُفْرِدُ بنِيَّةِ الفريضةِ طوافَ الزيارةِ . انظر إلى قوله (طواف الزيارة) ذكر اسمين له ، ليبين أن له أكثر من اسم . يطوف القارن والمفرد والمتمتع طواف الإفاضة؛ لأن طواف المتمتع الأول ، إنما هو طواف عمرة ، فلا علاقة له بطواف الزيارة ، وسمي إفاضة؛ لأن الناس يأتون به عقب الإفاضة من منى إلى مكة . قوله : (بنية الفريضة) : هل يشترط تعيين نية الطواف ، وأنه فريضة ،خلاف على قولين : القول الأول : أنه يشترط نية طواف الفريضة وأنه طواف إفاضة ، والشافعية في وجه ، والمذهب عند الحنابلة واستدلوا بقول النبي صلى الله عليه وسلم [إنما الأعمال بالنيات ، وإنما لكل امرئ ما نوى]ف بد من نية العبادة القول الثاني : أنه لا تشترط نية التعيين والفرضية ، فلو طاف الحاج يوم النحر ، وقع عن طواف الإفاضة ، ولو طاف حين قدم مكة وهو مفرد أو قارن ، فإنه يقع عن طواف القدوم ، ولو طاف حين قدم مكة وهو متمتع ، فإنه يقع عن طواف العمرة ... الخ ، وهو مذهب الحنفية ، والمالكية ، والشافعية في وجه ، والحنابلة في رواية وتعيين نوع الطواف يشق على الناس مشقة بالغة فعوام الناس لا يدري ، هل هذا طواف إفاضة أو لا؟ وكذلك قالوا : النية في أول الحج تشمل جميع المناسك ، الطواف والسعي والرمي ، لكن المشكلة إذا نوى شيئا بدل شيء ، فلو نوى بطواف الإفاضة طواف الوداع ، أو أخر طواف الإفاضة مع الوداع ، فنوى طواف الوداع ولم ينو الإفاضة ، هذا الإشكال. الراجح : هو القول الثاني لما ذكر من أدلة والله أعلم . حكم طواف الإفاضة : طواف الإفاضة ركن من أركان الحج ، دل على ذلك الكتاب والسنة والإجماع . الكتاب : قوله تعالى {ثُمََّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ} والطواف هنا طواف الإفاضة إجماعا .
عدد الصفحات ٢٣٣مختصر كتاب المناسك 2 فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 75 السنة : عن عائشة رضي الله عنها ، قالت (حاضت صفية بنت حيي رضي الله عنها بعدما أفاضت ، فذكرت حيضها للنبي صلى الله عليه وسلم ، فقال [أحابستنا هي؟ قالت : فقلت يا رسول الله ، إنها قد كانت أفاضت ، وطافت بالبيت ، ثم حاضت بعد الإفاضة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم [فلتنفر إذاً ] )قوله (أحابستنا هي؟) دليل على أن هذا الطواف يحبس الإنسان ، ولا يحبس الناس إلا ما كان ركنا ، فلما كانت قد طافت من قبل ، نفر النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن الحائض يسقط عنها طواف الوداع . الإجماع : أجمع أهل العلم على أن طواف الإفاضة ركن من أركان الحج ، ولا يصح بدونه ، نقل الإجماع على جمع من أهل العلم ، منهم ابن المنذر ، وابن عبدالبر ، وابن حزم ، وابن رشد ، والنووي ، وابن قدامة ، وابن تيمية . قال المؤلف رحمه الله : وأَ وَّلُ وقتِه بعدَ نِصفِ ليلةِ النحْر . وقت طواف الإفاضة يبدأ من بعد منتصف ليلة النحر ، وذلك أنه يجوز للحاج أن يدفع من مزدلفة بعد منتصف ليلة النحر ، كما هو مذهب الشافعية ، والحنابلة . مسألة : بداية جواز طواف الإفاضة : إذا كان يبدأ وقت الرمي من بعد منتصف الليل ، فهل يبدأ وقت طواف الإفاضة من بعد منتصف الليل أو لا ؟ اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين : القول الأول : أن وقت طواف الإفاضة يبدأ من بعد منتصف ليلة النحر ، وهو مذهب الشافعية ، والحنابلة . أدلتهم : الدليل الأول : قول الله تعالى {ثُمََّ لْيَقْضُ وا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ } قالوا إن الله تعالى عطف الطواف على قضاء التفث ، والحاج يجوز له أن يرمي جمرة العقبة بعد منتصف الليل لأنه دفع ، فإذا جاز له الرمي جاز له الطواف للعطف . الدليل الثاني : عن عائشة رضي الله عنها ، قالت : (أرسل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بأم سلمة ليلة النحر ، فرمت الجمر قبل الفجر ، ثم مضت فأفاضت) أخرجه أبو داود ، والدارقطني ، وتكلم فيه أهل العلم ، وهو صريح في أن أم سلمة رضي الله عنها ، رمت الجمر قبل الفجر ثم مضت فأفاضت ، وهي ستصل البيت قبل طلوع الفجر . القول الثاني : يبدأ طواف الإفاضة بعد طلوع الفجر، وهو مذهب الحنفية، والمالكية، والحنابلة في رواية . أدلتهم : الدليل الأول : أن النبي صلى الله عليه وسلم ، طاف بعدما رمى جمرة العقبة ، وجمرة العقبة لا يجوز رميها ولا يبدأ وقت رميها إلا بعد طلوع الفجر ، فهذه المسألة مبنية على مسألة أخرى ، متى يبدأ وقت الرمي؟ فإن قيل : يبدأ من طلوع الفجر لم يجز الطواف إلا بعد طلوع الفجر ، كما أن الرمي لا يجوز إلا بعد طلوع الفجر . الدليل الثاني : أن ما قبل طلوع الفجر وقت للوقوف بعرفة ، والطواف مرتب على الوقوف ، فلا يصح أن يتقدم الطواف على وقته ، ويشغلَ وقت الوقوف بالرمي أو غيره . الراجح : أن وقت الدفع يكون في آخر الليل إذا غاب القمر على الراجح ، وإذا دفع من مزدلفة ، جاز أن يفعل الطواف والرمي والحلق والأنساك التي تفعل في يوم النحر سوى الذبح .
عدد الصفحات ٢٣٤مختصر كتاب المناسك 2 فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 76 ولو نظرت إلى القائلين بهذه المسألة ، لوجدت أنهم يلحقون هذه المسألة بمسألة الدفع من مزدلفة ، فالذين قالوا بالقول الأول (جواز الدفع بعد منتصف الليل) قالوا : يجوز الطواف والرمي بعد منتصف الليل ، والذين قالوا لا يجوز الدفع إلا بعد طلوع الفجر قالوا : لا يجوز له أن يرمي ويطوف إلا بعد طلوع الفجر . قال رحمه الله : وَيُسَنُّ في يَوْمِهِ . يسن أن يطوف طواف الإفاضة في يوم النحر بعد أن يرمى وينحر ويحلق ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ، طاف في يوم النحر ، والمؤلف هنا يبين الوقت المستحب، وقبلُ بين الوقت الجائز، وهذا بالإجماع . قال رحمه الله : وَلهُ تأخيرُهُ . للحاج تأخير طواف الإفاضة، وهو المذهب ، سواء أخره عن أيام التشريق، أم عن شهر ذي الحجة ، أو أخره سنة أو سنتين ، لكنه لا يتحلل الثاني (الكامل) ويبقى على إحرامه حتى يأتي به . حد تأخير طواف الإفاضة : اختلف أهل العلم في ذلك على ثلاثة أقوال : القول الأول : أنه يجوز له تأخيره بلا حد ، و إليه ذهب طائفة من السلف ، فهو رأي عطاء ، وسفيان بن عيينة ، وأبي ثور ، وأبي يوسف ، ومحمد بن الحسن ، والمالكية في رواية ، وهو المذهب عند الشافعية ، والحنابلة. دليلهم : عدم الدليل ، فلم يأت دليل على تحديد المدة التي يجوز التأخير إليها ، فتبقى المسألة على إطلاقها ، ومن جعل له حدا فإنه يطالب بالدليل . القول الثاني : أن آخر وقت طواف الإفاضة هو أيام التشريق ، فلا يجوز أن يؤخر عن أيام التشريق ، وإن أخر عنها فعلى من أخره دم ، وهو مذهب الحنفية رحمهم الله . أدلتهم : الدليل الأول : قول الله تعالى {ثُمََّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ } حيث عطف الله تعالى الطواف على الذبح ، والذبح له أيام مخصوصة ، هي أيام التشريق ، لأن وقت الذبح لا يجوز في غير هذه الأيام . الدليل الثاني : أن الطواف نسك يفعل في الحج ، فكان آخر وقته هو أيام التشريق . القول الثالث : أن آخر وقت طواف الإفاضة هو نهاية شهر ذي الحجة ، و إليه ذهب المالكية ، وابن عثيمين دليلهم : قول الله تعالى {الْحَج أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ} وأقل الجمع ثلاثة ، فأشهر الحج شوال وذو القعدة وذو الحجة ، فلا يجوز أن يؤخر عن هذه الثلاثة أشهر . وأصحاب هذا القول الأخير يبنونها على مسألة أخرى ، وهي : كم أشهر الحج؟ هل هي ثلاثة أشهر كاملة؟ أم شهران وعشرة أيام؟ تقدمت المسألة ، وتقدم أن الآية يراد بها أن الحج يفعل في هذه الأشهر ، ولا يجوز إخراجه عنها ، والمراد بفعله أنه يحرم به فيها ، ومن المعلوم أن الإنسان لا يحرم بالحج بعد ليلة النحر ، فإنه لا يحرم بالحج ، ولا يمكن أن يتصور إحرامه به ، ولذا ذهب طائفة من أهل العلم إلى أن أشهر الحج هي شوال وذو القعدة ، وعشرة أيام من ذي الحجة ، آخرها يوم النحر ، وما بعدها ليس من أشهر الحج ، وهذا قول له وجه ، لأنه ليس المراد بالآية بيان وقت الحج فقط ، وإنما المراد بها متى يُحرم بالحج؟ ولذا قال تعالى {فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ} ومن المعلوم أن الفرض إنما يكون قبل طلوع الفجر من ليلة
عدد الصفحات ٢٣٥مختصر كتاب المناسك 2 فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 77 النحر ، ليلة مزدلفة ، بعد ذلك لا يمكن أن يفرض الحج ، وهذا يدل على أن المراد ما يُفرض فيه الحج ، وهي شهر شوال ، وذي القعدة ، وعشرة أيام من ذي الحجة . المؤلف يقول (وله تأخيره) وأطلق ، لم يبين أنه إذا أخره عن يوم النحر يلزمه شيء ، لو أن الحاج لم يطف يوم النحر ، أو يوم الحادي عشر أو الثاني عشر ، فإنه على كلام المؤلف لا شيء عليه ، وهذه المسألة فيها خلاف ، وإن كان ضعيفا وشاذا ، لكن جاء فيها حديث صححه بعض أهل العلم أنه إذا لم يطف يوم النحر فإنه يعود محرما كهيئته ، يرجع إلى إحرامه مرة أخرى ، فهما قولان رجوع من لم يطف إلى إحرامه : إذا لم يطف للإفاضة ، فهل يعود كهيئته قبل ذلك ، فينزع ملابسه المعتادة ، ويلبس ملابس الإحرام؟ قولان : القول الأول : أنه إذا لم يطف طواف الإفاضة يوم النحر عاد محرما كهيئته ، مذهب عروة ، وهو اختيار الشيخ الألباني رحمه الله من المتأخرين ، فينزع ملابسه ويلبس ملابس الإحرام . أدلتهم : الدليل الأول : عن أم سلمة رضي الله عنها ، قالت (كانت ليلتي التي يصير فيها إليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم عندي فيها يوم النحر) ولهذا عجل النبي صلى الله عليه وسلم بها الدفع إلى منى ، ثم طافت ورجعت ، ووجدها النبي صلى الله عليه وسلم ، قد انتهت من أعمالها في يوم النحر ، المهم أنه صلى الله عليه وسلم ، كان عندها ،) فدخل عليها وهب بن زمعة (أخوها) ومعه رجل ، متقمصين - أي لبسا قميصيهما - فقال النبي صلى الله عليه وسلم لوهب [أفضت يا أبا عبد الله؟ قال : لا والله يا رسول الله ، قال : انزع عنك القميص]فنزعه من رأسه ، ونزع صاحبه قميصه من رأسه ، قال : ولم يا رسول الله؟ قال [ :إن هذا يوم رخص لكم فيه إذا أنتم رميتم الجمرة أن تحلوا – يعني من كل ما حرمتم إلا النساء - ، فإذا أمسيتم قبل أن تطوفوا هذا البيت صرتم حرما كهيئتكم قبل أن ترموا الجمرة حتى تطوفوا]معناه أنه إذا رمى وحلق فإنه يحل ، لكن إذا لم يطف يوم النحر فإنه يرجع محرما كهيئته ، وهذا الحديث أخرجه الإمام أحمد، وأبو داود ، وانقسم فيه العلماء إلى قسمين : 1- منهم من أعل الحديث وضعفه . 2-الطائفة الثانية رأوا صحة الحديث، مثل النووي رحمه الله، والبيهقي، وابن القيم، لكن ذهبوا إلى أنه منسوخ. وبعضهم يرى أن الحديث شاذ لا يعمل به كابن تيمية، وابن كثير ، والشيخ ابن باز والشيخ ابن عثيمين وغيرهم القول الثاني : أن من لم يطف للإفاضة يوم النحر لا يعود محرما كهيئته ، رأي عامة العلماء ، والأئمة الأربعة ، ولم يعملوا بهذا الحديث ، منهم من رأى شذوذه ، ومنهم من رأى نسخه ، ومنهم من حكم عليه بالضعف الراجح : هو القول الثاني والله أعلم ، وعليه العمل عند أهل العلم رحمهم الله . قال رحمه الله : ثُمَّ يَسْعَى بينَ الصّفا والمروةِ إن كَانَ مُتمتِّعاً أوْ غيرَهُ ولم يكن سعى مع طواف القدوم . هو قد طاف طواف الإفاضة ، بعد ذلك يسعى بين الصفا والمروة؛ لأن المتمتع عليه سعيان وطوافان ، طواف في العمرة وسعي في العمرة ، وهذا مستقل يحل بعده ، وعليه طواف الإفاضة وسعي الحج . قوله : (أو غيره) أي غير المتمتع : القارن والمفرد ، فإنهما إن لم يكونا سعيا مع طواف القدوم فإنهما يسعيان يوم النحر، والنبي صلى الله عليه وسلم ، طاف طواف القدوم ، وسعى سعي الحج بعده ، ولهذا طاف في يوم النحر ولم يسع ، فالمتمتع يلزمه طوافان وسعيان ، طواف العمرة وسعي العمرة ، وطواف الحج وسعي الحج .
عدد الصفحات ٢٣٦مختصر كتاب المناسك 2 فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 78 ويفهم من هذا أيضا أن القارن يطوف طواف الإفاضة ، ويسعى سعي الحج إن لم يكن قد سعى من قبل . طواف وسعي القارن : كم يطوف ويسعى القارن ، هذه المسألة اختلف فيها العلماء على قولين : القول الأول : أن القارن يطوف طوافين ويسعى سعيا واحدا (ما نقول : يلزمه ، لأن طواف القدوم سنة وليس بواجب) فإذا طاف طواف القدوم وسعى سعي الحج كفاه عن السعي ، إليه ذهب المالكية ، والشافعية ، والحنابلة أدلتهم : الدليل الأول: عن عائشة رضي الله عنها قالت (وأما الذين كانوا جمعوا بين الحج والعمرة فإنما طافوا لهما طوافا واحدا) متفق عليه الدليل الثاني : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعائشة [ :طوافكِ بالبيت وبالصفا والمروة يسعك لحجك وعمرتك] أخرجه الإمام مسلم ، فيلزم القارن بناء على هذا الحديث سعي واحد . وأما الطواف فيكفيه طواف واحد ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم طاف طوافا واحدا غير طواف القدوم . القول الثاني : أنه يلزم القارن طوافان وسعيان ، إليه ذهب الحنفية ، وهو رواية عند الحنابلة . أدلتهم : الدليل الأول : قول الله تعالى {وَأَتِمَُّوا الْحَجََّ وَالْعُمْرَةَ لِلََّهِ} وإتمامهما أن يأتي بأفعالهما على وجه الكمال ، ومعنى ذلك أن يسعى لهما سعيين ويطوف لهما طوافين. الدليل الثاني : حديث يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال [من جمع بين الحج والعمرة فعليه طوافان]أخرجه الدارقطني من مجموعة طرق كلها ضعاف . الراجح : هو القول الأول ، والله أعلم ، أنه يلزمه سعي واحد فقط . قوله : (ثم يَسْعَى بينَ الصَّفَا والمروةِ إن كان مُتَمَتِّعًا أو غيرَه ) أي إن المتمتع يسعى سعيا آخر غير سعي العمرة ، هذا واضح من كلامه رحمه الله ، لكن هل المتمتع يلزمه سعيان أم لا؟ . سعي المتمتع : ظاهر كلام المؤلف أنه يلزمه سعيان ، وقال بعضهم : لا يلزمه إلا سعي واحد ، فالمسألة فيها خلاف على قولين القول الأول : أنه يلزم المتمتع سعيان ، و إليه ذهب الحنفية ، والمالكية ، والشافعية ، والحنابلة . أدلتهم : الدليل الأول : أن ابن عباس رضي الله عنهما ، سئل عن متعة الحج ، فقال (أهل المهاجرون والأنصار وأزواج النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع ، وأهللنا ، فلما قدمنا مكة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم [ :اجعلوا إهلالكم بالحج عمرة ، إلا من قلد الهدي] قال : فطفنا بالبيت ، وبالصفا والمروة ، وأتينا النساء ، ولبسنا الثياب ، ومن قلد الهدي فإنه لا يحل حتى يبلغ الهدي محله ، ثم أمرنا عشية التروية أن نهل بالحج ، فإذا فرغنا من المناسك جئنا فطفنا بالبيت وبالصفا والمروة) وهذا صريح في أنه أمرهم أن يطوفوا ويسعوا ، هذا طواف وسعي جديد غير طواف وسعي العمرة ، قال (فقد تم حجنا وعلينا الهدي) أخرجه الإمام البخاري معلقا الدليل الثاني : عن عائشة رضي الله عنها ، قالت (... فطاف الذين كانوا أهلوا بالعمرة بالبيت وبين الصفا والمروة
عدد الصفحات ٢٣٧مختصر كتاب المناسك 2 فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 79 ،ثم حلوا ، ثم طافوا طوافا آخر بعد أن رجعوا من منى ، وأما الذين جمعوا الحج والعمرة ، فإنما طافوا طوافا واحدا) متفق عليه ، فبينت أن المتمتعين طافوا وسعوا ، ثم طافوا طوافا آخر بعد أن رجعوا . رد بعض أهل العلم على الاستدلال بحديث عائشة ، قالوا : إن الطواف الآخر الوارد في الحديث زيادة ، فهي مدرجة من قول الزهري ، ذكره شيخ الإسلام رحمه الله ، وقيل : من قول عروة ، وليس من قول عائشة . ورُد : بأن هذه دعوى تحتاج إلى دليل ، والأصل أنه من كلام عائشة ، الأصل أن يكون من كلام الصحابي ، فمن ادعى أنه ليس قولا للصحابي فعليه الدليل . القول الثاني : أنه يلزم المتمتع سعي واحد ، سعي لعمرته ، و إليه ذهب الحنابلة في رواية اختارها ابن تيمية . أدلتهم : الدليل الأول : عن ابن عباس ، أنه كان يقول (المفرد والمتمتع يجزئه طواف بالبيت ، وسعي بين الصفا والمروة) وهو قول صحابي ، فيقبل؛ لأنه لا مجال للاجتهاد فيه . الدليل الثاني : عن ابن عباس رضي الله عنهما ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال [فإن العمرة قد دخلت في الحج إلى يوم القيامة]أخرجه الإمام مسلم ، وبناء عليه يجزئه سعي واحد . نوقش : بأن هذا الحديث إنما هو في القران ، وأما التمتع فإن العمرة لم تدخل في الحج؛ لأن العمرة تنفصل عن الحج تماما ، تنفصل بالحل منها ، فإنه يأتي بالعمرة ، ويحل حلا تاما ، ثم يحرم بالحج ، ولذا لو أن المتمتع بعد الحل من العمرة ، بدا له أن يترك الحج ، فإنه يجوز له تركه ، ولو كانت العمرة قد دخلت في الحج في هذه الصورة ، للزمه أن يأتي بالحج؛ لأن الله تبارك وتعالى يقول {وَأَتِمَُّوا الْحَجََّ وَالْعُمْرَةَ لِلََّهِ} فيلزمه أن يتم الحج الذي شرع فيه ، وهنا لا يلزمه ، لانفصال الحج عن العمرة . الراجح : هو قول الجمهور ، أن المتمتع عليه سعيان وطوافان ، لانفصال النسكين ، ولدلالة حديث ابن عباس وحديث عائشة ، وأما قول ابن عباس بأنه يكفيه طواف وسعي ، فإنه يجاب عنه بأنه رأيه ، وهو مخالف لمرويه ، هو قد روى أنه يلزمه طوافان وسعيان ، وقال يلزمه طواف وسعي ، فيقدم مرويه على رأيه . حكم السعي : هل السعي بين الصفا والمروة ركن في الحج أم واجب أم سنة؟ اختلف أهل العلم في ذلك على ثلاثة أقوال : القول الأول : أن السعي ركن لا يصح الحج والعمرة إلا به ، ولا يجبر تركه دم أو غيره ،وهو مذهب المالكية ، والشافعية ، والحنابلة على الصحيح . أدلتهم : الدليل الأول : عن عائشة رضي الله عنها ، قالت (طاف النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، وطاف المسلمون – يعني بين الصفا والمروة - فكانت سنة ، فلعمري ما أتم الله حج من لم يطف بين الصفا والمروة) الدليل الثاني : عن حبيبة بنت أبي تجراه قالت : (دخلت مع نسوة من قريش دار آل أبي حسين ننظر رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يسعى بين الصفا والمروة ، وإن مئزره ليدور في وسطه من شدة سعيه ، حتى إني لأقول : إني أرى ركبتيه ، وسمعته يقول [ :اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي] أخرجه الإمام أحمد .
عدد الصفحات ٢٣٨مختصر كتاب المناسك 2 فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 80 القول الثاني : أن السعي واجب من واجبات الحج والعمرة ، وليس ركنا ، ومعناه إذا تركه الحاج أو المعتمر فإنه يجبره بدم ، ، وهو مذهب الحنفية ، والحنابلة في رواية ، وقد اختاره ابن قدامة من الحنابلة . أدلتهم : الدليل الأول : عن عروة قال : (سألت عائشة فقلت لها : أرأيت قول الله تعالى : {إِنََّ الصََّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللََّهِ فمن حج البيت أو اعتمر فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطََّوََّفَ بِهِمَا} فما أرى على أحد جناحا أن لا يطوف بهما ، قالت : بئس ما قلت يا ابن أختي إنها لو كانت على ما أولتها كانت : فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما ، ولكنها إنما نزلت أن الأنصار قبل أن يسلموا كانوا يهلون لمناة الطاغية التي كانوا يعبدونها ، وكان من أهل يتحرج أن يطوف بالصفا والمروة في الجاهلية فأنزل الله تعالى : {إِنََّ الصََّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللََّهِ} قالت عائشة : وقد سن رسول الله صلى الله عليه وسلم الطواف بينهما ، فليس لأحد أن يترك الطواف بينهما) متفق عليه . الدليل الثاني : عن عائشة رضي الله عنها قالت : (ما أتم الله حج من لم يطف بين الصفا والمروة) أخرجه مسلم القول الثالث : أن السعي في الحج والعمرة سنة ، وهو رواية عن ابن عباس ، ورواية عند الحنابلة . أدلتهم : الدليل الأول : قول الله تعالى {فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطََّوََّفَ بِهِمَا} فنفى الله تعالى الحرج عن الطواف بهما ، مما يدل على أنه ليس بواجب . ونوقش : بقول عائشة السابق في الصحيحين ، فقد بينت رضي الله عنها ، أن النبي صلى الله عليه وسلم سن الطواف بهما ، وليس لأحد أن يترك الطواف بينهما . الدليل الثاني : النقل عن الصحابة الكرام ، الذين رأوا سنية الطواف . بأن قول من قال بالاستحباب قوله معارض بمن قال بالوجوب والركنية ، وقول عائشة رضي الله عنها بالركنية معارض بقول غيرها ، بقول من قال بالوجوب ومن قال بالاستحباب ، فتعارضت الأقوال ، فيطلب الترجيح . الراجح : أقوال الصحابة هنا متعارضة ، منهم من يرى الركنية ، ومنهم من يرى الوجوب ، ومنهم من يرى السنية ،والقول بالركنية أبرأ وأحوط للذمة ، والصحابة رضي الله عنهم ، قد استمروا عليه بعد النبي صلى الله عليه وسلم ، ولم يتركوه ، والنبي صلى الله عليه وسلم ، في عمره الثلاث وحجه ، لم يترك السعي، وظاهر الأحاديث تدل على الركنية ، ولا يستطيع الإنسان أن يجزم تماما بأنه ركن ، أما القول بالسنية فضعيف ، والله أعلم . سبق جواز تقديم بعض الأنساك على بعض ، فهل يجوز تقديم سعي الحج على طوافه : لو أنه ذهب إلى الحرم ليسعى بعد أن حلق ورمى ونحر ، ذهب إلى الحرم ليطوف ، فوجد الصحن مزدحما ، فذهب إلى المسعى ليسعى ، هل يجوز له أن يقدم السعي على الطواف؟ اختلف العلماء على قولين : القول الأول : أنه لا يجوز تقديم سعي الحج على طوافه ، وهو قول عامة أهل العلم رحمة الله عليهم ، بل حكى الماوردي الإجماع على ذلك ، إليه ذهب الحنفية ، والمالكية ، والشافعية ، والحنابلة على الصحيح .
عدد الصفحات ٢٣٩مختصر كتاب المناسك 2 فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 81 أدلتهم : الدليل الأول : أن النبي صلى الله عليه وسلم رتب بينها ، وقال [ :خذوا عني مناسككم]فإن قال قائل : إن النبي صلى الله عليه وسلم قدم السعي مع طواف القدوم ، يقال : نعم ، طاف طواف القدوم ثم سعى سعي الحج بعده ، ولم يقدم السعي على الطواف ويناقش : بأن مسألتنا مفروضة في التقديم في يوم النحر ، وليست المسألة مفروضة في تقديم السعي على طواف القدوم ، لأن يوم النحر جاء في الأحاديث جواز تقديم بعض الأنساك على بعض فيه . الدليل الثاني : أن السعي عبادة مرتبطة بالطواف ، فلم يجز تقديم السعي على الطواف . القول الثاني : أنه يجوز تقديم سعي الحج على طواف الإفاضة ، و إليه ذهب عطاء رحمه الله - وهو عالم المناسك - وسفيان بن عيينة ، وداود ، وابن حزم ، وهو اختيار شيخنا رحمه الله ، وبعض المعاصرين . أدلتهم : الدليل الأول : عن أسامة بن شريك رضي الله عنه ، قال : (خرجت مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حاجا ، فكان الناس يأتونه ، فمن قائل : يا رسول الله سعيت قبل أن أطوف ، أو قدمت شيئا ، أو أخرت شيئا ، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول [لا حرج لا حرج] )وهذا الحديث أخرجه أبو داود وسكت عنه ، وصححه النووي والشيخ عبد العزيز بن باز رحمهما الله ، في (التحقيق والإيضاح) . الدليل الثاني : عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما ، قال : (فما سمعته يسأل يومئذ عن أمر ينسى المرء أو يجهل من تقديم بعض الأمور على بعضها وأشباهها إلا قال [ :افعلوا ولا حرج] )أخرجه الإمام مسلم رحمه الله الراجح : جواز تقديم السعي على الطواف يوم النحر ، وذلك لقوة دليلهم . اختصاص التقديم والتأخير بيوم النحر : هل التقديم والتأخير مختص بيوم النحر أم يجوز حتى في أيام التشريق؟ إذا ذهب في يوم الحادي عشر إلى الكعبة هل يجوز له أن يقدم السعي على الطواف؟ . يقول شيخنا رحمه الله (السعي يقدم على الطواف مطلقا ، حتى في غير أيام العيد ، وهذا الظاهر) وكان رحمه الله يفتي بجواز تقديم السعي على الطواف حتى في يوم الحادي عشر بل حتى خارج أيام التشريق ، لو أخر إلى اليوم الرابع عشر أو الخامس عشر . أما على رأي الجمهور فلا يجوز مطلقا. قوله : (ولَمْ يكنْ سعَى معَ طوافِ القُدومِ ) يفيد أنه لا بد لتقديم السعي للقارن والمفرد أن يكون مقترنا بطواف القدوم ، وأنه لا يجوز له أن يسعى سعيا مفردا ، فلو جاء الحاج إلى مكة ، وقال : أنا لا أريد أن أطوف طواف القدوم ، أريد أن أسعى فقط ، يقال : ليس لك ذلك ، يجوز تقديم سعي القران والإفراد بشرط أن يتقدمه طواف نسك ، وطواف النسك هنا هو طواف القدوم ، وبناء عليه فإن أهل مكة لا يمكن لهم أن يقدموا سعي الحج على يوم النحر؛ لأنه ليس لهم طواف قدوم ، فإن قال قائل : ما الدليل على عدم جواز تقديم السعي إلا إذا كان مع طواف نسك؟ الدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال لعائشة رضي الله عنها ، في رواية الموطأ [غ ألا تطوفي بالبيت ، ولا بالصفا والمروة]منعها من الطواف بالصفا والمروة ، وهذا دليل على ضرورة أن يتقدم السعيَ طوافٌ ، ولو كان السعي بين الصفا والمروة جائزا ، لأمرها النبي صلى الله عليه وسلم ، أن تسعى ، ولقال : اذهبي واسعي بين الصفا والمروة ، فإنك إذا سعيت لا تسعين يوم العيد ، لكنه أمرها بعدم الطواف بين الصفا والمروة ، وهي رواية صحيحة .
عدد الصفحات ٢٤٠مختصر كتاب المناسك 2 فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 82 سمعت بعض المفتين يقول لبعض الناس : إذا أردت أن تسعى فإنك تطوف طواف سنة ، طوافا مستحبا ، تطوف سبعا وتأتي بعده بالسعي ، وهذا غير صحيح ، فإن أهل العلم رحمة الله عليهم ، قد نصوا على أنه لا بد أن يتقدم سعي الحج طواف نسك ، هذا بالنسبة للقارن والمفرد ، وطواف النسك هو طواف القدوم ، ولا يمكن هذا لأهل مكة ، لأن طواف القدوم للقادم من خارج . قال رحمه الله : قَدْ حَلَّ لهُ كُلُّ شيءٍ . يحل للحاج إذا رمى ونحر وحلق وطاف وسعى كل شيء كان حراما عليه من قبل ، ويحل له في التحلل الأول كل شيء إلا النساء ، ومن أهل العلم من يقول إلا النساء والطيب والصيد ، وهو مروي عن عمر ، وهناك من قال : يحل له كل شيء إلا النساء والصيد ، وهو مذهب المالكية رحمهم الله . إذا طاف بعد أن رمى وحلق - النحر ليس له علاقة بالتحلل الأصغر ولا الأكبر - ، إذا رمى وحلق ثم طاف وسعى ، فإنه يحل له كل شيء كان حراما عليه ، يجوز له أن يأتي أهله ، وهذا يسمى التحلل الثاني . الشرب من زمزم : قال رحمه الله : ثُمَّ يشربُ مِن ماءِ زَمْزَمَ لِما أَحَبَّ . إذا طاف وسعى فإنه يشرب من ماء زمزم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ، لما طاف طواف الإفاضة ، وصلى بمكة ، شرب من ماء زمزم ، جاء في حديث جابر رضي الله عنه ، (فأفاض إلى البيت ، فصلى بمكة الظهر ، فأتى بني عبد المطلب وهم يسقون على زمزم ، فقال [ :انزعوا بني عبد المطلب ، فلولا أن يغلبكم الناس على سقايتكم لنزعت معكم] فناولوه دلوا ، فشرب منه..) أخرجه الإمام مسلم . وقد اتفق العلماء رحمهم الله ، على أنه يستحب للحاج أن يشرب من ماء زمزم ، ووضعوه في هذا المحل ، إذا طاف وكان قارنا أو مفردا ، وقد سعى من قبل ، أو طاف وسعى ، فإنه يشرب من ماء زمزم ، وهو سنة . قوله (لما أحب) يشرب من ماء زمزم لما أحب ، وظاهر كلام المؤلف رحمه الله ، أنه يشرب لما أحب مما يتعلق بالجسد ، أو الأمور الدنيوية ، أو الأمور المعنوية ، أو ما يتعلق بأمر الآخرة . قوله [لما شرب له] :لفظ مطلق يشمل كل شيء شرب له ، سواء كان حسيا أم معنويا ، وسواء كان في أمر الدنيا أم في أمر الآخر ، ودل على ذلك فعل السلف ، فمنهم من كان يشرب ماء زمزم للحفظ ، ومنهم من كان يشربه لذهاب الروع ، ومنهم من كان يشربه لتسكين القلب ، ومنهم من كان يشربه لظمأ يوم القيامة ....الخ ، ففهموا من النص العموم والإطلاق ، وعدم التقييد بشيء دون شيء . أما شربه لطلب الشفاء ، فقد جاء في حديث أبي ذر قوله صلى الله عليه وسلم [إنها مباركة ، وإنها طعام طعم وشفاء سقم] هذه الزيادة صححها الألباني ، وجاء في حديث [خ ماء على وجه الأرض ماء زمزم ، فيه طعام الطعم ، وشفاء السقم]أخرجه الطبراني ، وصححه الألباني،فالذي ثبت فيه النص أنه يشرب طعام طعم وشفاء سقم ، يشرب للعطش ، يشرب لإزالة الأمراض والأوجاع والأسقام ... الخ . قال رحمه الله : ويتضَلّعُ منهُ . أي يشرب منه حتى يمتلئ بطنه ، وترتفع أضلاعه؛ لبركة هذا الماء ، ولأن التضلع علامة على الإيمان ، وجاء فيه ما روى محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر ، قال : (كنت عند ابن عباس رضي الله عنهما جالسا ، فجاء رجل ، فقال له ابن عباس : من أين جئت؟ قال : من زمزم ، قال : فشربت منها كما ينبغي؟ قال : فكيف؟ قال : إذا شربت منها فاستقبل الكعبة واذكر اسم الله ، وتنفس
عدد الصفحات ٢٤١مختصر كتاب المناسك 2 فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 83 ثلاثا ، وتضلع منها ، فإذا فرغت فاحمد الله تعالى ، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال [آية ما بيننا وبين المنافقين أنهم لا يتضلعون من زمزم] أخرجه ابن ماجه ، وضعفه الألباني وطائفة من أهل العلم ، وقال عنه البوصيري : إسناده صحيح ، ورجاله موثوقون فالحديث متصل ، وقد ذكر العلماء رحمهم الله أنه يستحب استقبال القبلة في الشرب من زمزم . قال رحمه الله : وَيَدعو بِما وردَ . ظاهر كلام المؤلف رحمه الله أن ثمة شيئا واردا عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، ولكن الصحيح أنه لم يرد عنه شيء ، وقد اجتهد العلماء في ماذا يقول؟ فنقل ابن قدامة رحمه الله عن السلف أنهم كانوا يقولون : (بسم الله ، اللهم اجعله لنا علما نافعا ، ورزقا واسعا ، ورِيا وشِبَعا ، وشفاء من كل داء ، واغسل به قلبي ، واملأه من خشيتك وحكمتك) وهذا لا دليل عليه عن النبي صلى الله عليه وسلم ، بل ظاهر حديث جابر أنهم لما ناولوه دلوا شرب منه واقتصر على ذلك . قال رحمه الله : ثم يَرْجِعُ . يرجع من مكة إلى منى ، والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم صلى الظهر في مكة ، جاء في حديث جابر ، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (أفاض إلى البيت ، فصلى بمكة الظهر) وجاء في حديث ابن عمر (أن النبي صلى الله عليه وسلم أفاض يوم النحر ، فصلى بأصحابه في منى) وقد اختلف العلماء رحمهم الله في كيفية الجمع بينهما ، فمنهم من ذهب إلى الترجيح ، ومنهم من سلك مسلك الجمع ، كما ذكر النووي وغيره ، وهو أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم صلى الظهر بمكة ، ثم رجع إلى منى فوجد أصحابه لم يصلوا صلاة الظهر ، وأحب أن يصلي بهم ، فصلى بهم ، فيكون قد صلى الظهر في يوم النحر مرتين ، مرة في مكة ، وهي فرضه ، والثانية صلاها في منى نافلة . قوله : فيَبيتُ بِمِنًى ثلاثَ ليالٍ . إذا طاف طواف الإفاضة وسعى فإنه يرجع إلى منى ، ويبيت بها ثلاث ليال ، ليلة الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر ، وهذا لغير المتعجل ، أما المتعجل فإنه يبيت ليلة الحادي عشر والثاني عشر ، ويخرج من منى قبل غروب الشمس ، ولا يلزمه المبيت في تلك الليلة . حكم المبيت بمنى : اتفق العلماء على أمرين : أن النبي صلى الله عليه وسلم بات بها . حكم المبيت بمنى ليالي التشريق المؤلف قال (فيبيت بمنى) ظاهره أن المبيت بمنى واجب ، وقد اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين : القول الأول : أن المبيت بمنى واجب ، فإن ترك المبيت فعليه دم ،و إليه ذهب المالكية ، والشافعية ، والحنابلة . أدلتهم : الدليل الأول : عن ابن عمر رضي الله عنهما ، قال : (استأذن العباس بن عبد المطلب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، أن يبيت بمكة لياليَ منى من أجل سقايته فأذن له) متفق عليه ، فدل على أن المبيت واجب ، إذ لو لم يكن واجبا لما استأذن العباس ، ولما رخص له النبي صلى الله عليه وسلم فيه . الدليل الثاني : أن النبي صلى الله عليه وسلم فعله نسكا ، وقال [ :خذوا عني مناسككم]بات ليلة الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر في منى ، فيبيت هذه اللياليَ الثلاثَ . القول الثاني : أن المبيت بمنى سنة لا بأس بتركه، وهو مذهب الحنفية، والحنابلة في رواية ، والشافعية في قول
عدد الصفحات ٢٤٢مختصر كتاب المناسك 2 فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 84 أدلتهم : الدليل الأول : حديث ابن عمر السابق في الترخيص للعباس ، إذ لو كان واجبا لما كان للعباس أن يترك الواجب من أجل السقاية ، ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم ليرخص له فيه ، إذ كيف يرخص له في ترك واجب . نوقش : بأن العباس رضي الله عنهما ، كانت سقايته لعموم الحجاج ، ليست خاصة به هو رضي الله عنه ، وهذه مصلحة عامة ، ومبيته في منى مصلحة خاصة ، وإذا تعارضت عامة وخاصة قدمت العامة . الدليل الثاني : أثر عكرمة عن ابن عباس ، قال (إذا رميت الجمار فبت حيث شئت) أخرجه ابن أبي شيبة . الراجح : هو القول الأول ، وأن المبيت بمنى واجب يجبر بدم إذا تركه الحاج ، فإذا ترك الليالي كلها لزمه الدم ، أما إذا ترك ليلة أو ليلتين فسيأتي حكمه . قال رحمه الله : فَيَرمي الجمرةَ الأوْلى وَتلي مسجدَ الخَيْفِ بسبعِ حصياتٍ . شرع المؤلف رحمه الله ، في بيان المسائل المتعلقة برمي الجمار في أيام التشريق ، الحاديَ عشر والثانيَ عشر والثالثَ عشر ، وقد تقدم حكم رمي جمرة العقبة ، ورمي الجمار الثلاث ، وتقدم أن رمي الجمار عموما واجب الحاج يرمي أيام التشريق ثلاث جمار ، يرمي الصغرى ثم الوسطى ثم الكبرى في يوم الحاديَ عشر ، وفي الثاني عشر يرمي الصغرى ثم الوسطى ثم الكبرى ، وفي الثالث عشر إن لم يتعجل يرمي الصغرى ثم الوسطى ثم الكبرى ، كما فعل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم . قوله (التي تلي مسجد الخيف) : هذا مسجد منى الذي صلى فيه النبي صلى الله عليه وسلم ، وسمي بهذا لأنه مبني في خَيْف الجبل ، والخيف : ما انحدر من غِلظ الجبل وارتفع عن مسيل الماء . قوله (بسبع حصيات) : الإجماع أن الرمي يكون بسبع حصيات ، فلو رمى بأقل من سبع حصيات تقدم الحكم قال رحمه الله : ويجْعلُها عن يَسارِهِ . يجعل الجمرة الصغرى عن يساره ، ويستقبل القبلة ، ويرميها . وقد أجمع أهل العلم على جواز الرمي إذا وقع في المرمى على أي حال رماها ، سواء رماها عن يساره ، أو استقبلها ورماها ، أو رماها من أي جهة كانت ، وقد نقل الإجماع على ذلك ابن المنذر ، وابن رشد . وقول المؤلف: يجعلها عن يساره ، ويستقبل القبلة ، لا دليل عليه ، ، فيقال : لا بد من الدليل على هذه الصفة. الراجح : أنه يرمي من الموضع الأيسر له ، من أي موضع ، سواء جعلها عن يساره أو عن يمينه ، أو من خلفها من جهة الغرب ، أو يأتيها من جهة الشرق ، وإن جعلها عن يساره فهو أيسر. قال رحمه الله : وَيتَأَخرُ قليلًا . هذا غريب ، الأصل أنه يتقدم قليلا ، ولذا قال الموفق بن قدامة في المقنع (ويتقدم قليلا) والذي في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم تقدم ، وليس تأخر ، فقوله (تأخر) لعله سبق قلم من المؤلف رحمه الله. لماذا يتقدم قليلا؟ أولا : اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم ، فإنه ذهب يمينا وأسهل قليلا ، ثانيا : ولكيلا يصيبه الحصى ، إذ لو كان في مكانه يدعو ربما أصابه الحصى مع الزحام ، ثالثا : ولئلا يتأذى بزحام الناس.
عدد الصفحات ٢٤٣مختصر كتاب المناسك 2 فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 85 الدعاء بعد الجمرة قال رحمه الله : وَيَدْعو طَويلاً . يدعو بعد الجمرة الأولى طويلا ، بعد أن يتقدم قليلا ، والدعاء بعد الجمرة الأولى والثانية سنة ، بإجماع أهل العلم ، إلا ما نقل عن الثوري ، نقل عنه أنه إذا ترك الدعاء يطعم شيئا ، أو يهريق دما. وهذا الدعاء يشتمل على مجموعة سنن : السنة الأولى : أن يستقبل القبلة فيه كسائر الدعاء ، وهو رأي الحنفية ، والمالكية ، والشافعية ، والحنابلة . الدليل: حديث الزهري (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كان إذا رمى الجمرة التي تلي مسجد منى ، يرميها بسبع حصيات ، يكبر كلما رمى بحصاة ، ثم تقدم أمامها ، فوقف مستقبل القبلة ، رافعا يديه يدعو ، وكان يطيل الوقوف ، ثم يأتي الجمرة الثانية فيرميها بسبع حصيات ، يكبر كلما رمى بحصاة ، ثم ينحدر ذات اليسار مما يلي الوادي ، فيقف مستقبل القبلة رافعا يديه يدعو ، ثم يأتي الجمرة التي عند العقبة فيرميها بسبع حصيات ، يكبر عند كل حصاة ثم ينصرف ولا يقف عندها) أخرجه الإمام البخاري السنة الثانية : رفع اليدين بالدعاء في الجمرات : من السنن أن يرفع يديه في الدعاء، وذهب إليه عامة أهل العلم رحمة الله عليهم، إلا ما يروى عن الإمام مالك رحمه الله ، فإنه قال : لا يرفع يديه، ودليل السنية حديث ابن عمر، وفيه (يدعو ويرفع يديه) فرفع اليدين سنة . قال رحمه الله : وَيدْعو طَويلاً . السنة الثالثة : عامة أهل العلم على هذا ، وهذا رأي ابن عمر ، وعطاء ، وابن جبير ، والنخعي ، وطاوس ، وعامر بن عبد الله بن الزبير رضي الله عنه ، وفيه حديث ابن عمر السابق (فيقوم ويدعو دعاء طويلا) . مقدار طول هذا الدعاء : هل ثبت فيه مقدار معين أم يدعو دعاء طويلا بإطلاق؟ أما النبي صلى الله عليه وسلم ، فلم يثبت عنه شيء في مقدار هذا الدعاء ، لكن ثبت عن ابن عمر (أنه كان يقوم عند الجمرتين مقدار ما يقرأ سورة البقرة) أخرجه ابن أبي شيبة ، وصححه ابن حجر، وجاء أن( عطاء وقف عند الجمرة مقدار ما يقرأ الرجل السورة من المئين) قال شيخ الإسلام رحمه الله (يدعو بقدر سورة البقرة) وهو قول ابن القيم في زاد المعاد ، وقول شيخنا . قال رحمه الله : ثُمَّ الوُسْطَى مثلَها . أي مثلها في الأحكام السابقة ، إلا في أنه يقف عن يسارها ، فعندهم أنه يجعلها عن يمينه ، ويستقبل القبلة ويرمي بسبع حصيات ، وهذا لا دليل عليه كما تقدم في الصغرى ، لكن الفرق أنه يجعلها عن يمينه ، فالأولى يجعلها عن يساره ، ويذهب ذات اليمين ، ويسهل قليلا ، ويستقبل القبلة ويدعو ، الثانية يجعلها عن يمينه ، ويذهب ذات الشمال ، ويسهل ، ويستقبل القبلة ، ويدعو دعاء طويلا ، هي مثل الأولى تماما ، إلا في الموقف وفي محل الدعاء. . قال رحمه الله : ثُمَّ جَمرةَ العقبةِ ويجعلُها عن يمينِهِ ويَستبْطِنُ الواديَ . يأتي جمرة العقبة ، ويجعلها عن يمينه ، وجمرة العقبة هي الجمرة الثالثة ، وهي التي ترمى لوحدها يوم النحر . أحكام جمرة العقبة : أحكامها كأحكام الصغرى والكبرى إلا في شيئين ، في موقف الرمي ، والدعاء بعدها ، فيجعل جمرة العقبة عن يمينه ، ويستبطن الوادي؛ لأن هذه الجمرة كانت في واد وفي عقبة ، ولا يمكن أن يرميها إلا بهذا الوجه ، لأنه إذا أراد أن يرميها من وراء ، فلا بد أن يصعد الجبل ويرمي ، وربما سقط ، لأنها كانت على الجبل .
عدد الصفحات ٢٤٤