35 يوميّات طنجة أكثر من دقيقة واحدة، قصدَ الاستراحة، ثم سيغادر. زمجر صاحب (الشبّاكية) قائلاً: « - وأخرج مدية طويلة، ضرب بها الرجل الآخر بحركة من أعلى إلى أسفل ممزِّقاً أوداجه. نهض الجريح، وخطا بضع خطوات، ثم سقط. ولده، ذو الأربع سنوات، ظلّ ينظر إليه، وهو ينزف دماً، إلى أن مات. تلك هي ثاني جريمة تقع أسبوعين. لقد وقعت جرائم أخرى في أماكن مختلفة من المدينة، لكني لم أتوصَّل، عن هذه الأخيرة، بأيّ وصف صادر عن شهود عيان. (نيسان) أبريل19 طارت جاءت، أمس، وهي تحمل باقة ورود وزنابق كبيرة، وكان المرابط قد اشترى، يوم الجمعة، كمّيّة من ورود بيضاء من نوع ووضعها في مزهرية. لكنّ فكرة سيِّئة خطرت لـ ورود المرابط في آنية متواضعة، وذلك لإعطاء باقتها المدهشة المكان المناسب. فكَّرتُ، للتوّ، في أن المرابط سوف لن يكون سعيداً جدّاً بهذا الوضع، لكني لم أكن أتوقَّع عنف ردّ فعله. تقاطرت من فمه أقذع ألفاظ السباب والشتم، وكلّما حاولت يعلو فوق صوتها. إن كلّ من تعوَّد على العيش هنا، في شهر رمضان، عليه أن يتراجع عن كلّ محاولة لإقناع خصمه، لكن يبدو أن
عدد الصفحات ٣٦36 يوميّات طنجة كانت تعتقد أن الظروف عاديّة، تماماً، بحيث أصرَّت على أن تسأل المرابط عمّا إذا كان تصرُّفها جارحاً. ازداد صراخ هذا الأخير عنفاً، وشرع يسبّ المرأة، بالعربية، والإسبانية، والإنجليزية، ثم عمد إلى قذفها بالوسائد، قبل أن يصفعها صفعة مدوِّية. لقد كانت تسقط. لكن المرابط نطَّ بخفّة، والتقط عوداً من أخشاب المدفأة، وتوجَّه صوب المرأة البائسة لضربها على الجمجمة. لم يُحدث صراخي، وأمري إيّاه بالجلوس والكفّ عن الكلام، أيّ أثر. لكن عبد الوهاب، الذي كان هناك صحبة عبد الواحد، تدخَّل بين الخصمين، حيث تمكَّن من تهدئة المرابط، لبضع لحظات (كان عبد الوهاب من أصول ريفية؛ لذا أصغى إليه المرابط بكلّ طواعية). لكن هذا الأخير شعر- ولاشكّ- أنه رضخ بسهولة، لذا واصل الصراخ مجدَّداً قائلاً: بأنه يوجد في غرفة مليئة بالذين يجب، في نظره، قتلهم لمنعهم من تلويث الجوّ الذي يتنفَّسه المسلم. إثر ذلك غادر الغرفة، وسمعناه وهو لازال يواصل التلفُّظ بالسباب والكلام المقذع، قاطعاً المطبخ جيئةً وذهاباً. كانت قرَّر المغادرة، وذلك ما فعله بسعة، ناسياً مطريَّته. أمّا عبد الواحد فظلَّ جالساً وهو يهزّ رأسه، ويهمس لي: - أيّ رجل رهيب هو! إن له قلباً أسود كالقار. أظنّ أن سلوك المرابط أثار حنقه. أمّا أنا فلم أكن مندهشاً؛ إذ سبق لي أن عاينت، من قبل، أزمات جنون المرابط وغضبه الشديد، لكني شعرت بالعار من حدوث كلّ ذلك في شقّتي، ومن أن تدفع إحدى مدعوّاتي ثمن ذلك. وعندما كانت - لوعدت من نيويورك، فسوف أقتلك.
عدد الصفحات ٣٧37 يوميّات طنجة خمس دقائق، قبل ذلك، كانت قد همست - هل تعتقد أنه سيقتلني؟ أجبتها وأنا أبتسم: - طبعاً، لا. لكنَّ وعيدَ المرابط لم يكن ليطمئنها، وكنت أمنّي نفسي أنها حين تعود من السفر، فإن شهر رمضان سيكون قد انتهى. قبل الذهاب إلى بيته، جاء المرابط معتذراً عن تصرفه: - لقد شاءت إثارة جنوني، وكانت تقول، دون توقُّف، إنني لصّ. فهل باستطاعتها البرهنة على ذلك؟ وهل لديها شهود؟ إنه سيكون من العبث الاعتقاد بأن ما حدث سببه باقة ورد، وُضعت في المكان غير المناسب، كما قد يظنّ ذلك أجنبيٌّ عن البيت، لكن وعي المرابط كان شقيّاً، وعندما يشعر مغربيّ بأنه مذنب، فإنه يعمد إلى نهج سبيل الهجوم. (أيار) مايو5 العنكبوت التي كانت غائبة طيلة الأسبوع، تقريباً، قرَّرت- فجأةً- الالتحاق بملجئها الليلي المعتاد، حيث تقضي، منذ الآن، نهاراتها ولياليها. ذلك ما بدا لي مثيراً للشكوك، على نحو غامض. إنه المكان الذي كان مستقرّها من قبل، إبّان الليل، لكني لست على يقين، مع ذلك، من أنها الحشرة نفسها؛
عدد الصفحات ٣٨38 يوميّات طنجة فهذه تبدو أصغر حجماً، وأشدّ هزالاً من الأخرى. وإذا كان الأمر- فعلاً يتعلَّق بعنكبوت غيرها، فماذا يكون قد حصل للأولى؟. ولماذا تشغل هذه المكان نفسه الذي شغلته الأخرى؟ في وسع عالم حشرات- ولاشكّ- أن يقدِّم تفسيراً مُرضياً وغير متوقَّع. مايو6 ذهب وبما أنه لم يكن يعرف من مراكش، على أن يواصل صوب الشرق، إلى غاية الرشيدية، ثم إلى الشمال إلى غاية نْتيسْت الحالة، هو لن يذهب- ولاشكّ- إ علبة تسجيل الحفل الموسيقي الذي نُظِّم في مدينة المنصرم (وكنت أعتقد أنها ضاعت، حيث تَمَّ استخراجها من غشائها)، حُجزت، فقط، من طرف الرقابة، بدعوى أنه لم يُصرَّح بها. لقد أحضرها عبد الواحد، هذا الزوال. القطع المعزوفة بواسطة آلتي (البيانو) رديئة جدّاً، بل أردأ ممّا كنت أظنّ. أداء بعض الأغاني لم يكن سيِّئاً، ونجح عازف البيانو المفرد- بسبب عزفه للقطعة بعنف شبيه بسيل مدمِّر- في أداء ألحان كانت نشازاً أكثر ممّا كانت صائبة. لماذا يرفض عازفو البيانو الامتثال لتعليمات ضابط السعة، في أثناء العزف؟ فرضيَّتي هي أنهم يتخيَّلون بأنهم يُحدثون تأثيراً عميقاً، عند العزف، بأكثر ما يمكن من السعة، شأنهم في ذلك شأن الراقن على الآلة الكاتبة، الذي يلهث ليبرهن
عدد الصفحات ٣٩39 يوميّات طنجة على كثرة الكلمات التي رقَّنها في كلّ دقيقة مايو7 عندما نكون في السيّارة، وسط الخلاء، يروي عبد الواحد، أحياناً، حكاية وقعت، أو يقال إنها وقعت في إحدى القرى التي كنّا بصدد عبورها. بعض هذه الحكايات لا يخطر في بالي، أبداً، ابتكارها، أمّا البعض الآخر فعاديّ، تماماً، مثل هذه: كان هنالك زوجان يعيشان، في دوّارهما، ظروفاً تزداد صعوبة. لقد نفقت دجاجاتهما الأخيرة، بسبب جائحة. - لو أردنا ألاّ نقضي نحبنا، فعلينا الذهاب الآن، ما دمنا نستطيع المشي، قال الزوج. كانت المرأة الشابّة حاملاً، فشرعا في السير عبر الطرقات إلى أن وصلا إلى باب البادية، فاستفسهما عمّا إذا كان يستطيع مساعدتهما. شرحت المرأة قائلة: - نبحث عن مثوى. - بيت؟ - أجل. - هيّا.. سأريكما منزلاً مناسباً.
عدد الصفحات ٤٠40 يوميّات طنجة دلَّهما الرجل على منزل، كان قد اشتراه بغية بيعه. وقبل الدخول إليه، أراد الزوج معرفة السعر (ولم يكن يملك فلساً واحداً). كان المنزل خالياً تماماً، وبعد زيارته سأل الزوجان المالك ما إذا كان يسمح لهما بقضاء الليل فيه، مؤكِّدَيْن له أنهما سيخبرانه بردِّهما صباح الغد. وافق المالك على ذلك. تبادلوا تحيّة المساء، وذهب مالك المنزل إلى حال سبيله. مضى الزوج للبحث عن الماء في البئر، قصد الاغتسال وإعداد العشاء، فلمح صندوقاً صغيراً يطفو وسط العتمة. عمد إلى انتشاله، ثم لاحظ أنه مغلق بواسطة قفل. قرَّر الزوجان أن مالك المنزل يجهل وجود هذا الصندوق، ففتحاه، واكتشفا أنه كان مملوءاً بأوراق نقدية. في صبيحة الغد، وصل مالك المنزل، فأخبراه بقبولهما شراء المنزل الذي كان سعره يساوي نصف ما في الصندوق من مال لقد كان عبد الواحد شغوفاً بحكايات الكنوز المخبوءة التي تخلو، في العادة، من أيّة أهمِّيّة. مايو16 من ميزات شهر رمضان، ذلك العزف المنفرد على الغيطة، في صوامع المساجد، قبل الآذان. في هذه السنة، تَمَّ إلغاء ذلك. أتخيَّل أن أحدهم- ربّما- ارتأى أن تلك الممارسة متخلِّفة، أو أنها غير شرعية. يوضّح عبد الواحد: - على أيَّة حال، لم يعد الناس يريدون سماع رجل ينفخ في غيطة، فلديهم موسيقى في التلفزة.
عدد الصفحات ٤١41 يوميّات طنجة ، قمت بتسجيل معزوفات المزامير الليلية، طيلة شهر 1977في سنة رمضان. لعلّني- دون أن انتبه إلى ذلك- كنت أرتاب- بالتأكيد- في أنهم سيقومون بإلغاء العزف، آجلاً أو عاجلاً؛ فالأشياء الجميلة- للأسف- لا تبقى. (حزيران) يونيو20 أمور جدّ قليلة، جديرة بالتسجيل. توصَّلت بقصاصات صحف ناطقة في تصوير )1(بلغات مختلفة، تعلن جميعها عن نيّة المخرج « مجرَّد دعاية؛ ما يعني أنني لست متأكِّداً أن الفيلم سيُصَوَّر أم لا. يصعب لم تشترط بنداً يحدِّد زمنية )2(على الناس الاعتقاد بأن العقد، عندما قامت ببيع الحقوق السينمائية لكتبي، في الخمسينيات. وإذا كان ذلك. يونيو26 منذ زمن طويل، أعاني من الفتق معاناةً بالغة، بحيث لم أعد قادراً على احتماله . من أشهر أفلامه 1941مخرج سينمائي إيطالي، وُلِد سنة )1( بباريس ، 1904. وُلِدت في نيويورك، سنة1944عملت وكيلة أعمال لدى )2( عاماً83، عن سنّ تناهز1987وتوفِّيت سنة
عدد الصفحات ٤٢42 يوميّات طنجة »Rawaلقد وافق الدكتور بواسطة تخدير موضعي، وبشرط أن أغادر المستشفى، مباشرةً، إثر ذلك. بدا لي ذلك هو الحلّ الأمثل لمشكلتي، خاصّة أن سمعة مستشفى القرطبي بالغة السوء، وكلّما قَصرُ زمن المكوث فيه كان ذلك أفضل. (يوليو/تموز) يوليوز7 اصطحابي إلى المستشفى )1(يوم ملبَّد بالغيوم. اقترح وانتظاري هناك، في أثناء إجراء العملية. عبد الواحد مكث داخل السيّارة في الخارج. لم يكن يعتقد أنه سيكون بإمكاني المشي من مدخل المستشفى إلى بوّابته، لكنني تمكَّنت من ذلك، دون مشقّة. أَثَر البنج شرع في التضاؤل، رويداً رويداً، ونحن نمضي في اتِّجاه الشقّة. أخذ المطر يتساقط زخات. أحدث هذا السيل عطلاً كهربائياً، بحيث كان المصعد متوقِّفاً عن الحركة، عندما وصلنا إلى (عمارة الشقّة. أجلسوني عليه، وإثر ذلك حملني كلّ من فيليب رامي، والمرابط، وعبد الواحد، إلى الطابق الأخير. لقد ظلَّت هذه المرحلة، من اليوم، مبهمة في ذهني. مكثت في السير، وكان الألم محتملاً. ، التي وصلت، لتوّها، من نيويورك، جاءت لرؤيتي، )2(« . كان جاراً لپول پولز وصديقاً حميماً له1939ملحِّن وعازف بيانو أميركي، من مواليد سنة )1( .1997أجرى معه حواراً مهمّاً حول مقامه في طنجة والمغرب، سنة Theمنتجة، ومخرجة أفلام وثائقية، وباحثة، وكاتبة دراسات حول ما يسمّى )2( »beat Generation .1949الكامل
عدد الصفحات ٤٣43 يوميّات طنجة وللحديث عن الفيلم الوثائقي الذي تنوي تصويره لحساب التلفزة الأميركية. لقد كان اختيارها هذا الوقت، للحديث عن الموضوع، سيِّئاً، وأنا لم أكن راضياً. فلاشيء أشدّ إثارة للغيظ من احتمال تعامل مطوَّل مع فريق تلفزي. لقد أعطيت موافقتي المبدئية لـ لكن، بما أن التصوير لن يُشرع فيه قبل أكتوبر، فقد قلت في نفسي: ربَّما نكون، أنا وهي، قد قضينا نحبنا قبل ذلك. وتلك هي إحدى وسائل جعل المستقبل محتملاً بعض الشيء. يوليوز23 لن أقترب من الشاطىء بعد اليوم. قبل خمسين عاماً، كنت أقضي، هنا، أيّامي في فصل الصيف، وإذا حدث- لسبب من الأسباب- مانع، ولم أذهب إلى الشاطىء، ترسَّب لديَّ انطباع بأيّام لا وجود لها أو فاشلة. كان المغاربة يعتبرونني أشبه بشخص أخرق، فحتى الرجال لم يكونوا يأخذون حمّام شمس، في تلك الفترة؛ كانوا يعتقدون أن الشمس ضارّة. بعد الحرب (العالمية الثانية)، أخذ الشبّان يلعبون كرة القدم على الشاطىء، ومن وقت لآخر كان بالإمكان رؤية امرأة وهي تمشي وسط الموج، وقد ارتدت كافّة ملابسها، بطبيعة الحال. لقد تعوَّدت الفتاة التي كانت تقطن بجانبنا، في شارع الميموني، على اصطحاب جاراتها إلى الشاطىء، بعد الزوال، وكن يعدن جدّ مسورات، قبل الغروب. كانت عن هذه الفتاة: - إنها ثورية؛ فهي تملك طوّافة الإنقاذ الوحيدة الموجودة في طنجة.
عدد الصفحات ٤٤44 يوميّات طنجة (أغسطس/آب غشت10 متعة رائعة أن تستطيع المشي بعيداً، على هواك، دون أن تشعر بآلام الفتق هناك قرار رسمي متعذَّر الفهم، تَمَّ، بموجبه، من الآن فصاعداً، نشر بضع عشرات من شرطة خاصّة، تتلخَّص مهمَّتهم في منع الناس، الذين لا يرتدون ملابس السباحة، من المشي فوق الرمال. معنى ذلك أن الأشخاص الذين يرتدون الملابس العادية عليهم البقاء على الرصيف. لا يفيد هذا القانون غير المفهوم أحداً عدا اصحاب المقاهي أو المطاعم الذين يوفِّرون كبائن، حيث يكون باستطاعة الراغبين في السباحة التجرُّد من ملابسهم، وعلى هؤلاء الكفّ عن عادة التجرُّد من الملابس على الشاطئ وتركها ملقاة وراءهم، عندما يذهبون للسباحة. تحدث هناك سرقات عديدة، بسبب وجود عصابة أولاد يتنقلون، دون توقُّف، بين ركام الملابس لسقة ساعات أو حافظات نقود أو صدريات - أي كلّ ما يمكن حمله بسهولة. لكن، من الصعب الاعتقاد بأن وجود أولئك الشرطة له أيّ أثر ردعي على تلك العصابة من معكِّري الصفو. لعلَّهم يعملون جميعاً من أجل هدف مشترك، إلى درجة يمكن التساؤل معها عمّا إذا لم يكن أصحاب المطاعم قد شغَّلوا هؤلاء المنحرفين، وكذا أفراد الشرطة، لمساعدتهم في تنفيذ غشت11 كنت ممدَّداً على الفراش، بصدد تناول عشائي، عندما ولجت غرفتي
عدد الصفحات ٤٥45 يوميّات طنجة . لقد جاءت من سويسا تلبية لدعوة وجَّهَتها )1(« لها حين وصولها. رجوتها أن تجلس، وأشرت إلى المكان الذي يمكن أن تجد فيه زجاجة الويسكي وقطع الثلج. وإثر ذلك، أخذنا نتجاذب أطراف الحديث. وبعد مرور حوالي نصف ساعة، عبرَّت عن رغبتها في النزول إلى شقّة وصلت فقالت لها: - لم أفهم أنك تعتزمين المجيء... مضيفة، للتّو: - أعني هذا اليوم. غشت17 عن نيَّته تأليف كتاب عن سيرتي، قائلاً إن )2(عَبرََّ »plonالنا وهذا أمر يسني جدّاً، نظراً لكوني لا أملك وثائق يمكن أن أوفِّرها له. إنه يريد أن يعطي للموسيقى بعض الأهمِّيّة، في كتابه، وهذا ما يسُّني، أيضاً. ). من أشهر رواياتها1995 - 1921روائية أميركية )1( فيلم سينمائي أكثر من مرّة ، عمل أستاذاً للأدب الأوروبي الكلاسيكي ومديراً 1956كاتب بيوغرافيات فرنسي، وُلِد سنة )2( .1989لإحدى دور الن
عدد الصفحات ٤٦46 يوميّات طنجة غشت23 ذهبْت بالسيّارة، صحبة أشقار. احتسينا شراباً في المقهى الذي شُيِّد فوق الكهف رفيقة ممتعة، وأنا آسف لكونها ستغادر بعد حين. أخشى ألاّ يكون مقامها في طنجة قد مَرَّ في ظروف جيِّدة. كانت معتلَّة الصحّة، فانعزلت في غرفتها؛ لذا وجدت دون رفيق. غشت25 عندما عادت استأجرت منزلاً كبيراً يتألَّف من ثلاثة طوابق، في دار البارود، ويتوفَّر على إطلالة جميلة على الميناء. هناك، استقرّت المرأتان. يبدو أن أمَّها كانت معجبة بطنجة، لذا مرَّت الأمور بيس، إلى أن اعترفت تغاضت، بحرص، عن إخبار والدتها بأن منزل لكنها سوف لن تتمكَّن من الإقامة فيه) بأن المرابط لا يعتزم تسليمها منزل « ، رفضت أمّها السماح لها بالمبيت في الدار. يبدو أنها ظنّت أن )1(العطّار البشير هو محمَّد المرابط، فلامت ، في جهجوكة، بالقرب من القصر الكبير. عازف موسيقي، ورئيس فرقة 1964من مواليد سنة )1( موسيقيِّي جهجوكة
عدد الصفحات ٤٧47 يوميّات طنجة لرجل نَصَب عليها. شرعت خيريس في القيام بحملة في أوساط الأميركيين، لإثارة اهتمامهم إلى موسيقيِّي جهجوكة؛ وذلك بهدف مساعدة البشير للحصول على فيزا أميركية. لقد كتبت، في ذلك الشأن، رسالة توصية إلى القنصل، في الرباط. (سبتمبر/أيلول) شتنبر9 نجح مسعى نيويورك. فهل سيتزوَّجان هناك؟ والدة في المنزل الكبير. شتنبر10 من باريس، هذا الزوال، ومعه كتاب فنّي بالغ) 1(وصل »Cites de l’Islamالجمال (وإن كان ثقيل الوزن)، عنوانه »Citesلماذا عُنْوِن الكتاب بـ لقد زوَّد ؛ لذا لم )2(»The Hakima :a tragedy in Fezأضع مقدِّمة لكتابه يسعني سوى تلبية طلبه. يتعلَّق الأمر (في الكتاب) بتقابل بالغ الغرابة بين الصور والنصّ الذي يحكي- ولاشكّ- حكاية اغتيال فتاة، ما لم يكن ).2010 - 1945مصوِّر فوتوغرافي أميركي )1( ، وفيه مقدِّمة لـ1991صدر في نيويورك، سنة )2( ويوميّات، وأحاديث مسجَّلة بواسطة آلة تسجيل
عدد الصفحات ٤٨48 يوميّات طنجة الأمر انتحاراً أو مجرَّد حادثة. هناك جوّ غريب ومحيرِّ، يسي في الكتاب كلّه. الخلافات بين العائلة وأقرباء الفتاة تحكم بالفشل على كلّ محاولة »Aperturesلكشف السّ. سيصدر الكتاب عن النا ضمانة لجودة إخراجه. (تشرين الأول) أكتوبر7 »Quai Voltaireيحاول مسؤولو دار الن » Apostrophesإلى باريس للظهور في البرنامج التلفزي جاء )1(الآن، نجحت في الامتناع عن تلبية الدعوة، لكن من باريس، بالطائرة، محاولاً إقناعي بما يكتسيه ظهوري من أهمِّيّة ملحــوظة بالنسبة إ المشكل هو معرفة كيف سأذهب إلى هناك. لقد رفضت السفر بالطائرة (متى- إذن- استقللت الطائرة، في الأربعين سنة الأخيرة؟)، لكن بإمكاني »Sèteالسفر بالباخرة إلى غاية سيّارة يقودها سائق لنقلي إلى باريس. ثم: لماذا التلفزة، دائماً، خاصّة وأنهم لم يقترحوا علي أيّ تعويض مادّي؟ الكاتب أن يسمح لجمهوره برؤيته، بصرف النظر عن تأثير ذلك البرنامج على مبيعات كتبه. لم أعِده بشيء، وعاد هو إلى باريس، لكن ليس قبل أن يلتمس مني- مسبقاً- كتابة نصّ عن فصل شتاء، قضيته فولت . له عدة مؤلَّفات وروايات ونصوص رحلية، 1948كاتب وناشر صحافي فرنسي، من مواليد سنة )1( حول بعض المدن: قرطاج، وطنجة، والإسكندرية، وإسطنبول
عدد الصفحات ٤٩49 يوميّات طنجة أكتوبر10 تناولت الغداء مع لقد نصحني بالذهاب إلى باريس. أكتوبر17 قرَّرت أنه لن يكون أمراً سيِّئاً أن تكون لديَّ فيزا فرنسية، في جواز سفري، »Bousquetسواء أذهبت إلى باريس أم لم أذهب. اتَّصلت بالسيِّد رجل بالغ اللطف، فاقترح عليَّ مرافقتي إلى القنصلية الفرنسية ليتولىّ، بنفسه، منحي الفيزا، مباشرةً. (شباط) نوفمبر2 كتبت إ سيرسل لي بطاقة ذهاب وإياب. نوفمبر11 التفكير في هذا السفر، الذي أُكرِهت عليه، يستثير فيَّ كآبة بالغة، بحيث يصعب التفكير في أمر آخر. سأغادر يوم الخميس، ولديَّ نيّة راسخة في العودة إلى هنا، يوم السبت.
عدد الصفحات ٥٠50 يوميّات طنجة نوفم20 عدت أمس، مساءً. غمرتني غبطة حادّة وأنا أعبر الجمارك، في المطار. عبد الواحد كان بانتظاري، في الخارج، داخل سيارتي عبد الوهاب ببهو الوصول. السفر إلى باريس حطَّم أعصابي. كان عليَّ أن أقضي خمس ساعات في انتظار الطائرة القادمة من الدار البيضاء. وكلّما حاولت معرفة الخبر، كان الجواب هو أن الطائرة لم تغادر بعد مطار الدار البيضاء، وأنه يستحيل معرفة السبب. أمّا السفر، فكان دون مشاكل. كاد الوقت أن يكون ليلاً، عندما حطَّت الطائرة في مطار لقد ق حركة السيّارات، في باريس، بالغة الكثافة: مضربون أشعلوا نيران الفرح في وسط الشوارع، وتجمهرت الشرطة مثل النمل، في كلّ مكان، وشُلَّت حركة السير، أو كادت. أخيراً، نزلنا من السيّارة، بغاية المشي، بعد أن جاء من )1(طلبنا من السائق وضع حقائبي في الفندق « كان عشاء طيِّباً، طعمت فيه أوَّل شريحة لحم جيِّدة، منذ عشرين سنة وكان يوم الغد حافلاً. السيِّدة فاخرة للناشرين والنقَّاد. لقد راقني أن أُعامَل مثل نجم. كرَّستُ الظهيرة كلّها لأناس جاؤوا لطرح أسئلة عليَّ، والتقاط صور لي في الفندق. تناولنا، روندو وأنا، طعام العشاء، رأساً لرأس، وإثر ذلك، تَمَّ نقلنا إلى الأستوديو. كانت الحلقة أطول ممّا كنت أوقع، لكن الأمور مرَّت على نحو مُرضٍ. سنة في المغرب، قبل أن يرحل إلى إنجلترا. له 20أميركي، من أصدقاء )1( عدّة مؤلَّفات، من بينها
عدد الصفحات ٥١