مختصر كتاب المناسك 2 فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 55 يقول العلماء رحمهم الله في تقديرها : أقل من أنملة طولا وعرضا ، وبعضهم يقول : بقدر حبة الباقلاء، وقد جاء في الحديث أنها مثل حصى الخذف ، وهو مذهب الحنفية ، والشافعية ، والحنابلة ،وجاء في الحديث (فلقطت له سبع حصيات من حصى الخذف) ،وجاء عن ابن عمر رضي الله عنهما أنها بقدر بعرة الغنم . الحصى الصغيرة والكبيرة جدا : فإن خالف ورمى بحجر كبير أجزأه على المشهور - من المذهب - لوجود الحجرية واختاره شيخنا رحمه الله ، قال شيخنا رحمه الله : يجزئ أن يرمي بحجر صغير أو بحجر كبير، لكن لا يكون صغيرا جدا مثل حبة الشعير مثلا، أو كبيرا مثل التفاحة، لكن أصغر من ذلك أو أكبر من ذلك، لأنه يصدق عليه أنه قد رمى الجمرة). قال رحمه الله : فإذا وَصَلَ إلى مِنًى قوله : (إذا وصل إلى منى) : النبي صلى الله عليه وسلم ، سلك الطريق الوسطى التي بين الجبلين ، ويستحب أن يسلك أقرب طريق إلى الجمرة ، حتى يؤدي العبادة مباشرة . قوله : (منى) : سميت بهذا الاسم لكثرة ما يمنى فيها من الدماء (يراق) ويذبح فيها من الهدايا والأضاحي . قال رحمه الله : وهي من وادي مُحَسِّرٍ إلى جَمرةِ العَقبةِ . وادي محسر و جمرة العقبة، كلاهما غير داخل في منى ، نصَّ عليه عطاء ، والشافعية ، والحنابلة ، هذا حدها من الشرق إلى الغرب ،وحدها من الشمال إلى الجنوب سفوح الجبال الكبيرة التي تتجه إلى منى، وهذا يدل على أن المشعر كبير جدا ، ويمكن أن يستوعب أضعاف أضعاف ما فيه من الأعداد الآن . قال رحمه الله : رَماها . إذا قدم الحاج منى في يوم النحر فإنه يرمي جمرة العقبة ، وهي آخر الجمار من جهة مكة ، عندنا الصغرى التي تلي مسجد الخيف ، ثم الوسطى ، ثم الكبرى ، وهي جمرة العقبة ، وهي خارج منى . وسميت جمرة العقبة؛ لأنها كانت في الأصل في جبل (عقبة). وقد أجمع العلماء ، على أن الحاج لا يرمي في يوم النحر إلا جمرة واحدة ، هي جمرة العقبة . حكم رمي الجمار : اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين : القول الأول : حكي الإجماع ، على أن رمي جمرة العقبة وسائر الجمار واجب من واجبات الحج ، ليس بركن. أدلتهم : الدليل الأول : عن عبد الله بن عمرو بن العاص ، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، وقف في حجة الوداع بمنى للناس يسألونه ، فجاء رجل فقال [ :لم أشعر حلقت قبل أن أنحر ، قال : انحر ولا حرج ، فجاء آخر وقال : لم أشعر فنحرت قبل أن أرمي ، فقال : ارم ولا حرج]متفق عليه ، قال (ارم) والأمر للوجوب ، ما يدل على أن رمي جمرة العقبة وسائر الجمار واجب . الدليل الثاني : أن النبي صلى الله عليه وسلم ، رمى جمرة العقبة وسائر الجمار ، وقال [ :خذوا عني مناسككم]فدل على الوجوب القول الثاني : نقل عن الزهري وابن الماجشون من المالكية ، أنهم يرون ركنية جمرة العقبة وسائر الجمار ، وبعضهم ضعف الكلام المنقول عن الزهري ، ورأى أنه شاذ مخالف للإجماع ، وبناء على قول الزهري ، وابن الماجشون ، فلو ترك رمي الجمار لم يتم حجه
عدد الصفحات ٢١٤مختصر كتاب المناسك 2 فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 56 ،لأن الركن لا بد من الإتيان به ، وإذا فات وقته لم يصح الحج ، ويفعل فيه مثل من فاته الوقوف بعرفة ، لكن هذا القول لا شك أنه ضعيف ، والراجح ما عليه عامة أهل العلم . قال رحمه الله : بسبْعِ حصياتٍ متعاقبات . لا خلاف بين العلماء أن النبي صلى الله عليه وسلم ، قد رمى بسبع حصيات ، وهذا هو الأكمل كما نقل الإجماع فيه ابن رشد ، والقرطبي ، وشيخ الإسلام ابن تيمية ، وغيرهم . شروط الرمي : 1- النية . يشترط لصحة رمي الجمار مطلقا النية ، فلو أنه رمى حجرا هكذا فوقع في المرمى لم يجزئه ، لعدم وجود النية ، ولا تصح عبادة إلا بنية ، قال صلى الله عليه وسلم [إنما الأعمال بالنيات ، وإنما لكل امرئ ما نوى] . 2- أن يكون بسبع حصيات . وذهب إلى هذا الحنفية ، والمالكية ، والشافعية ، والحنابلة في رواية؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ، رمى سبعا ، وذهب المالكية ، والحنابلة في رواية ، إلى أنه لو نقص حصاةً واحدة من سبع حصيات كان كمن لم يرم شيئا منها ، وكذا لو تعمد تركها ، وعليه دم لتركها ، والدم يكون عن الجمرة كاملة ، لأنه يشترط أن يأتي بالسبع كاملة . وذهب الحنابلة في رواية إلى إجزاء الخمس ، وفي رواية تجزئ ست ، ولا ينقص عن خمس ، وهذا مذهب الشافعية كذلك ، أنه تجزئ خمس وست ولا يجوز النقص عن ذلك . وذهب الشافعية إلى أن من ترك حصاة واحدة فعليه مد ، ومن ترك حصاتين فعليه مدان ، وأما الحنابلة فيرون ألا شيء عليه ، وفي بعض الروايات يرون أن عليه قبضة من طعام ، عن الإمام أحمد رحمه الله . الحنابلة يقولون : إذا ترك حصاة أو حصاتين نسيانا فلا شيء عليه ، وإن تركها متعمدا تصدق بشيء ، وفي بعضها : تصدق بقبضة من طعام . وذهب الحنفية إلى تفصيل : إن ترك الأقل لم يترتب عليه شيء ، وإن ترك الأكثر تصدق بنصف صاع من بر أو بصاع من غيره - قاعدتهم السابقة ، الأكثر والأقل - إن ترك الأكثر تصدق ، وإن ترك الأقل فلا شيء عليه 3- قوله : (حصيات) .أي لابد أن يكون الرمي بالحصى . نوع الحصى في الرمي : الحصى شامل لكل أنواع الحصى ، سواء أبيض أم أسود أم أحمر ، أو مرمر أو رخام ، أوغير ذلك ، وهذا قول جمهور أهل العلم ، ولا يجزئ الرمي بغير الحصى ، وهو مذهب المالكية ، والشافعية ، والحنابلة . ودليلهم : أن الرسول رمى بالحجر ، وأمر بالرمي بمثل حصى الخذف ، فلا يتناول غير الحصى ، فكل ما صدق عليه أنه حجر صح الرمي به . القول الثاني : ذهب الحنفية إلى جواز الرمي بكل ما هو من جنس الأرض ، بالطين والمدر ، ، بل توسع بعضهم فقال : حتى بالذهب والفضة والألماس وغير ذلك ، الذهب والفضة مأخوذ من الأرض فهو من جنسها . أدلتهم : الدليل الأول : قياس سائر أجزاء الأرض على الحجر ، بجامع أن كلا منها مأخوذ من الأرض .
عدد الصفحات ٢١٥مختصر كتاب المناسك 2 فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 57 ونوقش : بأنه قياس يحتاج إلى دليل . الدليل الثاني : (يروى أن سُكينة بنت الحسين رضي الله عنها ، كانت ترمي الجمار ، ومعها رجل يناولها الحصى ، فسقطت حصاة ، فأخذت خاتمها فرمت به) ذكره ابن قدامة رحمه الله في المغني بدون إسناد فهذا الأثر غير ثابت، والنبي صلى الله عليه وسلم ، رمى بحجر ، وقال [ :أمثال هؤلاء فارموا]. 4- أن يكون رميا . يؤخذ من قوله (رماها) أنه لابد أن يرميها بيده ، فإن رماها بقوس أو مقلاع أو (نبيطة) : لا يجزئ ، بل لا بد أن يرميها بيده ، وبعضهم ينص على أن تكون باليمنى ، لكن لا دليل عليه ،و لا يجزئ دحرجتها برجله . 5- أن يكون الرمي في وقته . وهذا سيأتي بيانه في كلام المؤلف. 6- التعاقب . من قوله (متعاقبات) يرمي الواحدة تلو الأخرى ، فلو رماها جملة واحدة لم يصح رميه ، فإن رمى السبع مرة واحدة اعتبرت واحدة ، والست الباقية لا يصح الرمي فيها ، فلا بد أن يرمي ستا ، يرمي ستا واحدة تلو الأخرى ، وذهب إليه عامة أهل العلم رحمة الله عليهم ، الحنفية ، والمالكية ، والشافعية ، والحنابلة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم رماها هكذا ، كما في حديث جابر (رمى بسبع حصيات ، يكبر مع كل حصاة) . وذهب عطاء رحمه الله ، إلى أنه إذا رماها مرة واحدة أجزأته . ويمكن أن يجاب بأن فعل النبي صلى الله عليه وسلم ، وقع بيانا للأمر المطلق ، فيكون هذا الفعل واجبا ، والأمر هو [بمثل هؤلاء فارموا]وهذا الفعل وقع منه بيانا لهذا الأمر المطلق . كان عطاء رحمه الله يقول : (إذا رمى سبعا ثم كبر معها واحدة فإنه يرجع ويكبر ستا) . الراجح : هو القول الأول ، أن لا بد أن تكون متعاقبات ، واحدة تلو الأخرى ، فإن رماها سويا لم يصح رميه . 7- أ يكون الحصى قد رمي به . فإن كان الحصى قد رمي به لم يصح الرمي حينئذ ، وهذه المسألة اختلف العلماء فيها على قولين : القول الأول : أنه لا يجزئ الرمي بحصى قد رمي به ، و إليه ذهب المالكية في قول ، والحنابلة . أدلتهم : الدليل الأول : القياس على الماء المستعمل في الطهارة الواجبة ، لا يستعمل في طهارة أخرى ، لفقده الطهورية نوقش : بأن هذا القياس قياس على مسألة مختلف فيها ، وتقدم الخلاف في المسألة ، وتقدم أن الراجح أن الاستعمال لا يسلب الماء وصف الطهورية ، إلا إذا وقعت فيه نجاسة تغير أحد أوصافه الثلاثة . الدليل الثاني : القياس على العبد إذا أعتق في كفارة ، فإنه إذا أعتق لم يعتق مرة أخرى ، فمثله الحصى . وهذا القياس قياس مع الفارق؛ لأن الرق وصف يزول ، هذا الوصف يأتي ويذهب ، بخلاف الحجر ، فإنه لا يمكن أن ينفك عنه وصف الحجرية ، ثم يقال : يمكن أن يعود الرقيق رقيقا مرة أخرى ، فلو أعتق وهو كافر ، ثم فر إلى أهله ، ثم قوتلوا مرة أخرى ، فسُبي ، فإنه يعود رقيقا مرة أخرى . القول الثاني : أنه لا يشترط في الحجر ألا يكون قد رمي به ، و إليه ذهب الحنفية ، والمالكية في قول ، وهو مذهب الشافعية ، و رأي ابن حزم ، واختاره شيخنا.
عدد الصفحات ٢١٦مختصر كتاب المناسك 2 فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 58 أدلتهم : الدليل الأول : عدم ورود نص في المنع ، فالتحريم يحتاج إلى دليل . الدليل الثاني : أن الحجر الذي رمي به يدخل في لفظ الحصى ، ويصدق على الرمي به اسم الرمي ، وإذا كان يصدق عليه اسم الرمي ، ويدخل في مسمى الحصى لم يجز إخراجه إلا بدليل بين . الراجح : هو القول الثاني ، أنه يجوز الرمي بحجر قد رمي به . 8- الترتيب بين الصغرى ثم الوسطى ثم الكبرى . لا بد أن يراعي الترتيب في جمار أيام التشريق ، يرمي الصغرى ثم الوسطى ثم الكبرى ، فلو خالف فرمى الكبرى ثم الوسطى ثم الصغرى أجزأه عن الصغرى ، ويأتي بالوسطى ثم الكبرى ، ولو أنه رمى الصغرى ثم الكبرى ثم الوسطى أجزأه في الصغرى ، ثم يأتي بالوسطى ثم الكبرى ، فيشترط الترتيب ، إليه ذهب المالكية ، والشافعية ، والحنابلة ، وبعض الحنفية؛ لأن هذا هو فعل النبي صلى الله عليه وسلم القول الثاني : ذهب الحنفية ، وهو رأي عطاء ، والحسن ، واختيار ابن حزم ، إلى عدم اشتراط الترتيب ، فلو رمى جمرة قبل جمرة ، الكبرى ثم الوسطى ثم الصغرى ، أو رمى الصغرى ثم الكبرى مثل الوسطى ، فلا بأس ، فلا يشترط الترتيب بينها ، بل الترتيب سنة . أدلتهم : الدليل الأول : ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم [من قدم نسكا بين يدي نسك فلا حرج]وهذا يروى ذكره القرطبي ، وابن قدامة وغيرهم بدون إسناد ، فإن صح عن النبي صلى الله عليه وسلم ، حمل على تقديم نسك على نسك آخر ، لكن هنا قدم بعض نسك على البعض الآخر ، فهو خلاف ما جاء في النص . الدليل الثاني : أنها أنساك متكررة في أمكنة متفرقة ، في وقت واحد ، وليس بعضها تابعا لبعض ، فلا يشترط الترتيب بينها . وهذا منقوض بتعليل ذكره أصحاب القول الأول ، أن رمي الجمار نسك متكرر ، فاشترط فيه الترتيب كالسعي ، السعي نسك متكرر ، واحد ... اثنان ... ثلاثة ... فاشترط فيه الترتيب أن يبدأ بالصفا ثم المروة ، والمروة ثم الصفا ... فلو بدأ بالمروة ثم الصفا لم يصح الشوط ، فالسعي نسك متكرر ومع ذلك اشترط فيه الترتيب . الراجح : ما ذهب إليه الجمهور ، ولا يستطيع الإنسان الجزم ، لو جاء شخص قد رمى الجمار غير مرتب لا يجرؤ الإنسان بعد الفعل أن يقول : فعلك باطل ، نعم الأصل أن يقال للإنسان : لا ترم إلا مرتبا ، والعالم والفقيه وطالب العلم ومفتي الحجاج ومفتي الحج ، يبين للناس هذا الأمر ، ويذكر أن هذا لا بد منه ، وأنه شرط من شروط رمي الجمار ، لكن إذا وقع لا يبطله ، لو لاحظتم ، ما عندنا إلا تعليلات ، ليس عندنا نص عن النبي صلى الله عليه وسلم ، سوى مجرد فعله ، ومجرد الفعل لا يدل على الوجوب ، إلا إذا احتفت به قرائن ، لكن الأصل عدم الوجوب . 9- أن تقع الحصى في الحوض ، ولا يشترط إصابة الشاخص . الشاخص المعترض الآن كان قديما عمودا ، لا تشترط إصابته ، بل المشترط أن تقع الحصى في الحوض ، فإن وقعت في الحوض وخرجت منه أجزأت ، وهذا لا خلاف فيه ، أي أن تقع في الحوض ، لو وقعت دون الحوض لم تجزئ ، قال شيخنا (لو رماها
عدد الصفحات ٢١٧مختصر كتاب المناسك 2 فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 59 فوقعت في الحوض وخرجت أجزأت ، ولو وقعت خارجا منه ثم دخلت فيه بدون فعل فاعل أجزأت ، فإن رماها فوقعت في الشاخص وخرجت أجزأت) . الشك في عدد الحصى : المذهب : لا يجزئه ، لأن الأصل بقاء الرمي في ذمته ، فلو قال : لا أدري ، رميت أربعا أم خمسا ، يقال : الأصل عدم براءة الذمة ، والأصل أن الذمة لا تزال مشغولة . وذهب الحنابلة في رواية هي مذهب الشافعية ، واختيار شيخنا : أنه يبني على غالب ظنه . الشك في وقوعها في الحوض : لو شك هل وقعت الحصاة في الحوض أم لا؟ . المذهب : لا تجزئه ، لأن الأصل بقاء الرمي عليه حتى يتيقن من وقوعها في الحوض . القول الثاني : يجزئه ذلك ، و يبني على غالب ظنه ، وهو مذهب الشافعية ، والحنابلة في رواية ، واختيار شيخنا ابن عثيمين ، وبعض محققي أهل العلم ، لأن الظاهر دليلٌ ، ولأن العبادات مبناها على غلبة الظن . غسل حصى الجمار : هذه المسألة مختلف فيها على قولين : القول الأول : أنه لا يشرع غسل حصى الجمار ، إليه ذهب عطاء ، وهو مذهب المالكية ، والحنابلة في رواية ، قال الإمام أحمد رحمه الله (لم يبلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم فعله) ولو كان خيرا لسبقونا إليه . القول الثاني : أنه يستحب غسل حصى الجمار ، إليه ذهب عبد الله بن عمرو ،والشافعية ، والحنابلة في رواية ، وقالوا : هو منقول عن ابن عمر ، وابن عمر كان يتحرى السنة ، ونوقش : أنه لم يثبت عن ابن عمر ، وإن ثبت فهو اجتهاد منه، ولم يفعله كبار الصحابة ، كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي ، فلم يثبت عنهم ولا عن النبي صلى الله عليه وسلم غسل الحصى . الراجح : أنه لا يغسل الحصى ، إذ لا معنى ولا فائدة في غسله . قال رحمه الله : يَرْفَعُ يَدَه حتى يُرَى بياضُ إِبِطِه . قالوا : لأنه أعون على الرمي ، وهذا يحتاج إليه إذا كان يرمي من بعد ، أما إذا كان يرمي من قريب فإنه لا يحتاج إلى أن يرفع يده ، بل يرمي بما يدخل في مسمى الرمي . قال رحمه الله : ويُكَبِّرُ مع كلِّ حَصاةٍ . لأن النبي صلى الله عليه وسلم ، كان يكبر مع كل حصاة ، كما ثبت في حديث جابر رضي الله عنه ، قال (.. حتى أتى الجمرة التي عند الشجرة ، فرماها بسبع حصيات ، يكبر مع كل حصاة) وهو مذهب الأئمة الأربعة . قال رحمه الله : ولا يُجْزِئُ الرميُ بغيرِها . هذا بيان للشرط السابع ، والمؤلف يتكلم عن منطوق ما تقدم ، لا يجزئ بغير الحصى ، فلو رمى بحديد أو ذهب أو فضة أو طين أو مدر ، أو خزف لم يجزئ . قال رحمه الله : ولا بها ثانيًا . تقدم أنه يشترط في الحصى ألا يكون قد رُمي به ، وهو قول ضعيف ، وأن الراجح إجزاؤه لعدم الدليل .
عدد الصفحات ٢١٨مختصر كتاب المناسك 2 فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 60 قال رحمه الله : ولا يَقِفُ . أي لا يقف عند جمرة العقبة، سواء كان ذلك في يوم النحر أم في الأيام الثلاثة الأخرى؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم، رمى جمرة العقبة ثم انصرف ولم يقف ، والعبادة تحتاج إلى توقيف علة عدم الوقوف : قالوا : لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفعله ، وهذه تكفي علة . وقيل :لأنها في عقبة في جبل ، وإذا كانت في عقبة فإنه لا يقف؛ لأن المكان يضيق وسيضيق على من يرمون . وقيل : إن الدعاء إنما يكون في جوف العبادة لا خارجها ، وجمرة العقبة بمجرد الانتهاء منها يكون قد انتهى من العبادة . الرمي راكبا أو ماشيا : النبي صلى الله عليه وسلم ، في جمرة العقبة يوم النحر رمى على بعيره ، وفي الأيام الأخرى يروى عنه أنه رمى ماشيا ، هنا اختلف أهل العلم رحمة الله عليهم ، هل يرمي راكبا أم يرمي ماشيا؟ اختلفوا على أقوال : القول الأول : أنه يستحب رمي جمرة العقبة راكبا ، وما سواها ماشيا ، مذهب المالكية ، والشافعية . أدلتهم : الدليل الأول : عن جابر رضي الله عنه ، أنه قال : (رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يرمي على راحلته يوم النحر ، ويقول [لتأخذوا عني مناسككم ، فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه] أخرجه الإمام مسلم. الدليل الثاني : أثر نافع ، قال : (كان ابن عمر يرمي جمرة العقبة على دابته يوم النحر ، وكان لا يأتي سائرها بعد ذلك إلا ماشيا ، ذاهبا وراجعا، وزعم أن النبي صلى الله عليه وسلم ، كان لا يأتيها إلا ماشيا ، ذاهبا وراجعا) أخرجه الإمام أحمد. القول الثاني : أن الرمي ماشيا أفضل، و إليه ذهب الحنابلة على الصحيح؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم، رمى جمار التشريق ماشيا . القول الثالث : أن الرمي راكبا أفضل ، و إليه ذهب الحنفية ، وبعض الحنابلة ، وهو اختيار ابن حزم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ، رمى يوم النحر راكبا . الراجح : أن يفعل الأيسر فيرميها ماشيا أو راكبا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ، رماها ماشيا وراكبا ، وإذا وربما كان هذا هو الأيسر على النبي صلى الله عليه وسلم ، فرمى ماشيا ، ورمى راكبا في حال أخرى . قال رحمه الله : ويَقْطَعُ التلبيةَ قَبْلَها . تقدم أن الحاج يقطع التلبية إذا رمى جمرة العقبة ، إذا شرع فيها قطع ، وهذا قول جمهور العلماء ، أما ابن خزيمة ، وابن حزم وطائفة ، فيرون أنه لا يقطع التلبية حتى ينتهي من رمي الجمرة . والراجح أنه يقطع التلبية إذا شرع في رمي جمرة العقبة ، لحديث (فلم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة) . قال المؤلف رحمه الله : ويَرْمِي بعدَ طُلوعِ الشمسِ . هذا وقت رمي جمرة العقبة فسيتكلم عنها هنا ، وما يتعلق برمي أيام التشريق فسيذكره المؤلف بعدُ . وقت الرمي لجمرة العقبة : أجمع أهل العلم رحمة الله عليهم ، على أن أفضل وقت لرمي جمرة العقبة بعد طلوع الشمس من يوم النحر ، كفعل النبي صلى الله عليه وسلم ، وأجمعوا على أن النبي صلى الله عليه وسلم ، رمى بعد طلوع الشمس ، وهذا دلت عليه النصوص ، كحديث جابر
عدد الصفحات ٢١٩مختصر كتاب المناسك 2 فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 61 وغيره ، ولذا أجمع العلماء على أن النبي صلى الله عليه وسلم رماها ضحى ، وأن أفضل وقت لرميها ضحى يوم النحر وقال ابن المنذر رحمه الله (وأجمعوا على أن من رماها من طلوع الشمس إلى الزوال يوم النحر فقد أصاب سنتها ووقتها المختار) . قال رحمه الله : ويُجْزِئُ بعدَ نِصفِ الليلِ . معناه أن وقت الرمي يبتدئ من نصف الليل ، وقد تقدم أن الدفع ليلة المزدلفة يكون بعد منتصف الليل ، على المذهب ، ومذهب الشافعية ، فإذا دفع بعد منتصف الليل يرمي إذا وصل إلى منى ، وقد تقدم من قبل أن وقت الدفع هو بعد غياب القمر ، هذا هو الراجح؛ لحديث أسماء رضي الله عنها ، وتقدم أن الأفضل في الدفع أن يكون بعد الفجر ، كفعل النبي صلى الله عليه وسلم ، قبيل طلوع الشمس ، بعد أن يسفر جدا ، لكن لو دفع آخر الليل لم يكن تاركا لواجب . بدء وقت جواز رمي جمرة العقبة : اختلف العلماء في هذه المسألة على أربعة أقوال : القول الأول : أن وقت رمي جمرة العقبة يبدأ من منتصف ليلة مزدلفة ، وهذا رأي عطاء ، وعكرمة ، وابنِ أبي ليلى ، والشعبي ، وطاوس ، ومجاهد ، والنخعي ، وابن جبير ، ومذهب الشافعية ، والحنابلة . أدلتهم : الدليل الأول : عن عائشة رضي الله عنها قالت : (أرسل النبي صلى الله عليه وسلم بأم سلمة ليلة النحر ، فرمت الجمرة قبل الفجر ، ثم مضت فأفاضت) أخرجه أبو داود وصححه النووي ، وضعفه الإمام أحمد والألباني. الدليل الثاني : أثر أسماء ، من حديث عبد الله مولاها ، أنها نزلت ليلة جمع عند المزدلفة ، فقامت تصلي حتى غاب القمر ثم مضت فرمت الجمرة ، ثم رجعت فصلت الصبح في منزلها وقالت( إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أذن للظعن) أي للضعفة والنساء . متفق عليه . القول الثاني : أن وقت رمي جمرة العقبة يبتدئ من طلوع الفجر الثاني ، إليه ذهب المالكية ، والحنفية ، والحنابلة في رواية ، وهو رأي إسحق ، وابن المنذر . أدلتهم : الدليل الأول : عن ابن عمر (أنه كان يقدم الضعفة من أهله فيقفون عند المشعر الحرام بالمزدلفة بليل ، فيذكرون الله ما بدا لهم ، ثم يرجعون قبل أن يقف الإمام ، وقبل أن يدفع ، فمنهم من يقدَم منى لصلاة الفجر ، ومنهم من يقدم بعد ذلك ، فإذا قدموا رموُا الجمرة ، وكان ابن عمر يقول : أرخص في أولئك رسول الله صلى الله عليه وسلم) أخرجه الإمام البخاري ومسلم. الدليل الثاني : عن ابن عباس (أن النبي صلى الله عليه وسلم ، بعث به مع أهله إلى منى يوم النحر ، فرموا الجمرة مع الفجر) أخرجه الإمام أحمد . القول الثالث : أن وقت رمي جمرة العقبة يبدأ بعد طلوع الشمس يوم النحر ، وهذا رأي مجاهد ، والنخعي ، وطاوس ، والثوري ، ومعنى ذلك أنهم إذا دفعوا بعد منتصف الليل ، يبقون ينتظرون حتى تطلع الشمس ، فإذا طلعت الشمس رموا . أدلتهم : الدليل الأول : عن جابر ، قال : (رمى النبي صلى الله عليه وسلم الجمرة يوم النحر ضحى ..) فلا يجوز لأحد أن يرمي قبل الوقت الذي رمى فيه ، وهو بعد طلوع الشمس .
عدد الصفحات ٢٢٠مختصر كتاب المناسك 2 فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 62 الدليل الثاني : عن ابن عباس : (أن النبي صلى الله عليه وسلم قدم ضعفة أهله ، وقال [ :لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس] ) و رواية : قدَّمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة المزدلفة أغيلمة بني عبد المطلب على جمرات ، فجعل يلطخ أفخاذنا ويقول [ :أي بَني ، لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس] أخرجهما الإمام أحمد ، وهذا الحديث أعل بالشذوذ؛ وأعله الإمام البخاري رحمه الله بالاضطراب . ونوقش : بأن الحديث إن صح فهو محمول على الاستحباب ، أي استحب لهم ألا يرموا حتى تطلع الشمس . القول الرابع : أنه يجوز الرمي بعد طلوع الفجر الثاني للضعفة ، وأما من كان مع الضعفة من الأقوياء فإنهم لا يرمون حتى تطلع الشمس ، وذهب إليه ابن القيم ، والشنقيطي صاحب الأضواء ، و هذا القول جمع الأدلة ، فالنصوص التي جاء فيها الرمي بعد طلوع الشمس تحمل على غير الضعفة ممن كان معهم ، وأما الضعفة فإنهم لا يرمون إلا بعد طلوع الفجر للأحاديث السابقة . إذا نظرت إلى الأحاديث وجدت فيها أحاديث تفيد جواز الرمي قبل طلوع الفجر ، وأحاديث فيها أنهم رموا بعد طلوع الفجر ، وأحاديث نهاهم عن الرمي إلا بعد طلوع الشمس ، الإشكال في الحديث الأخير ، النهي عن الرمي حتى تطلع الشمس ، وهذا الإشكال مع أثر أسماء ، رضي الله عنها ، أن النبي صلى الله عليه وسلم ، أذن للظعن ، وهي رمت قبل أن تصلي الفجر ، وصلت الفجر في منزلها ، ورفعت هذا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، وهنا لا بد أن يصار إلى القول بالاستحباب كما ذكر النووي ، إن صحت الزيادة بعد طلوع الشمس ، يبقى الرمي قبل الفجر والرمي بعد طلوع الفجر ، حديث ابن عمر لما دفع بأهله ، وقال إن الرسول صلى الله عليه وسلم أرخص لأولئك ، منهم من يقدم مع الفجر ومنهم من يقدم بعد ذلك ، قد يقال : إن ابن عمر رأى أنهم يقفون بليل في المزدلفة ، فيذكرون الله ما بدا لهم ، ثم يدفعون ، ودفعهم قضية عين ، قد يتأخرون بسبب الطريق ، قد يضيعون ، قد يذهبون يسارا أو يمينا ، قد يزحمون ، وهم في ليل لا يرون الطريق ، وقد يتأخرون ، فهذا لا يدل على المنع من الرمي قبل طلوع الفجر ، يبقى أثر أسماء رضي الله عنها ، أن النبي صلى الله عليه وسلم ، أذن للظعن ، ورفعها له إلى الرسول عليه الصلاة والسلام ، فدل على جواز الرمي قبل طلوع الفجر ، فاجتمعت مجموعة من الأحاديث ، حديث فيه زيادة علم ، وما كان فيه زيادة علم فإنه يقدم على غيره . الراجح : أنه متى ما أذن لهم بالدفع جاز لهم الرمي ، فما الفائدة من أن يدفعوا ثم يبقوا محبوسين حتى يطلع الفجر أو تطلع الشمس؟ بل يقال : متى ما وصلوا إلى منى فإنهم يبادرون إلى رمي جمرة العقبة ، وتحية منى رمي جمرة العقبة ، لذا لا يقدم عليها شيئا ، بل ذكر أهل العلم أنه يرميها راكبا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ، رماها راكبا ، حتى لا يشتغل بالنزول والذهاب .... الخ ، فيترتب الحكم فيها على ما تقدم ، إذا قيل يجوز الدفع ، فإنه متى ما وصل إلى منى رمى جمرة العقبة ، هذا الأقرب والله أعلم . آخر وقت رمي جمرة العقبة : لا إشكال في أن النبي صلى الله عليه وسلم ، رمى في الضحى ، إجماعا ، ولا خلاف عند أهل العلم أن رميها ضحى أفضل ، ولا خلاف عندهم أن من رماها قبل المغرب فقد رماها لوقتها؛ لأنه رمى في يوم النحر ، يقول ابن عبد البر (وأجمعوا على أن من رماها يوم النحر قبل المغيب فقد رماها في وقت لها ، وإن لم يكن ذلك مستحبا) . لكنهم اختلفوا في آخر الوقت على أقوال : القول الأول : أن وقتها يمتد إلى غروب الشمس ، ورميها بالليل قضاء وعليه دم ، و إليه ذهب المالكية ، والشافعية في وجه. أدلتهم :
عدد الصفحات ٢٢١ذلك مستحبا) . لكنهم اختلفوا في آخر الوقت على أقوال : القول الأول : أن وقتها يمتد إلى غروب الشمس ، ورميها بالليل قضاء وعليه دم ، و إليه ذهب المالكية ، والشافعية في وجه. أدلتهم : الدليل الأول : أن النبي صلى الله عليه وسلم ، لم يثبت عنه أنه رماها بليل ، لكن يقولون : يقضي ليلا ، وعليه دم بسبب التأخير .
عدد الصفحات ٢٢١مختصر كتاب المناسك 2 فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 63 الدليل الثاني : عن ابن عباس وابن عمر : (أن النبي صلى الله عليه وسلم رخص للرعاء في الرمي ليلا) ، وحسنه ابن حجر ، قالوا : والترخيص لا يكون إلا في أمر واجب ، فالرمي في النهار يكون واجبا . القول الثاني : أن وقت الرمي يمتد إلى غروب الشمس ، فإن لم يرم قبل ذلك فإنه يرمي إلى طلوع الفجر قضاء مع الكراهة ويجزئه ، ولا شيء عليه ، وإن أخر إلى أيام التشريق جاز وعليه دم ، وهذا مذهب الحنفية . القول الثالث : أن وقت رمي جمرة العقبة يمتد إلى آخر أيام التشريق ، ولا شيء عليه ، وهو مذهب الشافعية ، و الحنابلة ، لكن قال الحنابلة : إذا أخره لا يرمي إلا بعد الزوال من الغد . دليلهم : أن أيام التشريق وقت للرمي ، فإذا أخره عن يوم النحر إلى أيام التشريق ، فقد أخر الفعل من أول وقته إلى آخر وقته ، فجاز التأخير ، ولا شيء عليه . الرمي ليلا : تقدم عندنا مجموعة ممن يجيزون الرمي ليلا ، المالكية ، وعليه دم عندهم ، والحنفية ، والشافعية يرون الرمي في كل وقت ، والحنابلة يقولون بعد الزوال. أدلة جواز الرمي ليلا : الدليل الأول : عن ابن عباس رضي الله عنهما ، قال (كان النبي صلى الله عليه وسلم يسأل يوم النحر بمنى ، فيقول [لا حرج] فسأله رجل فقال : حلقت قبل أن أذبح ، قال [اذبح ولا حرج] وسأله رجل ، فقال له : رميت بعدما أمسيت ، فقال [لا حرج] أخرجه الإمام البخاري ، فقوله بعدما أمسيت أي بعد دخول المساء ، ويدخل فيه ما بعد الزوال إلى أن يشتد الظلام ، هذا كله يعتبر مساء . الدليل الثاني : أثر عن نافع (أن ابنة أخ صفية بنت أبي عبيد نفست بالمزدلفة ، وتخلفت هي وصفية حتى أتتا منى بعد ما غربت الشمس من يوم النحر ، فأمرهما عبد الله بن عمر أن ترميا الجمرة حين أتتا ولم ير عليهما شيئا) أخرجه الإمام مالك في موطئه . قال رحمه الله : ثم يَنْحَرُ هَدْيًا إن كان معه . أي إن كان متمتعا أو قارنا نحر هديه إن كان معه هدي ، وهذا الذي فعله النبي صلى الله عليه وسلم ، لما رمى الجمرة قال جابر رضي الله عنه ، (ثم انصرف إلى المنحر فنحر) هذا النسك الثاني في يوم النحر . قال رحمه الله : ويَحْلِقُ أو يُقَصِّرُ من جميعِ شَعْرِه . الحلق : أن يستخدم الموسى ، والتقصير : أن يستخدم المقص أو الماكينة أو غير ذلك . وهو مخير بين الحلق والتقصير، أيهما أفضل؟ لا شك أن الحلق أفضل؛ لحديث عائشة رضي الله عنها ، وحديث أبي هريرة ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال [ :اللهم اغفر للمحلقين ، قالوا : يا رسول الله ، والمقصرين؟ قال : اللهم اغفر للمحلقين ، قالوا : يا رسول الله ، والمقصرين؟ قال : اللهم اغفر للمحلقين ، قالوا : والمقصرين؟ قال : والمقصرين] و بعض الألفاظ [اللهم ارحم] والحديث متفق عليه ، فدعا للمحلقين ثلاثا ، ودعا للمقصرين واحدة ، فدل على أن الحلق أفضل من التقصير ، والنبي صلى الله عليه وسلم ، لم يثبت عنه أنه كان يحلق شعره إلا في حج أو عمرة ، فدل على أن الحلق أفضل من التقصير . والدليل على جواز الفعلين قوله تعالى : {لَتَدْخُلُن الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آَمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ}أي منكم المحلق ومنكم المقصر ، فدل على جواز الفعلين ، ولكن الأفضل الحلق .
عدد الصفحات ٢٢٢مختصر كتاب المناسك 2 فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 64 مقدار الحلق والتقصير : اختلف العلماء في هذه المسألة على ثلاثة أقوال : القول الأول : أنه يجب أن يحلق وأن يقصر من جميع شعره ، و إليه ذهب المالكية ، والحنابلة رحمهم الله . أدلتهم : الدليل الأول : قول الله تعالى {مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ} فأمر بحلق جميع الرأس ، ولم يقل : بعض رؤوسكم ، ولا يجوز العدول عن ظاهر النص إلا بدليل . الدليل الثاني : أن الفعل المضاف إلى الرأس يشمل جميعه ، فالمقصر والمحلق لا يصدق عليه أنه حلق أو قصر بعضه؛ لأن الفعل مضاف إلى الرأس ، ولا يصدق عليه إذا حلق بعضه أو قصر بعضه . القول الثاني : أنه يكفي حلق أو تقصير ربع الرأس ، و إليه ذهب الحنفية رحمهم الله . دليلهم : أن الربع يقوم مقام الكل في القرب التي تتعلق بالرأس ، مثل : مسح الرأس في الوضوء ، يقولون : يكفي ربع الرأس ، وكذلك هنا ، يكفي ربع الرأس . ويناقش : بأن هذه مسألة مختلف فيها ، ليس مسح بعض الرأس متفقا عليه ، المالكية ، والحنابلة يرون وجوب استيعاب مسح الرأس جميعا ، ولا يكفي مسح الربع . القول الثالث : أنه يكفي حلق ثلاث شعرات فصاعدا ، إليه ذهب الشافعية رحمهم الله . أدلتهم : الدليل الأول : قول الله تعالى {مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ}أي شعر رؤوسكم ، وأقل الجمع ثلاثة . الدليل الثاني : أن حلق ثلاث شعرات يسمى حلقا ، فمن حلق رأسه أو بعضه ، أو حلق ربعه ، أو حلق ثلاث شعرات يسمى في عرف الناس حالقا ، لذا يجب الدم - كما عندنا - على من حلق ثلاثا ، فكذلك إذا حلق ثلاثا عند الحل فقد حل ، وصدق عليه أنه قد حلق ، وإذا صدق عليه أنه قد حلق فالواجب حلق ثلاث شعرات فقط . وحملوا فعل النبي صلى الله عليه وسلم ، على الاستحباب لا على الوجوب . الراجح : والله أعلم هو وجوب تعميم الرأس بالحلق ، وإذا حلق بعضه لم يجزئه ، لكن ليس المراد أن يأخذ من كل شعرة بعينها ، إنما المراد أن يعم جميع رأسه بالحلق ، وبناء عليه لا يجزئ ما يفعله كثير من الناس على المروة أو خارج الحرم من أن أخذ شيئ يسير من الأمام والجانب والخلف ، هذا لا يجزئ ، لا بد من التعميم ، لكن على مذهب الشافعية يجزئ ، وعلى قول الحنفية إذا كان أخذ ربع الرأس أجزأ ، وهذا قد يحتاج إليه الفقيه بعد الوقوع ، لو جاء إليه مستفت وقال : قبل أربع سنوات فعلت هذا الفعل ، وتزوجت ، ولدي أولاد ، واعتمرت ، وفعلت هذا الفعل ، فما حكم فعلي هذا؟ إذا قلت له : هذا الفعل غير صحيح ، ولا تزال محرما ، فمعناه أن عقده يحتاج إلى تجديد ، إلى غير ذلك ، فقد يصار إلى هذا في حال الضرورة . حكم الحلق والتقصير في الحج والعمرة : هذه المسألة اختلف فيها العلماء على قولين : القول الأول : أن الحلق والتقصير واجبان من واجبات الحج والعمرة ، إليه ذهب الجمهور ، فهو مذهب عطاء ، والحنفية ، والمالكية ، والحنابلة .
عدد الصفحات ٢٢٣مختصر كتاب المناسك 2 فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 65 أدلتهم : الدليل الأول : قول الله عز وجل {مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ}وهو خبر بمعنى الأمر ، أي : لِتحلقوا رؤوسكم ولتقصروا. الدليل الثاني : أن الله عز وجل أطلق الحلق والتقصير على العمرة ، وإطلاق جزء العبادة على كلها يدل على وجوب ذلك الجزء فيها ، كقول الله عز وجل {وَقُرْآَنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآَنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا} القول الثاني : أن الحلق والتقصير ركنان من أركان الحج والعمرة ، إليه ذهب الشافعية رحمهم الله . أدلتهم : الدليل الأول : الأحاديث السابقة ، وحملوها على أنهما ركنان من أركان الحج . الدليل الثاني : أن الفدية لا تقوم مقام الحلق والتقصير ، فلو قدر أن في رأسه مرضا ، ولا يستطيع أن يحلق أو يقصر ، فإنه يصبر حتى يبرأ ، ثم يحلق أو يقصر ، فلا يقوم مقام الحلق والتقصير شيء ، وإذا لم يستطع أن يحلق ينتظر حتى يحلق ، وإذا نسي أن يحلق ، يظل محرما حتى يحلق أو يقصر ، وهذا دليل قوي؛ لأن الواجب إذا نسيه فإنه يفدي ويسقط عنه. لكن يمكن أن يقال : هذا الواجب يمكن تداركه؛ لأنه لا وقت له على الراجح ، لا حد له إلا حد معين سيأتي ، وإذا كان لا وقت له فمعناه جواز التأخير ، ومتى ما ذكر فإنه يحلق ، خاصة في العمرة ، لو اعتمر ، طاف وسعى ، وبقي محرما ولم يحلق ، يقال : ابق محرما ، حتى لو بقيت شهرا أو شهرين أو ثلاثة ، المهم أنك تظل محرما ، حتى تحلق أو تقصر ، ودليلهم هذا قوي . الراجح : هو القول الأول والله أعلم ، أن الحلق والتقصير واجبان من واجبات الحج والعمرة . قال رحمه الله : وتُقَصِّرُ منه المرأةُ أَنْمُلَةً . قوله :(أنملة) الأنملة : المفصل الأعلى من الإصبع الذي فيه الظفر، فتقصر قدر أنملة ، وإما أن يكون شعرها مظفرا، فتأخذ من ظفائر شعرها قدر أنملة من أسفلها، فإن لم تكن مظفرة فإنها تجمع شعرها إلى الخلف ، والبعض يقول إلى الأمام ، ثم تقص من أطرافه قدر أنملة ، والتحديد بأنملة مروي عن ابن عمر . والمرأة لا تحلق بل تقصر ، لحديث ابن عباس رضي الله عنهما ،ليس على النساء حلق ، وإنما عليهن التقصير]خرجه أبوداود ، والبيهقي ، وقواه الإمام البخاري ، وأبوحاتم ، وحسنه النووي ، وابن حجر . مقدار الأنملة تحديد أم تقريب : اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين : القول الأول : أنه على سبيل التحديد ، وليس على سبيل التقريب ، أنملة وزيادة ، لا تُنقص منها ، هذا مذهب الحنفية ، والحنابلة في قول . القول الثاني : أنه على سبيل التقريب ، على قدر الأنملة ، تنقص قليلا أو تزيد قليلا لا بأس به ، إليه ذهب المالكية ، والشافعية ، والحنابلة ، قال الإمام مالك رحمه الله (ليس لذلك حد معلوم ، وما أخذت منه أجزأها) لكن عند المالكية ، والحنابلة لا بد أن تعم بالتقصير الشعر كله ، طويل الشعر وقصيره ، وذلك أنها عبادة متعلقة بالرأس ، فكان الحكم فيها الاستيعاب ، كالمسح في الوضوء ، تضم ظفائرها ثم تقص منها قدر أنملة . وقد يشكل ، كيف تعم رأسها بالقص؟ ذكر المالكية أنها تأخذ نهاية شعر رأسها كله ، فإذا أخذت نهاية الشعر وضمته وقصت منه فهذا هو المقصود ، ليس المقصود أن تأخذ من يمين ويسار مثل الرجل ، هذه مشكلة بالنسبة للمرأة؛ لأنه يؤدي إلى التمثيل بها
عدد الصفحات ٢٢٤مختصر كتاب المناسك 2 فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 66 وتشويه شعرها ، لذا قال الإمام الشافعي رحمه الله (وأحب أن تجمع ظفائرها ، وتأخذ من أطرافها قدر أنملة لتعم الشعر كله ، وإن قصرت ثلاث شعرات أجزأها كالرجل) . فإن قال قائل : بعض قصات النساء الآن تجعل شعرها مدرجا ، فماذا تفعل؟ الجواب : تأخذ شعرها من الخلف وتقصه؛ لأن المرأة إذا ظفرت شعرها فالشعر منه الطويل ومنه القصير ، إذا نظرت تجد بعض الظفائر يكون الشعر فيها إلى النصف ، وبعضها إلى الثلث ، أو الثلثين ، وبعضها إلى نهاية الشعر ، لذا يكون آخر الظفيرة غير كثير ، تقصر من أسفله ولا يضرها ، وإذا كان مدرجا فإنها تجمع شعرها من تحت وتقصه ويكفيها . قال رحمه الله : والحِلاقُ والتقصيرُ نُسُكٌ . هل الحلق والتقصير نسك وعبادة مقصودة؟ أم إنهما إطلاق من محظور؟ ومعنى إطلاق محظور : علامة على الحل ، حيث استباح ما هو محظور؟ هل المعنى الأول أو الثاني؟ المؤلف يرى أنهما نسك ، أي إنه نسك مقصود وعبادة مطلوبة ، وأما إذا قلنا إنه إطلاق من محظور ، وأنه علامة على الحل حيث استباح ما هو محظور عليه ، بناء عليه لا فرق بين حلق الرأس وحلق العانة ، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية؛ لأن هذا علامة على الحل ، وأنه استباح ما كان محرما عليه ، فإذا حلق عانته أو حلق رأسه لم يكن فرق بين الأمرين ، كلاهما واحد ، وإذا قيل : هو إطلاق من محظور ، فيكفي فيه شعرات يسيرة؛ لأنه استباح ما كان محظورا عليه ، فأخذ شعرة أو شعرتين أو ثلاث لا يجوز ، فإذا أخذها اقتضى ذلك أنه حل . هل الحلق والتقصير نسك : اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين : القول الأول : أنهما نسكان من مناسك الحج والعمرة، و إليه ذهب الحنفية ، والمالكية ، والشافعية في أصح القولين ، والحنابلة على الصحيح . أدلتهم : الدليل الأول : قول الله تعالى : {لَتَدْخُلُن الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آَمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ}فوصفهم بالحلق والتقصير ، ولو لم يكونا من المناسك لما وصفهم بهما ، كاللبس وقتل الصيد ، اللبس وقتل الصيد محظوران من محظورات الإحرام ، ولو كانا نسكين لوصفهم بهما ، لكن وصفهم بالحلق والتقصير ، يدل على أنهما نسك مقصود ، وليسا إطلاقا من محظور إذا استباحه حل . الدليل الثاني : أن النبي صلى الله عليه وسلم ، دعا للمحلقين والمقصرين ، مما يدل على أنه نسك مقصود . القول الثاني : أن الحلق والتقصير إطلاق من محظور ، وهو رأي أبي يوسف من الحنفية ، وهو مروي عن بعض المالكية ، وذهب إليه الشافعية في قول ، والحنابلة في رواية . أدلتهم : الدليل الأول : أن التقصير والحلق لم يأمر بهما النبي صلى الله عليه وسلم في الحل ، واستدلوا بحديث أبي موسى رضي الله عنه ، قال (قدمت على النبي صلى الله عليه وسلم فقال [بم أهللت؟ قلت : لبيك بإهلالٍ كإهلال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : أحسنت ، فأمرني فطفت بالبيت وبالصفا والمروة ، ثم قال له : حِلّ ]و يأمره بالتقصير ، فدل على أنهما ليسا نسكا ، وإنما هما إطلاق من محظور .
عدد الصفحات ٢٢٥مختصر كتاب المناسك 2 فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 67 الدليل الثاني : حديث جابر رضي الله عنه ، لما سعوا بين الصفا والمروة قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم [ :من كان منكم ليس معه هدي فليحل وليجعلها عمرة] أخرجه الإمام مسلم ، وما أمرهم بالتقصير . نوقش : بأنه جاء في الأحاديث الأخرى كحديث ابن عمر أنه صلى الله عليه وسلم أمرهم بالتقصير ، فقال [من لم يكن منكم أهدى فليطف بالبيت وبالصفا والمروة و ليقصر و ليحل].. متفق عليه ، وقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم في حديث جابر [أحلوا من إحرامكم فطوفوا بالبيت وبين الصفا والمروة ، وقصروا ، وأقيموا حلالا] متفق عليه ، واستدلالهم بحديث أبي موسى وحديث جابر غريب ، مع أن في الأحاديث الأخرى عن ابن عمر وجابر وابن عباس وغيرها ، جاء الأمر فيها بالتقصير ، والشريعة كل واحد ، يضم بعضها إلى بعض ، وإذا كان صلى الله عليه وسلم ، لم يذكرها في بعض الأحاديث ، فقد ذكرها في أحاديث أخرى ، فتحمل هذه على هذه . الراجح : هو القول الأول والله أعلم ، أن الحلق والتقصير نسكان مقصودان ، وليسا إطلاقا من محظور ، ولذا دعا النبي صلى الله عليه وسلم ، للمحلقين والمقصرين . ثمرة الخلاف : إذا قيل : هما إطلاق من محظور ، فلا شيء على تاركهما ، ويحصل التحلل بدونهما ، وأما إذا قيل إنهما نسك ، لم يحصل التحلل إلا بفعلهما . قال رحمه الله : ولا يَلْزَمُ بتأخيرِه دَمٌ . وقت الحلق : الأصل أن الحاج يحلق إذا رمى ثم نحر ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم ، كما في حديث أنس وغيره ، رمى الجمرة ، ثم ذهب إلى منزله ، وأُتي بذِبح ، فذبح ، ثم دعا بالحلاق فناوله شقه الأيمن ، وحلق عليه الصلاة والسلام ، وذلك في ضحى يوم النحر ، فبعد أن يرمي ، يذبح ثم يحلق. وفي العمرة إذا انتهى من عمرته ، لذا كان يقول الفقهاء : يحلق ويقصر على المروة ، هذا جاء في حديث معاوية ، أنه قصر شعر النبي صلى الله عليه وسلم بمشقص على المروة . تأخير الحلق عن زمانه : هل له أن يؤخر الحلق عن يوم النحر وأيام التشريق؟ المؤلف يقول: (لا يلزم بتأخيره دم) أي: يجوز له أن يؤخر عن أيام النحر ، وهي العاشر والحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر على الراجح ، وهذه المسألة اختلف فيها العلماء على قولين : القول الأول : أنه يجوز تأخير الحلق والتقصير عن أيام التشريق ، ولا حرج في ذلك ، ولا شيء عليه ، إليه ذهب المالكية وقيدوه بشهر ذي الحجة ، والشافعية ، والحنابلة ، وإن كان الشافعية قد رأوا جواز التأخير مطلقا. أدلتهم : الدليل الأول : أن الله عز وجل بين أول زمان الحلق ، ولم يبين آخره ، فمن أتى به أجزأه ، كطواف الإفاضة والسعي ، يجوز للإنسان أن يؤخرهما . الدليل الثاني : أنه نسك أُخر إلى وقت جواز فعله ، فأشبه السعي ، فلا بأس بتأخيره عن أيام التشريق؛ لأنه فعل يجوز تأخيره في وقته ، فيجوز تأخيره هنا .
عدد الصفحات ٢٢٦مختصر كتاب المناسك 2 فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 68 القول الثاني : أن من أخر الحلق إلى بعد أيام التشريق فإن عليه دما ، و إليه ذهب الحنفية ، والحنابلة في رواية دليلهم : أنه نسك أخر عن زمانه ، فكان كتركه ، ومن ترك نسكا فعليه دم . الراجح : هو القول الأول ، أنه يجوز تأخير الحلق والتقصير عن أيام التشريق والنحر ، العاشر والحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر ، لكن هل يجوز التأخير إلى ما بعد شهر ذي الحجة؟ هذه المسألة تنبني على خلاف السابق في أشهر الحج ما هي ، فإذا قيل : أشهر الحج ثلاثة ، شوال وذو القعدة وذو الحجة ، وهو مذهب المالكية ، فلا يجوز التأخير عن شهر ذي الحجة ، وإذا قيل : هي شوال وذو القعدة ، وعشرة أيام من ذي الحجة ، جاز التأخير؛ لأنه ليس هناك حج ، أشهر الحج قد انتهت . شيخنا رحمه الله يرى أنه لا يجوز التأخير عن شهر ذي الحجة ، ولا يجوز تأخير الطواف ولا السعي ولا ما يتعلق بالحج عن شهر ذي الحجة؛ لأنها أشهر الحج . الدم في تأخير الحلق حتى حل ومثله إذا رجع إلى بلده : إذا تحلل ولبس ملابسه قبل أن يحلق ، وكذا رجع إلى بلده ، هل عليه دم أو لا؟ اختلف العلماء على قولين : القول الأول : أنه إذا أخر الحلق حتى حل ، أو رجع إلى بلده ، فلا شيء عليه ، وإليه ذهب الشافعية ، والحنابلة أدلتهم : الدليل الأول : عدم الدليل على وجوب الدم ، لكن يجب عليه أن يحلق رأسه ولا شيء عليه . الدليل الثاني : أدلة أصحاب القول الأول في المسألة السابقة ، أنه يجوز تأخير الحلق والتقصير عن أيام التشريق وعن أيام منى ، فإذا جاز هنا جاز هنا ، فإذا أخر حتى حل فلا دم عليه ، لكن يؤمر بالحلق أو التقصير القول الثاني : أنه إذا أخر الحلق حتى حل ، أو رجع إلى بلده ، فعليه دم ، وهو مذهب الحنفية ، والمالكية . أدلتهم : الدليل الأول : أنه نسك ، فيأتي به في إحرام الحج كسائر الأنساك . الدليل الثاني : أن تأخير الواجب بمنزلة الترك في حق وجوب الجابر ، فوجب عليه دم لتأخيره عن وقته . الراجح : القول الأول ، أنه إذا أخر الحلق حتى حل ، أو رجع إلى بلده ، فلا شيء عليه ، لكن عليه أن يحلق ، ولا دليل على إيجاب الدم عليه في هذه الحال . تأخير الحلق عن مكانه : مكان الحلق هو الحرم ، يحلق في منى أو مكة ، فإذا لم يحلق ففي المسألة خلاف على قولين : القول الأول : أن الحلق لا يختص بمكان ، فيجوز أن يحلق في أي مكان ، في مكة ، في الحرم ، في جدة ، إذا رجع إلى أهله .... الخ ، لكن يبقى محرما ، و إليه ذهب المالكية ، والشافعية ، والحنابلة . دليلهم : عدم الدليل على تخصيص مكان معين يجب الحلق فيه . القول الثاني : أنه يختص الحلق بمكان معين ، وهو الحرم ، فلا يجوز تأخير الحلق إلى غيره ، ومن حلق في غير الحرم فعليه دم ، إليه ذهب الحنفية رحمهم الله .
عدد الصفحات ٢٢٧مختصر كتاب المناسك 2 فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 69 دليلهم : أن النبي صلى الله عليه وسلم حلق في أيام النحر في الحرم ، فصار بيانا لمجمل الكتاب ، وما فُعل بيانا للمجمل فهو واجب ، وأمر الله تعالى هوقوله {مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ} ونوقش : بأن الحلق والتقصير بيان للمجمل ، وأما زمانه أو مكانه فهي صفة في بيان المجمل ، وما كان صفة في بيان المجمل فإنه ليس بواجب . الراجح : هو القول الأول ، أن الحلق لا يختص بمكان معين ، بل يجوز له أن يحلق في أي مكان ، لعدم الدليل . مسألة في الحلق : السنة أن يبدأ الحالق بيمين المحلوق ، إليه ذهب جماهير أهل العلم ، ولم يخالف إلا الحنفية ، قالوا : يبدأ بيساره؛ ليكون عن يمين الحالق نفسه ، والنبي صلى الله عليه وعلى وسلم ، دعا بالحلاق ، فناول الحلاق شقه الأيمن) . حد الحلق : ذكر أهل العلم رحمهم الله ، أن الحد الذي يحلق إليه هو العظم الذي يفصل بين الصدغ واللِّحْي ، إليه ذهب عامة أهل العلم ، ابن عمر ، وابن عباس ، وعطاء ، وابن جبير ، وهو مذهب المالكية ، والشافعية ، والحنابلة . أدلتهم : الدليل الأول : أثر ابن عمر رضي الله عنه ، كان يقول للحلاق (اُبلغ العظمين ، افصل الرأس عن اللحية) أخرجه ابن أبي شيبة ، والبيهقي . الدليل الثاني : أنه مأمور بحلق الرأس جميعا ، وهذا يستوعبه ، والاستيعاب يصل إلى حد الشعر النازل ، إلى العظم الفاصل بين الصدغ واللحي . الأصلع والحلق : جماهير أهل العلم على أن الأصلع يُمر الموسى على رأسه ، وهذا على سبيل الاستحباب والسنية لا الوجوب ، إليه ذهب ابن عمر ، وعطاء ، وابن جبير ، والنخعي ، وهو رأي المالكية ، والشافعية ، والحنابلة . دليلهم : أن ابن عمر رضي الله عنهما ، كان رجلا أصلع ، وكان يفعل هذا الفعل . القول الثاني : ذهب الحنفية إلى إيجاب تمرير الموسى على رأسه . دليلهم : قول النبي صلى الله عليه وسلم [وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم]وهذا قدر استطاعته . الراجح : ما ذهب إليه جماهير العلماء، لأن الإمرار في هذه الحال لا فائدة منه ، وبعض أهل العلم يرى أنه لا يمر؛ لأنه قد يكون نوعا من العبث ، لكن يقال لهم : إن بعض الصحابة والتابعين ذهب إليه ، فإمرار الموسى مستحب . قال المؤلف رحمه الله : ولا بتقديمِه على الرَّمْيِ والنَّحْرِ . لا يلزمه دم بتقديم الحِلاقِ والتقصير على الرمي والنحر . لكن يقال بالإجماع أن النبي صلى الله عليه وسلم ، قد أتى بأنساك يوم النحر مرتبة ، فبدأ بالرمي ، ثم بالنحر ، ثم بالحلق ، ثم بالطواف ، ولم يأت بالسعي يوم النحر؛ لأنه قارن ، قد أتى بالسعي في قدومه صلى الله عليه وسلم ، والمفرد والقارن إذا سعيا مع طواف القدوم سقط السعي عنهما يوم النحر .
عدد الصفحات ٢٢٨