مختصر كتاب المناسك 2 فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 7 وهذا القول غريب جدا ، لذا قال ابن قدامة رحمه الله (لا أعلم أحدا وافق أبا عبد الله - يعني الإمام أحمد - على هذا الطواف الذي ذكره الخرقي ، بل المشروع طواف واحد للزيارة ورجحه ابن تيمية ، وشيخنا ، ومحققي أهل العلم ، فلا يشرع له أن يطوف طواف القدوم قبل الشروع في طواف الإفاضة . محاذاة الحجر الأسود : قال رحمه الله : فيُ حاذِي الحجرَ الأسودَ بكُلِّهِ . إذا شرع في الطواف فإنه يستقبل الحجر بكل بدنه ، يكون في وجه الحجر ، ثم ينصرف عن يمينه ، ويجعل الكعبة عن يساره ، ويستمر في طوافه ، فإن حاذى الحجر ببعضه لا يصح شوطه ذاك ، ويقوم الشوط الثاني مقامه ، ثم يطوف شوطا ثامنا ، لأن الأول لا يعتبر، ويقوم الثاني مقام الأول، والثالث مقام الثاني .. الخ ، وهذا قد يدعو إلى شيء من الوسوسة ، يضطر الإنسان أن يذهب إلى جهة الركن اليماني ، حتى يتأكد من حصوله على محاذاة الحجر ، قال شيخنا : وهذا من البدع ، لو تقدم خطوة واحدة كان بدعة ، ولذا يؤمر بأن يحاذي الحجر مباشرة ، ثم ينصرف عن يمينه ، ويستمر في طوافه . قاله في آخر شرح للحج من الزاد. اشتراط محاذاة الحجر بكله : اختلف العلماء في اشتراط محاذاة الحجر بكله على قولين : القول الأول : أن من لم يحاذ الحجر بكله لم يصح شوطه، و إليه ذهب الشافعية ، والصحيح من مذهب الحنابلة. أدلتهم : الدليل الأول : أن النبي صلى الله عليه وسلم ، استقبل الحجر واستلمه ، ويظهر من هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم ، حاذاه بجملة بدنه ، وهذا لا يحصل إلا أن يأتي الإنسان عن يمين الحجر ، ثم يكون في مقابل الحجر . الدليل الثاني : ما لزم استقباله يلزم بجميع البدن ، كالقبلة ، فلو كان المصلي في محاذاة الكعبة ، و جزء منه على الكعبة والجزء الآخر ليس مسامتا ، قالوا : لا تصح صلاته ، فلا بد أن يحاذي الكعبة بكله ، ولهذا الصفوف في صحن الحرم تكون دائرية حتى تحصل إصابة عين الكعبة بجملة البدن . القول الثاني : أنه إذا حاذى الطائف الحجر ببعضه فإن طوافه صحيح ، و إليه ذهب الحنفية ، والمالكية ، والشافعية في القديم ، والحنابلة في قول ، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية. أدلتهم : الدليل الأول : أنه حكم يتعلق ببدن المحرم ، فأجزأ فيه البعض عن الكل ، كالحد ، إذا ضرب الإنسان حدا ، فلا يلزم أن يضرب جميع البدن ، بل لو ضرب جزء من البدن كفى . الدليل الثاني: أنه تجوز محاذاة بعض الحجر بكل الجسم، فإذا جازت فلتجز محاذاة الحجر ببعض الجسم ولا فرق وقال شيخنا رحمه الله : الأمر في هذا واسع ، فإذا حاذى الحجر بكله فذاك أحسن ، وإن حاذاه ببعضه أجزأ . قوله : (يحاذي الحجر بكله) : يفهم من كلام المؤلف أن الطائف يبدأ الطواف من الحجر الأسود ، ولو أن الطائف بدأ الطواف بعد الحجر الأسود لم يصح شوطه الذي بدأ به؛ لأنه لم يبدأ من الحجر الأسود . اشتراط البدء من الحجر الأسود : وقد اختلف العلماء في هذه المسألة على أقوال : القول الأول : أن الابتداء من الحجر الأسود شرط لصحة الطواف ، فلو ابتدأ بعده لم يصح طوافه ، وهو رأي طائفة من السلف ، فهو رأي عطاء ، وإسحق ، وهو مذهب الشافعية ، والمذهب عند الحنابلة .
عدد الصفحات ١٦٦مختصر كتاب المناسك 2 فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 8 الدليل الأول : عن جابر رضي الله عنه ، (أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم مكة أتى الحجر فاستلمه ، ثم مشى عن يمينه ، فرمل ثلاثا ومشى أربعا)أخرجه الإمام مسلم ، فالنبي صلى الله عليه وسلم كانت بدايته من عند الحجر الأسود ، وهو القائل [خذوا عني مناسككم] . الدليل الثاني : عن ابن عباس رضي الله عنهما ، (طاف النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم على بعير ، كلما أتى الحجر أشار إليه بشيء في يده وكبر) متفق عليه ، قالوا فلا بد أن تكون البداية من الحجر الأسود . القول الثاني : أن الابتداء من الحجر الأسود سنة وليس بواجب ، فلو بدأ من بعده فشوطه صحيح ، لكن يحسب المسافة من حيث ابتدأ ، فمثلا لو بدأ من عند الباب يحسب المسافة من عند الباب ، فإذا وصل إلى الباب مرة ثانية أتم شوطا ، و إليه ذهب الحنفية . دليلهم : قول الله تعالى {وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ} والأمر جاء مطلقا غير مقيد ، وتقييده بالبدء من الحجر الأسود يحتاج إلى دليل ، والأصل في الأمر المطلق أن يبقى على إطلاقه ، إلا إذا أتى التقييد . ونوقش الاستدلال: بأن الدليل مقيد بفعل النبي صلى الله عليه وعلى وسلم ، وأنه بدأ طوافه من الحجر الأسود القول الثالث : أن الابتداء من الحجر الأسود واجب يجبر بدم ، إذا خرج من مكة ، وأما إن كان في مكة فإنه يعيد ، و إليه ذهب بعض الحنفية ، وهو مذهب المالكية. دليلهم : دليل الحنفية السابق ، لكنهم رأوا أن الدليل يدل على الوجوب لا على الشرطية؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال [خذوا عني مناسككم]وهو بدأ من الحجر ، فيجب البداية منه فيؤمر الطائف إذا كان في مكة أن يعيد طوافه ، وأما إذا خرج من مكة وذهب إلى أهله ، فإنه يجبر هذا الفعل بدم؛ لأنه ترك الواجب عليه . الراجح : هو القول الأول ، أن البداءة من الحجر الأسود شرط من شروط صحة الطواف ، لأن فعل النبي صلى الله عليه وسلم ، جاء بيانا للمجمل في قول الله تعالى {وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ }وما جاء بيانا لمجمل كان واجبا في تلك العبادة ، لفعل النبي صلى الله عليه وسلم ، وتتابع الأمة عليه . استلامه وتقبيله : قال رحمه الله : ويستلمَهُ ويقبلُهُ . أجمع العلماء، على استحباب استلام الحجر الأسود ، نقل الإجماع ابن حزم ، وابن هبيرة، وغيرهم ، واستحب عامة أهل العلم أن يقبله ، والاستلام هو المسح ، مأخوذ من السِّلَام ، وهو الحجارة ، فمعنى استلمه : مسحه بيده أدلة الاستلام والتقبيل : الدليل الأول : عن أسلم مولى عمر رضي الله عنه ، قال (رأيت عمر قبل الحجر ، وقال : إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ، ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك) متفق عليه . الدليل الثاني : عن جابر رضي الله عنه ، (أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم مكة أتى الحجر فاستلمه ، ثم مشى عن يمينه ، فرمل ثلاثا ، ومشى أربعا) أخرجه الإمام مسلم. إذا شق تقبيله : قال رحمه الله : وَإنْ شَقَّ قَبَّلَ يدَهُ .
عدد الصفحات ١٦٧مختصر كتاب المناسك 2 فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 9 إذا شق عليه أن يقبله ، استلمه بيده وقبل يده ، إليه ذهب عامة العلماء، ابن عمر ، وجابر ، وابن عباس رضي الله عنهم ، وهو رأي الثوري ، وابن جبير ، وعطاء ، وعروة ، ومذهب الحنفية ، والشافعية ، والحنابلة. أدلتهم : الدليل الأول :عن ابن عباس رضي الله عنهما،(أن النبي صلى الله عليه وسلم استلمه بيده ، وقبل يده) أخرجه مسلم . الدليل الثاني : عن نافع ، قال (رأيت ابن عمر يستلم الحجر بيده ، ثم قبل يده ، وقال : ما تركته منذ رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يفعله) أخرجه الإمام مسلم . القول الثاني : ذهب محمد بن القاسم ، والإمام مالك رحمة الله عليهما ، إلى أنه يضع يده على فمه بدون تقبيل . منطوق كلام المؤلف أنه لا يستلمه بيده إلا بعد العجز عن الاستلام بالفم وهذا مذهب المالكية ، والحنابلة . وذهب الحنفية ، والشافعية إلى أن الاستلام باليد كالاستلام بالفم. إذا شق لمسه : قال رحمه الله : فَإنْ شَقَّ اللمْسُ أشارَ إليهِ ، ويقولُ ما وردَ . إذا شق لمسه باليد وتقبيلها أشار إليه بها . دليله : حديث ابن عباس رضي الله عنهما ، قال (طاف النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالبيت على بعير ، كلما أتى الركن أشار إليه بشيء كان عنده وكبر) أخرجه الإمام البخاري . الاستلام بالعصا : وهناك سنة لم يذكرها المؤلف رحمه الله ، وهي : إذا شق اللمس يستلمه بعصا ونحوها ويقبل العصا أو المحجن ، وذهب إليها الجمهور رحمة الله عليهم ، سوى المالكية . أدلتهم : الدليل الأول : عن أبي الطفيل رضي الله عنه ، قال (رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يطوف بالبيت ، ويستلم الركن بمحجن ، ويقبل المحجن) أخرجه الإمام مسلم . الدليل الثاني : وجاء من حديث ابن عباس رضي الله عنهما - بدون ذكر التقبيل – (أن النبي صلى الله عليه وسلم ، طاف في حجة الوداع ، يستلم الركن بمحجن) أخرجه الإمام مسلم . فإن شق لمسه بشيء فإنه يشير إليه ويكبر فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال طاف النبي صلى الله عليه وسلم بالبيت على بعير كلما أتى الحجر أشار إليه وكبر) أخرجه الإمام البخاري. وقد اتفق الفقهاء على أنه تستحب الإشارة إلى الحجر الأسود إذا تعذر لمسه واستلامه . قال رحمه الله : ويقُولُ ما وردَ . المؤلف أطلق ، وبالتتبع يجد الإنسان أن الذي ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ، أمر واحد ، وهو التكبير ، الذي جاء في حديث ابن عباس ، في قوله (طاف النبي صلى الله عليه و سلم بالبيت على بعير ، كلما أتى الركن أشار إليه بشيء كان عنده وكبر) فهذا التكبير ثابت في الصحيح . وجاء من قول ابن عمر، أنه كان إذا استلم الحجر قال : (بسم الله والله أكبر) أخرجه البيهقي وصححه النووي .
عدد الصفحات ١٦٨مختصر كتاب المناسك 2 فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 10 أذكار الطواف : لا خلاف بين العلماء في التكبير عند استلام الحجر لكن هل يستحب الزيادة على ذلك؟ اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين : القول الأول : أن الطائف كلما استلم الحجر قال (بسم الله ، والله أكبر ، اللهم إيمانا بك ، وتصديقا بكتابك ، ووفاء بعهدك ، واتباعا لسنة نبيك صلى الله عليه وسلم) وذهب إليه الحنفية ، والشافعية ، والحنابلة . أدلتهم : الدليل الأول : عن أبي نجيح ، قال : (أخبرت أن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا : يا رسول الله كيف نقول إذا استلمنا ، قال [قولوا : بسم الله والله أكبر ، إيمانا وتصديقا بما جاء به محمد] )أخرجه الإمام الشافعي في الأم ، لكنه ضعيف ، ضعفه الشوكاني ، والألباني ، وفي إسناده ابن جريج وقد عنعن . الدليل الثاني : أثر مروي عن ابن عمر رضي الله عنهما ، (كان إذا استلم الحجر قال : اللهم إيمانا بك ، وتصديقا بكتابك ، ووفاء بعهدك ، واتباعا لسنة نبيك صلى الله عليه وسلم ، ثم يصلي على النبي) أخرجه الطبراني ، وفي إسناده محمد بن المهاجر ، وهو ضعيف ، ويستدلون بمجموعة آثار كلها ضعيفة . القول الثاني : أن الطائف لا يشرع له أن يقول إلا التكبير فقط ، وهذا مذهب المالكية. دليلهم : عدم الثبوت ، فلم يثبت عنه أنه زاد على التكبير . الراجح : هو الاقتصار على التكبير فقط ، فإن زاد الإنسان التسمية ، فقد ثبتت عن ابن عمر رضي الله عنهما ، وقول الصحابي حجة ، ما لم يخالف نصا أو قول صحابي آخر ، ويحتمل أن ابن عمر سمعها من النبي صلى الله عليه وسلم، وقد يكون اجتهاداً منه ، المهم إذا قاله الإنسان فلا بأس ، وإن لم يقله واقتصر على التكبير فذلك أحسن . السجود على الحجر الأسود : هذه المسألة اختلف فيها العلماء، فعامتهم على استحباب السجود عليه، فهو رأي عمر، وابن عباس، ومذهب الحنفية، والشافعية، والحنابلة، والسجود أن يضع أنفه وجبهته عليه، وهذا الفعل مروي عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال محمد بن عباد بن جعفر (رأيت عبد الله بن عباس قبل الحجر وسجد عليه، فقال ابن عباس رضي الله عنه، : رأيت عمر بن الخطاب قبله وسجد عليه، وقال عمر رضي الله عنه : لو لم أر رسول الله صلى الله عليه وسلم قبله ما قبلته) وهذا الأثر أخرجه الحاكم، والدارمي، وصححه الألباني مرفوعا وموقوفا، صحته موقوفا على ابن عباس، ومرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وقد عمل به الجمهور. القول الثاني : رأى الإمام مالك أن السجود على الحجر الأسود بدعة ، وربما لم تثبت عنده الأحاديث التي رويت ، قال النووي (واعترف القاضي عياض المالكي بشذوذ مالك عن الجمهور) في هذه المسألة . مراتب استلام الحجر : مما تقدم يتبين أنها أربع مراتب : المرتبة الأولى : أن يستلم الحجر ويقبلَه ويسجد عليه . المرتبة الثانية : أن يستلمه بيده ويقبلَ يده . المرتبة الثالثة : أن يستلمه بشيء ويقبلَ ذلك الشيء .
عدد الصفحات ١٦٩مختصر كتاب المناسك 2 فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 11 المرتبة الرابعة : أن يشير إليه بيده ، ولا يقبل يده . قال رحمه الله : وَيجعلُ البيتَ عن يسارِهِ . هذا عند الأصحاب شرط في صحة الطواف ، وهو من سنة النبي صلى الله عليه وسلم ، فلا يصح الطواف منكسا . ولا خلاف بين أهل العلم رحمة الله عليهم ، أن النبي صلى الله عليه وسلم طاف ، وجعل البيت عن يساره؛ لحديث جابر رضي الله عنه ، (قدم النبي صلى الله عليه وسلم مكة ، فاستلم الحجر ، ثم مشى عن يمينه ، ورمل ثلاثا ، ومشى أربعا) معنى ذلك أنه لف يمينا ثم جعل الكعبة عن يساره واستمر في طوافه . الطواف عكسا : هل يصح أن يطوف جاعلَ البيت عن يمينه؟ اختلف العلماء في هذه المسألة على أقوال : القول الأول : أنه يشترط لصحة الطواف أن يجعل الطائف البيت عن يساره ، فإن جعله عن يمينه لم يصح ، وهذا رأي أبي ثور ، وإليه ذهب الحنفية في قول ، وهو مذهب المالكية ، والشافعية ، وهو المذهب عند الحنابلة أدلتهم : الدليل الأول : قول الله تعالى : {وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ } وهذه الآية جاءت مجملة ، بينها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بفعله ، فجعل البيت عن يساره . الدليل الثاني : فعل النبي صلى الله عليه وسلم ، حيث طاف وجعل البيت عن يساره . القول الثاني : أن جعْل البيت عن يساره ليس شرطا ، و إليه ذهب الإمام أبو حنيفة ، لكن أصحاب الإمام قد اختلفوا فيما بينهم ، هل هو واجب يجبر بدم ، أم إنه سنة؟ قولان . أدلتهم : الدليل الأول : قول الله تعالى {وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ} فقالوا : إن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، بين المجمل بطوافه بالبيت ،فيكون جعل البيت عن اليسار واجبا ، وما زاد عن الوجوب يحتاج إلى دليل . الدليل الثاني : أن جعل البيت عن اليمين ترْك هيئة ، فلم يمنع الإجزاء ، كما لو ترك الرمل والاضطباع . الراجح : أن جعْل البيت عن يساره شرط من شروط صحة الطواف ، فإذا لم يجعله عن يساره لم يصح طوافه . علة جعل البيت يسارا : قيل: لأن الحركة الدورية يعتمد فيها اليمين على اليسار، ولذا لو قيل لإنسان : دُر، لدار يساراً ، فمركز الإنسان يساره، فيدور عليه وقيل : إنه قريب من القلب ، فيكون قريبا من الكعبة . وقيل : لأن الإنسان إذا طاف عن يساره فإنه سيستقبل وجه الكعبة ، واستقبال وجه الكعبة مقصود في فعلين سبقا ، وهما : دخول مكة من كَداء ، ودخول المسجد من باب بني شيبة، وليس من الأدب أن الإنسان يأتي الشيء مستدبرَه ، بل يأتيه من وجهه ، والطائف عن يمين الكعبة سيأتي البيت من خلفه ، لا من وجهه . وقيل : لأن النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك ، وهو الذي مال إليه شيخنا ، هذه أعظم حكمة ، ونحن عبيد نتأسى ونقتدي ، ومن أجمل ما يكون أن يكون العبد عبدا ، يسلم مباشرة ، فإن الإنسان يتذوق لذة الإيمان وطعمه حينما يكون مستسلما منقادا للنصوص ، وأما إذا ذهب الإنسان إلى آرائه وشهواته وأهوائه ، فإنه سيلوي أعناق النصوص كيف يشاء .
عدد الصفحات ١٧٠مختصر كتاب المناسك 2 فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 12 قال رحمه الله : وَيَطوفُ سبعاً . الطواف بالبيت سبعة أشواط ، لا بد أن يطوفها كاملة ، فإن لم يطف السبعة أوطاف بعضها ، فإن طوافه لا يصح ، إلا إذا عاد واستكمله قبل أن يطول الفصل يبدأ من الحجر إلى الحجر سبعة أشواط ، وقد اتفق العلماء على أن النبي صلى الله عليه وسلم طاف سبعة أشواط كاملة ، واختلفوا هل يلزم أن يتم الطواف سبعة؟ . حكم السبعة أشواط : اختلف العلماء في ذلك على قولين : القول الأول : أنه يلزم الطائف أن يطوف سبعة أشواط كاملة ، فإن نقص منها شيئا لم يصح طوافه ، وهذا إذا طال الفصل ، أما إذا تدارك ورجع فإنه يصح ، و إليه ذهب عطاء وهو مذهب المالكية ، والشافعية ، والحنابلة أدلتهم : الدليل الأول : عن جابر رضي الله عنه ، وفيه (..لما قدم مكة أتى الحجر فاستلمه ، ثم مشى عن يمينه فرمل ثلاثا ، ومشى أربعا) أخرجه الإمام مسلم ، ثلاثا وأربعا ، فتكون سبعة أشواط . الدليل الثاني : عن ابن عمر رضي الله عنهما ، قال : (قدم النبي صلى الله عليه وسلم ، فطاف بالبيت سبعا ، وصلى خلف المقام ركعتين) متفق عليه ، مع قوله صلى الله عليه وسلم [خذوا عني مناسككم] أخرجه البيهقي بإسناد صحيح ، وفي حديث جابر [لتأخذوا عني مناسككم] فيجب على الطائف أن يطوف سبعة أشواط كاملة = القول الثاني : أن إكمال سبعة أشواط ليس شرطا من شروط الطواف ، بل لو طاف أربعة أو أكثر صح طوافه ، أربعة فما فوق ، فيلزمه الإتمام إن كان في مكة ، وإن خرج منها فعليه دم ، وهذا مذهب الحنفية . أدلتهم : الدليل الأول : قول الله تعالى {وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ} قالوا : الأمر المطلق لا يقتضي التكرار ، والزيادة على المرة الواحدة ثبتت بالإجماع ، فما زاد على ذلك لا دليل عليه ، ومقتضى الأمر أن يطوف طوافا واحدا ، لكن الزيادة على المرة الواحدة ثبتت بالإجماع ، فلا بد أن يطوف أكثر الطواف ، فإذا طاف أربعة أو أكثر ، يكون قد جاء بالأكثر ، فصح طوافه بالإجماع ، ولا إجماع على الزيادة على أكثر من هذا العدد . الدليل الثاني : أن الأكثر يقوم مقام الكل فيما يحصل به التحلل ، فما زاد عليه يحتاج إلى دليل . ونوقش : بأن الطواف ليس من قبيل ما يقوم فيه الأكثر مقام الكل ،لا بد من سبعة أشواط، وتعليلاتهم في مقابل النصوص الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم ، أنه طاف سبعة أشواط ، وقال [خذوا عني مناسككم] و يثبت عنه ولو مرة واحدة أنه طاف أربعة أو خمسة ، ولا عن الخلفاء الراشدين الأربعة، ولا عن أكابر الصحابة . الراجح : أنه لا بد من استيعاب الطواف كاملا؛ لأن مقادير العبادات لا تعرف إلا بالتوقيف ، والتوقيف هنا سبعة أشواط . الرمل : قال رحمه الله : وَيرمُلُ الأفُقِيُّ في هَذا الطّوافِ . الرمل من سنن الطواف ، وهو : ( سرعة المشي مع مقاربة الخطى) وهو نوع من أنواع المشي ، ومن أنواع المشي : الخبَبَ ، والنَّسَلان ، ومنه الهرولة ، وغير ذلك .
عدد الصفحات ١٧١مختصر كتاب المناسك 2 فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 13 و الرمل من السنن المؤكدة ، وقد ذهب عامة العلماء إلى استحبابه ، ولم يخالف فيه إلا ابن عباس رضي الله عنهما ، فإنه ذهب إلى أنه سنة قد ذهب وقتها ، وأما عامة أهل العلم من الصحابة والتابعين ومن بعدهم ، فقد ذهبوا إلى أن الرمل سنة من سنن الطواف ، فعن أبي الطفيل ، أنه سأل ابن عباس (أرأيت هذا الرمل بالبيت ثلاثة أطواف ، وأمشي أربعة أطواف ، أسنة هو؟ فإن قومك يزعمون أن سنة ، فقال : صدقوا وكذبوا..) أخرجه الإمام مسلم ، وقد بين النووي رحمه الله وغيره ، أن المراد بقوله (كذبوا) أي ، أخطؤوا والكذب الخطأ في لسان أهل الحجاز، قال النووي رحمه الله (قوله صدقوا ، يعني أن النبي صلى الله عليه وسلم ، قد رمل في الأصل - وهذا ثابت في الأحاديث حتى عن ابن عباس رضي الله عنهما - ، وقوله : كذبوا ، أي إنه سنة ثابتة مقصودة مستمرة ، يرى ابن عباس أنها سنة قد ذهبت) وهذا القول من ابن عباس رضي الله عنهما نوقش بما ثبت عند البيهقي بإسناد صححه النووي وغيره ، من أثر أسلم مولى عمر ، قال : سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول (فيم الرملان والكشف عن المناكب وقد وطّد الله الإسلام ونفى الكفر وأهله؟ ومع ذلك لا نترك شيئا كنا نصنعه مع النبي صلى الله عليه وسلم) يرى عمر أن السنة باقية ، وأن الفعل مستمر لم ينقطع ، وهو ثابت عن أكابر الصحابة ، أنهم يرون بقاء سنية الرمل، وأنه غير منسوخ ، وقول الصحابي إذا خالف غيره فإن الحجة في الكتاب والسنة، وقد ثبت في السنة الرمل، فيصار إلى السنة، ويترك قول الصحابي . قوله : (ويرمل الأفقي) : بين المؤلف رحمه الله ، أن الرمل يكون من الأفقي ، وأهل الآفاق من ليسوا من أهل مكة والحرم ، فمفهومه أنه لا يستحب الرمل في حق أهل مكة؛ لأن الرمل في أصله إظهار للجلد والقوة ، وهذا إنما يُظهر لأهل البلد لا من أهل البلد . الرمل لأهل مكة : هذه المسألة اختلف فيها العلماء على قولين : القول الأول : أن أهل مكة لا يشرع لهم الرمل ، وهذا رأي ابن عباس ، وابن عمر ، وهو مذهب الحنابلة . أدلتهم : الدليل الأول: عن ابن عمر رضي الله عنهما (أن ابن عمر كان إذا أحرم من مكة لم يرمُل ) أخرجه مالك بسند صحيح الدليل الثاني : أن الرمل لم يشرع إلا لإظهار القوة والجلد ، والذي يظهرهما هم من يأتون من خارج البلد ، لا أهل البلد ، فلم يشرع في حقهم . القول الثاني : أنه يشرع الرمل لأهل مكة في كل طواف يعقبه سعي ، و إليه ذهب الحنفية ، والشافعية ، واستحبه المالكية ، بهذا التفصيل ، وفي كتب الشافعية الإطلاق وعدم التقييد بوقت معين ، وقد ذكر صاحب بداية المجتهد (ابن رشد) أنه قبل عرفة ، وهذا يقتضي أن يكون الرمل في الأطوفة التي قبل ، لكن المهم أنهم يرون أن أهل مكة يسن لهم الرمل في كل طواف يعقبه سعي . دليلهم : قول النبي صلى الله عليه وسلم [خذوا عني مناسككم]وهذا القول قاله النبي صلى الله عليه وسلم لكل الناس ، وأهل مكة يدخلون ضمنهم . الراجح : هو القول الأول ، وأن الرمل يشرع للآفاقيين ، أما أهل مكة فلا يشرع لهم؛ لأثر ابن عمر رضي الله عنهما ، وهو فعل صحابي لم يخالفه صحابي آخر ، ولم يخالف نصا ، فيصار إليه . قوله : (ويرمُل الأفقيُّ في هذا الطوافِ ). أي طواف؟ ما تقدم ذكره من قبل ، وهو طواف العمرة وطواف القدوم ، فهو مختص بهذين الطوافين ، ولا يشرع في طواف الإفاضة ولا طواف الوداع .
عدد الصفحات ١٧٢مختصر كتاب المناسك 2 فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 14 الطواف المشروع فيه الرمل : هذه المسألة فيها خلاف بين أهل العلم على قولين : القول الأول : أنه يشرع الرمل في طواف العمرة وطواف القدوم فقط ، و إليه ذهب الحنابلة ، وهو ظاهر مذهب المالكية . دليلهم : فعل النبي صلى الله عليه وسلم ، وقالوا : إن الثابت والمنقول عنه ، أنه رمل في هذين الطوافين ، ولم ينقل أنه رمل في طواف الإفاضة ، ولا في طواف الوداع ، فيقتصر على فعله . القول الثاني : أنه يشرع الرمل في كل طواف يعقبه سعي ، و إليه ذهب الحنفية ، والشافعية . دليلهم : أن النبي صلى الله عليه وسلم ، رمل في طواف العمرة ، ورمل في طواف القدوم ، لأن طواف العمرة يعقبه سعي ، وطواف القدوم يعقبه سعي ، ويقاس عليه ما شابهه . نوقش : بأن هذا يحتاج إلى دليل ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم ، رمل في طواف القدوم ، ورمل في طواف العمرة ، ولم يرمل في طواف الإفاضة ، ولا في طواف الوداع ، ولو كان مشروعا لبينه صلى الله عليه وسلم؛ لأن من أصحابه من هو متمتع ، وسيسعى بعد طواف الإفاضة ، وهم كثير ، ومن أصحابه من هو قارن ، لم يطف طواف القدوم ، وسيطوف يوم النحر طواف الإفاضة ، ويسعى سعي الحج ، ولم ينقل أنه صلى الله عليه وسلم ، أمرهم بالرمل في طواف الإفاضة ، مما يدل على أنه مختص بهذين النوعين : طواف القدوم والعمرة . الراجح : هو القول الأول ، أنه مختص بطواف القدوم والعمرة . قال رحمه الله : ثَلاثاً ثمّ يمشِي أربَعاً . اتفق الفقهاء - رحمهم الله - على أن الرمل سنة في هذه الأشواط الثلاثة ، ولا يسن الرمل في الأربعة الأشواط الأخيرة ، إليه ذهب الحنفية ، والمالكية ، والشافعية ، والحنابلة ، عامة أهل العلم ، لكنهم اختلفوا : هل السنة أن يرمل في الثلاثة أشواط كاملة؟ أم يترك الرمل ما بين الركن اليماني والحجر الأسود؟ . الرمل ما بين الركن اليماني والحجر : اختلفوا في ذلك على قولين : القول الأول : أنه يسن أن يرمل في الأشواط الثلاثة كاملة ، و إليه ذهب عمر ، وابنه ، وابن مسعود ، وابن الزبير رضي الله عنهم ، وهو رأي عروة ، والنخعي ، ومذهب الحنفية ، والمالكية ، والشافعية ، والحنابلة . أدلتهم : الدليل الأول : عن ابن عمر رضي الله عنه ، (أن النبي صلى الله عليه وسلم رمل من الحجر إلى الحجر) أخرجه الإمام مسلم. الدليل الثاني : عن ابن عمر رضي الله عنه ، قال (رأيت النبي صلى الله عليه وسلم حين يقدَم مكة إذا استلم الركن أول ما يطوف ، يخب ثلاثة أطواف من السبع) متفق عليه ، يخب : أي يرمل ، في الثلاثة أشواط ، أي يبدأ من الحجر ثم ينتهي بالحجر ، وهذا يقتضي أن يكون الشوط كله رملا ، وليس جزءا منه . القول الثاني : أنه يسن الرمل في الأشواط الثلاثة ، إلا ما بين الركن اليماني والحجر الأسود فإنه يمشي بينهما ، و إليه ذهب عطاء ، وطاوس ، والحسن ، وابن جبير ، والقاسم بن محمد ، وسالم بن عبد الله بن عمر .
عدد الصفحات ١٧٣مختصر كتاب المناسك 2 فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 15 أدلتهم : الدليل الأول : عن ابن عباس رضي الله عنهما ، قال (قدم رسول الله صلى الله عليه و سلم وأصحابه مكة وقد وهنتهم حمى يثرب ، قال المشركون إنه يقدم عليكم غدا قوم قد وهنتهم الحمى ولقوا منها شدة فجلسوا مما يلي الحجر ، وأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يرملوا ثلاثة أشواط ويمشوا ما بين الركنين ليرى المشركون جلدهم ، فقال المشركون هؤلاء الذين زعمتم أن الحمى قد وهنتم ، إنهم أشد جريا ومشيا من الغزلان الظباء ، قال ابن عباس ولم يمنع أن يأمرهم أن يرملوا الأشواط كلها إلا الإبقاء عليهم) متفق عليه ، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة أن يرملوا في الشوط ، حتى إذا وصلوا إلى الركن يمشون إلى الحجر الأسود؛ لأنهم يكونون قد اختفوا عن أعين المشركين ، ومن المعلوم أن إغاظة الكافر محبوبة إلى الله ، إغاظة عدو الله محبوبة إلى الله قال الله عز وجل {وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ} فا عز وجل يكتب به أجرا لمن أغاظهم لوجهه تعالى . نوقش : الاستدلال بالحديث : أن حديث ابن عباس وقع في عمرة القضية ، وما روى الصحابة الكرام وقع في حجة الوداع ، وحديث ابن عباس ناف ، والأحاديث الأخرى مثبتة ، والمثبت مقدم على النافي ، وذكروا جوابا وفيه إشكالية ، أن جابرا وابن عمر قد نقلا أنه رمل في الأشواط الثلاثة كلها ، وابن عباس ذكر أنه رمل فيها إلا ما بين الركنين ، وهم أكبر سنا منه ، وأكثر ضبطا؛ لأن ابن عباس كان إذ ذاك صغيرا في سنه ، وقد يناقش ، وقد يقال له وجه ، خاصة أن جابرا رضي الله عنه كان ممن ضبط حجة النبي صلى الله عليه وسلم ، ومنسك جابر رضي الله عنه منسك كامل في الحج ، فتكون روايته مقدمة من هذه الجهة كما ذكرها صاحب المغني. الراجح : هو القول الأول ، أنه يسن أن يرمل في الأشواط الثلاثة كاملة وذلك لصراحة دليلهم ودلالته على المراد. قال المصنف رحمه الله : يَستلِمُ الحَجَرَ والركْنَ اليَمَانِيَّ كلَّ مَرَّةٍ . استلام الركن اليماني أمر متفق عليه بين العلماء ، إليه ذهب الحنفية ، والمالكية ، والشافعية ، والحنابلة. أدلتهم : الدليل الأول : عن ابن عمر رضي الله عنهما ، قال (لم أر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، يستلم من البيت إلا الركنين اليمانيين) متفق عليه . الدليل الثاني : عن ابن عباس رضي الله عنهما ، قال (لم أر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يستلم غير الركنين اليمانيين) أخرجه الإمام مسلم . تقبيل اليد بعد استلام الركن : لا يرى العلماء تقبيل الركن نفسه ، لكن هل يقبل يده إذا استلمه أم لا؟ اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين القول الأول : أنه لا يشرع تقبيل الركن اليماني ، ولا تقبيل اليد بعد استلامه ، بل يستلمه بيده فقط ، و إليه ذهب الحنفية ، والمالكية ، والحنابلة في قول هو المذهب . أدلتهم : الأدلة السابقة ، حديث ابن عمر وابن عباس وحديث ابن عمر الآخر ، دلت على أن النبي صلى الله عليه وسلم ، لم يكن يفعل عند الركن اليماني إلا مجرد الاستلام ، ولم يكن يقبله ولا يقبل يده . القول الثاني : يستحب استلام الركن اليماني ، وتقبيل اليد بعد ذلك ، و إليه ذهب الشافعية ، والحنابلة في قول .
عدد الصفحات ١٧٤مختصر كتاب المناسك 2 فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 16 أدلتهم : الدليل الأول : عن جابر رضي الله عنه ، (أن النبي صلى الله عليه وسلم ، استلم الحجر وقبله ، واستلم الركن اليماني فقبل يده) أخرجه البيهقي وضعفه . الدليل الثاني : عن ابن عباس رضي الله عنهما ، قال (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إذا استلم الركن اليماني قبله ، ووضع خده الأيمن عليه) أخرجه البيهقي وضعفه ، فلا يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم . الراجح : أن المشروع في الركن اليماني هو الاستلام فقط ، ولا يقبّله ولا يقبّل يده ولا يشير. والكعبة على أربعة أركان ، ركنين يمانيين ، وركنين شاميين ، الركن اليماني هو الذي خلف الحجر مباشرة ، ثم يأتي بعد ذلك الحجر ، وهو ركن يماني أيضا ، لأنهما في جهة جنوب الكعبة نحو اليمن ، الركنان الشماليان هل يقبلان أو يستلمان؟ الجواب : لا يقبلان ولا يستلمان؛ لأنهما ليسا زاويتين أو ركنين من الكعبة ، وسيأتي أن الكعبة حُطم الجزء الشمالي منها وترك ، ولم يُبن لما قصرت النفقة بكفار قريش ، وأن الزاوية هذه ليست في محلها ، وإنما يأتي الركن بعد ، لكنه محطوم ومزال ، ولذا لما قبل معاوية رضي الله عنه الأركان ، قال : ليس من البيت شيء مهجور ، قال له ابن عباس رضي الله عنهما (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة) وهذا لأنهما ليسا على بناء إبراهيم عليه الصلاة والسلام . ماذا يقول بين الركنين : ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول بين الركن اليماني والحجر الأسود (ربَّنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقِنا عذاب النار)أخرجه أبوداود، وابن حبان، والحاكم ، وصححه ابن حبان وحسنه الألباني قال رحمه الله : ومَنْ ترَكَ شيئاً من الطوافِ ... تقدم أنه يشترط لصحة الطواف أن يطوف سبعة أشواط كاملة ، فإن ترك شيئا منه لم يصح ، و تقدم أنه الراجح ، والحنفية يرون أنه إذا طاف أربعة أشواط فأكثر ، أو أكثر الرابع صح طوافه . قال رحمه الله : أوْ لمْ ينوِهِ ... الضمير عائد على الطواف . مسائل في نية الطواف : المسألة الأولى : إذا لم ينو الطواف مطلقا . وهذا كما لو دخل الصحن ، ودار بالكعبة وهو لم يقصد الطواف ، وهذا يتصور ، كما في الحرس والجنود الذين يكونون مع بعض المسؤولين يطوفون معهم ، هم لا يقصدون الطواف ، إنما يقصدون الحماية فقط ، وكمن يكون مرافقا لشخص يتجول في الحرم من أجل عمل معين ، يطوف معه حول الكعبة وهو لم يقصد الطواف ، ومثله من يحمل الكبار والمرضى ومن يسوق العربات ، فإنه لا يقصد الطواف ، ومثله : من كان يلحق غريما له ، فدخل في الطواف فتبعه ، فطاف الغريم سبعة أشواط ، وهو يتبعه ، لكنه لم ينو طوافا ، فهل يكون هذا الطواف صحيحا؟ الجواب : لا ، لأنه خلا من النية ، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول (إنما الأعمال بالنيات ، وإنما لكل امرئ ما نوى) فإذا لم ينو فإنه لا يؤجر عليه ، والنية شرط بالإجماع لصحة العمل . المسألة الثانية : إذا نوى أصل الطواف ، لكن لم يحدد نوع الطواف الذي يريد .
عدد الصفحات ١٧٥مختصر كتاب المناسك 2 فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 17 كمن يكون مع حملة ، تأتي الحملة في يوم النحر لطواف الإفاضة ، وهو ينوي الطواف ، لكن لا يدري ما هو هذا الطواف ، فيطوف بنية الطواف ، ولم يعين شيئا، أو أنه نوى الطواف ، لكن عزبت عنه نية التعيين . وهذه المسألة محل خلاف على قولين : القول الأول : أن نية تعيين الطواف شرط لصحته ، وإذا لم ينو لم يصح طوافه ، كمن طاف ولم ينو شيئا ، طاف طواف القدوم ولم ينو شيئا ، أو طاف طواف العمرة ولم ينو شيئا ، وإنما عنده أصل النية وأنه سيطوف ، وإليه ذهب إسحق ، وهو رأي أبي ثور ومذهب ابن المنذر ، والشافعية في وجه ، وهو المذهب عند الحنابلة . أدلتهم : الدليل الأول : قول النبي صلى الله عليه وسلم [إنما الأعمال بالنيات ، وإنما لكل امرئ ما نوى] فالنية شرط في صحة العمل ، وشرط في تمييز الأعمال بعضها عن بعض . الدليل الثاني: أن الطواف عبادة محضة تتعلق بالبيت، فاشترطت فيها النية كالصلاة، ، ولا بد من تعيين الفرض . نوقش : بأنه قد تقدم أن الراجح خلاف ما قال المؤلف، وأنه لا تشترط نية التعيين ، بل تكفيه نية أصل الفرضية القول الثاني : أن تعيين نية الطواف ليس شرطا ، فلو طاف في يوم النحر وقع عن الإفاضة ، ولو طاف القارن أو المفرد عند قدوم مكة ، فإنه يقع عن طواف القدوم ، ولو طاف المعتمر وقع عن طواف العمرة ، المهم أصل النية ، وهو الطواف ، و إليه ذهب الحنفية ، والشافعية في وجه يرى بعضهم أنه الصحيح . أدلتهم : الدليل الأول : أنه فرض مستحق في زمن بعينه ، فلا يجب تعيين النية له ، كمن صام رمضان بمطلق النية في رمضان ، فإنه ينصرف إلى صوم رمضان ، فمثله الطواف ، فلو طاف رجل في آخر أيام الحج عندما أراد أن ينصرف إلى بلده بنية مطلقا فهو طواف وداع ، لأن الوقت لطواف الوداع فينصرف إليه ، فالزمن يعين نيته . الدليل الثاني : أن نية الحج تشمل جميع أعمال المناسك ، كما أن نية الصلاة تشمل جميع أعمال الصلاة ، ولذا لا يشترط أن ينوي الإنسان الركوع والسجود ، بل تكفيه نية الصلاة . ونوقش : بأن ثمة فرقا بين الطواف وبين غيره من أعمال الحج؛ لأن الطواف يتكرر في الحج ويتنوع ، طواف قدوم ، وطواف إفاضة ، وطواف وداع ، وطواف عمرة ، والطواف يقع نفلا ، فلا بد من تحديده وتعيينه ، وأعمال المناسك متباعدة ، ليست متصلة ، بخلاف الصلاة ، فإن أعمالها متتابعة متصل بعضها ببعض . الراجح : هو القول الثاني : عدم اشتراط نية تعيين الطواف، بل المشترط هو نية أصل الطواف، كما في الصلاة، قلنا : لا يشترط فيها نية التعيين، بل يشترط أن يؤدي فرض الوقت، وهذا يجزئه، وهذا الذي عليه عمل الناس، وهو الذي لا يسع الناس إلا العمل به، فإن المسلم يصلي في وقت الظهر، هل يتصور أنه يصلي صلاة الظهر أو العصر، ويعزب عن باله وعن نيته تعيين الصلاة بذاتها، ولو ألزم الناس بخلاف ذلك لكان فيه مشقة بالغة . المسألة الثالثة : أن ينوي عند الطواف غير المراد . يذهب لطواف الإفاضة ، لكنه ينوي طواف الوداع ، أو يذهب لطواف العمرة ، وينوي طواف القدوم ، يذهب آخر يوم من أيام منى من أجل أن يطوف طواف الإفاضة ، فينوي طواف الوداع ، فهل يصح أو لا؟ اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين :
عدد الصفحات ١٧٦مختصر كتاب المناسك 2 فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 18 القول الأول : أن من طاف طوافا ونوى غيره فإنه لا يصح طوافه ، و إليه ذهب أبو ثور ، وابن المنذر ، وهو وجه عند الشافعية ، والمذهب عند الحنابلة ، قال النووي (يصح بلا نية بشرط ألا يصرفه إلى غيره) . دليلهم : هي الأدلة السابقة للقائلين باشتراط نية التعيين . القول الثاني: أن من طاف طوافا ونوى غيره صح طوافه، و إليه ذهب الحنفية، والشافعية في وجه، وقيل أنه مذهب الشافعية الراجح : أما نية التعيين فلا إشكال - والله أعلم - في أنها لا تشترط ، لكن المشكلة في المسألة هذه ، أنه يطوف طوافا وينوي طوافا آخر ، الذين قالوا بالصحة قالوا : النية العامة للحج تكفي ، حتى لو نوى غيره فإنها تكون شاملة ، وفي أمر النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة القارنين والمفردين الذين لم يسوقوا الهدي ، حين أمرهم بالإحلال كانوا ينوون طواف القدوم ، وينوون سعي الحج ، ثم أصبح الطواف طواف عمرة ، والسعي سعي عمرة ، كانت النية لشيء ، ثم انقلبت لشيء آخر ، وهذا قد يقوي القول الثاني ، لكن مع ذلك لا يزال الإنسان في إشكال ، ومن ناحية النظر قد يقال : إذا فعل طوافا ونوى غيره لم يصح ، وهذا الذي يقال للناس ، لكن لو وقع الأمر ، خاصة إذا كان الإنسان من بلد بعيد ، من خارج المملكة مثلا ، أو في البلد من الداخل ، لكنه فقير لا يستطيع الوصول إلى البيت ، ووصوله إليه متعب له ، فقد يقال هنا بالقول الثاني ، فيكون في حال الضرورة ، وهذا منهج من مناهج أهل العلم رحمة الله عليهم ، في مثل هذه المسائل التي تكون شائكة ، يصعب فيها الترجيح ، فإنهم ينظرون إلى الفعل قبل وقوعه ، وإلى الفعل بعد وقوعه ، ويفرقون بينهما . إن لم ينو النسك : قال رحمه الله : أوْ نُسكَهُ . أي : لم ينو نسكه ، طاف قبل أن ينوي النسك الذي أحرم به ، هنا لا يصح طوافه ، لكن هل يصح أن تكون نية الحج مطلقة؟ الحج من العبادات التي تنفرد عن غيرها بأنه يصح أن ينوى نية مطلقة ، فيحرم بنية مطلقة لا يحدد نسكا ، أو يقول : أحرم بما يحرم به فلان ، أو سأحرم بما تحرم به الحملة ، إذا كان مع حملة ، أو يقول : سأحرم بما يحرم به العالم الفلاني ، هذا يجوز ، لكن قبل أن يبدأ في الطواف لا بد أن يحدد النسك ، هل هو متمتع أو قارن أو مفرد؟ وهذا وقع في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، فإن عليا وأبا موسى قدما إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، من اليمن ، وأهلا بما أهل به النبي صلى الله عليه وسلم ، وهذا في الصحيح ، أما علي فأشركه النبي صلى الله عليه وسلم في هديه ، وأمره أن يبقى قارنا ، وأما أبو موسى فأمره النبي صلى الله عليه وسلم ، أن يطوف بالبيت ويسعى ويحل ، ويكون متمتعا ، ويحدد النسك قبل الطواف ، فإذا حدد النسك طاف ، وإن لم يحدد النسك لم يصح طوافه؛ لأنه لم يحدد نوعه ، هل هو طواف عمرة أم طواف قدوم ..؟ . في بعض النسخ (أو نكَّسَه ) وليس (نسكه) وهذه تقدمت من قبل ، وهو أن يجعل البيت عن يساره ، لا بد من ذلك ، فإن جعل البيت عن يمينه لم يصح طوافه في هذه الحال . الطواف على الشاذروان : قال رحمه الله : أو طافَ على الشاذَرْوَانِ . هذه كلمة فارسية معربة ، شاذر-وان ، بفتح الذال وقيل بكسرها ، والأشهر فيها الفتح ، والمراد به : البناء المرتفع أسفل الكعبة ، ويقدر بثلثي ذراع ، وكان هذا الشاذروان مسطحا ، ثم أصبح مصفحا مسنما ، يقول ابن قاسم (ثم صُفّح باجتهاد من المحب الطبري في تسنيمه) أشار أن يجعله مسنما حتى لا يطوف الناس عليه ، وقيل أنه جزء من الكعبة ، وأنه من أساس حائط البناء .
عدد الصفحات ١٧٧مختصر كتاب المناسك 2 فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 19 والآن يصعب جدا الطواف على الشاذروان ، إلا في حال الزحام ، لأنه مسنم؛ لا يستطيع الإنسان الوقوف عليه ، إذا وقف عليه سقط ، لكن في الزحام الشديد ربما اعتمد على الناس واستطاع أن يمشي ، وفي الزحام يمكن أن يحصل أي شيء . أفاد المؤلف أنه لا يصح الطواف على الشاذروان ، والمسألة مختلف فيها ، فمن أهل العلم من يرى صحة الطواف عليه ، والسبب في الخلاف الاختلاف : هل الشاذروان من الكعبة أو لا؟ اختلفوا على قولين : القول الأول : أن الشاذروان من الكعبة ، و إليه ذهب المالكية ، والشافعية ، والحنابلة ، وهو اختيار شيخنا . القول الثاني : أن الشاذروان ليس من الكعبة ، و إليه ذهب الحنفية ، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية . بناء على هذا اختلفوا في صحة الطواف على قولين : القول الأول : أنه لا يصح الطواف على الشاذروان؛ لأنه من الكعبة، و إليه ذهب المالكية، والشافعية، والحنابلة، إلا أن المالكية يرون أن من طاف على الشاذروان إن كان في مكة أعاد ،وإن خرج من مكة فإنه يبعث دما ويجزئه طوافه . أدلتهم : الدليل الأول : قول اللهٍ تعالى {وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ } أمر الله عز وجل الطائفين أن يطوفوا بالبيت ، والباء للاستيعاب ، ومن طاف على الشاذروان فقد طاف في البيت وليس على البيت ، فلا يصح طوافه حينئذ ، لأن الشاذروان من الكعبة . الدليل الثاني : أن الشاذروان من الكعبة، وإذا كان من الكعبة لم يصح الطواف عليه، فإن من طاف على الشاذروان كمن دخل داخل الحجر ، فلا يصح طوافه ، قال النووي رحمه الله (وهو القدر الذي تركوه من عرض الأساس خارجا عن عرض الجدار ، مرتفعا على وجه الأرض قدر ثلثي ذراع). القول الثاني : أنه يصح الطواف عليه ، إليه ذهب الحنفية ، وبعض المالكية ، وشيخ الإسلام ابن تيمية . أدلتهم : الدليل الأول : أن الشاذروان ليس من البيت ، ومن قال : إنه من البيت فعليه الدليل ، فمن طاف عليه فهو طائف حول البيت وليس على البيت ، والدليل على أنه ليس من البيت أن العلماء مجمعون قبل وجود الشاذروان أن البيت مُتم ومبني على قواعد إبراهيم عليه السلام بين الركنين اليمانيين ، تماما ، وكذا من جهة الجنوب إلى الشمال ، من عند الباب بالاتجاه إلى الشمال ، هذه الجهة جميعا هي على الأساس والقواعد ، والجهة الأخرى هي على القواعد والأساس، والذي ليس على قواعد إبراهيم عليه السلام هي الجهة الشمالية ، التي في الحِجر ، ستة أذرع وشيء ، فالشاذروان خارج الكعبة ، وخارج البناء . الدليل الثاني : إجماع العلماء على أن ابن الزبير لما نقض الكعبة نقضها من الجهة الشمالية ، وبناها على قواعد إبراهيم عليه السلام ، وشاهد قواعدها الصحابة والتابعون ، فبناء ابن الزبير إنما كان في الجهة الشمالية ، ولم يكن في الجهة الجنوبية ، الجهة الجنوبية متروكة على ما كانت عليه . الراجح : الأقرب والله أعلم القول الثاني من ناحية النظر ، لأن الكعبة على بناء ابراهيم عليه السلام تماما ، إنما وقعت المشكلة في الجهة الشمالية ، فمن قدر أنه طاف على الشاذروان صح طوافه؛ لأنه خارج بناء الكعبة ، ولا طاقة لأحد في هذه الأزمان أن يطوف على الشاذروان ، لكن لو قدر بالشكل السابق وهو شكل غريب ، فإن طوافه صحيح ، وينبغي للإنسان أن يحتاط ويبتعد عن الطواف على الشاذروان .
عدد الصفحات ١٧٨مختصر كتاب المناسك 2 فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 20 قال رحمه الله : أوْ جدارِ الحِجْرِ . الحجر هو الجزء الشمالي من الكعبة ، وهو البناء المقوس ، وهو الذي يسميه العامة حجر إسماعيل عليه السلام ، وهو ليس حجرا لإسماعيل؛ لأن إسماعيل لم يره ، كانت الكعبة في عهد إسماعيل على القواعد وعلى الأسس ، كانت على البناء الأصلي ، وما حدث هذا إلا بعد إسماعيل عليه الصلاة والسلام بأزمنة طائلة ، والسبب في وجود هذا الجزء القصة التالية . قصة الحِجر : أنه لما أراد كفار قريش أن يبنوا الكعبة ، قالوا : لا بد أن تبنى بمال نظيف ، ومن كسب طيب ، وقصرت بهم النفقة؛ لأن أموالهم كانت أموال سحت وربا ، وأموال حرام ، فلما بحثوا عن مال لم يجدوا مالا يكفي لبناء الكعبة ، ففكروا في أن يجعلوا جزءا من الكعبة غير مبني ، فنظروا إلى الجهة الجنوبية فلم يمكنهم ، لأن الحجر فيها والركن اليماني ، فجعلوا النقص من الجهة الشمالية ، وحطموا جزءا من الكعبة ، ولذا يسمى (الحطيم) وجعلوا بناء محجّرا لكي يحددوا أنه من الكعبة ، ولذا سألت عائشة رضي الله عنها النبي صلى الله عليه وسلم عن الحجر ، (قالت : أمن البيت هو؟ قال : نعم ، قالت : فلم لم يدخلوه في البيت؟ قال : إن قومك قصرت بهم النفقة ..) أخرجه الإمام البخاري ومسلم ، والحطيم جزء منه من الكعبة ، وجزء منه ليس من الكعبة ، والقدر الذي من الكعبة ستة أذرع ، كما جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم ، ويقول بعض العلماء : ستة أذرع وشيء ، ويقول شيخنا رحمه الله : (الذي خارج الكعبة من حين ينحني البناء) جاء في أثر يزيد بن رومان ، قال (شهدت ابن الزبير حين هدمه وبناه ، وأدخل فيه من الحجر ، وقد رأيت أساس إبراهيم حجارة كأسنمة البخت ، قال جرير بن حازم : فقلت له - أي يزيد - أين موضعه؟ فقال : أريكه الآن ، فدخلت معه الحجر ، فأشار إلى مكان ، فقال : ههنا ، قال جرير : فحزرت من الحجر ست أذرع أو نحوها) أخرجه الإمام البخاري. وجاء في حديث عائشة رضي الله عنها ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال [لو أن قومك حديثو عهد بشرك ، لهدمت الكعبة فألزقتها بالأرض ، وجعلت لها بابين ، بابا شرقيا وبابا غريبا ، وزدت فيها ستة أذرع من الحجر ، فإن قريش اقتصرتها حين بنت الكعبة]أخرجه الإمام مسلم . الطواف داخل الكعبة وعلى الجدار : إذا طاف على جدار الحجر من خارج ، أو على جدار الحجر من الداخل قبل أن ينحرف ، فإنه يكون طائفا في الكعبة ، وليس خارجها ، إذ الجدار مبني على مسامتة الكعبة تماما ، والشرط أن يطوف بالبيت وليس في البيت ، ولو دخل من باب الحِجر الشرقي وخرج من الباب الغربي ، وهذا بعيد في الأزمنة الأخيرة ، لكن لو وقع ، يوجد حرس عند الباب الشرقي والباب الغربي يمنعون الناس من الدخول والخروج ، خاصة المحرمين ، لكن لو قدر أن طائفا دخل من الشرق وخرج من الغرب ، أو طاف على الجدار ، فهل يصح طوافه أم لا؟ اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين : القول الأول : أن من طاف على الحجر أو جداره فإن طوافه غير صحيح ولا يعتد به ، وهذا رأي عطاء ، وأبي ثور ، وابن المنذر ، وهو مذهب المالكية ، والشافعية ، والحنابلة . أدلتهم : الدليل الأول : قول الله تعالى {وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ} وهذا طاف في البيت العتيق .
عدد الصفحات ١٧٩مختصر كتاب المناسك 2 فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 21 الدليل الثانيعن عائشة رضي الله عنها ، قالت (سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن الحجر ، فقال [هو من البيت] أخرجه الإمام مسلم ، وفي لفظ قالت (قلت يا رسول الله إني نذرت أن أدخل البيت فأصليَ فيه ، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي ، فأدخلني الحجر ، وقال [صلي في الحجر إن أردتِّ دخول البيت ، فإنما هو قطعة من البيت] أخرجه الإمام مسلم . القول الثاني : أن من طاف على الحجر أو جداره فإن طوافه صحيح ، لكن تجب عليه الإعادة ما دام في مكة ، وإن خرج فعليه دم يبعثه إليها ، و إليه ذهب الحنفية ، ويروى نحوه عن الحسن البصري. أدلتهم : ما سبق في مسألة هل يشترط أن يتم الطائف سبعة أشواط؟ وتقدم أن مذهب الحنفية إذا طاف أربعة أشواط أو أكثر الرابع ، فإن طوافه صحيح؛ لأنه جاء بالأكثر ، وإذا جاء بالأكثر صح طوافه ، وتقدم أن هذا القول غير صحيح ، ولا بد أن يطوف الطائف سبعة أشواط كاملة ، ولو نقص منها شيئا لم يصح طوافه . الراجح : هو القول الأول ، أن من طاف على جدار الحجر ، أو دخل داخل الحجر ، فإن طوافه غير صحيح؛ لأنه لم يطف بالبيت ، بل طاف في البيت ، وثمة فرق بين الأمرين . الطواف عريانا : قال رحمه الله : أَوْ عُرْياناً . إذا طاف عاريا فإن طوافه لا يصح ، هذه المسألة ترجع إلى : هل يشترط لصحة الطواف أن يستر عورته التي يجب سترها في الصلاة أم لا؟ اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين : القول الأول : أن ستر العورة في الطواف شرط لصحته ، فإن طاف وعورته مكشوفة ، أو طاف عريانا لم يصح ، وإليه ذهب المالكية ، والشافعية ، والحنابلة . أدلتهم : الدليل الأول : قول الله تعالى {يَا بَنِي آَدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ} وهذه الآية نزلت في طواف الناس عراة ، فعن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما ، قال (كانت المرأة تطوف بالبيت عريانة ، فتقول : من يعيرني تطوافا؟ وتجعله على فرجها ، وتنشد : اليوم يبدو بعضه أو كله ... وما بدا منهُ فلا أُحِله ، فنزلت هذه الآية) أخرجه الإمام مسلم ، وأخذ الزينة أن يستر عورته ، وأن يلبس إزارا ورداء في الحج والعمرة . الدليل الثاني : أن النبي صلى الله عليه وسلم ، حج آخذا لزينته ، وقد قال [خذوا عني مناسككم] . القول الثاني : أن ستر العورة ليس شرطا لصحة الطواف ، وإليه ذهب الحنفية ، وقد اختلفوا : هل ستر العورة واجب يجبر بدم ، أم إنه سنة فإذا طاف وعورته مكشوفة فإن طوافه صحيح؟ على قولين . أدلتهم : الدليل الأول : استدلوا بقول الله تعالى {وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ} وهذا أمر مطلق ، لم يقيد بستر العورة ، ومن قيد فعليه الدليل . نوقش : بأن الآية مقيدة بآية الأعراف المتقدم ذكرها.
عدد الصفحات ١٨٠مختصر كتاب المناسك 2 فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 22 الدليل الثاني: أن الطواف ركن الحج، فلم يشترط له ستر العورة، كالوقوف بعرفة، فقاسوا طواف الإفاضة على الوقوف بعرفة الذي هو ركن الحج، وركن الحج لا يشترط فيه ستر العورة، فلو وقف الحاج عريانا، أو جزءا من عورته مكشوف، فإن وقوفه صحيح نوقش : بأن القياس هنا قياس فاسد الاعتبار. الراجح : هو القول الأول والله أعلم ، أن ستر العورة شرط لصحة الطواف ، والمراد به ستر العورة الذي يكون في الصلاة ، ودل عليه حديث ابن عباس رضي الله عنهما ، فإنه جاء في سبب نزول آية الأعراف ، فيؤخذ به ، ويكون قطعي الدخول في معنى الآية ، فيجب ستر العورة . الطواف متنجسا : قال رحمه الله : أَوْ نجسٌ لمْ يصِحَّ . عبارة المؤلف فيها شيء من القلق ، والمراد بها : أو طاف متنجسا، أي نجاسة في ثوبه أو في بدنه ، فإن طوافه لا يصح ، وهذا من شرط الطواف عند المؤلف ، طهارة البدن والثوب والبقعة ، وهي محل خلاف على قولين : القول الأول : أن الطهارة من نجاسة الثوب والبدن والبقعة شرط لصحة الطواف ، فإن طاف وعلى بدنه أو ثوبه أو بقعته نجاسة ، فإن طوافه لا يصح ، إذا كان عالما قادرا على إزالة النجاسة ، و إليه ذهب المالكية ، والشافعية ، والحنابلة . أدلتهم : الدليل الأول : قول الله تبارك وتعالى {أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ}فإذا كان يؤمر بتطهير بقعة الطائف ، فتطهير بدنه وثوبه من باب أولى . الدليل الثاني : فعل النبي صلى الله عليه وسلم ، وأنه طاف متطهرا من النجاسة ، فدل على الوجوب ، لقوله صلى الله عليه وسلم [خذوا عني مناسككم] وهذا الدليل يأتي كل مرة ، ومثله [صلوا كما رأيتموني أصلي] يحمل في الأصل على أن الفعل سنة ، فإن جاء ما يدل على الوجوب ارتقى إليه ، وإن لم يأت ما يدل على الوجوب فيبقى على السنية ، وهذا رأي بعض أهل العلم ، وهو رأي قوي . القول الثاني : أن الطهارة من النجاسة في البدن والثوب والبقعة ليست شرطا لصحة الطواف ، بل هي سنة ، ومن طاف حينئذ كان مسيئا ولا شيء عليه ، و إليه ذهب الحنفية ، وذهب الحنابلة في رواية إلى أن الطهارة ليست شرطا ، فمن طاف للزيارة غير متطهر أعاد ما كان بمكة ، وإن خرج فإنه يبعث بدم ، وعن الإمام احمد (يجزئه ، ويجبر بدم مطلقا) حتى لو كان متعمدا ، وعنه (يصح من المعذور مطلقا) والرواية الأخيرة رواية قوية ، أن الإنسان إذا كان معذورا فلا بأس به . أدلتهم : الدليل الأول : قول الله تعالى {وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ} قالوا : الآية جاءت مطلقة من غير تقييد بطهارة ثوب أو بقعة أو بدن ، فمن قيد فعليه الدليل . الدليل الثاني : أنها عبادة متعلقة بالبيت ، فلم تشترط لها الطهارة . نوقش : بأن هذا حجة عليهم؛ لأنه إذا كانت العبادة متعلقة بالبيت ، فسيشترط لها الطهارة؛ لأن كل عبادة متعلقة بالبيت يشترط لها الطهارة ، مثل : الصلاة ، والطواف ، ولكن هذا التعليل فيه إشكال ، يعكس عليهم ويقال : إذا قلنا هي عبادة متعلقة بالبيت فلا يشترط فيها الطهارة ، يجيب المخالف فيقول : بل هي عبادة متعلقة بالبيت ، فاشترطت لها الطهارة .
عدد الصفحات ١٨١