51 يوميّات طنجة رجل ذكيّ، لكني أجهل إلى أيّ حد يهتمّ- فعلاً- بالأدب )1(« .)2(»Siegelلقد تصرَّف، بنوع من الخشونة، مع الآنسة لكن، عندما تقدِّم امرأة نفسها على أنها عشيقة أن تنتظر معاملة غير لائقة. يوم السبت، ذهبت مع على برنس حمّام. في الدكّان الأوَّل الذي ولجناه، كان هنالك واحد فرنك، وهو مبلغ لم أكن مستعدّاً لدفعه. 5000معروض، لكن ثمنه هو 300أخيراً، اقتنيت برنساً كاشميريّ النسيج يساوي أكثر قليلاً من دولار. لقد بدا لي الثمن باهظاً بالنسبة إلى لباس، لن يراه أحد سواي. لكني سرُرت لهذه الغنيمة التذكارية التي سأحملها معي إلى طنجة. كان الليل قد أرخى سدوله، عندما جاء كلّ من ، 1938 لتوديعي في مطار أورلي. باريس كانت أزهى من سنة)3(باسْكْيِي لكني كنت أودّ الفرار بجلدي، قبل أن أشرع في استرجاع ذكرياتي فيها. نوفمبر22 وصلني (تلغراف) من صحبة فريقها التلفزي. كنت قد اقتنعت، تقريباً، بأن مشروع الفيلم . صحافي فرنسي، وكاتب، ومنشِّط برامج ثقافية، في التلفزة الفرنسية، 1935من مواليد سنة )1( وعضو أكاديمية بعد )2( .)1988السادسة لـ صحافي فرنسي، عمل في مجلّة )3(
عدد الصفحات ٥٢52 يوميّات طنجة ذهب أدراج الرياح، لكوني لم أتوصَّل بأيّ خبر من أكتوبر الماضي. (ديسمبر/كانون الأول) دجنبر 1 دولار، 10000في إحدى رسائلها، عبرَّت غير أنها، عقب وصولها، أخبرتني بأنني سوف لن أتقاضى أيّ تعويض. مكث فريقها التلفزي، هنا، أسبوعاً. وقد كبَّدت المخرجة تقنيِّيها، كما كبَّدتني أنا، ساعاتٍ إضافية متعبة: مشاهد في الخارج مع هبوب الريح، وفي مقهى أتناول طعامي في الفراش. من الصعب عليَّ تصوُّر من هو المُشاهد الذي سيهتمّ بكلّ تلك اللقطات. دجنبر20 اكترى الفريق التلَفزي شقّة أسبوع، وذلك لتخزين معدّاته. لكن التقنيِّين- بحسب ما قالت فاطمة- تركوا المكان في حالة فوضى سيِّئة (فضلاً عن كونهم تغاضوا عن منحها ، )1(»Diamondنقوداً لتنظيفه، لذا اشتكت من ذلك لـ الذي يشغل الشقّة، حالياً، آملةً أن يتحدَّث لـ عودتها من نيويورك). و مقلِّد أميركي، ومضحك. )1(
عدد الصفحات ٥٣53 يوميّات طنجة ستّة أسابيع، وهو يمرّ بي كلّ صباح لآخذ حصَّتي من المشي الضروري لساقيَّ، داخل المدينة وخارجها. دجنبر31 أمس، مساءً، نظَّم لم يكن هنالك جوق موسيقي، بل مجموعة فتيات غنَّينْ، وهنّ ينقرن على الدفوف. تردَّد عبد الوهاب في الذهاب، لكونه يعرف أن المرابط لا يكنّ له أيّ ودّ. لكن، بما أن المرابط لا يرضى، قَطّ، عن أيّ شخص ممَّن يزورونني، فقد شجَّعت عبد الوهاب على مرافقتي. أطباق الطعام كانت لذيذة وكثيرة. (كانون الثاني) يناير8 قرَّر إفريقية رمادية اللون، دخل هو إلى الدكّان للاستفسار عن الثمن فقيل درهم. إثر ذلك، عدنا، أمس، لمعاينة الطائر نفسه، 2000له إنه يساوي فكرَّرت على مسامع درهم، وهو ما حملنا على مغادرة الدكّان، دون نقاش زائد. عقب 3000 ذلك، أثار أن أرى الأمور وهي تؤول إلى نهاية سيِّئة، عوض وصولها إلى نهاية سعيدة، وأني بدوتُ له بالغ الارتياح، وأنا أغادر الدكّان.
عدد الصفحات ٥٤54 يوميّات طنجة (شباط فبراير6 ثلاثة أشخاص مسنّين يقيمون، حاليّاً، في شقّة بالغي الهدوء. سيكون الجوّ قارس البرد، في الأسفل، دون جهاز تدفئة. Lady of the Beasts : The Goddessتسلَّمت نسخة من كتاب .)1(»and her Sacred Animals فبراير25 كلّ يوم، تقريباً، أتوصَّل بكتب، من هنا وهناك، ولا أستغني عن عبد الواحد، بخصوص تجاوز عوائق الرقابة والجمارك وموظَّفي البريد، لكنه عندما عاد، أمس، إلى السيّارة التي كنت أنتظره فيها، كان في حالة هياج مفرط، حيث عنّفني بهذه العبارات: - ... كتاب يُقتَل الناس بسببه، في العالم أجمع، ومع ذلك تريد التوصُّل به. هذا أمر سيِّئ، والناس في إدارة البريد غاضبون. سألته: - أي كتاب تعني؟ وما موضوعه؟ نزلت من السيّارة بغية الدخول إلى المبنى، حيث رمقني كافّة المستخدمين بنظرات شزراء. أحدهم خرج لاستقبالي وتقديم بعض الإيضاحات. كتاب )1( صورة ورسوم، بعضها بالألوان400القديمة، في آسيا وأوروبا والشرق الأوسط، مع
عدد الصفحات ٥٥55 يوميّات طنجة - لديك هنا كتاب ممنوع سألته، إذ ذاك، ما إذا كان بإمكاني الاطِّلاع عليه، غير أنه أجابني بأنهم أعادوا تلفيفه، ولا أحد بإمكانه إلقاء نظرة عليه. - هل يمكنك السماح لي برؤية مظروفه، حتى أعرف- على الأقلّ- من أين جاء؟ ذهب إلى ما وراء الشبّاك، وإثر ذلك، عرض عليَّ- وسط العتمة- لفافة، وهو يمسكها من الخيط الذي شُدَّ حولها، كما لو كان يأنف المساس بها. ، )1(حدست أن الأمر يتعلَّق بكتاب أثار موجة تعاليق، بفضل (الخميني لكني كنت أجهل، جهلاً تامّاً، من الذي أرسله إليَّ. موظَّف آخر مكفهرّ الوجه، دنا منّي وهو يقول: - إنها إرسالية غير قانونية، ولا يمكنك الحصول عليها. أجبته: - لست أريدها. فبراير26 في مبنى البريد، أراد المستخدمون، اليوم، معرفة ما إذا كانت الشرطة قد زارتني، فأجبتهم بالنفي. يتعلَّق الأمر بكتاب )1(
عدد الصفحات ٥٦56 يوميّات طنجة - لقد جاء رجال الشرطة إلى هنا، وطلبوا اسمك وعنوانك، واستلموا الكتاب بغية إرساله إلى الحكومة في الرباط. (آذار) مارس1 بما أنه لا علم لي بمجيء رجال الشرطة، فقد افترضت أنهم سوف لن يأتوا إليَّ، لكن الكتب التي سأتوصَّل بها، من الآن فصاعداً، سوف تستغرق يوماً إضافياً، تكون فيه موضوع فحص أدقّ ممّا كان يحدث من قبل. مارس10 يعتزم برنامج تلفزي آخر إرسال فريق إلى هنا، في الأسبوع القادم. يحمل » ex-librisالبرنامج اسم - بيت العنكبوتThe Spider’s houseبترجمة روايتي لم تشرع، بعد، في العمل، فهل يعني ذلك أنهم سيبحثون عن مترجم آخر لإنجاز ترجمة سيِّئة للكتاب، شبيهة بعمل مترجم كتابي »without stoppingمترحِّل مارس18 فريق التلفزة الفرنسية موجود هنا، اليوم. بدا المكلَّف بإجراء الحوار معي (وهو شخص ذكيّ ولطيف) مصدوماً من الحالة المتواضعة لشقَّتي،
عدد الصفحات ٥٧57 يوميّات طنجة وقال إنه كان يتوقَّع أن يجدني أعيش في الجبل، في منزل كبير، تحيط به حديقة جميلة. سألني بصدق بَينِّ: - هل تحبّذ العيش، على هذا النحو، فعلاً؟ إثر ذلك، قرَّر تصوير الحوار معي بفندق مناسباً لانتظارات جمهوره. مارس19 لم يستغرق الحديث مدّة طويلة. الآن، انتهى كلّ شيء. يُنتظر بثّ التسجيل أبريل المقبل.5يوم مارس27 »Le Quotidienقَدِمَ، من باريس، شاب يعمل في صحيفة بضع أسئلة عني. لم أتمكَّن من إعطائه متَّسعاً من الوقت. مارس28 جاءت حالياً، على ترجمة Quaiهي محقَّة في إلحاحها على ضرورة الحصول على عقد من النا
عدد الصفحات ٥٨58 يوميّات طنجة »Voltaire لم يفعل بعد. ذلك ما يبدو لي غامضاً بعض الشيء. ولقد استخلصت من ذلك- بالطبع- أنهم كلَّفوا شخصاً آخر بإنجاز العمل بسعة، خاصّة أن كلود كانت مدقِّقة، وغير متسِّعة، وذلك هو واجب المترجم. مارس31 مساء أمس، ذهبت لتناول العشاء مع » Bergil Howell وجانب من القمر يضيء نُتَفاً من الزبد، عندما يصطدم الموج بالصخور، دون جلبة. يزورني محاوري يومياً، وأنا أعتقد أنه يهيِّئ مقاله عني لمجلّة .)1( »Globe« (نيسان أبريل3 مصوِّران جاءا من روما. كانا متيقِّنَينْ من أنه توجد مقاهٍ تقليدية أمام البحر. وبعد أن تركتهما يلفّان المدينة كلّها بالسيّارة، دون العثور على مكان يرضيهما، اقترحت عليهما مقهى الأسبوع الفارط، وكان يتحدَّث عنها، فيما كان الآخر يلتقط لي صورة تلو أخرى، وهو يكرِّر، دون كلل، بين (كليشيه) وآخر في باريس، من طرف الصحافي والكاتب1985مجلّة شهرية فرنسية، أُحدثت سنة )1( ، وكانت المجلّة قد أرسلت1992مارك بنامُّو حوار مع
عدد الصفحات ٥٩59 يوميّات طنجة أبريل4 ، بدوره، هذا الصباح، لالتقاط)1( »Suomi Lavalleجاء حوالي مئة صورة لي، وذلك بعد أن رافقني إلى حديقة الشيخة فاطمة الصُّباح (لا أعرف كيف أسمِّيها، لكني أعلم أنها كريمة أمير الكويت). أكنّ ودّاً كبيراً لهذه السيِّدة. أبريل20 مشاكل مع البريد. أسطوانة جديدة تتضمَّن إحدى عشرة أغنية من أغانيَّ، صدرت في الولايات المتَّحدة، وتَمّ تسجيلها على كاسيت أُرسِل إليَّ من نيويورك. أحد مستخدمي البريد مزَّق الغلاف، واستلَّ الكاسيت، ثم أغلقه بلاصقات رسمية. اختفت الأغاني، إذن! أفترض أن هذا التصرُّف له علاقة »Carol Ardmanبكتاب سلمان رشدي، الذي أرسلته ، من قبل. كان عليها أن تفكّر مرَّتَينْ في الأمر، وهو ما فعلته، ولاشكّ؛ (فقد )2( كتبت، في الأسبوع الأخير، تعترف بأنها مسؤولة عن إرسال ذلك الكتاب أبريل23 رمضان يجعل الأمور صعبة. مرّة أخرى، برهن المرابط أن فترة الصيام هاته تؤثِّر عليه تأثيراً مثيراً للحنق. أعرف أنه لا يحبّ عبد الوهاب إطلاقاً، ).1984»Quartet books»Hashishمصوِّر فوتوغرافي، وصاحب كتاب )1( كاتبة أميركية، صديقة لـ )2( .»Tangier : Love storyعنوان
عدد الصفحات ٦٠60 يوميّات طنجة لكنه تمكَّن من التصرُّف معه بصورة عادية، إلى أن حَلّ رمضان. في هذا الوقت، وعندما لاحظ أن عبد الوهاب كان يأكل ويدخِّن عوض أن يصوم، انقلب نفوره منه إلى غيظ أهوج؛ ففي هذا الزوال، وصل، فوجد (ع) متكَّئاً على وسادة وهو يحتسي كأس شاي. انقض على مائدة الطعام، ورفعها، ثم قذف، بها وبما عليها من شاي وغيره، في وجه عبد الوهاب، مُرفِقاً تصرُّفه هذا بسَيْل من الشتائم، ينطقها بالعربية وبالإسبانية. ابنته الصغيرة، التي ستكمل سنواتها الخمس، في الأسبوع القادم، ظلَّت جامدة، مذهولة. ستقع- ولاشكّ- مشاهد أخرى من هذا القبيل، قبل نهاية شهر الصيام؛ ذلك أن عبد الوهاب يأتي كلّ يوم لإعداد طعامي، والمرابط لا يحتمل، بتاتاً، فكرة كونه يرفض الالتزام برمضان، مثل كلّ الناس. أبريل24 ظننت أنني استرحت من توافد الفرق التلفزية، لكنهم جاؤوا من ميلان، وأمستردام، ولندن، وباريس، ونيويورك. وأنا أنتظر، الآن، فريقاً آخر سيقدم من جنيف. أمس واليوم، استقبلت زوجين ألمانيَّين سجَّلاً معي حديثاً لإحدى الإذاعات في برلين. كانت المرأة تشرع في أسئلتها- عادةً- بكلمة (لماذا؟)، فأثرت انتباهها إلى أنه ليس بالإمكان الإجابة- لا بذكاء ولا بصدق- على كلّ سؤال يبدأ بـ (لماذا؟)، لكنها سألتني على الفور: - لماذا إذن؟ بعد ذلك، تراجعتُ عن سلوكي هذا، وصرَّحت لها بأن ملاحظتي لا تخصّ
عدد الصفحات ٦١61 يوميّات طنجة سواي، لكن الجواب لم ينفع معها في شيء، حيث ردَّت قائلة - صحيح، فنحن لا نتحدَّث إلاّ عنك. أبريل25 فتَيان مغربيّان شاحبان، رنّا جرس باب شقّتي، حوالي الثانية والنصف بعد الزوال. لم يكونا، في الظاهر، يدركان ماذا يقولان. إثر ذلك، وصل المصعد، وخرج منه عبد الواحد. قال أحدهما، أخيراً: - ابنتك تريد رؤيتك. وعندما اعترضتُ، بأنه لا ذرية لي، اكتفيا بالضحك. حينئذ، تدخَّل رفيقه قائلاً: - بل لديك بنت، وهي هنا، واسمها قطّ، لكنها تريد، الآن، التعرُّف إليك. أجبته: - لا أريد رؤيتها. إذ ذاك، تدخّل عبد الواحد، مؤكِّداً لهما أن في الأمر خطأ، لكنهما لم يعبأا بما قال. - سنحضرها إلى هنا في الخامسة عصراً، اتَّفقنا؟ - كلاّ، كلاّ،كلاّ. ليس لديَّ أيّة بنت. شكراً، ولا أودّ رؤيتها.
عدد الصفحات ٦٢62 يوميّات طنجة ذهبا إثر ذلك. دخل عبد الواحد، وهو يؤكِّد لي أن الأمر يتعلَّق بمنحرفين، وأن عليَّ ألاّ أسمح لهما بدخول الشقة فيما إذا رنّا الجرس، مجدَّداً. كنت شبه متأكِّد من أنهما سوف لن يعودا. لكن، بعد عودتي من السوق والبريد وذهاب عبد الوهاب إلى بيته، رنّ الجرس مرّة أخرى، فكان الفتيان، وخامرني شعور بأنهما يسندان امرأة. كانت المرأة تضع على رأسها قبَّعة ذات حوافّ واسعة، تخفي عينيها، فلم أتمكَّن من تبينُّ ملامح وجهها. قال الفتَيان: »Essen- ها هي ابنتك. لقد جاءت من بدا لي كلّ ذلك غريباً وتافهاً، إلى درجة أني لم أتمالك نفسي من مقاومة غواية السماح لها بالدخول، طالباً من الفتَيَينْ المغربيَّينْ المكوث في بسطة السلم. وبغية تقديم المرأة نفسها، استلَّت من جيبها نسخـة من روايـة ) في طبعة جيب، وقالت So Mager Fallen Let it come down ( بإنجليزية موسومة بتلفظ جرماني قويّ - إنني خجلة. لكنني سأغادر غداً، إلى ألمانيا. بدا لي، من كلامها، أنها لم تتخيَّل وسيلة أخرى للِّقاء بي، خلال الأمسية الوحيدة التي ستقضيها في طنجة، سوى أن تذهب إ وتلتمس من أيٍّ كان أن يقبل الاستماع إليها، ويرافقها إلى بيت أبيها المدعوّ حالها، زاعمَينْ أنهما يعرفانني، مع أنه لم يسبق لهما أن رأَياني. كان حديث المرأة الشابّة مشوَّشاً، يصعب تتبُّعه. وحينئذ، تساءلت عن طريقة للتخلُّص منها. في أثناء هذيانها، صرَّحت لي بأنها تودّ أن تنتحر، فقرَّرتُ
عدد الصفحات ٦٣63 يوميّات طنجة أنه آن أوان طردها. قدَّمتُ لها قدح شاي، فشرحت لي، في أثناء احتسائها له، أنها كانت تأمل أن تموت نذرها لم يتحقَّق. وعندما أجبتها بأن هذا الأمر مؤسف، هزَّت رأسها، قبل أن تتراجع عن قولها، في الختام: - لا أريد أن أموت.. أريد، فقط، أن أتغيرَّ. بعد ذلك، أعادت صبغ شفتيها بأحمر الشفاه، وهي ترمقني من تحت حوافّ قبعتها. قدَّمت لها نسخة ممهورة بتوقيعي من » Gesang der Insecten سياق الكتاب هو أميركا اللاتينية. بديهيّ أنها كانت تعاني من تركُّز وسواسي؛ فهي لا تريد أن تقرأ سوى كتب عن شمال إفريقيا. عندما تخلَّصتُ منها، في نهاية المطاف، كان رفيقاها قد مضيا. آمل ألاّ تكون قد دفعت لهما مسبقاً، وأنهما ما زالا ينتظرانها في أسفل العمارة، ذلك لأنها قالت لي بأنها لا تعرف، تماماً، كيف تعود أدراجها إلى الفندق. أبريل26 هناك عشّ لقالق كبير، مبنيّ في قمّة مدخنة أحد المنازل. في كلّ فصل ربيع، تأتي عائلة طيور، فتمكث هناك شهرين، تقريباً، ثم تواصل طريقها. في السنة الفارطة، جاء- أيضاً- لقلقان صغيران، لم يكونا يكفّان عن التململ حول العشّ، والتدرُّب على الطيران، بالقفز في الفراغ، مع تحريك الجناحين. وعندما ضجر اللقلق الذكر- ولاشكّ- من هيجانهما، ابتنى لنفسه عشّاً آخر، في ذروة عمود كهربائي، على بعد حوالي ثلاثين متراً من
عدد الصفحات ٦٤64 يوميّات طنجة العشّ الأوَّل. خلال فصل الشتاء، دمَّر بعض العمّال هذا العشّ. أمس، لاحظت أن اللقالق عادت، ومرّة أخرى كان هناك عشّ كبير في قمّة العمود الكهربائي. هل هما الزوجان أنفسهما، في كلّ سنة؟ وهل يعود اللقلقان الصغيران رفقة والديهما؟ لم أشاهد هجرة اللقالق منذ مدّة طويلة (على الأقلّ، منذ ثلاثين سنة)، كنت أنزل، حينها، إلى شاطىء تتألَّف من مئات الطيور، التي تحلّق على علوٍّ منخفض، إلى درجة أنني كنت أسمع خفق أجنحتها المعتاد. في فصل الربيع، تعبر اللقالق مضيق جبل طارق نحو إسبانيا، ثم تعود في فصل الخريف. لقد بدت لي اللقالق، دوماً، بالغة الجمال في أثناء الطيران، رغم سيقانها الشبيهة بقضبان تتدلىّ تحت جسومها. إنني أحبّ- خاصّة- أعناقها الطويلة، وأجنحتها الكبيرة التي تصطفق، بتؤدة وبطء. أبريل28 نادراً ما تمرّ ظهيرة دون أن أستقبل زيارة أحد، لم أره قطّ، وسوف لن أراه بعد ذلك، دون شك. يبدو لي كلّ هذا الوقت المكرَّس للغرباء وكأنه يجمِّد وجودي، وكما لو كان ما يزال أمامي عدد لا متناهٍ من السنين. بيد أن هذه الزيارات، لم تغدُ خطيرة إلاّ منذ سنة أو سنتين، وزاد من خطورتها غياب الهاتف: الناس يأتون، ثم يطرقون الباب، فيغدو رفض استقبالهم أمراً صعباً. هذا الأسبوع، استقبلت، في كلّ ظهيرة، زائراً.
عدد الصفحات ٦٥65 يوميّات طنجة (مايو/أيار ماي10 أتساءل، أحياناً: إلى متى سأواصل تناول أكلاتي في الفراش؟ بعد عمليّة بتر العصب الوُدّي، اعتبر الطبيب ذلك أمراً حسناً. أمّا اليوم، وبعد مرور ثلاث سنوات على إجراء العملية، ما زلت أواصل هذه العادة. يأتي عبد الواحد، في منتصف النهار، لإعداد طعام الغداء، ثم يأتي المرابط بالزاد لينهمك في إعداد عشائي. ومع أن الفطور هو أهمّ الأكلات الثلاث، إلاّ أن المرابط يبدو وكأنه لا يفهم هذا؛ فمنذ زمن معينَّ، كفَّ عن القدوم في الصباح، وهو ما يعني أن عليّ، بمفردي، إعداد فطوري وحمله إلى طاولة المطبخ. إنني أعتبر نفسي محظوظاً لوجود أصدقاء يوافقون على تقديم الطعام لي، في الفراش. مع ذلك، يقول عبد الواحد لي: - أنت لست عليلاً، فلماذا يجب أن تأكل، دوماً، في الفراش؟ المغاربة يكرهون، طبعاً، البقاء في الفراش، حتى لو كانوا مصابين بالحمّى، وهم يعتقدون أن كلّ مريض قابع في الفراش هو مشارف الموت. جاء أحدهم من نيويورك، حاملاً نسخة من تلك البيوغرافيا التي تعمَّدَ « انزعاجه من رفضي لمساعدته واضحاً، بحيث أصبح كتابه- شاء ذلك أم أبى- عبارة عن سباب وقذف. ولإنجاز عمله، كان عليه استعمال سيرتي الذاتية، بيد أن الفرق، بين هذه السيرة وكتابه كامن في كونه تعمَّد وضع صدقية أقوالي موضع شكّ، مُحِلاًّ محلَّها رؤيتَه الخاصّة للوقائع. لاشكّ في أنه وجد هذه الرؤية أكثر إثارة، بحيث جعل مني كائناً مفترياً. بإمكاني سرد لائحة، لا حصر لها، من الأخطاء التي اعتمد فيها، فقط، على ما يقال، أو على مجرَّد ظنون صادرة، بداهةً، عن سوء طوِيّة. لقد كان
عدد الصفحات ٦٦66 يوميّات طنجة لاَوْسَانُو مدرجاً سخافاتها في كتابه، دون أخذ الوقت الكافي للتثبُّت من صحّتها، وهذا شأن مثير للقلق، إذ- على الأقلّ- كان من الأنسب نسبة المعلومات المزعومة إلى مَنْ زوَّده، أو زودَتْه، بها. على العموم، إن ما لا يُحتمل هو ميله إلى تخيُّل أنني قمت- عمداً- بتزوير بعض الأحداث، ذلك أن الحقيقة، بالنسبة إلى نوع الكتابة الصحافية، التي يعشقها المؤلِّف، تكون شاحبة وغير مثيرة. إن الصورة التي قدَّمها عني- بوصفي شخصاً متسوِّلاً، إبّان الثلاثينات- لتستثيرُ سعاري، مثلما أثارت غضبي تفسيراته الشخصية . لقد ذهبنا، جين وأنا، كلّ 1958لسفر يوم، وخلال أسبوعين، إلى السفارة الأميركية في البرتغال، للحصول على جواز سفر جديد لها، حيث انتهت صلاحيّة القديم، عندما كنّا ، فكانوا يجيبوننا، في كلّ مرّة:)1(مَادِيرْ »F .B.I- كلاّ، علينا استشارة الـ واصلنا الاتِّصال بالسفارة، في انتظار ردّ سريع من واشنطن، لكن الردّ لم يكن سريعاً، بل كان سلبياً: - على السيِّدة پولز أن تعود، فوراً، إلى الولايات المتَّحدة، وسنمنحها تصريحاً بالمرور عوضَ جواز السفر. إثر ذلك، ذهبت الخارجية أكَّدت له أن تلك المسطرة مستحيلة، واستنتج، من ذلك، أن سردي كان محض تخييل، وأنني ابتكرت تلك أرخبيل برتغالي في المحيط الأطلسي، مؤلَّف من جزيرة )1(
عدد الصفحات ٦٧