المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

مختصر كتاب المناسك

فهد المطيري

صفحة ١٤ من ٢٣

مختصر كتاب المناسك 2 فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 23 الراجح : أن الطهارة من النجس شرط لصحة الطواف ، لكن المعذور يعفى عنه ، كما لو صلى وعليه نجاسة ، ناسيا أو جاهلا ، فإنه يعذر كما تقدم ، ولذا لو طاف ناسيا للنجاسة على ثوبه ، أو على بدنه ، فالمالكية ، والحنابلة على أنه إذا طاف وعلى ثوبه أو بدنه نجاسة ، فإنه يزيلها متى ما ذكر ، فإن لم يذكرها إلا بعد انتهاء طوافه ، فإن طوافه صحيح ، ولا شيء عليه. وذهب الشافعية إلى أنه إذا وجد النجاسة على ثوبه ، نسيها ثم رآها ، فإنه يستأنف من جديد ، وإن كان قد انتهى من طوافه ، فإنه يعيد الطواف مرة ثانية الراجح: أن من طاف وعليه نجاسة في بدنه أو في ثوبه ، أو في بقعته ، كمن تكون العربة تحتها عليه نجاسة وهو جالس عليها ، فإن طوافه صحيح ، إن لم يعلم بالنجاسة ، أو علم بها ثم نسيها ، وتقدم أن هذا قول كثير من السلف رحمهم الله في نسيان النجاسة في الصلاة ، فهو مذهب المالكية ، والشافعية في قول ، والحنابلة في رواية ، وهو اختيار طائفة كبيرة من السلف ، فكذلك هنا ، تكون هذه المسألة كتلك المسألة ، فإذا كانت الصلاة التي هي أعظم من الطواف يعفى فيها عن نسيان النجاسة ، وعن جهلها ، فكذلك هنا من باب أولى . قال رحمه الله : ثُم يصلِّي رَكعتينِ خلفَ المقامِ . بعد أن ينتهي من الطواف يصلي ركعتين خلف المقام ، والنبي صلى الله عليه وسلم قرأ {وَاتََّخِذُوا مِن مََّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًَّى} ثم صلى ركعتين خلف المقام فيقرأ ما قرأ النبي صلى الله عليه وسلم ثم يصلي ، ولا خلاف بين أهل العلم رحمة الله عليهم ، على أن هاتين الركعتين قد صلاهما النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، وأنهما قربة يتقرب بهما العبد إلى ربه بعد أن ينتهي من طوافه ، لكنهم اختلفوا في حكمها. حكم ركعتي الطواف : اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين : القول الأول : أن ركعتي الطواف سنة مؤكدة ، من تركها فإن طوافه صحيح ، ولا شيء عليه ، و إليه ذهب المالكية في رواية ، وهو مذهب الشافعية ، والحنابلة ، والظاهرية. أدلتهم : الدليل الأول : عن طلحة رضي الله عنه ، قال (جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل نجد ، ثائر الرأس نسمع دوي صوته ولا نفقه ما يقول ، حتى دنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا هو يسأل عن الإسلام ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم [خمس صلوات في اليوم والليلة ، فقال : هل علي غيرهن؟ قال : لا ، إلا أن تطوع] متفق عليه ، فلما ذكر خمس صلوات واجبة دل على أن ما سواها ليس بواجب . والاستدلال بهذا الحديث لا يصح : لأن الرجل سأل عن أعمال اليوم والليلة ، ولم يسأل عن الأعمال الأخرى ، وصلاة ركعتي الطواف ليست من أعمال اليوم والليلة . الدليل الثاني : أنها صلاة لم تشرع لها جماعة ، فلم تكن واجبة ، كسائر النوافل . القول الثاني : أن ركعتي الطواف واجبة، مذهب الحنفية، والمالكية ، والشافعية في قول ، والحنابلة في رواية .

عدد الصفحات ١٨٢

مختصر كتاب المناسك 2 فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 24 أدلتهم : الدليل الأول : قول الله تعالى {وَاتََّخِذُوا مِن مََّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًَّى} قالوا إن هذا أمر والأمر يدل على الوجوب- والغريب أن الظاهرية يرون عدم وجوب ركعتي الطواف مع وجود هذه الآية - . نوقش : بأنه قد نقل الإجماع على جواز صلاة هاتين الركعتين في أي مكان في الحرم ، إلا المالكية فيكرهون صلاتها في الحجر ، وقد نقل الإجماع ابن المنذر ، قال (أجمع العلماء على أن ركعتي الطواف تصحان حيث صلاهما ، إلا مالكا فإنه كره فعلهما في الحجر) ولو كانتا واجبتين لم تجز في أي مكان من الحرم. الدليل الثاني : أنهما تابعتان للطواف، فكانتا واجبتين كالسعي ، إذ السعي تابع للطواف فكان واجبا . ونوقش : بأن وجوب السعي ليس لكونه تابعا للطواف، ولذا قد يطوف طواف القدوم ولا يسعى ، وقد يطوف طواف الإفاضة ويؤخر السعي ، فليس وجوب السعي لكونه تابعا للطواف ، بل وجوب السعي لأنه عبادة مقصودة مطلوبة . الراجح : أن ركعتي الطواف غير واجبتين ، بل هما سنتان مؤكدتان مستحبتان ، لا ينبغي للإنسان أن يتركهما . قال رحمه الله : خَلفَ المقامِ . أفاد المؤلف أن السنة أن تصليا خلف المقام ، بل حيث شاء ، داخل الحرم أو خارجه ، و إليه ذهب جمهور أهل العلم ، إلا الإمام مالكا رحمه الله ، ذهب إلى أنها لا تصلى في الحجر ولا في الكعبة ، وهذا مبني على مسألة أخرى : هل تصح صلاة النفل في الكعبة أو لا؟ المالكية ، والحنابلة على عدم الصحة ، لكن الحنابلة هنا يرون أنها تصح في أي مكان حتى في الحجر ، الإمام مالك يرى أنها لا تصلى في الحجر ، وأنه لو خرج ووصل إلى بلده فإنه يصليها في بلده ، ويبعث بدم لتركه هاتين الركعتين ، وأما الجمهور فيقولون : يصليها حيث شاء ، داخل الحرم أو خارجه ، حتى لو رجع إلى أهله وقد نسيها . الدليل الأول : عن أم سلمة رضي الله عنها ، (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وهو بمكة وأراد الخروج ، ولم تكن أم سلمة طافت بالبيت وأرادت الخروج فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم : (إذا أقيمت صلاة الصبح فطوفي على بعيرك والناس يصلون) ففعلت ذلك فلم تصل حتى خرجت) أخرجه الإمام البخاري ، فكانت تطوف والناس يصلون ، ونسيت الركعتين ، ركعتي الطواف ، فصلتهما خارج الحرم . الدليل الثاني : أن عمر رضي الله عنه ، (طاف بالبيت بعد الصبح ، فركب حتى أناخ بذي طوى فصلى) أخرجه الإمام البخاري معلقا بصيغة الجزم ، ووصله عبد الرزاق في مصنفه بإسناد صححه النووي. القراءة في ركعتي الطواف : يقرأ فيهما قل يا أيها الكافرون وقل هو الله أحد ، وإليه ذهب الأئمة الأربعة لحديث جابر في قصة حج النبي صلى الله عليه وسلم ، وجاء صريحا عند البيهقي بإسناد صحيح ، وإن لم يصح فعليه عمل الأمة . والله أعلم . ركعتا الطواف في وقت النهي : المسألة فيها خلاف على قولين ، والراجح جواز صلاتهما في أوقات النهي كلها ، القصيرة والطويلة ، وهو مذهب الشافعية ، والحنابلة ، واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية . إجزاء غيرهما عنهما : هل يجزئ أن يصلي بدل هاتين الركعتين ركعتي فريضة؟ أو يصلي بدلها نافلة مقصودة؟ اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين

عدد الصفحات ١٨٣

مختصر كتاب المناسك 2 فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 25 القول الأول : أنه يجزئ عن ركعتي الطواف غيرهما ، ويجوز أن يصلي ركعتين أخريين ، كأن يطوف وينتهى قبل صلاة الفجر ، فيصح أن يصلي راتبة الفجر بدلا عنهما ، أو يصلي صلاة الفجر المكتوبة بدلا عنهما ، وهو رأي ابن عباس رضي الله عنهما، وعطاء ، والحسن، وابن جبير ،وهو مذهب الشافعية في الأصح ، والحنابلة . دليلهم : أنهما ركعتان شرعتا للنسك ، فأجزأت عنهما المكتوبة ، كركعتي الإحرام ، فلو أراد الإنسان أن يحرم ، فإنه يشرع له أن يصلي ركعتين ، ـ وليس للإحرام صلاة تخصه على الراجح ـ ، فلو أنه أحرم عقب فريضة لم يحتج أن يصلي ركعتين ، بل تجزئ عنهما الفريضة . القول الثاني : أنه لا يجزئ عن ركعتي الطواف غيرهما ، لا مكتوبة ولا غيرها ، و إليه ذهب الزهري ، وابن المنذر ، وأبو ثور ، وهو مذهب الحنفية ، والمالكية ، والحنابلة في رواية . الدليل الأول : أنهما سنة ، فلم تجزئ عنهما المكتوبة - إذا صلى عنهما المكتوبة - كركعتي الفجر ، لو صلى صلاة الفجر بدلا عن ركعتي الفجر لم تجزئ؛ لأن هذه سنة وهذه فريضة . الدليل الثاني : أن كلا منهما عبادة مقصودة لذاتها ، فلا تجزئ واحدة عن الأخرى . وقد جرنا الحديث إلى التداخل في العبادات . أقسام تداخل العبادات : القسم الأول : أن تكون إحدى العبادتين تابعة للأخرى ، فلا تجزئ واحدة عن الأخرى ، كركعتي الفجر مع صلاة الفجر . القسم الثاني : أن تكون كل واحدة منهما مقصودة لذاتها ، فلا تجزئ إحداهما عن الأخرى . القسم الثالث : أن يكون المقصود إيقاع العبادة في هذا الوقت ، بغض النظر عن ماهية الصلاة ، فهنا تجزئ إحداهما عن الأخرى ، كتحية المسجد مع الراتبة . والراجح أن ركعتي الطواف مع الصلوات الأخرى المقصودة لذاتها ، تدخل في ضمن القسم الثاني . اشتراط الطهارة للطواف : تقدمت المسألة في كتاب الطهارة ، ونذكرها كأقوال : القول الأول : أنه يشترط لصحة الطواف الطهارة، و إليه ذهب جمهور العلماء، المالكية ، والشافعية، والحنابلة القول الثاني : أن الطهارة واجبة للطواف ، فإذا طاف من غير طهارة يعيد إن كان في مكة ، وإن خرج ذبح دما ، و إليه ذهب الحنفية ، في القول المشهور عندهم ، وهو رواية عند الحنابلة . القول الثالث : أن الطهارة للطواف سنة، وإليه ذهب الحنفية في قول، والحنابلة في رواية اختارها ابن تيمية . وتقدمت الأدلة هناك ، وأنه يفرق بين الفتوى قبل الأمر وبعده ، قال شيخنا رحمه الله في التعليق على الممتع ، في شرحه الأخير على الزاد (الظاهر أن الحدث الأكبر يمنع صحة الطواف؛ ولهذا إذا نزل الحيض على المرأة أثناء الطواف بطل طوافها ، وكذلك لو أنزل بشهوة ، أو وجد أثر الجنابة؛ لقول الله تعالى{وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ} .) الموالاة في الطواف : هذه المسألة مختلف فيها على أقوال : القول الأول : أن الموالاة شرط لصحة الطواف ، ومن لم يطف مواليا لم يصح طوافه ، إليه ذهب المالكية ، والشافعية في القديم ، وهو مذهب الحنابلة .

عدد الصفحات ١٨٤

مختصر كتاب المناسك 2 فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 26 أدلتهم : الدليل الأول : أن النبي صلى الله عليه وسلم ، طاف مواليا ، وقال [خذوا عني مناسككم] الدليل الثاني : أن الطواف عبادة متعلقة بالبيت ، فاشترطت فيها الموالاة كالصلاة . القول الثاني : أن الموالاة ليست شرطا لصحة الطواف ، بل هي سنة ، و إليه ذهب الحنفية ، والشافعية في الجديد ، والحنابلة في رواية إن كان القطع لعذر ، واختاره ابن حزم. أدلتهم : الدليل الأول : قوله تعالى {وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ} وهذه الآية جاءت مطلقة ، غير مقيدة بقيد ، فمن اشترط في الطواف الموالاة فعليه الدليل . الدليل الثاني : (أن ابن عمر طاف بالبيت ثلاثة أطواف، ثم قعد يستريح، ثم بنى على طوافه) أخرجه ابن أبي شيبة بإسناد صحيح الراجح : هو القول الأول، أن الموالاة شرط في صحة الطواف ، إلا إذا كان ثمة عذر ، فإذا كان ثمة عذر فلا بأس من القطع ، لكن ليس قطعا طويلا؛ لأنها عبادة مشروعة على سبيل الاجتماع ، وتفريقها يخرجها عن كيفيتها التي شرعت عليها ، ولأنه لا يمكن نسبة بعض العبادة إلى بعض إذا كان التفريق طويلا ، فلا يمكن أن يقال لمن طاف الشوط الأول صباحا ، وأكمل أشواطه بعد المغرب إنه قد طاف ، أما إن كان القطع يسيرا ، كأن يتعب ويدوخ في طوافه ، أو كان ثقيل الوزن ، لا يستطيع المشي طويلا ، فيجلس ، وليس عنده عربة يحمل عليها ، ويحتاج إلى أن يتوقف ، فلا بأس من القطع ، لكن لا بد ألا يكون طويلا . قطع الطواف للفريضة : إذا أقيمت الفريضة وهو يطوف ، فقد ذهب عامة أهل العلم إلى أنه يقطع طوافه ، ويصلي الفريضة ثم يتم طوافه؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال [إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة]والطواف فيه شبه كبير من الصلاة ، ولم يأذن النبي عليه الصلاة والسلام بقطع الصلاة إلا للمكتوبة ، فيجوز قطع الطواف للمكتوبة ، وإذا انتهى بنى بعض الطواف على بعض ، وهذا القطع فعله ابن عمر رضي الله عنهما ، وهو منقول عن طائفة من السلف ، فهو رأي سالم ، وعطاء ، ومذهب الحنفية ، والمالكية ، والشافعية ، والحنابلة ، عامة أهل العلم ، قال ابن المنذر : (ولا نعلم أحدا خالف في ذلك إلا الحسن ، فإنه قال : يستأنف). مكان إتمام الطواف : هل يبدأ من الحجر أم يبني على طوافه الأول من حيث قطع؟ نص الإمام أحمد رحمه الله ، على أنه يبدأ من الحجر ، فيشرع من أول الطواف ، ولا يبني على طوافه . القول الثاني : ظاهر مذهب من سبق ذكرهم ، عطاء ، وسالم ، وابن عباس ، وابن عمر ، والحنفية ، والمالكية ، والشافعية ، أنه يبني من حيث انتهى؛ لأن الذي فعله أولا وقع صحيحا مجزئا ، فلا طريق لإبطاله إلا بدليل شرعي ، فيبني على الموضع الذي انتهى فيه موالاة الطواف وصلاة الجنازة : إذا صلى صلاة الجنازة ، فهل يكون هذا قاطعا للتوالي؟ اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين : القول الأول : أنه لا تقطع صلاة الجنازة الموالاة ، و إليه ذهب الحنفية ، والشافعية ، والحنابلة . أدلتهم : الدليل الأول : القياس على الصلاة المكتوبة ، فإذا كانت الصلاة المكتوبة لا تقطع التوالي في الطواف ، فكذا صلاة الجنازة ، لأنها يسيرة ، والصلاة المفروضة لا شك أنها أطول من صلاة الجنازة ،فلا تقطع من باب أولى

عدد الصفحات ١٨٥

مختصر كتاب المناسك 2 فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 27 الدليل الثاني : أن صلاة الجنازة تفوت بالتشاغل عنها ، فجاز قطع الطواف من أجلها ، فلو أراد أن ينتهي من طوافه ذهبت الجنازة ، وفاته الفضل العظيم خاصة أنه في الحرم ، والصلاة بمائة ألف صلاة . القول الثاني : أنه إذا صلى على الجنازة انقطع التوالي، ولزمه أن يبتدئ من أول الطواف، و إليه ذهب المالكية ، والشافعية في قول أدلتهم : الدليل الأول : أن صلاته تؤدي إلى قطع الفرض بالنفل ، والحديث [إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة] فالنافلة تقطع من أجل المكتوبة ، ولا تقطع المكتوبة من أجل النافلة ، فلا يقطع الطواف من أجل النافلة . الدليل الثاني : أن الطواف صلاة ، فلا يقطع بصلاة أخرى . الراجح : القول الأول، أنه إذا صلى على الجنازة فإن الموالاة لا تنقطع؛ لأنها يسيرة ، والحنفية ، والشافعية في الجديد ، والحنابلة في رواية ، يرون أن الموالاة لا تشترط ، والشافعية في قول يرون أنها تقطع ، وهو خلاف المذهب . قطع الطواف للنافلة : لو شرع الإمام في صلاة الوتر في التراويح أو القيام ، أو شرع في صلاة العيد ، وهو يطوف ، فظاهر كلام الذين يرون اشتراط الموالاة أنه إذا صلى صلاة العيد ، أو صلى صلاة الوتر من التراويح فإن التوالي ينقطع حينئذ ، وهنا يقال للطائفين : تنبهوا واحسبوا الوقت جيدا ، فإما أن تبدؤوا في وقت تستطيعون أن تنتهوا فيه قبل بدء الإمام في صلاة الوتر ، وقبل بدئه في صلاة العيد ، وإما أن تؤخروا حتى تصلوا الوتر ، والقائلون بالقطع يرون أن القاطع طويل ، لأن الوتر يمتد أحيانا إلى ربع ساعة ، أو عشر دقائق مع القنوت ، وكذا صلاة العيد ، تطول أحيانا ، فتصل عشر دقائق ، فتكون قاطعة ، والمسألة موضع تردد . الطواف داخل المسجد : هذا شرط متفق عليه بين أهل العلم رحمة الله عليهم ، بل حكي الإجماع على أنه لو طاف خارج المسجد لم يصح ، وبالاتفاق أنه كلما اقترب من الكعبة كان أفضل ، لكن إذا دار الأمر بين أن يطوف بعيدا باطمئنان ، أو يطوف قريبا من الكعبة مع الزحام وترك سنة الرمل المؤكدة ، فعندهم أن يطوف بعيدا عن الكعبة ، حتى يؤدي العبادة بالطمأنينة ، ويأتي بالفضل المتعلق بها ، وهذه قاعدة يذكرها العلماء (أن الفضل المتعلق بذات العبادة أولى بالمراعاة من الفضل المتعلق بزمانها ومكانها) . الطواف من وراء الأعمدة : هذا يحتاج إليه الآن ، لو طاف من وراء الأروقة والأعمدة التي في الحرم ، فهل يصح؟ الجماهير أن طوافه صحيح ، وذهب المالكية إلى أنه إن طاف وراء الأعمدة إن كان في مكة أعاد ، وإن خرج من مكة فعليه دم ، وهذا القول ضعيف والله أعلم؛ لأنه يخالف فعل الصحابة رضي الله عنهم ، فإن عمر وسع الحرم ، وكان الصحابة والتابعون يطوفون في التوسعة من غير نكير بينهم ، وبناء عليه فلو طاف من داخل الأروقة ، أو طاف في الدور الثاني من وراء الأعمدة ، فإن طوافه صحيح ولا شيء عليه . الطواف على السطوح : الراجح من أقوال أهل العلم الجواز، وإن كان أرفع من الكعبة ، وهو الواقع الآن ، حتى الدور الثاني أرفع من الكعبة ، ويقاس على الصلاة على الجبال المحيطة بالكعبة ، فإن الناس يصلون عليها ، وهي أرفع من الكعبة بكثير ، كما لو صلى على جبل أبي قبيس ، أو جبل قعيقعان قديما ، أو العمائر الطويلة الموجودة الآن ، لأن الهواء تابع للقرار ، وهواء الكعبة تابع لقرارها ، وكما لو أن الإنسان صلى داخل بئر أو مكان منخفض عن الكعبة فإن صلاته صحيحة ، إذن سواء كان أرفع من الكعبة أو أنزل فإن طوافه

عدد الصفحات ١٨٦

مختصر كتاب المناسك 2 فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 28 صحيح ، وهل يمكن أن يتصور الطواف أسفل؟ نعم ، لو قدر أنه استطاع أن يطوف في الدور الأرضي ، وربما يأتي في زمن ، فإن طوافه في هذه الحال صحيح ، قياسا على الطواف في السطوح . اشتراط الطواف ماشيا : لا خلاف بين أهل العلم أن الطواف ماشيا أفضل وأولى ، وأن النبي صلى الله عليه وسلم طاف ماشيا ، وطاف راكبا للعذر ، لكن هل يشترط الطواف ماشيا ، وما حكم الطواف راكبا للقادر؟ اختلف العلماء في هذه المسألة على ثلاثة أقوال : القول الأول : أنه يشترط لصحة الطواف أن يطوف ماشيا ، فإن طاف راكبا لغير عذر لم يصح طوافه ، و إليه ذهب المالكية في رواية ، وهو المذهب عند الحنابلة . أدلتهم : الدليل الأول : أن الطواف بالبيت صلاة، وكما أنه لا يجوز له أن يصلي قاعدا مع القدرة على الوقوف ، فكذا لا يجوز له الطواف راكبا مع القدرة والمشي ، فقاسوا الطواف على الصلاة ، بجامع أن كلا منهما صلاة . وتقدم أن الطواف ليس صلاة من كل وجه، بل هو صلاة من وجوه، وإلا فثمة فرق بين الطواف والصلاة ، وهم يستدلون بالأثر المنقول عن ابن عباس (إن الطواف بالبيت صلاة ، إلا أن الله أباح لكم الكلام فيه فمن يتكلم فلا يتكلم إلا بخير) فالحديث لا يصح مرفوعا ، وبعضهم يصححه موقوفا والمراد به الشبه في أكثر الأشياء لا كلها الدليل الثاني : أن الطواف عبادة تتعلق بالبيت ، فلم يجز فعلها راكبا لغير عذر كالصلاة ، بجامع التعلق بالبيت. القول الثاني : أن الطواف ماشيا مع القدرة واجب ، يجبر بدم إن تعذرت الإعادة ، وإن كان في مكة لزمه أن يعيد ، و إليه ذهب الحنفية ، وذهب المالكية ، والحنابلة في رواية إلى أنه واجب يجبر بدم مطلقا . أدلتهم : الدليل الأول : أن الفعل المنقول عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو الطواف ماشيا ، يحمل على الوجوب . الدليل الثاني : أنه صفة واجبة في ركن ، أشبه ما لو وقف نهارا ودفع قبل الغروب ، فيلزمه دم لدفعه الغروب إن لم يعد ، فإن عاد لم يلزمه شيء ، الوقوف بعرفة ركن ، ومن صفات هذا الوقوف أن يقف نهارا إلى غروب الشمس (إذا كان وقف نهارا) فلا بد أن يتصل النهار بالليل ، فإذا غربت الشمس دفع ، فإذا وقف نهارا ودفع قبل غروب الشمس فقد ترك واجبا ، فيلزمه دم، والفرق بين القولين: القول الأول أنه إذا طاف راكبا مع القدرة على الطواف ماشيا فإن طوافه لا يصح، والثاني يصح لكن يجب عليه دم القول الثالث : أن الطواف ماشيا سنة ، وليس بواجب ، وإذا طاف راكبا فطوافه صحيح ، و إليه ذهب الشافعية والحنابلة في رواية ، وهو رأي ابن المنذر. أدلتهم : الدليل الأول : عن ابن عباس رضي الله عنهما ، (طاف النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم على بعير ، كلما أتى الحجر أشار إليه بشيء في يده وكبر) متفق عليه ، فالحديث يدل على أن المشي ليس لازما. الدليل الثاني : عن صفية بنت شيبة قالت : (لما اطمأن رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة عام الفتح طاف على بعير يستلم الركن بمحجن في يده ، قالت : وأنا أنظر إليه). أخرجه أبو داود . قال الشيخ الألباني : حسن .

عدد الصفحات ١٨٧

مختصر كتاب المناسك 2 فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 29 الراجح : هو القول الأول والله أعلم ، وقد اختاره شيخنا وغيره من أهل العلم ، وأن الطواف ماشيا شرط من شروط الطواف ، وأنه إذا طاف راكبا مع قدرته على المشي فإن طوافه لا يصح ، لكن إن كان الإنسان معذورا كمريض ، أو إنسان لا يستطيع المشي فإنه يجوز له أن يطوف راكبا؛ لأن الله لا يكلف نفسا إلا وسعها ، والله تعالى يقول {فَاتََّقُوا اللََّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} فصل في السعي بين الصفا والمروة وما يتعلق بذلك هذا الفصل عقده المؤلف رحمه الله ليبين بعض أحكام السعي وما يتعلق بالتحلل ، لأن المؤلف يتكلم عن عمرة المتمتع ، وعن الطواف والسعي بالنسبة للقارن والمفرد .  قال : ثُمَّ يستلمُ الحجرَ . إذا صلى الركعتين خلف مقام إبراهيم عليه الصلاة والسلام ، فإنه يذهب ويستلم الحجر مرة أخرى؛ لأنه في آخر مرة في الطواف سيستلم الحجر ، ثم يذهب إلى المقام ويصلي ركعتين خلفه ، ثم إذا انتهى منهما يذهب ويستلم الحجر مرة أخرى . قوله : (يستلم) : و لم يقل (يقبل) أو (يشير بيده) وهذه هي السنة هنا ، كما نص عليها أهل العلم ، أنه يستلم الحجر استلاما ، ولا يقبل ولا يشير ، ودل عليه حديث جابر رضي الله عنه ، قال (ثم أتى مقام إبراهيم فصلى ، ثم رجع إلى الركن فاستلمه) أخرجه الإمام مسلم ، هنا قال : استلمه ، ولم يقل : قبله ، قال شيخنا : لم يرد أنه قبله ، ولا أشار إليه بل استلام فقط ، وهذا قد يناقش أن الاستلام يطلق على مسحه وتقبيله لكن ظاهر النص يقتضي عدم التقبيل. وبعض أهل العلم يقول : قد يقال إن التعبير بالاستلام يشمل التقبيل ، دون الإشارة؛ لأنه لا دليل عليها ، وأما ظاهر النص فإنه يدل على استلام مجرد من التقبيل ، وأما الإشارة فهي غير داخلة ، لأنه لو أشار إليه لقال : أشار إليه ، فإن لم يتيسر له فإنها سنة ،وكان ابن عمر رضي الله عنهما يفعله ، وهو رأي النخعي ، والثوري ، وأبي ثور ، وهو مذهب الحنفية ، والمالكية ، والشافعية ، والحنابلة ، حتى قال ابن قدامة (لا نعلم فيه خلافا) ، بعض أهل العلم يقول : هذا الاستلام يكون في الطواف الذي يعقبه سعي؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ، استلم ثم ذهب إلى الصفا ، وشيخ الإسلام رحمه الله يقول : في كل الأطوفة ، سواء كان في طواف القدوم ، أو طواف الزيارة ، أو طواف العمرة ، ومثله طواف الوداع ، فإنه يطوف ثم يستلمه ، ولو لم يعقبه سعي . قال رحمه الله : ويَخرجُ إلى الصّفا من بابِهِ . أي باب الصفا ، المسجد له أبواب ، كان صحن المطاف صغيرا ، آخر حده من جهة زمزم تقريبا ، فخرج من باب الصفا ، ويقول بعضهم : هذا الباب أزيل غير موجود الآن أزيل شكله وبقي رسمه ، فالنبي صلى الله عليه وسلم ، خرج مع الباب . قال رحمه الله : وَيَرْقاهُ حَتّى يَرى البيتَ . يرقى الصفا حتى يرى الكعبة ، وقبل ذلك يقرأ قول الله تعالى {إِنََّ الصََّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللََّهِ}ويقول كما قال النبي صلى الله عليه وسلم [أبدأ بما بدأ الله به]جاء في حديث جابر رضي الله عنه ، قال (.. ثم خرج من الباب إلى الصفا ، فلما دنا من الصفا قرأ (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ ) وقال [أبدأ بما بدأ الله به] فرقي الصفا حتى رأى البيت، فاستقبل القبلة..) والكعبة ترى حتى الآن مع وجود الأعمدة ، خاصة في الأدوار العلوية  قال رحمه الله : ويُكَبرُ ثلاثاً ويَقولُ ما وردَ . يرقى الصفا حتى يرى البيت ويستقبل الكعبة ، ثم يرفع يديه ، ثم يقول)لا إله إلا الله ، الله أكبر ، الله أكبر ، الله أكبر ، لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير ، لا إله إلا الله وحده ، أنجز وعده ، ونصر عبده ، وهزم

عدد الصفحات ١٨٨

مختصر كتاب المناسك 2 فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 30 الأحزاب وحده (وهو رافع يديه ، يقول الذكر ثم يدعو ، ثم يقول الذكر ثم يدعو ، ثم يقول الذكر ثم ينصرف ، يكون الدعاء مرتين ، والذكر ثلاثا؛ لأن الدعاء يكون داخل العبادة لا خارجها ، وبناء عليه اختلف العلماء في التكبير عند الكعبة في الطواف ، هل آخر شوط يصل به إلى الحجر يكبر فيه أو لا؟ قولان لأهل العلم ، اختار شيخنا رحمه الله أنه لا يكبر؛ لأن الذكر يكون في جوف العبادة لا خارجها . جاء في حديث جابر (فوحد الله وكبره - وفي لفظ ثلاثا - ثم قال لا إله إلا الله ، قال [لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد ، وهو على كل شيء قدير ، لا إله إلا الله وحده ، أنجز عبده ، ونصر عبده ، وهزم الأحزاب وحده] أخرجه الإمام مسلم ، ثم دعا بين ذلك مرتين . قال رحمه الله : ثُم ينزِل ماشياً إلى العلمِ الأولِ . المراد بالعلم الأعلام الخضراء التي جعلت دلالة على محل السعي السريع ، وأصل المشروعية سعي أم إسماعيل عليها السلام ، فإنها لما وضعت ابنها عند موضع زمزم ، وذهبت تبحث عن الماء ، كانت ترقى الصفا ثم تذهب إلى المروة ، وكانت إذا ذهبت من الصفا إلى المروة تبحث عن الناس ترقى الجبلين ، كان هناك واد يخترقهما ، الوادي الذي عند الصفا ، الذي فيه العلمان الآن ، فإذا وصلت الوادي تنزل ويختفي ابنها عن نظرها ، فتضطر إلى أن تسعى بشدة حتى تقطع الوادي من أجل تراه ، فعلته سبع مرات ، هذا أصل المشروعية . قال رحمه الله : ثُمَّ يسْعَى شَديدًا إلى الآخَرِ . أي يسعى سعيا شديدا ، فهي صفة لموصوف محذوف ، والسعي الشديد جاء من حديث حبيبة بنت أبي تجراة ، قالت دخلنا دار أبي حسين في نسوة من قريش والنبي صلى الله عليه وسلم يطوف بين الصفا والمروة قالت وهو يسعى يدور به إزاره من شدة السعي وهو يقول لأصحابه [اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي]و لفظ : (وهو يسعى حتى أرى ركبتيه من شدة السعي يدور به إزاره) أخرجه الإمام أحمد، والحديث حسن بشواهده وطرقه، وقد ذكر الحافظ في الفتح شاهدا له من حديث ابن عباس عند ابن خزيمة ، قال (يتقوى به) وهذا يستفاد منه في حكم السعي وأن والسعي الشديد خاص بالرجل دون المرأة كما ذكر ذلك العلماء. شيخنا له ملحظ ، وهو ملحظ الفقيه العالم ، وهو : أن الإنسان إذا سعى سعيا شديدا فإنه يتذكر أمرا أهم من أمر أم إسماعيل لما كانت تسعى سعيا شديدا ، وهو : أن حاجة الإنسان للتخلص من الذنوب التي عليه أشد من حاجة أم إسماعيل إلى حفظ ولدها في ذاك الموقف ورعايته ، لأن الذنب ثقله عظيم ، نسأل الله أن يرحمنا برحمته ، وأن يرزقنا التوبة والإنابة إليه ، وما أحلى التوبة والإنابة ، يكون الإنسان دائما يعالج نفسه ويرجع ويؤوب ، والإنسان يقع منه الذنب ، من منا لا يذنب ولا يخطئ ولا يسرف في أمره ، لكن كلما عاد الإنسان وأناب ارتقت درجته وارتفعت عند ربه . قال رحمه الله : ثُمَّ يمشِي ويَرقى المروةَ . يمشي من الصفا ويسعى بين العلمين حتى يصل إلى المروة . هل هناك ذكر بين الصفا والمروة : لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم شيء ، لكن ورد عن ابن عمر بسند صحيح وعن ابن مسعود بإسناد صحيح ، قال الإمام أحمد رحمه الله (ويقول ما ورد عن ابن عمر) ورد عن ابن عمر أنه دعا دعاء طويل ، ذكره الطبراني ، وقال الضياء في أحكامه : إسناده جيد ، دعاء طويل جدا ، حتى إن نافعا رحمه الله ورضي عنه ، أنهم يكادون يغشى عليهم ويسقطون من طول دعاء ابن عمر على الصفا وعلى المروة ، وتصورْ ، النبي صلى الله عليه وسلم دخل البيت ضحى ، حوالي 8 أو 8 ونصف تقريبا ، وانتهى

عدد الصفحات ١٨٩

مختصر كتاب المناسك 2 فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 31 من طوافه وسعيه قبل الظهر ، معنى ذلك أن الوقت طويل ، وهنا ينبغي للإنسان أن يكثر من الدعاء ، ابن عمر رضي الله عنهما كانت له أدعية منقولة، ذكرها الضياء، وذكرها الإمام مالك رحمه الله، والطبراني وغيرهم، وبعض أسانيدها يصححه العلماء. فعن نافع أن ابن عمر كان يدعو على الصفا : (اللهم اعصمني بدينك وطواعيتك وطواعية رسولك ، اللهم جنبني حدودك ، اللهم اجعلني ممن يحبك ويحب ملائكتك ويحب رسلك ويحب عبادك الصالحين ، اللهم حببني إليك وإلى ملائكتك وإلى رسلك وإلى عبادك الصالحين ، اللهم يسرني لليسرى وجنبني العسرى واغفر لي في الآخرة والأولى واجعلني من أئمة المتقين ، اللهم إنك قلت ادعوني أستجب لكم وإنك لا تخلف الميعاد اللهم إذ هديتني للإسلام فلا تنزعني منه ولا تنزعه مني حتى تقبضني وأنا عليه) . قال نافع : (وكان يدعو بهذا مع دعاء له طويل على الصفا والمروة وبعرفات وبجمع وبين الجمرات وفي الطواف). أخرجه ابن الملقن في البدر المنير وذكر أن الضياء ذكر رواية في أحكامه نقلها عن الطبراني في كتاب المناسك وقال إسنادها جيد . وقد أخرجه الإمام مالك في الموطأ والفاكهي في أخبار مكة. وجاء عن ابن مسعود من طريق شقيق ، أنه كان يقول (اللهم اغفر وارحم ، وأنت الأعز الأكرم) إذا كان يمشي في بطن الوادي ، والأثر صححه الألباني ، أما عن النبي صلى الله عليه وسلم ، فلم يثبت شيء ، ولذا ينبغي للإنسان أن يتخير من الدعاء أعجبه وأعظمه وأفضله ، وخير الدعاء دعاء النبي صلى الله عليه وسلم ، فإنه الشامل الجامع لجوامع الدعاء ، وخيري الدنيا والآخرة ، يحفظها ويدعو بها في هذا المقام العظيم . وإذا انتهى من أعمال الصفا ذهب إلى المروة ، والقدر الواجب بينهما هو أن يصل إلى جبل الصفا وإلى جبل المروة ، وأما رقيهما فهو من تمام الفعل وليس واجبا ، لكن الواجب يسقط ببلوغ الجبل ، ولذا اشتهر السعي من غير رقي على الصفا عن عثمان وغيره من الصحابة رضي الله عنهم ، من غير نكير ، كما ذكره ابن الملقن في (البدر المنير) وقد ذكر شيخنا رحمه الله ، أن حد الواجب هو منتهى العربيات من الجهتين ، من جهة الصفا ومن جهة المروة ، فإذا تجاوز الساعي حد العربيات يكون قد أتى بالواجب ، والجبل غير موجود ، تمت إزالته إلا بقايا يسيرة من الجبلين ، ومعنى ذلك أن الجبل كان متقدما كثيرا وأزيل ، فحده كما قال شيخنا ، وما زاد فهو مستحب وليس واجبا . قال رحمه الله : (وَيقولُ ما قالهُ على الصفَا ). يدعو مرتين ، ويذكر الذكر ثلاثا ، ثم يذهب من المروة إلى الصفا ، ذهابه سعيةٌ ، ورجوعه سعية ، ويشترط أن يستوعب ما بين الصفا والمروة ، ولا يترك شيئا . قال رحمه الله : ثمَّ ينزلُ فيمشِي في مَوضِعِ مشْيِهِ ، ويَسْعى في مَوضِعِ سعيِه إلى الصِّفا . ما فعل من الصفا إلى المروة ، يفعله من المروة إلى الصفا . قال رحمه الله : يَفعلُ ذلك سبعًا : ذهابُه سَعيةٌ ورُجوعُه سَعيةٌ ، فإن بَدَ أَ بالْمَروةِ سَقَطَ الشوطُ الأَوَّلُ . إذا بدأ بالمروة سقط الشوط الأول ، وذلك لحديث جابر (أبدأ بما بدأ الله به) والذي بدأ الله به في كتابه هو الصفا ، {إِنََّ الصََّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللََّهِ} ولفظة (ابدؤوا بما بدأ الله به) هذه جاءت عند النسائي رحمه الله ، لكن حكم العلماء بشذوذها وضعفها ، والثابت هو ما جاء في صحيح الإمام مسلم (أبدأ بما بدأ الله به)

عدد الصفحات ١٩٠

مختصر كتاب المناسك 2 فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 32 الترتيب بين الصفا والمروة : البدء بالصفا قبل المروة شرط من شروط السعي ، وهذا رأي ابن عباس ، والحسن ، والأوزاعي ، وإليه ذهب الحنفية ، والمالكية ، والشافعية ، والحنابلة؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم [أبدأ بما بدأ الله به]ولقول ابن عباس رضي الله عنهما (اتبعوا القرآن فما بدأ الله به فابدؤوا به) . استيعاب ما بين الصفا والمروة : يشترط الاستيعاب بينهما كما تقدم ، فإن ترك شيئا لم يجزئه ، وعند العلماء لو ترك ذراعا أو مترا ونحوه لم يصح سعيه ، وهذا مذهب الجمهور ، المالكية ، والشافعية ، والحنابلة ، أما الحنفية فإنهم يرون أنه لو ترك السعي كله ، أو ترك فوق أربعة أشواط فإنه لا يضره ، وعليه دم ، أما إذا ترك ثلاثة أشواط فأقل فعليه لكل شوط نصف صاع ، وذلك لأنهم لا يرون ركنية السعي ، بل يرون أنه واجب ، أما الجماهير فإنهم يرون وجوب الاستيعاب ، وأنه لو ترك شيئا ولو يسيرا لم يصح سعيه ، ويرون أن السعي ركن . تقديم السعي على طواف العمرة : هل يشترط أن يكون السعي واقعا بعد الطواف في العمرة؟ المؤلف هنا يتكلم عن ما يتعلق بالعمرة وطواف القدوم ، لكن نتكلم عن تقديم السعي على طواف العمرة ، اتفق العلماء على أن الأفضل أن يتقدم الطواف على السعي ، وأن النبي صلى الله عليه وسلم ، كان يطوف طواف العمرة ثم يأتي بعده بسعي العمرة ، لكن لو أنه قدم السعي على الطواف ، فقد اختلف أهل العلم في ذلك على أربعة اقوال : القول الأول : أنه لا يصح سعيه ، ولا بد أن يأتي بالسعي بعد الطواف ، فيعيده ، وإليه ذهب الحنفية ، والمالكية ، والشافعية ، والحنابلة على الصحيح من المذهب ، بل قد حكي الإجماع على ذلك ، حكاه الماوردي وغيره. أدلتهم : الدليل الأول : أن النبي صلى الله عليه وسلم طاف هكذا ، وقال للناس [خذوا عني مناسككم] . الدليل الثاني : أن الإخلال بالترتيب يخل بها تماما ، لأن العمرة مكونة من طواف وسعي وحلق أو تقصير ، بخلاف أنساك الحج التي تفعل يوم النحر ، فإنها خمسة ، فالتقديم والتأخير بينها لا يخل بها إخلالا كاملا . القول الثاني : أنه يصح تقديم السعي على الطواف مطلقا ، وهذا رأي عطاء ، والحنابلة في رواية ، يصح ، حتى مع العمد . دليلهم : حديث أسامة بن شريك رضي الله عنه ، قال : (خرجت مع النبي صلى الله عليه وسلم حاجا فكان الناس يأتونه فمن قال يا رسول الله سعيت قبل أن أطوف أو قدمت شيئا أو أخرت شيئا فكان يقول [لا حرج لا حرج إلا على رجل اقترض عرض رجل مسلم وهو ظالم فذلك الذي حرج وهلك] أخرجه أبو داود ، وصححه الشيخ ابن باز رحمه الله ، والشيخ الألباني قال : هو صحيح ، وهذا الحديث في تقديم السعي على الطواف . نوقش : أن هذا التقديم في الحج ، وثمة فرق بين الحج والعمرة ، قالوا : إن العمرة حج أصغر ، فإذا جاز التقديم في الحج ، فليجز التقديم في العمرة ، لأن الطواف في الحج والعمرة كلاهما ركن . رد : أن تقديم السعي على الطواف فيه إخلال بالعمرة ، كما تقدم . القول الثالث : يصح تقديم السعي على الطواف في حال النسيان والجهل ، وهذا رواية عند الحنابلة . القول الرابع : يصح تقديم السعي على الطواف مع إخراج الدم (شاة) وهذا رواية عند الحنابلة أيضا .

عدد الصفحات ١٩١

مختصر كتاب المناسك 2 فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 33 الراجح : أن يقال : إن تقديم الطواف على السعي واجب ، ولا يجوز تقديم السعي على الطواف ، لكن لو قدم في حال الجهل أو النسيان جاز ، ولو قيل : بأنه يؤمر بالإعادة ما دام في مكة ، فإن خرج فلا شيء عليه فذاك أحسن . قال رحمه الله : وتُسَنُّ فيهُ الطهارةُ . تسن فيه الطهارة ، سواء من الحدث الأكبر أو الأصغر ، والنجس ، فلو سعى محدثا حدثا أكبر أو أصغر صح طوافه ، ولو سعت المرأة وهي حائض فإن سعيها يصح؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم [افعلي ما يفعل الحاج غير ألا تطوفي في البيت]متفق عليه ، وهو رأي عطاء ومذهب الحنفية ، والمالكية ، والشافعية ، والحنابلة . أدلتهم : الدليل الأول : حديث عائشة [افعلي ما يفعل الحاج] . الدليل الثاني : أن السعي عبادة لا تتعلق بالبيت ، فلم يشترط فيها الطهارة كما تشترط في الصلاة ، فهي كالوقوف بعرفة . وذهب الحنابلة في قول إلى اشتراط الطهارة وقيل رواية ، وذكر عنها ابن قدامة (لا يعول عليها) . قال رحمه الله : والسِّتارةُ . أي ستر العورة، سترها سنة وهو رأي الجمهور، قال ابن قدامة رحمه الله : (ولا تشترط الطهارة من النجاسة والستارة للسعي؛ لأنه إذا لم تشترط الطهارة من الحدث وهي آكد فغيرها أولى) وهو رأي جمهور العلماء قال المؤلف رحمه الله : والموالاة .الموالاة إما أن تكون بين أشواط السعي ، وإما أن تكون بين الطواف والسعي ، وظاهر كلام المؤلف رحمه الله أن الموالاة بين أشواط السعي سنة ، وهذا خلاف المذهب ولذا صرف البهوتي الشارح عبارة المؤلف إلى الموالاة بين الطواف والسعي ، إذن عندنا مسألتان : المسألة الأولى : الموالاة بين أشواط السعي. المسألة الثانية : الموالاة بين الطواف والسعي. الموالاة بين أشواط السعي : المسألة الأولى : الموالاة بين أشواط السعي : اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين : القول الأول : أن الموالاة بين أشواط السعي شرط لصحته ، و إليه ذهب المالكية ، وهو المذهب عند الحنابلة . أدلتهم : الدليل الأول : أن النبي صلى الله عليه وسلم ، والى بين الأشواط وقال [ :خذوا عني مناسككم] . الدليل الثاني : القياس على الموالاة في الطواف ، فإذا كان تشترط في الطواف الموالاة ، فالسعي من باب أولى؛ لأن كلا منهما عبادة ذات أجزاء ، فشرعت فيها الموالاة . القول الثاني : أنه لا تشترط الموالاة بين أشواط السعي ، و إليه ذهب الحنفية ، والشافعية ، والحنابلة في رواية و عن الإمام أحمد رواية أنه لا تشترط الموالاة مع العذر.

عدد الصفحات ١٩٢

مختصر كتاب المناسك 2 فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 34 أدلتهم : الدليل الأول : أن السعي نسك لا يتعلق بالبيت ، فلم تشترط فيه الموالاة ، كالرمي والحلق ، ذلك أن الرمي والحلق لا تشترط فيهما الموالاة ، وسيأتي هل تشترط الموالاة بين رمي الجمار ، الصغرى والوسطى والكبرى ، أم لا؟ أما إن كان مرادهم الموالاة في ذات الرمي فهذه المسألة محل خلاف بين أهل العلم . الدليل الثاني : أن قياس السعي على الطواف لا يصح؛ لأن الطواف يتعلق بالبيت وهو صلاة ، والسعي لا يتعلق بالبيت . الراجح : أن الموالاة شرط لصحة السعي ، كما أنها شرط لصحة الطواف ، لأن العبادة التي تتكون من أجزاء لا يصدق عليها أنها أُوقعت إلا إذا فعلت متوالية ، كالوضوء والغسل والصلاة وغير ذلك ، لكن ليس المراد بالموالاة منع الشيء اليسير ، أو الحاجة ، بل إذا احتاج للجلوس لتعب ونحوه ، أو إلى شرب الماء ، وأن يخرج ثم يرجع مرة أخرى ، متى ما احتاج جاز له قطع التوالي ، لكن ليس قطعا طويلا . الموالاة بين الطواف والسعي : المسألة الثانية : الموالاة بين الطواف والسعي : إذا طاف الإنسان فإنه يسن له أن يوالي بين الطواف والسعي ، فيذهب مباشرة ويسعى ، ولا خلاف بين أهل العلم أن هذا أفضل ، وأنه فعل النبي صلى الله عليه وسلم ، لكن هل تشترط الموالاة أم هي سنة؟ اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين : القول الأول : أن الموالاة بين السعي والطواف سنة ، وهذا رأي عطاء ، والحسن ، وسعيد بن جبير ، وإليه ذهب الحنفية ، والمالكية في قول ، والشافعية ، والحنابلة . دليلهم : - وهذا التعليل يصح على مذهب الحنفية ، و الشافعية ، والحنابلة في رواية - أن الموالاة ليست شرطا في ذات السعي ، فليست شرطا بينه وبين الطواف ، فإذا كانت الموالاة لا تشترط في السعي ذاتِه ، فمن باب أولى لا تشترط بينه وبين الطواف . القول الثاني : أن الموالاة بين الطواف والسعي شرط ، و إليه ذهب المالكية في قول ، والشافعية في قول . دليلهم : فعل النبي صلى الله عليه وسلم ، فإنه والى بين الطواف والسعي ، وقال [خذوا عني مناسككم] . نوقش : بأن هذا استدلال بفعل النبي صلى الله عليه وسلم المجرد ، وتقدم أن فعله لا يرتقي إلى الإيجاب فضلا عن أن يكون شرطا لصحة العبادة ، فمجرد الفعل يستدل به على السنية والأفضلية . الراجح : أن الموالاة بين السعي والطواف ليست شرطا ، بل سنة ، ولذا لو طاف ثم أخر السعي إلى أن يرتاح فلا بأس به ، يطوف بالبيت ثم يتعب ، خاصة في أيام الصوم في رمضان وفي المواسم ، يحتاج أن يؤخر السعي حتى يرتاح ، فلا بأس به؛ لأنه لا دليل على اشتراط الموالاة ، نعم لا شك أن الأفضل أن يوالي بينهما ، لكن لا دليل على الشرطية . حكم المشي في السعي : تقدم حكم المشي في الطواف ، أما السعي فالناس يحتاجون فيه إلى الركوب لبعده وطوله ، فقد يركب الإنسان على عربية ، ويكون فيه نوع من التعب ، لكن لو رأى أن المشي شرط تحامل على نفسه قليلا وأتم؛ لأنه لم يصل إلى مرحلة المشقة البالغة ، ولكن يكون عليه نوع من المشقة ، فهل يجوز له أن يسعى راكبا أو لا؟ . اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين :

عدد الصفحات ١٩٣

مختصر كتاب المناسك 2 فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 35 القول الأول : أن السعي راكبا جائز ، والمشي سنة ، وهذا مروي عن أنس بن مالك رضي الله عنه ، وعطاء ، ومجاهد ، وإليه ذهب الشافعية، والحنابلة ، وذهب طائفة من أصحاب هذا القول إلى كراهة المشي ، فهو مروي عن عائشة، والإمام أحمد ، وإسحق ، فيكرهون أن يركب في غير حال العذر ، فيجوز إذن مع الكراهة . أدلتهم : الدليل الأول : أن النبي صلى الله عليه وسلم ، سعى راكبا فيجوز . الدليل الثاني : أن المعنى الذي منع الطواف راكبا غير موجود في السعي ، فيجوز أن يسعى راكبا . القول الثاني : أن المشي في السعي واجب ، و إليه ذهب الحنفية ، والمالكية ، وبعضهم يرى أنه إن كان في مكة يعيد ، وإن رجع إلى وطنه فعليه دم يبعثه إلى مساكين الحرم . الراجح : أن الركوب لا بأس به في السعي ، لكن الأولى أن يمشي ، إلا إذا كان ثمة عذر . قال المؤلف رحمه الله : ثم إن كان مُتَمَتِّعًا لا هَدْيَ معه قَصَّرَ من شَعْرِه . المؤلف رحمه الله يتكلم عن الطواف والسعي أول ما يدخل إلى مكة؛ لأن الباب باب دخول مكة ، فإذا طاف وسعى فإما أن يكون متمتعا أو قارنا أو مفردا ، فإن كان متمتعا فإنه يقصر من شعره ، كما فعل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، حين أمرهم بالإحلال ، وإنما قيل بالتقصير ولم يقل بالحلق حتى يبقى شعر يأخذه في الحج ، والحج أفضل من العمرة ، وهو محتاج أن يحلق شعره يوم النحر ، والوقت الطبيعي بين العمرة والحج يكون وقتا قصيرا ، أما إن كان الوقت متقدما ، كأن يأتي في شهر شوال ، أو في أول ذي القعدة ، في هذه الحال يستحب له الحلق . وانظر إلى قول المؤلف (إن كان متمتعا ولا هدي معه) يفهم منه أن المتمتع يمكن أن يسوق الهدي ، وهذه المسألة تقدمت ، وفيها خلاف ، القول الأول :من العلماء من يرى أن المتمتع يجوز له سوق الهدي ، ويقصر ، مثل المتمتع الذي لا هدي معه ، وهذا مذهب المالكية ، والشافعية ، ويستدلون بحديث معاوية رضي الله عنه ، قال (قصرت من شعر النبي صلى الله عليه وسلم بمشقص وهو على المروة) فهذا دليل على أن النبي صلى الله عليه وسلم قصر من شعره ، ولكن هذا الدليل لا يسعدون به؛ لأن حفصة سألت النبي صلى الله عليه وسلم : ما بال الناس حلوا وأنت لم تحل ، قال [إني لبدت رأسي وقلدت هديي ، فلا أحل حتى أنحر] القول الثاني الحنفية فيرون أن المتمتع يجوز له أن يسوق الهدي ولا يقصر من شعره ، ويبقى على إحرامه ، ثم يدخل الحج على العمرة ، ويصبح متمتعا ، ويسقط عنه التقصير . القول الثالث : أنه لا يمكن أن يسوق المتمتع الهدي ، بل إذا ساقه فإنه يدخل الحج على العمرة فيصبح قارنا ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال [ف أحل حتى أنحر]وإذا لم يحل المتمتع فسيصبح قارنا ، لأنه لم يحل من إحرامه ، فإن قال قائل : يمكن أن يخرج دما عن التقصير ، يقال : حتى لو أخرج دما عن التقصير ، فإنه لا يزال على إحرامه، لا يمكنه التخلص من الإحرام ، وبناء عليه يدخل الحج على العمرة، فيصبح قارنا، ومن لم يكن معه شيء استحب له أن يفسخ الحج إلى عمرة، وأن يقصر، فيصبحَ متمتعا، ويحرمَ بالحج في وقت الحج ، ولذا قال النبي صلى الله عليه وسلم [ومن لم يكن معه هدي ، فليطف بالبيت وبالصفا والمروة ، وليقصر وليحل]متفق عليه .  قال رحمه الله : وتَحللَ . أي إذا لم يكن معه هدي قصر من شعره ، وتحلل ، ويصبح كل ما كان حراما عليه حلالا له ، يتحلل تحللا كاملا ، له أن يأتي أهله ، وأن يتطيب ، وأن يلبس ملابسه ، الخ .

عدد الصفحات ١٩٤

مختصر كتاب المناسك 2 فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 36 قال رحمه الله : وَإلا حلَّ إذا حجَّ . أي يبقى على إحرامه ويوصف بأنه متمتع ، وهذا مذهب الإمام أحمد رحمه الله ، وهو مذهب الإمام أبي حنيفة ، وفي المذهب رواية أنه يجوز للمتمتع أن يقصر من شعره ويحل في هذه الحال ، مع أنه قد ساق الهدي ، وهو مروي عن ابن عمر ، وقول عطاء رضي الله عنهم - وهذا غريب - مع أن النبي صلى الله عليه وسلم قال [إني لبدت رأسي وقلدت هديي ، فلا أحل حتى أنحر] .  قال رحمه الله : والْمُتَمَتِّعُ إذا شَرَعَ في الطوافِ قَطَعَ التَّلبيةَ . متى يقطع المعتمر تلبيته؟ تقدمت هذه المسألة بتفاصيلها ، وتقدم أن الراجح أنه يقطع التلبية إذا شرع في الطواف؛ لأنه يكون قد شرع في أسباب التحلل ، وتقدم متى يقطع الحاج تلبيته؟ وأنه يقطعها إذا شرع في رمي جمرة العقبة . باب صفة الحج والعمرة هذا الباب تناول فيه المؤلف كيفية الحج والعمرة وما يشرع فيهما من أقوال وأفعال ، وأحسن ما جاء فيه حديث جابر رضي الله عنه ، فإن جابرا روى حج النبي صلى الله عليه وسلم كاملا ، وقد أخذه الشيخ الألباني وألف فيه كتابا في حجة النبي صلى الله عليه وسلم ، وأضاف إليه الألفاظ والروايات التي جاءت في الحديث ، وهو منسك كامل ، ولذا يعتني به أهل العلم رحمة الله عليهم من المتقدمين والمتأخرين ، ويشرحونه ، وفي الوقت المعاصر خرجت مجموعة من الشروح لهذا الحديث ، وقد قدم به ابن قدامة رحمه الله في أول باب صفة الحج والعمرة ، فإنه ساق الحديث بتمامه من صحيح الإمام مسلم؛ لأن جابرا ساق فيه صفة حج النبي صلى الله عليه وسلم كاملة ، وبقيت بعض الأشياء التي لم ينقلها جابر ونقلها غيره ، لكنه رضي الله عنه استوعب الأعم الأغلب من حجة النبي عليه الصلاة والسلام .  قال رحمه الله : يُسَنُّ للمُحِلِّينَ بِمَكَّةَ الإحرامُ بالْحَجِّ يومَ الترويةِ . المحلون : هم الذين حلوا من عمرتهم، وكذا أهل مكة الذين لم يحرموا قبلُ ، يسن لهم جميعا أن يهلوا بالحج يوم التروية. ويوم التروية هو: يوم الثامن من ذي الحجة، سمي بهذا؛ لأن الناس في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وبعده بأزمنة، كانوا تروون الماء ليوم عرفة ولذهابهم إلى منى، ويروون إبلهم ويسقونها من أجل ألا يحتاجوا إلى الماء؛ لأنهم سيذهبون إلى عرفة ، ثم يرجعون إلى مزدلفة، وهذا يحتاج إلى ماء، وسيبقون في منى، وهذا يحتاج إلى ماء، وإن كان الأكثر هو التروية من أجل عرفة؛ لأنها بعيد . أسماء أيام الحج : الأيام من يوم التروية حتى نهاية الحج لها مسميات شرعية . 1- الثامن يوم التروية . 2- التاسع يوم عرفة . 3- العاشر يوم النحر .4- الحاديَ عشر يوم القَرّ . 5- الثانيَ عشر يوم النفر الأول .6- الثالث عشر يوم النفر الثاني . الإحرام يوم التروية : المؤلف رحمه الله أفاد أنهم يحرمون يوم التروية ، وهذا رأي عامة أهل العلم ، فهو رأي عطاء ، وابن جبير ، وإسحق ، وابن المنذر ، ومذهب الحنفية ، والشافعية ، والحنابلة . أدلتهم : الدليل الأول : حديث جابر برواياته ، فيه (حتى إذا كان يوم التروية أهلوا بالحج) أخرجه الإمام مسلم ، وفي رواية قال (تحللنا فواقعنا النساء وتطيبنا ولبسنا ثيابنا ، وليس بيننا وبين عرفة إلا أربع ليال ، ثم أهللنا يوم التروية – يعني بالحج -) وفي رواية (فلما كان يوم التروية أهللنا بالحج) وفي رواية (أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم لما أهللنا أن نحرم إذا توجهنا إلى منى) .

عدد الصفحات ١٩٥

مختصر كتاب المناسك 2 فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 37 الدليل الثاني : حديث ابن عمر في الصحيح (أن ابن عمر إذا كان بمكة يحرم بالحج يوم التروية ، فقال له عبيد بن جريج في ذلك ، فقال : إني لم أر رسول الله صلى الله عليه وسلم يهل حتى تنبعث راحلته) متفق عليه . القول الثاني : أن من كان في مكة فإنه يهل بالحج أول ذي الحجة ، وهذا مروي عن عمر رضي الله عنه ، وعن أبي ثور ، وذكر بعض الشافعية أنه قول أكثر الصحابة والتابعين ، وهو رأي الإمام مالك رحمة الله عليهم دليلهم : أنه منقول عن عمر رضي الله عنه . الراجح : ما جاء في النص الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم أن يهلوا يوم التروية ،وقوله مقدم على قول غيره قال رحمه الله : قبلَ الزوالِ منْها . يسن أن يحرم قبل زوال الشمس ، قبل صلاة الظهر يوم التروية؛ لحديث جابر رضي الله عنه ، أن النبي صلى الله عليه وسلم توجه قبل صلاة الظهر يوم التروية إلى منى ، والنبي صلى الله عليه وسلم ، كان نازلا بالأبطح ، وقد قال جابر : أهللنا بالأبطح ، أي إنهم أهلوا قبل الزوال . فإن قال قائل : أريد أن أحرم بعد الزوال ، وهذا يحدث كثيرا من الحجاج ، خاصة إذا كان قد تأخر في إحلاله من العمرة ، يقول : أريد أن أحرم بعد الزوال ، أو بعد العصر ، أو بعد المغرب ، يقال : يجوز لك ذلك ، وحتى بعد العشاء ، لكنه خلاف السنة ، والإنسان في هذا الموقف العظيم ينبغي له أن يبادر إلى الخيرات والسبق إلى الصالحات ، والمأمول من ربنا عز وجل أنه من حين يبدأ الناس في حجهم تتنزل عليهم الرحمات ، فإن ضيوف الرحمن حينما يأتون إلى مضيفهم سيكرمهم بالنزل والضيافة ، وضيافته لهم أن يعفو عنهم ، وأن يغفر لهم ، وأن يعتق رقابهم من النار ، هم في موقف عظيم ، وفي مكان عظيم ، وفي نسك عظيم ، وفي أوقات فاضلة ، والإنسان يأتيه الشيطان يسول له ، اجلس ساعتين ، أو ثلاث ساعات ، لماذا تلبس إحرامك؟ الأولى أن يبادر ويحرم ، ويعمل بالسنة ، ويفعل ما فعل الصحابة رضي الله عنهم ، وما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم قوله : (منها) : أي من مكة ، يحرم المحلون من مكة ، وهذا هو المذهب ، من مكة ويجزئ من بقية الحرم ، وأما جمهور العلماء فيرون أنه يحرم من المكان الذي هو فيه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ، كان نازلا بالأبطح ، وأحرم الناس معه منه ، وهو من حديث جابر في صحيح مسلم ، وفيه (فأهللنا من الأبطح) فيحرم الإنسان من المكان الذي هو نازل فيه ، سواء كان في مكة داخل الحرم ، أم في مكة خارج الحرم ، أم في الحل قال رحمه الله : يُجْزِئُ من بَقِيَّةِ الْحَرَمِ . مفهومه: أنه لا يجوز من الحل، فيكون الإحرام من الحرم واجبا، ويكون عليه دم إذا أهل من الحل، وهذا ظاهر كلام المؤلف رحمه الله ، أما الصحيح من مذهب الحنابلة فإنه يحرم من الحل ولا دم عليه ، يحرم من أي مكان كان ، الحل أو الحرم أو مكة ، ونعني بالحرم : الحرم خارج بناء مكة ، أو داخل مكة ، كل ذلك جائز ، والماتن رحمه الله خالف المذهب في هذه المسألة ، فهو يرى أنه يحرم من مكة أو من بقية الحرم ، والصحيح من المذهب أنه يحرم من مكة أو من بقية الحرم أو من الحل ، لعدم الدليل على قصره بالحرم . الإحرام من تحت الميزاب أو من المسجد : ذكر الأصحاب أنه يحرم من تحت ميزاب الكعبة ، وقيل : من المسجد ، أومن أي موضع من الحرم ، والراجح أنه يحرم من محله الذي هو فيه ، ولا دليل على أنه يحرم من المسجد أو من تحت الميزاب ، والنبي صلى الله عليه وسلم ، والصحابة الذين معه

عدد الصفحات ١٩٦

مختصر كتاب المناسك 2 فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 38 أحرموا من الأبطح ، والصحابي الجليل جابر يقول أحرمنا من الأبطح ، ولو كان سنة أو مشروعا لبينه النبي صلى الله عليه وسلم ، ولو كان فيه مزية أو فضيلة لقال لأصحابه : اذهبوا وأحرموا من تحت الميزاب ، أو أحرموا من المسجد . الراجح : أنه يجوز الإحرام من أي مكان ، والإحرام من الحرم ومن تحت الميزاب يحتاج إلى دليل ، ولا دليل . وقت الدفع إلى منى : إذا كان خارج منى فمتى يذهب إليها؟ الجواب : يذهب قبل الزوال ، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم . أعمال منى : السنة أن يصلي بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر قصرا بلا جمع ، ويبيت فيها ليلة التاسع ، ودل علي ذلك حديث جابر رضي الله عنه ، قال : (فلما كان يوم التروية توجهوا إلى منى فأهلوا بالحج ، فركب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر)أخرجه الإمام مسلم مسألة : يقول العلماء رحمهم الله : يستحب له عند الإحرام بالحج أن يفعل ما فعله عند الإحرام بالعمرة ، من غسل وتجرد وتطيب وتنظف وغير ذلك ، ولكن هنا قالوا : يطوف سبعا ، ويصلي ركعتين ، ويحرم بعد ذلك ، وهذا يحتاج إلى دليل ، وهذه الأفعال مروية عن عطاء ، ومجاهد ، وهو مذهب الشافعية ، والحنابلة ، أما الطواف سبعا وصلاة ركعتين والإحرام بعدها فذلك يحتاج إلى دليل؛ لأن الصحابة رضي الله عنهم كانوا نازلين بالأبطح ، فأحرموا من مواضعهم ، ولم يطوفوا ويصلوا خلف المقام ويحرموا ، فالأفضل أن يحرم من الموضع الذي هو فيه ، بدون طواف أو ركعتين خلف المقام ، بل يغتسل ويتجرد من المخيط ، ويتطيب ، ثم يهل بالحج المبيت بمنى : قال رحمه الله : ويَبِيتُ بمنىً . يسن للحاج أن يبيت بمنى ، ليلة عرفة ، ليلة التاسع من ذي الحجة ، يبيت بها؛ لأنه سيصلي الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر ، وهذا رأي سفيان ، وإسحق ، والحنفية ، والمالكية ، والشافعية ، والحنابلة ، قال ابن قدامة رحمه الله (ولا نعلم فيه مخالفا) فهو سنة ،فإن لم يبت بمنى فهو تارك لسنة ، وعليه أن يتابع النبي صلى الله عليه وسلم في حجه تماما ، كل ما فعله صلى الله عليه وسلم ، فإنه يحاول أن يفعله .  قال رحمه الله : فإذَا طَلعَتِ الشمسُ سارَ إلى عرفةَ . إذا طلعت الشمس من يوم التاسع (عرفة) سار إلى عرفة ، وهذا باتفاق العلماء ، لحديث جابر (ركب النبي صلى الله عليه وسلم إلى منى ، فصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر ، ثم مكث قليلا حتى طلعت الشمس ، وأمر بقبة من شعر تضرب له بنمرة ، فسار رسول الله صلى الله عليه وسلم ... حتى أتى عرفة) فتبين أنه دفع إلى عرفة بعد أن طلعت الشمس . الدفع إلى عرفة قبل طلوع الشمس : فيه تفصيل ، إن كان الدفع على وجه التعبد فإن هذا يعتبر بدعة ، وأما إن كان الدفع لكي يحصل مكانا ، أو يسلم من الزحام ، أو لأن دوره في القطار أن يذهب في وقت محدد عند تفويج الحجاج ، وحددوا له أن يذهب في الساعة الفلانية قبل الفجر بساعة أو بساعتين ، أو بعد الفجر مباشرة قبل طلوع الشمس فهذا لا شيء فيه .

عدد الصفحات ١٩٧