مختصر كتاب المناسك 2 فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 39 الذكر حال الدفع إلى عرفة : في دفعه إلى عرفة يلبي؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يلبي حين يتنقل بين المشاعر ، وقد أخرج الإمام البخاري من حديث محمد بن أبي بكر الثقفي أنه كان مع أنس صباح الذهاب إلى الموقف وهما غاديان من منى إلى عرفات ، فسأله : كيف كنتم تصنعون في هذا اليوم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال (كان يهل المهل منا فلا ينكر عليه ، ويكبر المكبر منا فلا ينكر عليه) وجاء من حديث ابن عمر رضي الله عنهما ، قال (غدونا مع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم من منى إلى عرفات ، فمنَّ ا الملبي ومنَّ ا المكبر - وفي رواية ومنَّ ا المهلل - وأمَّ ا نحن فنكبر) أخرجه الإمام مسلم ، فالأمر في هذا واسع ، لكن الأفضل أن يقتصر على التلبية ، يلبي في ذهابه وإيابه حتى يرمي جمرة العقبة . النوم في نمرة : لما سار صلى الله عليه وسلم إلى عرفة ، أمر بقبة من شعر أن تضرب له بنمرة ، فضربت له ، وذهب إليها ونام فيها إلى قبيل الزوال ، ونمِرة ليست من عرفة ، والنبي صلى الله عليه وسلم نام في هذه القبة ، فهل النوم فيها نسك؟ أو هو نوم من أجل الراحة؟ قولان لأهل العلم ، قال شيخنا : ظاهر كلام العلماء أنه نسك مقصود ، ويذكر شيخنا رحمه الله عمن حدثه أن الذين ينامون فيها يجدون راحة عظيمة عجيبة ، وهنا ينبه الناس ، الناس غالبا يذهبون مع القطار أو مع الحملات قبيل الفجر ، وأحيانا بعد الفجر قبل طلوع الشمس ، ينبهوا إلى النوم إلى قريب الزوال؛ لأن وقت الوقوف يبتدئ من زوال الشمس ، فإذا جاءت عشية عرفة كان في أوج النشاط؛ فيزداد إيمانه ،ويدعوا كثيراً . هل نمرة من عرفة : اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين : يرى الحنابلة أنها من عرفة ؛ لأنه جاء في حديث جابر (فأجاز حتى أتى عرفة) . وأجيب عن الاستدلال بالحديث بأن قوله (أجاز حتى أتى عرفه) يعني أنه لم يبق في مزدلفة كما كانت تفعل قريش في الجاهلية ، لا يذهبون إلى عرفة ، وإنما حدهم مزدلفة؛ لأنهم يرون أنهم أهل الحرم فلا يخرجون من الحرم ، وغيرهم يذهب إلى عرفة ، القول الثاني : يرى شيخ الإسلام وابن القيم والنووي أن نمرة ليست من عرفة ، وجمع شيخنا في بعض المواضع من كتبه ، فقال : (ولو وقف في الوادي ودفع منه ، فحجه غير صحيح؛ لأن هذا ليس من عرفة شرعا ، وإن كان منها مكانا). . قال رحمه الله : وكُلُّها مَوْقِفٌ . كلها موقف بحدودها الآن ، حدودها أصبحت الآن بينة واضحة ،باللوحات ،بداية عرفة ، نهاية عرفة ، وفي حديث جابر قال [وقفت ههنا ، وعرفة كلها موقف]من جميع جهاتها . قال رحمه الله : إلا بطْنَ عُرنةَ . عرنة واد يمتد من الشمال الشرقي من عرفة إلى الجنوب الغربي ، وهو واد أمام عرفة ، ويحدده العلماء بأنه لو سقط جدار المسجد الغربي لسقط فيه ، ومعنى ذلك أن عرفة كلها موقف إلا بطن عرنة فهو ليس موقفا ، وظاهر كلام المؤلف أن عرنة من عرفة ، لأنها استثناها منها لكن تختلف عنها في الحكم ، وهذا قول لأهل العلم ، وهناك قول بأنها ليست من عرفة ، ولذا لا يصح الوقوف بها ،فإن قال قائل : لو كانت من عرفة لم لا يصح الوقوف فيها؟ اختلف العلماء : هل المنع من الوقوف بها من أجل أنها واد ، والوادي ينبغي الرفع عنه ، ولهذا جاء في الحديث [وارتفعوا عن بطن عرنة]و ينبغي للإنسان أن يبقى في بطن الوادي ، قيل هذا ، وقيل : إنما قال صلى الله عليه وسلم : ارتفعوا عنها؛ لأنها ليست من عرفة .
عدد الصفحات ١٩٨مختصر كتاب المناسك 2 فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 40 الوقوف بعرنة : لو وقف الإنسان بعرنة ثم دفع ، فهل يصح وقوفه أو لا؟ اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين : القول الأول : أن من وقف في عرنة لم يصح وقوفه ، وهذا رأي ابن عباس ، ومذهب الحنفية ، والشافعية ، والحنابلة ، قال النووي رحمه الله (ليست من أرض عرفات عند الشافعي والعلماء كافة) . دليلهم : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال [ :كل عرفة موقف ، وارتفعوا عن بطن عرنة] حديث صحيح . القول الثاني : أن من وقف بعرنة فإن حجه صحيح ، وعليه دم ، وإليه ذهب الإمام مالك رحمه الله . دليلهم : أن استثناء عرنة لم يجئ مجيئا تلزم حجته ، لا من النقل ولا من الإجماع حتى يخرج عن الأصل . الراجح : هو قول الجمهور أنها ليست من عرفة ، قال شيخنا رحمه الله : (والممنوع هو بطن الوادي دون حافتيه). الخطبة في عرفة : يخطب الإمام إذا زالت الشمس، والنبي صلى الله عليه وسلم ذهب إلى بطن عرنة، ثم خطب الخطبة العظيمة التي اشتملت على قواعد عظيمة في الدين ، والتي تقرر ميثاقا عظيما، وهذه الخطبة خطبة نسك لا خطبة جمعة، ومن السنة أن يقصر الإمام الخطبة ، وسماعها سنة، ذكر شيخنا رحمه الله، أنه إذا لم يمكن استماع الخطبة، وكان مع الناس طالب علم، فلا بأس أن يخطب بهم خطبة كخطبة النبي صلى الله عليه وسلم . الجمع في عرفة : قال رحمه الله : وَيُسنُ أن يجمعَ بين الظهرِ والعصرِ . تقدمت هذه المسألة في باب صلاة المسافرين ، وأن الراجح من أقوال أهل العلم أنه يسن جمع الظهر والعصر ، وأن تصليا قصرا أيضا ، حتى لأهل مكة والآفاقيين ، وهذا مذهب المالكية ، والشافعية في قول ، والحنابلة في رواية ، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وشيخنا ابن عثيمين وغيرهم ، ومذهب الحنابلة ، والشافعية أن أهل مكة لا يجمعون ، ولا يقصرون ، وذهب الحنفية إلى جواز الجمع دون القصر. فإن قال قائل : لماذا جمعت الصلاة في عرفة مع أنهم مقيمون ، والسنة عدم الجمع حال الإقامة ، فإن الإنسان إذا كان مقيما في موضع سن له القصر لا الجمع ، لذا قصر عليه الصلاة والسلام في منى ولم يجمع ، صلى الظهر في وقتها والعصر في وقتها والمغرب في وقتها والعشاء في وقتها ، يصليها مقصورة ، فلماذا حصل الجمع هنا؟ قال العلماء : إنما حصل الجمع في عرفة لأن الناس مجتمعون ، ولو تفرقوا لصعب عليهم أن يجتمعوا مرة أخرى ، فالجمع هنا إنما حصل لتحصيل الجماعة ، مثل الجمع في المطر ، وجمهور أهل العلم يرون عدم الجمع في هذه الصورة، و تقدم خلاف أهل العلم في الجمع في عرفة وفي منى ومزدلفة، وأن الراجح استحباب الجمع لأهل مكة ولغيرهم في مزدلفة وفي عرفة ، وأما في منى فالأصل الاستحباب ، لكن في الزمن الحاضر أصبحت منى من أحياء مكة، فلا يشرع القصر في هذه الحال، وإلا فالأصل أن يقصروا في منى . قال رحمه الله : ويَقِفَ راكبًا يقف راكبا؟ المراد بالوقوف المكث ، سواء كان راكبا أو مضطجعا أو قائما ، المهم أن يبقى في عرفة . قوله : (يقف راكبا) : راكبا على بعيره ، أو راكبا على سيارته ، أو على الأوتوبيس ، يستحب له ذلك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ، وقف راكبا ، ركب على بعيره حتى غربت الشمس .
عدد الصفحات ١٩٩مختصر كتاب المناسك 2 فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 41 هيئة الوقوف : هل يقف راكبا أو واقفا أو جالسا ؟ اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين : القول الأول : أنه يسن للإنسان أن يقف راكبا ، و إليه ذهب الحنفية ، والمالكية ، والشافعية ، والحنابلة . أدلتهم : الدليل الأول : أن النبي صلى الله عليه وسلم وقف راكبا . الدليل الثاني : أن الركوب أقوى على الدعاء ، فكان أفضل . القول الثاني : أن الوقوف والركوب والجلوس سواء ، إليه ذهب الشافعية في قول ، والحنابلة في قول. الراجح : ما ذكره ابن تيمية رحمه الله ، قال : (ويجوز الوقوف ماشيا وراكبا ، وأما الأفضل فيختلف باختلاف الناس ، فإن كان ممن إذا ركب رآه الناس لحاجتهم إليه ، أو كان يشق عليه ترك الركوب وقف راكبا ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم وقف راكبا ، وهكذا الحج ، فإن من الناس من يكون حجه راكبا أفضل ، ومنهم من يكون حجه ماشيا أفضل) فيرجع الأمر إلى حالة الواقف ، والمقصود هو أن يستفيد من هذا الوقت الثمين العظيم . قال رحمه الله : عندَ الصَّخَراتِ وجَبَلِ الرحمةِ . قوله : (عند الصخرات وجبل الرحمة) : الصخرات معروفة ، وهي بأسفل جبل الرحمة كما يسمى ، ولا تزال موجودة حتى الآن ، وجبل الرحمة جبل يتوسط عرفات ، وبأسفله صخرات منبسطة ، وهذه التسمية لم تكن في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، وهي تسمية حادثة ، والعلماء يطلقون عليه جبل الرحمة ، وأما في الجاهلية فإنه يسمى جبل إلال ، على وزن هلال ، ويسمى عند العلماء : جبل الدعاء ، وجبل عرفة ، وتسميته بجبل الرحمة يحتاج إلى دليل؛ لأنه قد يوهم أن الرحمة مختصة بهذا الجبل ، والرحمة عامة ، وهذا الجبل تحدث عليه من البدع والمصائب الشيء العظيم ، من التمسح ، والصلاة إلى الشاخص ، والتصوير عليه . قوله : (عندَ الصَّخَراتِ ) النبي صلى الله عليه وسلم وقف عند الصخرات واستقبل القبلة ، وإنما وقف هنا حتى يكون في أخريات القوم؛ لكي يرعى ضعيفهم ويتفقد أحوالهم وينظر في حالهم ، هكذا كانت سنته . صعود جبل الرحمة : قسمه العلماء رحمهم الله إلى ثلاثة أقسام : القسم الأول : أن يصعده على سبيل التعبد ، فهو حرام ، بل قال شيخنا رحمه الله : بدعة ، وصعوده ليس من السنة كما ذكر شيخ الإسلام رحمه الله . القسم الثاني : أن يصعده على سبيل الفُرجة ، فهو جائز ، ما لم يكن الصاعد يقتدى به ، كالدعاة والعلماء ونحوهم ، حتى لا يغتر الناس ، ويظنوا أن هذا من السنة . القسم الثالث : أن يكون على سبيل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فهو واجب على القادر على ذلك ، وتوجد على هذا الجبل منكرات عظيمة ، تصل إلى حد الشرك في المواسم . قال رحمه الله : ويُكْثِرُ من الدعاءِ بما وَرَدَ . يدعو بما ورد؛ كما جاء من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال [ :خ الدعاء دعاء يوم عرفة ، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي : لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير]
عدد الصفحات ٢٠٠مختصر كتاب المناسك 2 فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 42 وهذا الحديث ضعيف ، ضعفه ابن عبد البر ، والنووي ،وحسنه الترمذي والألباني ، وقد يقال أن هذا ذكر وليس دعاءً ، وهو يقول (خير الدعاء دعاء يوم عرفة) والجواب : أن الذاكر داع بلسان حاله ، والنبي صلى الله عليه وسلم دعا دعاء طويلا حتى غربت الشمس .وقد ذكر الشيخ ابن باز رحمه الله في (التحقيق والإيضاح) جملة من الأدعية القرآنية والنبوية الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وكذا شيخنا في منسكه ، ذكر جملة من الأدعية ، فيجمعها الإنسان ويدعو بها ، وهناك أدعية مجموعة في مطويات ، بعضها اسمه دعاء عرفة ، يدعو بها مرة ومرتين وثلاثا وأربعا . قال رحمه الله : ومَن وَقَفَ ولو لَحْظَةً . قوله : (ولو لحظة) المراد باللحظة : ما يلحظه الإنسان بعينه ، قال شيخنا : وربما كان أقل من الثانية ، من وقف لحظة أجزأه؛ لحديث عروة بن المضرس ، قال : (أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بالموقف يعني بجمع ، قلت جئت يارسول الله من جبل طي ، أكللت مطيتي وأتعبت نفسي ، والله ما تركت من جبل إلا وقفت عليه ، فهل لي من حج؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم [ :من أدرك معنا هذه الصلاة ، وأتى عرفات قبل ذلك ليلا أو نهارا ، فقد تم حجه وقضى تفثه] . ) أقسام الوقوف بعرفة : القسم الأول : أن يجمع في الوقوف بين الليل والنهار ، فهذا أفضل أنواع الوقوف ، من بعد الزوال ويستمر في وقوفه إلى غروب الشمس ، ويتأكد من غروب قرصها ، ولذا جاء في حديث جابر (فاستقبل القبلة فلم يزل واقفا حتى غربت الشمس وذهبت الصفرة قليلا ، حتى غاب القرص) أخرجه الإمام مسلم . القسم الثاني : أن يقف وقتا قصيرا ويمشي ، فحجه صحيح ، وهل عليه شيء؟ يتبين من خلال الأقسام التالية . القسم الثالث : أن يقف نهارا ، ويدفع قبل الغروب ولا يعود ، وهو الذي قال عنه المؤلف : (ومن وقف نهارا ودفع قبل الغروب ، ولم يعد قبله فعليه دم) وله ثلاث صور تأتي . القسم الرابع : أن يقف ليلا دون الوقوف نهارا ، وهذا قال عنها المؤلف (ومن وقف ليلا فقط فلا) . وسيشرع المؤلف في بيان أحكامها : حكم الوقوف بعرفة : الوقوف بعرفة ركن الحج الأعظم ، والدليل حديث عروة بن المضرس [وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلا أو نهارا فقد تم حجه وقضى تفثه]وقد أجمع العلماء على أن الوقوف بعرفة ركن ، نقل الإجماع على ذلك ابن المنذر . قال رحمه الله : من فَجْرِ يومِ عَرفةَ إلى فَجْرِ يومِ النحْرِ . اتفق العلماء على أن آخر الوقوف فجر يوم النحر ، بلا خلاف ، قال ابن قدامة (لا نعلم خلافا بين العلماء أن آخر وقت الوقوف طلوع الفجر من يوم النحر) أما أوله فقد اختلف فيه العلماء على قولين ، والبعض يذكر ثلاثة ، لكن نذكر القولين وكيف نخرج القول الثالث . بدء وقت الوقوف بعرفة : اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين : القول الأول : أن وقت الوقوف بعرفة يبتدئ من طلوع فجر يوم عرفة إلى فجر يوم النحر، و إليه ذهب الحنابلة، وهو من المفردات أدلتهم : الدليل الأول : قوله صلى الله عليه وسلم في حديث عروة بن المضرس [وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلا أو نهارا]فقوله (نهارا) جاء مطلقا غير مقيد بوقت ، فلم يقيد بالزوال ، ويصدق عليه أنه من يوم عرفة .
عدد الصفحات ٢٠١مختصر كتاب المناسك 2 فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 43 الدليل الثاني : أن ما قبل الزوال من يوم عرفة ، فصح الوقوف فيه كما يصح الوقوف بعد الزوال . القول الثاني : أن وقت الوقوف يبتدئ من زوال الشمس من يوم عرفة ، و إليه ذهب الحنفية ، والمالكية ، والشافعية ، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية . أدلتهم : الدليل الأول : حديث عروة بن المضرس ، وفيه (وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلا أو نهارا) وهذا العموم مخصوص بفعل النبي صلى الله عليه وسلم ، فإنه وقف بعد الزوال ، وكذا الخلفاء والأمراء من بعده . الدليل الثاني : إجماع العلماء على أن وقت الوقوف يبتدئ بعد زوال الشمس ، وأن قبله لا يصح . الراجح : هو القول الثاني والله أعلم ، أن الوقت يبتدئ من زوال الشمس يوم عرفة ، والدليل عليه أن النبي صلى الله عليه وسلم ، لم يشرع في الوقوف إلا بعد الزوال ، وقد كان في ضحى ذلك اليوم نائما في نمرة ، ولو كان هذا الوقت وقت وقوف لما نام ، ولبادر إليه ، وأرشد الناس للوقوف فيه . حكم الوقوف ليلا : هذا الذي يذكره بعضهم قولا ثالثا . القول الأول : جمهور أهل العلم على أن الوقوف ليلا لمن وقف نهارا واتصالهما واجب ، يجبر بدم إذا تركه . القول الثاني : ذهب المالكية إلى أن الوقوف ليلا ركن ، لا يصح الوقوف إلا به ، وأما الوقوف بالنهار فإنه واجب ، يجبر بدم إذا تركه ، ولم يذهب إليه إلا الإمام مالك رحمه الله . دليلهم : حديث عبد الله بن عمر ، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال [من أدرك عرفات بليل فقد أدرك الحج ، ومن فاته عرفات بليل فقد فاته الحج ، فليتحلل بعمرة ، وعليه الحج من قابل]ضعفه الدارقطني الراجح : ما ذهب إليه الجمهور ، أن الوقوف ليلا لمن وقف نهارا واجب ، يجبر بدم إذا تركه . قال رحمه الله : وهو أَهْلٌ له صَحَّ حَجُّه وإِلَّا فَلا . قوله : (له) : أي للحج ، فإذا وقف وهو أهل للحج صح وقوفه ، والأهلية بأن يكون مسلما ، محرما بالحج ، غير سكران ولا مجنون ولا مغمى عليه ، خمسة شروط . وقوف المغمى عليه : اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين : القول الأول : أن المغمى عليه لا يصح وقوفه ، وهو مذهب الشافعية ، والحنابلة على الصحيح . أدلتهم : الدليل الأول : أنه الوقوف ركن من أركان الحج ، فلم يصح من المغمى عليه ، كسائر أركان الحج . الدليل الثاني : أن المغمى عليه ليس من أهل العبادة ، فلا يصح وقوفه . القول الثاني : أن المغمى عليه يصح وقوفه ، و إليه ذهب عطاء ، وهو مذهب الحنفية ، والمالكية . دليلهم : أن الوقوف لا تعتبر له نية ولا طهارة ولا ستر عورة ، ويصح من النائم ، فصح من المغمى عليه .
عدد الصفحات ٢٠٢مختصر كتاب المناسك 2 فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 44 وقد توقف الإمام أحمد رحمه الله في هذه المسألة ، وقال (الحسن يقول : يبطل حجه ، وعطاء يرخص فيه) والمسألة مشكلة حقيقة ، وشيخنا رحمه الله يرى أن وقوف المغمى عليه صحيح . ومن الشروط ألا يكون سكرانا ، فإن كان سكرانا لم يصح حجه ، إليه ذهب الشافعية ، وهو الصحيح من مذهب الحنابلة؛ قياسا على المغمى عليه لزوال عقله بغير نوم . ومن أهل العلم من قال بالتفريق ، فإن كان مؤاخذا بسكره لم يصح حجه ، وإن كان غير مؤاخذ بسكره صح حجه ، المؤاخذ كأن يشرب الخمر بنفسه ، وغير المؤاخذ كما لو خدع وأشرب الخمر، إليه ذهب بعض الشافعية وقوف النائم : اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين : القول الأول : ذهب العلماء من الحنفية ، والمالكية ، والشافعية ، والحنابلة ، إلى صحة وقوفه؛ لأنه كالمستيقظ . القول الثاني : ذهب الحنابلة في قول إلى عدم صحة وقوفه . ويتصور هذا كأن يأتي ضحى مثلا ، وينام ويستمر في نومه إلى الفجر من غد ، فإن حجه صحيح . مسألة : لا يشترط في الوقوف ستر العورة ، ولا استقبال القبلة ، ولا النية ، هكذا ذكر الفقهاء . وقف بعرفة ولا يدري أنها عرفة : اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين : القول الأول : ذهب جمهور أهل العلم ، الحنفية ، والمالكية ، والشافعية ، والحنابلة إلى أنه يصح وقوفه . دليلهم : حديث عروة بن المضرس السابق . القول الثاني : ذهب أبو ثور إلى عدم الإجزاء؛ لأنه يرى ضرورة وجود النية، فلا بد أن يكون مدركا للوقوف الراجح : ما ذهب إليه جماهير أهل العلم ، أنه لا يشترط للوقوف النية ، وأن يعرف أنها عرفة ، فلو وقف عند جبل وتبين أنه من عرفة فإن وقوفه صحيح ، وهذا الأمر إنما يكون في الأزمنة الماضية ، أما الآن فلا يمكن ، لكثرة الناس ، نسأل الله أن يلطف بالمسلمين ، وأن يحفظ البلاد والعباد، وأن يدفع عن المسلمين الفتن ما ظهر منها وما بطن ، وأن يجمع كلمتهم على الحق . قال رحمه الله : مَن وَقَف نهارًا ودَفَع قبلَ الغُروبِ ولم يَعُدْ قَبلَه فعَلَيْه دَمٌ . هذه المسألة هي القسم الثالث من أقسام الوقوف بعرفة، إذا وقف نهارا ودفع قبل الغروب، فتحتها ثلاثة فروع : الفرع الأول : أن يدفع نهارا ولا يعود إلى عرفة مرة أخرى . فحجه صحيح إلا عند المالكية ، فإنهم يرون أن الوقوف بالليل ركن ، وأما بالنهار فإنه واجب يجبر بدم ، فإذا دفع قبل الغروب ولم يعد فقد فاته الحج ، عند المالكية وأما عند الجمهور فإن حجه صحيح . الدم على من دفع قبل الغروب : هذه المسألة اختلف فيها العلماء رحمة الله عليهم على قولين : القول الأول : أن من وقف نهارا ودفع قبل الغروب ولم يرجع فعليه دم ، إليه ذهب الحنفية ، والشافعية في قول ، وهو المذهب عند الحنابلة، وهو رأي عطاء، والواجب عليه شاة ، خلافا لابن جريج، فإنه يرى أن عليه بدنة .
عدد الصفحات ٢٠٣مختصر كتاب المناسك 2 فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 45 أدلتهم : الدليل الأول : أثر ابن عباس المشهور (من ترك شيئا من نسكه أو نسيه فليهرق دما) . الدليل الثاني: أن الوقوف ليلا واجب، والدليل على ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم، بقي حتى غربت الشمس، ولو كان الدفع نهارا جائزاً لدفع نهارا، ولما أخر إلى الليل، الذي يشق الدفع فيه، مما يدل على وجوب البقاء إلى الغروب، ومن تركه فعليه دم أما وجوب الشاة فلأنه واجب لا يفسد الحج بفواته ، فلم يوجب بدنة . القول الثاني : أن من وقف بعرفة نهارا ودفع قبل غروب الشمس ولم يعد إليها فلا شيء عليه ، إليه ذهب الشافعية في أصح القولين ، والحنابلة في رواية . أدلتهم : الدليل الأول : عن عروة بن المضرس ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال [وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلا أو نهارا فقد تم حجه وقضى تفثه]فحكم بأن من وقف ليلا أو نهارا قد تم حجه ، فإذا دفع قبل أن تغرب الشمس ولم يعد فلا شيء عليه ، لأن حجه تام الدليل الثاني : أن وقوف النبي صلى الله عليه وسلم إلى الغروب محمول على الاستحباب . ونوقش: بأن النبي صلى الله عليه وسلم، لم يدفع إلا بعد أن غربت الشمس، مما يدل على أن الوقوف إلى غروب الشمس أمر واجب القول الثالث : من وقف نهارا ، ودفع قبل الغروب ولم يعد فإن حجه غير صحيح ، إليه ذهب المالكية ، لأنهم يرون أن الوقوف ليلا هو الركن ، والوقوف نهارا هو الواجب . دليلهم : حديث ابن عمر السابق ، قال صلى الله عليه وسلم (من أدرك عرفات بليل فقد أدرك الحج ، ومن فاتته عرفاتُ بليل فقد فاته الحج ، فليتحلل بعمرة ، وعليه الحج من قابل) أخرجه الدارقطني ، وهو ضعيف. الراجح : هو القول الأول أن من دفع قبل غروب الشمس ولم يعد فإن عليه دما ، لأنه ترك واجبا من واجبات الحج . قوله : (ولمْ يعُد قبلَهُ ) مفهومه : إن عاد قبل الغروب فلا شيء عليه. وهذا الفرع الثاني : (يقف نهارا ، ويدفع قبل الغروب ، ويعود قبل الغروب). الدفع قبل الغروب : وقد اختلف فيه العلماء على قولين : القول الأول : أن من وقف نهارا ودفع من عرفة قبل أن تغرب الشمس ، ثم عاد إليها قبل غروب الشمس فلا شيء عليه ، إليه ذهب المالكية ، والشافعية ، والحنابلة . دليلهم : أنه أتى بالواجب ، وهو الوقوف ليلا ونهارا ، فلم يجب عليه دم ، كمن تجاوز الميقات غير محرم ، ثم عاد إلى الميقات وأحرم منه ، فلا شيء عليه ، وقد تقدمت المسألة وفيها خلاف على أقوال ، منهم من يرى أن عليه دما ، ومنهم من يرى أن نسكه لا يصح ، ومنهم من يرى ألا شيء عليه . القول الثاني : أن من وقف نهارا ودفع قبل غروب الشمس ، وعاد قبل أن تغرب ، فإن عليه دما ، وهو رأي الثوري ، ومذهب الحنفية ، والحنابلة في قول . دليلهم : أنه بخروجه استقر الدم في ذمته ، فلم يسقط الدم عنه ، كما لو رجع بعد غروب الشمس ، وكما لو أحرم من دون الميقات وعاد إليه ، فإن الدم يجب عليه .
عدد الصفحات ٢٠٤مختصر كتاب المناسك 2 فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 46 وهذا القول له وجاهة من جهة ما لو كان الإنسان عالما ، يعلم ، وعصى وخرج ، ثم عاد ، قد يقال بوجوب الدم عليه ، وهذا اختيار شيخنا في بعض المواضع ، أنه قد يقال بوجوب الدم عليه مطلقا إذا خرج ولو عاد ، وأما إذا كان جاهلا أو ناسيا ، فإنه يؤمر بالعودة ولا شيء عليه . قوله : (ولم يعد قبله) مفهومه أنه لو عاد بعده فإن عليه دما. وهذا هو الفرع الثالث : لو وقف نهارا ، وخرج من عرفة نهارا ، ولم يعد إلا بعد غروب الشمس. أُخبر أو تأسف على فعلته ، فعاد إلى عرفة بعد أن غربت الشمس ، مفهوم كلام المؤلف أنه إن عاد بعد غروب الشمس فعليه دم ، لأن عوده بعد الغروب ، ولأنه عاص بخروجه ، و إليه ذهب جمهور العلماء ، الحنفية ، والشافعية ، والحنابلة ، لأن عليه الوقوف حال الغروب ، وقد فاته بخروجه ، فإن الدم يجب في ذمته . وذهب الحنابلة في رواية – هي من المفردات - إلى أنه إن عاد إلى عرفة قبل الفجر ، فإن الدم يسقط عنه ، لأنه عاد في وقت يصح الوقوف فيه . الراجح : هو القول الأول ، إن خرج من عرفة قبل غروب الشمس ولم يعد إليها إلا بعد أن غربت ، فإنه يلزمه الدم - قال رحمه الله : وَمَن وَقَفَ لَيْلًا فقط فَلَا . من وقف ليلا دون النهار فحجه صحيح بإجماع أهل العلم رحمة الله عليهم ، وهذا القسم الرابع. الدليل الأول : عن عروة بن المضرس رضي الله عنه ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم [ :....وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلا أو نهارا فقد تم حجه وقضى تفثه] الدليل الثاني : عن عبد الرحمن الديلي ، قال : (شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو واقف بعرفة ، وأتاه ناس من أهل نجد ، فقالوا يا رسول الله كيف الحج؟ فقال [ :الحج عرفة ، فمن جاء قبل صلاة الفجر من ليلة جمع فقد تم حجه] )وهذا يدل على أن من جاء بالليل فإن حجه صحيح . هل يلزمه دم لترك الوقوف نهارا : حكى الإجماع أهل العلم على أن من وقف ليلا فحجه صحيح ، حكى الإجماع ابن المنذر وغيره ، اختلفوا بعد ذلك ، هل يلزمه دم لأنه لم يقف نهارا أو لا؟ اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين : القول الأول : أن من وقف ليلا ولم يقف نهارا ، فلا شيء عليه ، و هو مذهب ، الحنفية ، والشافعية ، والحنابلة. أدلتهم : الدليل الأول : أن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عبد الرحمن الديلي قال [فقد تم حجه]و حديث عروة قال [فقد تم حجه وقضى تفثه]وهذا يدل على أن الحج تام ، وإذا كان تاما فلا شيء عليه . الدليل الثاني : أنه لم يدرك جزءا من النهار فأشبه من منزله دون الميقات إذا أحرم منه ، فالمحرم إذا كان منزله دون الميقات ، فأحرم من منزله ، فلا دم عليه ، فمثله من جاء عرفة بليل ، لأنه لم يدرك النهار فلا دم عليه . القول الثاني : أن من أدرك الوقوف ليلا ولم يقف نهارا فإن عليه دما ، إليه ذهب الإمام مالك رحمه الله . دليلهم : أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكتف بالليل ، بل وقف جزءا من النهار ، فتارك الوقوف نهارا تارك لنسك ، ومن ترك نسكا فعليه دم؛ لأثر ابن عباس (من نسي شيئا من نسكه أو تركه فليهرق دما) .
عدد الصفحات ٢٠٥مختصر كتاب المناسك 2 فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 47 نوقش : بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال[ :فقد تم حجه]ولفظ التمام يدل على عدم الحاجة إلى الجبر بدم . الراجح : هو القول الأول ، أن من وقف ليلا دون النهار فلا شيء عليه . قال رحمه الله : ثم يَدفعُ بعدَ الغروبِ إلى مُزدَلِفَةَ بسَكِينَةٍ . إذا غربت الشمس وتأكد من غروب القرص ، فإنه يدفع إلى مزدلفة ، والنبي صلى الله عليه وسلم دفع كما في الحديث (حتى غربت الشمس وذهبت الصفرة قليلا حتى غاب القرص) والآن يمنعون من خروج المركبات حتى تغرب الشمس ، فإذا غربت الشمس فتح المجال للناس . قوله (مزدلفة) : سميت مزدلفة من الازدلاف وهو الاقتراب ، لأن الناس بخروجهم من عرفة إلى مزدلفة يزدلفون (يقتربون) من منى ، فسميت مزدلفة ، ولها اسم آخر مشهور ، وهو : جَمع . قوله (بسكينة) : السكينة هي التأني في الحركات ، واجتناب العبث ، وعدم المزاحمة ، فلا يزاحم الناس ، ولا يؤذي ولا يستعجل ، ولذا جاء في حديث جابر رضي الله عنه (ودفع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد شنق للقصواء الزمام ، حتى إن رأسها ليصيب مورِك رحله، ويقول بيده اليمنى [ :أيها الناس السكينة السكينةَ ]ويقول لهم [فإن البر ليس بالإيضاع] والإيضاع : ضرب من سير الإبل سريع ، فيأمرهم بعدم الاستعجال . قال رحمه الله : ويُسْرِعُ في الفَجوةِ . وهي الفرجة بين الشيئين ، إذا وجد النبي صلى الله عليه وسلم ، متسعا أسرع من أجل أن يدرك مزدلفة مبكرا ، ولذا جاء عند الإمام مالك رحمه الله في الموطأ ، والإمام أحمد في المسند بإسناد حسن (إذا وجد فرجة نصَّ ) والنص الإسراع. قال رحمه الله : ويَجمَعُ بها بينَ العِشاءَيْ نِ . يجمع في مزدلفة بين المغرب والعشاء - وهل سبب الجمع النسك أو السفر؟ فمن قال : سببه النسك قال له أن يجمع في المواطن كلها ، في عرفة وفي مزدلفة ، وهو مذهب الحنفية ، والمالكية، أي القول بأن سببه النسك . ومن أهل العلم من قال : سببه السفر ، وهو مذهب الشافعية ، والحنابلة ، واختاره شيخ الإسلام. جمع العشاءين بمزدلفة : أما بالنسبة للآفاقيين فقد تقدم الإجماع ، وأما أهل مكة ففيهم ثلاثة أقوال : القول الأول : أن المكي لا يجمع ولا يقصر في عرفة ولا مزدلفة ولا منى ، وهو قول الشافعية ، والحنابلة . القول الثاني : أن المكي يجمع في عرفة ومزدلفة ولا يقصر ، وإليه ذهب الحنفية رحمهم الله. القول الثالث : أن المكي يجمع ويقصر في عرفة وفي مزدلفة ، وفي منى لا يجمع ويقصر ، إليه ذهب المالكية ، وهو اختيار ابن تيمية الراجح : أنهم يجمعون ويقصرون في عرفة ومزدلفة ، ولا يجمعون ولا يقصرن في منى ؛ لأنها أصبحت حيا من أحياء مكة . وتقدمت المسألة في أحكام قصر الصلاة. والله أعلم . جمع العشاءين قبل مزدلفة : لو صلى في الطريق ، أو صلى في عرفة بسبب تأخر القطارات ، هل له أن يصلي في عرفة؟ أم لا بد أن يصلي صلاة المغرب والعشاء في مزدلفة؟ وهل يجوز أن يجمع جمع تقديم ، فيجمع في وقت المغرب؟ بالإجماع أن النبي صلى الله عليه وسلم ، صلى
عدد الصفحات ٢٠٦مختصر كتاب المناسك 2 فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 48 العشاءينفي مزدلفة ، في وقت صلاة العشاء، فهل يجوز للحاج أن يصلي العشاءين في غير مزدلفة؟ أو أن يصلي العشاءين جمع تقديم، كما لو تأخر القطار والسيارة ، اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين : القول الأول : أنه يجوز للحاج أن يصلي العشاءين جمع تقديم ، ويجوز أن يصليها قبل الوصول إلى مزدلفة ، في عرفة أو في الطريق ، و إليه ذهب كثير من السلف ، ومذهب المالكية ، والشافعية ، والحنابلة . أدلتهم : الدليل الأول : قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث جابر [جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا]وهذا دليل على أن الصلاة جائزة في كل مكان ، ومن خص الصلاة بمكان دون مكان فعليه الدليل . الدليل الثاني : أن فعل النبي صلى الله عليه وسلم لا يدل على الوجوب ، نعم هو الأفضل ، لكن ليس واجبا . القول الثاني : أنه لا يجوز للحاج أن يجمع الصلاة في وقت المغرب ولا قبل أن يصل إلى مزدلفة ، و إليه ذهب طائفة من السلف رحمهم الله ، فهو رأي الثوري ، ومذهب الحنفية ، والظاهرية ، وهو اختيار ابن حزم . دليلهم : أن الرسول عليه الصلاة والسلام ، جمع بين هاتين الصلاتين في مزدلفة ، وجمع بينهما في وقت العشاء ، فكان نسكا ، وقد قال [خذوا عني مناسككم]وهذا نسك ، فيجب أن يؤخذ به . الراجح : هو القول الأول ، أن الحاج يفعل الأرفق به ، من الصلاة في عرفة ، أو في الطريق ، أو في مزدلفة ، ويجوز له أن يصلي في وقت المغرب ، هذا هو الراجح ، للأدلة السابق ذكرها . كان شيخنا رحمه الله يفتي بأنه لو قدم الحاج إلى مزدلفة في وقت المغرب ، فإنه يصلي المغرب في وقت المغرب ، ويصلي العشاء في وقت العشاء ولكن الظاهر أنه لا يتيسر ، ولكن من باب الرفق أنهم يصلون المغرب والعشاء جمع تقديم ، وهذا من باب التسهيل مسألة : ذهب النبي صلى الله عليه وسلم إلى عرفة من طريق ضَب ، ورجع من طريق المأزِمين . قال رحمه الله : ويَبيتُ بها . يمكث في مزدلفة ، ولا يلزم النوم ، سواء كان واقفا أو راكبا أو مضطجعا أو قاعدا . يفهم من كلام المؤلف رحمه الله أن المبيت في مزدلفة واجب ، ولما تكلم عن الدفع إلى مزدلفة قبل الفجر ، قال (وقبله فيه دم ، كوصوله إليها بعده) أي بعده أي بعد الفجر ، وهذا يبين بأن المبيت في مزدلفة واجب . حكم المبيت في مزدلفة : هذه المسألة فيها خلاف على ثلاثة أقوال : القول الأول : أن المبيت بمزدلفة واجب يجبر بدم ، و إليه ذهب طائفة كبيرة من السلف ، فهو رأي عطاء ، والزهري ، وقتادة ، والثوري ، وإسحق ، ومذهب الحنفية ، والمالكية ، والشافعية ، والحنابلة . أدلتهم : الدليل الأول : قول الله تعالى {فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللََّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ} وفأمر الله بالذكر والذكر يستلزم محلا يذكر فيه ، فالمبيت بمزدلفة واجب ،وبالإجماع أن الذكر ليس بواجب ، فالدلالة غير واضحة .
عدد الصفحات ٢٠٧مختصر كتاب المناسك 2 فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 49 الدليل الثاني : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال [الحج عرفة ، من جاء عرفة قبل صلاة الفجر ليلة جمع فقد تم حجه]فذكر أن من جاء قبل الفجر ولو بجزء يسير تم حجه ، ومن جاء وقتا يسيرا إلى عرفة ، فإنه لا يمكنه إدراك المبيت بمزدلفة ، وقد قال صلى الله عليه وسلم [تم حجه]فدل على أن المبيت ليس ركنا ، لكن حكمه الوجوب ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم ، بات بمزدلفة . القول الثاني : أن المبيت بمزدلفة ركن ، لا يتم الحج إلا به ، وهو منقول عن ابن عباس ، وطائفة من السلف ، وهو قول قوي ، وإذا نظر الإنسان نظرا مجردا فهو المتبادر إلى الذهن ، مزدلفة عرفة ... الخ . أدلتهم : الدليل الأول : قول الله تبارك وتعالى {فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللََّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ} حيث دل على أن المبيت بمزدلفة ركن ونوقش : بأن الله عز وجل أمر بالذكر ، والذكر إجماعا ليس بواجب ، وليس بركن. الدليل الثاني : عن عروة ، وفيه [من شهد صلاتنا هذه] حيث دل على أن من لم يبت في مزدلفة ، فإنه لم يتم حجه ، فتمام الحج مرتب على شهود الصلاة وعلى الوقوف بعرفة ، وشهود الصلاة معناه المبيت بمزدلفة . نوقش : بأن النبي صلى الله عليه وسلم، قد أذن للضعفة بالدفع من آخر الليل إلى منى ، كما عند الإمام البخاري ومسلم ، وهو دليل على أن إدراك صلاة الفجر في مزدلفة ليس ركنا . القول الثالث : أن المبيت بمزدلفة سنة ، وهذا مروي عن عطاء ، وبه قال الأوزاعي ورأي الشافعية في قول . أدلتهم : الدليل الأول : يمكن أن يستدل لهم بحديث [من جاء عرفة قبل صلاة الفجر ليلة جمع فقد تم حجه]والشخص قد يأتي قبل الفجر بدقيقة واحدة ، فيتم حجه ، وإذا وقف في عرفة قبل دقيقة واحدة من صلاة الفجر من يوم النحر ، هل يمكن أن يدرك مزدلفة؟ خاصة في الزمن الماضي ، وفي الحاضر كذلك ، إلا إذا هيئت له الأسباب ، ومع ذلك قال صلى الله عليه وسلم [فقد تم حجه] وهذا دليل على أن المبيت بمزدلفة ليس واجبا . الدليل الثاني : أن المبيت بمزدلفة ليس واجبا ، قياسا على المبيت بمنى ليلة عرفة . الراجح : هو القول الأول ، أن المبيت بمزدلفة واجب يجبر بدم ، لفعل النبي صلى الله عليه وسلم ، ولفعل الخلفاء الراشدين من بعده ، ولفعل المسلمين وتتابعهم على هذا الفعل . مكان المبيت بمزدلفة : يبيت في أي موضع من مزدلفة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ، كما في حديث جابر ، قال [ :وقفت ههنا ، وجمعٌ كلها موقف] أخرجه الإمام مسلم ، جميع حدودها ، في أي مكان . وسميت جمعا؛ لأن الناس يجتمعون فيها ، قريش في الجاهلية لم تكن تذهب إلى عرفة ، إنما كان حدها مزدلفة ، ولها اسم ثالث ، وهو : المشعر الحرام ، لأن عرفة مشعر حلال ، أما مزدلفة ومنى فهما مشعر حرام . ما هو المبيت الذي يسقط به الوجوب : اختلف العلماء في هذه المسألة على ثلاثة أقوال : القول الأول : ذهب الشافعية والحنابلة ، إلى أن المبيت إلى بعد نصف الليل واجب لمن أدركه قبل النصف ، فإذا دفع بعد ذلك جاز له ذلك .
عدد الصفحات ٢٠٨مختصر كتاب المناسك 2 فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 50 القول الثاني : ذهب المالكية إلى أن البقاء فيها ليلا سنة ، والواجب هو النزول بقدر حط الرحال ، وقيل عندهم : بمقدار ما يتوضؤون ويصلون ويتعشون ، ثم يسيرون . القول الثالث : يرى الحنفية أن البقاء في مزدلفة سنة مؤكدة ، وأن الواجب هو ما بين طلوع الفجر إلى قبيل طلوع الشمس ، خلافا للمالكية ، والشافعية ، والحنابلة . ويمكن التعبير بصيغة أخرى . أقل وقت للمبيت بجمع : يصنف على ثلاثة أقوال : القول الأول : أن المبيت بجمع هو الوقوف بعد الفجر ، فإن دفع قبل الفجر فعليه دم ، و إليه ذهب الحنفية . القول الثاني : أن المبيت الواجب بقدر ما يحط رحله ، من أول الليل ، أو آخره ، من دون تحديد ومن دون مبيت ، وقيل : بقدر ما يتوضأ ويصلي ويتعشى ، وإليه ذهب المالكية رحمهم الله . القول الثالث : أنه البقاء إلى منتصف الليل لمن جاءها قبل منتصف الليل ، فإن جاء بعد نصف الليل بقي مدة من الزمن ثم انصرف ، و إليه ذهب الشافعية ، والحنابلة . قال رحمه الله : وله الدَّفْعُ بعدَ نِصْفِ الليلِ . قوله : (له) : أي للحاج ، فلم يخص الدفع لأحد دون أحد ، له أن يدفع بعد نصف الليل ، يدفع بعد نصف الليل سواء كان ضعيفا أم قويا ، رجلا أم امرأة ، كبيرا أم صغيرا ، الجميع يدفعون بعد نصف الليل . والخلاف في الدفع كالخلاف في المبيت بالتقسيم السابق . متى يدفع من مزدلفة : القول الأول : أنه يجوز له دفع بعد نصف الليل ، و إليه ذهب الشافعية ، والحنابلة . أدلتهم : الدليل الأول : حديث ابن عباس رضي الله عنهما ، قال (بعثني النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في الثَقَلِ - أو قال : في الضعفة - من جمْع بليل) متفق عليه ،فقوله (بليل) يصدق على معظم الليل ، وإذا انتصف الليل فقد صدق عليه أنه بقي معظم الليل ونوقش : بأن قوله (بليل) يشمل ما هو أكثر من نصف الليل ، إلى غياب القمر - كما سيأتي - . الدليل الثاني : عن عائشة رضي الله عنها ، قالت (أرسل النبي صلى الله عليه وسلم ، بأم سلمة ليلة النحر ، فرمت الجمرة قبل الفجر ، ثم مضت فأفاضت) أخرجه أبو داود . وجه الاستدلال : ذكر (الليل) وإذا انتصف الليل فقد مضى أكثر الليل ونوقش بأن كلمة(الليل) تصدق على النصف الأول والثاني والسحر وغيرهما، فالتحديد بالنصف يحتاج إلى دليل القول الثاني : أنه يدفع بعد مضي قدر ما يحط رحله ، وقيل : بقدر ما يتوضأ ويصلي ويتعشى ، و إليه ذهب المالكية ، فإن دفع بعد ذلك فلا شيء عليه ، فلو جلس نصف ساعة ، أو ساعة إلا ربعا أجزأه . القول الثالث : أنه لا يدفع إلا بعد الفجر ، ولو أن يبقى لحظة واحدة قبل طلوع الشمس ، فإن دفع قبل طلوع الفجر فعليه دم ، وهو مذهب الحنفية كما تقدم .
عدد الصفحات ٢٠٩مختصر كتاب المناسك 2 فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 51 القول الرابع : أنه لا يدفع حتى يغيب القمر ، وهذا رأي ابن تيمية ، وابن القيم ، وشيخنا رحمهم الله . دليلهم : الدليل الأول : عن عبد الله مولى أسماء ، (أنها نزلت ليلة جمع عند المزدلفة ، فقامت تصلي ، فصلت ساعة ثم قالت : يا بني هل غاب القمر؟ قال : قلت : نعم ، قالت : فارتحلوا ، فارتحلنا فمضينا ، حتى رمت الجمرة ، ثم رجعت ، فصلت الصبح في منزلها ، فقلت : ما أرانا إلا قد غلسنا - أي بكّرنا - قالت : يا بني ، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أذن للظعن) أخرجه الإمام البخاري ومسلم . من يؤذن له بالدفع قبل الفجر : الضعفاء يؤذن لهم بالدفع قبل الفجر ، وهذا رأي طائفة من السلف ، ومذهب الحنفية ، والمالكية ، والشافعية ، والحنابلة ،وكان عبد الرحمن بن عوف ، وعائشة وغيرهما يبعثون بأهلهم من آخر الليل ، ويلحق بهم من معهم ممن يتولى أمرهم ، كزوج المرأة ، وولي الأطفال ، والقائم بأمر الضعيف ،فله الدفع منها من غير كراهة . دفع غير الضعفة : اختلف العلماء في هذه المسألة على ثلاثة أقوال : القول الأول : أن لهم الدفع كالضعفة ، وإليه ذهب المالكية ، قال الإمام مالك رحمه الله . القول الثاني : جواز الدفع بعد منتصف الليل للضعفة وغيرهم ، وإليه ذهب الشافعية . القول الثالث : أن البقاء بعد الفجر واجب ، وبقاءه ليلا سنة ، فيجب أن يقف من طلوع الفجر إلى قبيل طلوع الشمس ، إن كان قويا ، وأما إن كان من الضعفة فيجوز له الدفع بليل ، وإليه ذهب الحنفية . الراجح : أن يقال بعدم وجوب البقاء إلى بعد الفجر ، لعدم الدليل على الإيجاب ، ويقوي هذا واقع الحج ، وحاجة الناس إلى الدفع ، وذلك لوجود الزحام الشديد ، ولكن يقال : لا ينبغي الدفع آخر الليل لمن كان قادرا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم بقي حتى أسفر، وكل الأئمة على جواز الدفع قبل الفجر ، ولم ينقل المنع إلا عن الحنفية. قال رحمه الله : وقَبْلَه فيه دَمٌ . أي من دفع قبل نصف الليل فعليه دم؛ لأنه ترك واجبا ، ومن ترك شيئا من نسكه أو نسيه فليهرق دما ، وليعلم أن العلماء في وجوب الدم على من دفع قبل النصف وكذا الدم على من فاته الوقوف على أقوال : القول الأول : أنه لا دم على من فاته الوقوف لعذر ، إنما الدم على من فاته الوقوف لغير عذر . إليه ذهب الحنفية ، والشافعية ، لأنه ترك نسكا. القول الثاني : أن من لم ينزل في مزدلفة بقدر حط الرحال عليه دم ، الضعفاء وغيرهم ، وإليه ذهب المالكية. القول الثالث : أنه إن دفع قبل نصف الليل فعليه الدم مطلقا ، فلا يفرقون بين الضعفة والجاهل والناسي والعامد .... الخ ، كلهم واحد ، إلا إذا عاد إلى مزدلفة قبل طلوع الفجر، وإليه ذهب الحنابلة . قال رحمه الله : كوُصولِه إليها بعدَ الفَجْرِ لا قَبْلَه . كوصول الحاج إليها أي إلى مزدلفة بعد الفجر لا قبله ، فإذا وصل إليها الحاج قبل الفجر فلا شيء عليه لزحام مثلا ، لأنه أدرك جزءا من وقت المبيت ، فبرئت ذمته ، أما إذا لم يصل إليها إلا بعد الفجر ، أضاع الطريق ، أو أعاقه الزحام كما هو الحال الآن ،
عدد الصفحات ٢١٠مختصر كتاب المناسك 2 فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 52 المؤلف يرى أنه يجب عليه الدم إذا وصل إليها بعد الفجر، فذهب المالكية ، والحنابلة إلى وجوب الدم عليه ؛ لأنه ترك واجبا وهو المبيت ، ولا فرق بين المعذور وغيره . والشافعية : يرون التفريق إذا وصل بعد الفجر ، فإن كان لعذر فلا شيء عليه ، وإن كان لغير عذر فعليه الدم ، أما الحنفية : فيقولون إذا وصل بعد الفجر فلا شيء عليه؛ لأن المبيت عندهم بالليل سنة ، وبعد الفجر هو الواجب ،أما إذا وصل بعد طلوع الشمس ، فإن كان لعذر فلا شيء عليه ، وإن كان لغير عذر فعليه دم . الراجح والله أعلم ، أنه إن تأخر لغير عذر يخرج دما ، براءة لذمته ، وإن كان لعذر فلا شيء عليه؛ لأن الواجبات تسقط بالعجز عنها ، وهو مذهب الحنفية ، والشافعية ، والموافق للدليل ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم ، لم يلزم عروة بن مضرس الطائي بالدم ، مع أنه لم يأت إلا في وقت صلاة الفجر من يوم النحر ، وهذا يحدث في هذه السنوات ربما لا يصل الإنسان إلا بعد الفجر . ويمكن تقسيم كلام المؤلف السابق : 1- من دفع قبل نصف الليل فعليه دم . 2- من دفع بعد منتصف الليل فلا شيء عليه . 3- من وصل إلى مزدلفة بعد الفجر فعليه دم . 4- من وصل إليها بعد نصف الليل فلا شيء عليه . هذا على كلام المؤلف ، وإذا وصل بعد منتصف الليل فالجميع يرون ألا شيء عليه ، مذهب الشافعية ، والحنابلة وهو المذهب عند الحنفية ، والمالكية ، أما الحنفية فلأنهم يرون أن وقت الوقوف بعد الفجر ، وأما المالكية فلأن وقت الوقوف هو قدر حط الرحل ، في أول الليل أو آخره أو وسطه . هل يستحب قيام ليلة مزدلفة؟ قال النووي رحمه الله : (فينبغي أن يعتني الحاضر هناك بإحيائها بالعبادة من صلاة وتلاوة وذكر ودعاء وتضرع....) وقال ابن القيم : (ثم نام حتى أصبح ولم يحيي تلك الليلة ، ولا يصح عنه في إحياء ليلة العيد من شيء) وفي حديث جابر (ثم اضطجع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى طلع الفجر ، حين تبين له الصبح بأذان وإقامة).وهذا يدل على عدم إحيائها وأما الوتر فالظاهر أن النبي صلى الله عليه وسلم صلاه لأنه لا يتركه لا في حضر ولا سفر. قال رحمه الله : فإذا صَلَّى الصبْحَ أتى الْمَشْعَرَ الحرامَ فَرَقَاهُ أو يقف عنده . المشعر الحرام هو موضع المسجد الآن ، وهو في الأصل اسم جبل صغير ، اسمه (قُزَح ) وبعضهم يسميه (المِيقدة ) لكن قزح هو اسمه الجاهلي ، يقول شيخنا رحمه الله إنه في موضع المسجد الذي في مزدلفة الآن . والنبي صلى الله عليه وسلم ، صلى الصبح بغلس في أول الوقت ، حتى يستغل بقية الوقت في الدعاء والتضرع قوله : (المشعر الحرام) سمي مشعرا حراما؛ احترازا من المشعر الحلال وهو مشعر عرفة . قوله : (فيرقاه أو يَقِ فُ عندَه ) : أي يرقى الجبل ، وهذا نص عليه الشافعية ، والحنابلة ، يرقاه أو يقف عنده؛ لقوله تعالى {فَاذْكُرُوا اللََّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ} قال رحمه الله : ويَحْمَدُ اللهَ ويُكَبِّرُه ويَقْرَأُ : {فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ } الآيت . يحمد الله ويكبره ، مستقبل القبلة ، ويدعو ، حتى يسفر جدا ، ثم ينصرف ، وهذا دل عليه حديث جابر .
عدد الصفحات ٢١١مختصر كتاب المناسك 2 فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 53 والآيتان هما {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللََّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ . ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}يقرأ هاتين الآيتين ، وقراءة هاتين الآيتين لا دليل على أنها من السنة ، إلا إذا قيل : إنه قرأ من باب تذكير نفسه ، ولذا فقراءة هاتين الآيتين فيه نظر . قال رحمه الله : ويَدْعو حتى يُسْفِرَ . يدعو حتى يسفر جدا، إليه ذهب عامة أهل العلم رحمة الله عليهم، الحنفية، والشافعية، والحنابلة؛ لحديث جابر (فلم يزل واقفا حتى أسفر جدا، فدفع قبل أن تطلع الشمس) وذهب الإمام مالك، إلى أنه يدفع قبل أن يسفر، وهذا يحتاج إلى دليل، وهم محجوجون بفعل النبي صلى الله عليه وسلم، فإنه وقف حتى أسفر جدا ثم دفع، والسبب الذي جعله يدفع قبلُ هو مخالفة المشركين وقد كره الشافعية أن يتأخر حتى تطلع الشمس ، كراهة تنزيه ، وقال بعضهم : خلاف السنة . قال رحمه الله : فإذا بَلَغَ مُحَسِّرًا أَسرعَ رَمْيَةَ حجَرٍ . إذا دفع من مزدلفة سار وعليه السكينة ، كما كان صلى الله عليه وسلم يسير ، لحديث ابن مسعود [ليس البر بإيجاف الخيل والإبل ، فعليكم السكينة] أخرجه البخاري ، ومحسر بطن واد قبل منى ، وهو برزخ بين منى ومزدلفة ، ليس من أيهما ، وهو من أرض الحرم ، لكنه ليس مشعرا ، لما جاء النبي صلى الله عليه وسلم محسرا أسرع ، حرك ناقته كما في حديث جابر (حتى أتى بطن محسر فحرك قليلا) أي أسرع . حكمة الإسراع بمحسر : قيل : أسرع رحمة بناقته التي كانت تحته ، فإنها تتعثر لا تستطيع المشي ، فهو أطلق لها الزمام حتى تسرع . وقيل : من أجل أن تتوافق سرعته في الأرض اليابسة مع الأرض الرخوة . وقيل : أسرع لأن هذا الموضع (محسر) كان موقف النصارى ، فأسرع من باب مخالفتهم . وقيل : لأن الله قد أهلك فيه الفيل ، وهذا فيه نظر؛ لأن هلاك أصحاب الفيل كان بالمغمس قوله : (رميةَ حجر) : أي إنه يسرع قدر رمية الحجر ، وهذا جاء في موطأ الإمام مالك رحمه الله . فائدة : بين منى ومزدلفة واد هو وادي محسر ، وبين مزدلفة وعرفة واد يسمى بطن عرنة . والله أعلم . قال المؤلف رحمه الله : وأَخَ ذَ الْحَصَى ـ وعدَدُه سَبعونَ ـ . إذا دفع الحاج من مزدلفة فإنه يلبي؛ لحديث الفضل (فلم يزل ملبيا حتى رمى جمرة العقبة) وسيشرع المؤلف في أحكام رمي جمرة العقبة . الجمار : مأخوذة في الأصل من الحصى الصغار ، والجمرة هي موضع رمي هذه الحصى ، وإنما سميت جمرة لهذا ، هذا الاشتقاق الأشهر لمعنى الجمار ، وثمة أقوال غير هذا . الجمرة : مَجمع الحصى ، وليست الشاخص الموجود الآن ، ولذا لا يقصد رميُ هذا الشاخص ، وإنما يجزئ الرميُ إذا وقعت الحصاة في مرمى الجمار الذي عليه الحوض الآن . الحكمة من رمي الجمار : الحكمة الأولى : التعبد لله عز وجل، والفعل كفعل النبي صلى الله عليه وسلم، فإنه رمى الجمار وقال [خذوا عني مناسككم] وقيل : الاقتداء بأبينا إبراهيم عليه الصلاة والسلام لما عرض له الشيطان عند كل جمرة فرماه بسبع حصيات.
عدد الصفحات ٢١٢مختصر كتاب المناسك 2 فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 54 وقيل : شرع رمي الجمار لإقامة ذكر الله ، وقد جاء فيه حديث ، فعن عائشة رضي الله عنها ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال [إنما جعل الطواف بالبيت وبين الصفا والمروة ورمي الجمار لإقامة ذكر الله عز وجل] قوله (وأَخَذَ الْحَصَى ) وقد اختلف أهل العلم رحمهم الله في مكان أخذ الحصى . مكان أخذ الحصى : اختلف العلماء في هذه المسألة على ثلاثة أقوال : القول الأول : أنه يأخذه من حيث شاء، من مزدلفة، أو من منى، أومن الطريق وهو مذهب المالكية، والحنابلة. أدلتهم : الدليل الأول : أنه لم يرد نص صحيح في تحديد موضع أخذ الحصى ، فمن حيث أخذ جاز . الدليل الثاني: أنه لا خلاف بين العلماء، في إجزاء الرمي بالحصى من أي موضع كان ، وإذا كان كذلك جاز الأخذ من أي موضع القول الثاني : أنه يستحب أخذ الحصى من مزدلفة ، وهو فعل ابن عمر ،وإسحق ، ومذهب الشافعية. أدلتهم : الدليل الأول : أن ابن عمر رضي الله عنهما ، كان يأخذ الحصى من مزدلفة ، وكذا سعيد بن جبير ، ويقول (كانوا يتزدون الحصى من جمع) يعني الصحابة والتابعين . الدليل الثاني : أن الرمي تحية منى ، فينبغي ألا يتشاغل عنه بشيء ، لذا ينبغي له أن يلقط الحصى من مزدلفة . القول الثالث : أنه يأخذ الحصى من الطريق ، و إليه ذهب الحنفية. دليلهم : حديث ابن عباس رضي الله عنهما ، أن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال له غداة جمرة العقبة ، وهو على ناقته [القط لي حصى]قال : فلقطت له سبع حصيات من حصى الخذف ، فقبضهن في كفه ، ويقول [ :أمثالَ هؤلاء فارموا]ثم قال [ :إياكم والغلو في الدين]أخرجه الإمام أحمد ، وصححه ابن خزيمة الراجح : أن الأمر في هذا واسع ، إن لقطه من مزدلفة أو منى أو من الطريق إلى منى فلا بأس فيلقط سبع حصيات ، حتى لا يتشاغل في الطريق ، أو يتشاغل إذا وصل إلى منى عن رمي الجمرة مباشرة . عددها : قال رحمه الله : وعَددُها سبعونَ . سبع لجمرة العقبة يوم النحر ، وثلاث وستون للجمار الثلاث في أيام التشريق الثلاثة ، ولا دليل على لقط الثلاث والستين حصاة قبلُ في مزدلفة ، بل الظاهر من فعل النبي صلى الله عليه وسلم ، أنه لم يلقط له إلا في منى ، لأنه إذا كان قد أمر ابن عباس بأن يلقط له سبع حصيات ، ولقط له سبع حصيات ، ولم يذكر أنه لقط سبعين حصاة ، دل على أنه لم يلقط السبعين جملة ، وإنما كان يلقط كل يوم في يومه. حجمها : قال رحمه الله : بينَ الحِمِّصِ والْبُنْدُقِ . قوله : (الحمص) : بكسر الحاء ، وفتح الميم أو كسرها ، وفي لهجتنا بالضم ، نقول : حُمُّص .
عدد الصفحات ٢١٣