55 ﴾ﭗ﴿معنى اللام في قوله تعالى: اللام هنا للاختصاص على الراجح من أقوال أهل العلم؛ لأنَّ الحمدَ معنىً أُسند الاختصاص يقع عل معنيين:إلى ذاتٍ؛ لكن مما تحسن معرفته أن ما يقتضي الحصر، كما تقول أحدهما: ما يقع على معنى الأولوية والأحقية، كما يقال: الفضل للمتقدّم، أي والآخر: هو أولى به وأحقّ. إذا تبينّ لك الفرق بين هذين المعنيين؛ فاعلم أنما يتواردان على المعنيين المذكورين للحمد آنفاً؛ فإذا أريد المعنى الأول للحمد؛ فالاختصاص يفيد معنى الأولوية والأحقية. وإذا أريد المعنى الثاني للحمد فالاختصاص يفيد معنى الحصر. الفرق بين الحمد وال الفرق بين الحمد والشكر أنّ الحمد أعمّ من وجه، والشكر أعمّ من وجه آخر. - فالحمد أعمّ؛ باعتبار أنه يكون على ما أحسن به المحمود، وعلى ما اتّصف به من صفات حسنة يحُمد عليها، والشكر أخصّ لأنه في مجازاة مقابل النعمة والإحسان. - والشكر أعمّ من الحمد باعتبار أنّ الحمد يكون بالقلب واللسان، والشكر . ﴾ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ﴿يكون بالقلب واللسان والعمل؛ كما قال الله تعالى: معنى (الرَّبّ) (الرَّبُّ) هو الجامع لجميع معاني الربوبية من الخلق والرزق والملك والتدبير والإصلاح والرعاية، فلفظ الربّ يطلق على هذه المعاني في لسان العرب إطلاقاً صحيحاً، وشواهد هذه المعاني مبثوثة في معاجم اللغة، ودلائل النصوص عليها ظاهرة بيّنة.
عدد الصفحات ٥٦56 اأنواع الربوبية ربوبية الله تعالى لخلقه عل نوعين: ربوبية عامة بالخلق والملك والإنعام والتدبير، وهذه عامة لكل النوع الأول: المخلوقات. ربوبية خاصة لأوليائه جل وعلا بالتربية الخاصة والهداية والنوع الثاني: والإصلاح والنصرة والتوفيق والتسديد والحفظ. والله تعالى هو الرب بهذه الاعتبارات كلها. معنى (العالمين): العالمون جمع عالمَ، وهو اسم جمعٍ لا واحد له من لفظه، يشمل أفراداً كثيرة يجمعها صِنْفٌ واحد. فالإنس عالمَ، والجنّ عالمَ، وكلّ صنف من الحيوانات عالمَ، وكلّ صنف من النباتات عالم، إلى غير ذلك مما لا يحصيه إلا الله تعالى من عوالم الأفلاك والملائكة والجبال والرياح والسحاب والمياه، وغيرها من العوالم الكثيرة والعجيبة. ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﴿ وقال تعالى: .﴾ﮃ ﮄ ﮅﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ (والعالم جمعٌ لا واحد له من لفظه، فكلُّ أمَّة من هذه الأمم عالمَ. قال ابن كثير: والعوالم أصناف المخلوقات في السّماوات والأرض في البرّ والبحر، وكلّ قرنٍ منها ا.هـ.وجيلٍ يسمّى عالمًا أيضًا)
عدد الصفحات ٥٧57 ﴾ﭘ ﭙ﴿معنى وربوبيّة الله تعالى للعالمين ربوبيّة عامّة على ما تقدّم بيانه من معاني الربوبية. الذي خلق العوالم كلَّها كبيرها وصغيرها ﴾ﭘ ﭙ ﴿- فهو تعالى على كثرتها وتنوعها وتعاقب أجيالها. وفي هذه العوالم أممٌ لا يحصيها إلا من خلقها، وفي كل مخلوق من هذه المخلوقات من ﴾ﭘ ﭙ﴿ دقائق وعجائب في تفاصيل خلقه تبهر العقول، أنشأها العدم على غير مثال سابق؛ فيستدل المتفكّر في شأنا بما تبينَّ له من تلك العجائب على حكمة خالقها جل وعلا وسعة علمه، وعظيم قدرته، فتبارك الله رب العالمين. - وهو ربُّ العالمين المالك لكلِّ تلك العوالم فلا يخرج شيء منها عن ملكه، وهو الذي يملك بقاءها وفناءها، وحركاتها وسكناتها، فيبقيها متى شاء، ويفنيها إذا شاء، ويعيدها إذا شاء. - وهو ربّ العالمين الذي دبَّر أمرها، وسيرّ نظامها، وقدّر أقدارها، وساق أرزاقها، وأعطى كلّ شيء خلقه ثمّ هدى. - وهو ربّ العالمين الذي له الملك المطلق والتصرّف التامّ، فما يقضيه فيها نافذ لا مردّ له، وما يريد به أحدا من خلقه من نفع أو ضرّ فلا حائل بينه وبينه، بل لا تملك جميع المخلوقات لنفسها نفعاً ولا ضراً إلا بإذنه جل وعلا. - وهو ربّ العالمين الذي لا غنى للعالمين عنه، ولا صلاح لشؤونم إلا به، كلّ نعمة ينعمون بها فإنما هي من فضله وعطائه، وكلّ سلامة من شرّ وضرٍّ فإنما هي بحفظه ورعايته وإذنه، فهم الفقراء إليه فقراً دائماً متّصلاً، وهو الغنّي الحميد. - وهو ربّ العالمين الذي دلّت ربوبيّته للعالمين على كثير من أسمائه الحسنى وصفاته العليا، فلا يرتاب الموفَّق في بديع خلقه، وعجائب حكمته، وسَعَة مُلْكه، وشدّة قوّته، وتمام غناه، وعظمة مجده، وإحاطته بكل شيء، وقدرته على كلّ شيء، إلى غير ذلك من الصفات التي يدلّ عليها التفكّر في خلق الله تعالى وربوبيّته للعالمين.
عدد الصفحات ٥٨58 المستحقّ لأن يعبدوه وحده لا شريك ﴾ﭘ ﭙ ﴿- وهو تعالى له، وأن لا يجعلوا معه إلهاً آخر، كما أنم لم يكن لهم ربٌّ سواه، ولهذا قال تعالى: ؛ فاحتجّ على توحيد العبادة باسم الربوبية. ﴾ﮞ ﮟ﴿ والمقصود أنّ تأمُّلَ معاني الربوبية والتفكر في آثارها في الخلق والأمر يورث اليقين بوجوب التوحيد، وأنَّ العالم لا صلاح له إلا بأن يكون ربه واحدا، كما قال وقال: ﴾ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ﴿تعالى: ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﴿ .﴾ﭫﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ اأقوال العلماء في المراد بالعالمين: اختلف المفسّون في المراد بالعالمين في هذه الآية عل قولين صحيحين: المراد جميع العالمَين، على ما تقدّم شرحه، وهو قول أبي العالية القول الأول: الرياحي، وقتادة، وقال به جمهور المفسرّين. المراد بالعالمين في هذه الآية: الإنس والجنّ، وهذا القول مشتهر والقول الثاني: عن ابن عباس رضي الله عنهما وأصحابه سعيد بن جبير، ومجاهد بن جبر، وعكرمة، وروي أيضاً عن ابن جريج. ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﴿وقد استُدلّ له بقول الله تعالى: والمراد بهم هنا المكلّفون من الإنس والجن. ﴾ﯜ ﯝ وهذا القول صحيح المعنى في نفسه، ولعلّ الصارف لهم إلى هذا المعنى اعتبار ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﴿الخطاب للمكلّفين الذين هم الإنس والجنّ، كما قال تعالى: ؛ فهم أولى من يراد بلفظ العالمين؛ لأنم المكلفون بالعبادة. ﴾ﭷ ﭸ ﭹ والقول الأوّل أعمّ، وهو قول جمهور المفسرّين.
عدد الصفحات ٥٩59 والاختلاف في بعض أوجه التفسير الصحيحة كالاختلاف في القراءات الصحيحة؛ فيجوز أن يستحضر القارئ أحد المعاني عند قراءته إذا لم يمكن الجمع بينها. هـ) رحمه الله في تفسير 1393قال شيخ مشايخنا محمد الأمين الشنقيطي(ت لم يبين هنا ما العالمون، وبين ذلك ﴾ﭘ ﭙ﴿ (قوله تعالى:سورة الفاتحة: ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﴿في موضع آخر بقوله: .)﴾ﭸ وهذا من أحسن ما يُستدلّ به على ترجيح القول الأول. ﴾:ﭛ ﭜ ﭝ﴿تف تقدّم بيان معنى الاسمين الجليلين، وتضمّنهما صفة الرحمة، وبيان التناسب بين الاسمين، والحكمة من اقترانما، وبيان أنواع الرحمة. بعد ذكرهما في الب﴾ﭛ ﭜ ﭝ﴿الحكمة من تكرار ذكر جواب هذه المسألة يتبينّ بتأمّل سياق الآيات في الموضعين ومقاصد تلك الآيات: البسملة، وغرضها الاستعانة بالله تعالى والتبرّك بذكر اسمه فالموضع الأول: واستصحابه على تلاوة القرآن وتدبّره وتفهّمه والاهتداء به؛ فيكون لذكر هذين الاسمين في هذا الموضع ما لا يخفى من المناسبة، وأن التوفيق لتحقيق هذه المقاصد إنما يكون برحمة الله تعالى، والتعبّد لله تعالى بذكر هذين الاسمين مما يفيض على قلب القارئ من الإيمان والتوكّل ما يعظم به رجاؤه لرحمة ربّه، وإعانته على تحقيق مقاصده من التلاوة. جاء فيه ﴾ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ﴿ والموضع الثاني: ذكر هذين الاسمين بعد ذكر حمد الله تعالى وربوبيّته العامّة للعالمين؛ فيكون لذكر
عدد الصفحات ٦٠60 الاسمين في هذا الموضع ما يناسب من معاني رحمة الله تعالى وسعتها لجميع العالمين، وأنَّ رحمته وسعت كلّ شيء، وأنه تعالى عظيم الرحمة كثير الرحمة فيكون ذكر هذين الاسمين من باب الثناء على الله تعالى تقدمة بين يدي مسألته التي سيسألها في هذه السورة. وإذا ظهر الفرق بين مقصد ذكر هذين الاسمين في البسملة، وبين ذكرهما بعد الحمد؛ ظهر للمتأمّل معنى جليل من حكمة ترتيب الآيات على هذا الترتيب البديع المحكَم. وقد أساء من حمََل على من يعدّ البسملة آية من الفاتحة؛ بأنه لو كانت الآية من الفاتحة لكان تكرار هذين الاسمين لغوا لا معنى له، وهذه زلَّة منكَرة، واختيار المرء قراءة من القراءات أو مذهباً من مذاهب العدّ لا يسوّغ له الطعن في غيره مما صحّ عند أهل ذلك العلم، بل تُعتقد صحّة الجميع، والاختيار فيه سعة ورحمة، ويدخله الاجتهاد. ﴾ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ﴿تف بيان مق ؛ كما صحَّ في الحديث القدسي مقصد هذه الآية تمجيد الله تعالى والتفويض إليه المتقدّم ذكره؛ فقد وردت فيه الروايتان في صحيح مسلم: بذكر ملكه ليوم الدين فتدلّ عليه لوازم هذا الوصف فأمَّىا تمجيد العبد لربّه العظيم ودلائله الباهرة؛ التي تدلّ على عظمة ملكه تعالى، وكثرة جُنده، وكمال قوّته، وقهره لعباده، وقدرته على بعثهم بعد موتهم، وسعة علمه فلا يعزب عنه شيء، وإحاطته بكلّ شيء، وإحصائه أعمال عباده، وسرعة حسابه ومجازاته إياهم، وعدله في جزائه، ورحمته وإحسانه لأوليائه، وعزَّته وشدّة انتقامه من أعدائه، وحكمته الباهرة في موافقة الجزاء للعمل، وقدرته على توفية كلّ عاملٍ جزاءه، إلى
عدد الصفحات ٦١61 غير ذلك من المعاني العظيمة، والصفات الجليلة الباهرة؛ التي هي من أظهر معا تمجيد الله تعالى. فيدّل عليه تلاشي كلّ ملك دون ملك الله تعالى، وأمَّىا التفويض إلى الله تعالى واضمحلال قدرة كلّ أحد على أن يملك لنفسه أو لأحد غيره شيئاً، فلم يبق إلا التفويض لله تعالى، وهذا المعنى كما دلَّ عليه لازم معنى الآية، ونصّ الحديث ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﴿القدسي، دلَّ عليه أيضاً قول الله تعالى في سورة الانفطار: . ﴾ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯﮰ ﮱ ﯓ ﯔﯕ فيوم الدين هو يوم التفويض التامّ إلى الله تعالى من الخلق كلّهم برّهم وفاجرهم . ﴾ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ﴿ والمؤمن إذا تلا هذه الآية معتقداً معانيها عالماً بمقاصدها هداه ذلك إلى تمجيد الله تعالى والتفويض إليه؛ فينفعه هذا التمجيد والتفويض يوم يلقى ربَّه في ذلك اليوم العظيم. القراءات في الاآية: في هذه الآية قراءتان سبعيتان متواترتان: بإثبات الألف بعد الميم، وهي قراءة عاصم ﴾ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ﴿ الأولى: والكسائي. بحذف الألف، وهي قراءة نافع وابن كثير ﴾ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ﴿ والثانية: وأبي عمرو بن العلاء وحمزة وابن عامر. بيان معنى القراءتين: أمَّا المَلِك فهو ذو المُلك، وهو كمال التصرّف والتدبير ونفوذ أمره على من تحت ملكه وسلطانه.
عدد الصفحات ٦٢62 تفيد الاختصاص؛ لأنه اليوم[ وإضافة المَلِك إلى يوم الدين الذي لا مَلِكَ فيه إلا الله؛ فكلّ ملوك الدنيا يذهب ملكهم وسلطانم، ويأتونه كما ﯭ ﯮ ﯯﯰ ﴿خلقهم أوَّل مرة مع سائر عباده عراة حفاة غرلاً؛ كما قال الله تعالى: .﴾ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶﯷ ﯸ ﯹ ﯺﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ وأمَّا المالك فهو الذي يملِكُ كلَّ شيء يوم الدين، فيظهر في ذلك اليوم عظمة ما يَـمْلِكه جلَّ وعلا، ويتفرّد بالمِلك التامّ فلا يملِك أحدٌ دونه شيئاً إذ يأتيه الخلق كلّهم فرداً فرداً لا يملكون شيئاً، ولا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً، ولا يملك . ﴾ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ﴿بعضهم لبعضٍ شيئاً فالمعنى الأولّ صفة كمال فيه ما يقتضي تمجيد الله تعالى وتعظيمه والتفويض إليه، والمعنى الثاني صفة كمال أيضاً وفيه تمجيد لله تعالى وتعظيم له وتفويض إليه من أوجه أخرى، والجمع بين المعنيين فيه كمال آخر وهو اجتماع المُلك والمِلك في حقّ الله تعالى على أتمّ الوجوه وأحسنها وأكملها؛ فإذا كان من الناس من هو مَلِكٌ لا يملِك، ومنهم من هو مالكٌ لا يملُك، فالله تعالى هو المالك الملِك، ويوم القيامة يضمحلّ كلّ مُلك دون ملكه، ولا يبقى مِلكٌ غير مِلكه. ﴾ﭟ ﭠ ﭡ﴿المراد بـ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﴿ هذه الآية يفسرّها قول الله تعالى: . ﴾ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ فالمراد بيوم الدين هنا هو يوم القيامة، من غير خلاف بين المفسرّين، وسمّي يوم الدين لأنه يومٌ يُدان الناس فيه بأعمالهم، أي يجازون ويحاسبون، كما قال الله تعالى: أي جزاءهم الذي يستحقونه.﴾ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ﴿ أي الجزاء كائن لا بدّ منه. ﴾ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ﴿وقال تعالى:
عدد الصفحات ٦٣63 قال ﴾ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ﴿ قال قتادة في قوله تعالى: بأعمالهم ﴾:ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ﴿معنى الاإ الإضافة في مالك يوم الدين لها معنيان: إضافة على معنى (في) أي هو المالك في يوم الدين؛ ففي يوم الدين المعنى الأول: لا يملك أحد دونه شيئاً. إضافة على معنى اللام، أي هو المالك ليوم الدين.والمعنى الثاني: . : أنه يملك مجيئه ووقوعه)﴾ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ﴿ (إن معنىقال ابن السراج: ذكره أبو حيان. وكلا الإضافتين تقتضيان الحصر، وكلاهما حقّ، والكمال الجمع بينهما.
عدد الصفحات ٦٤65 ﭢ﴿الباب الخام ﴾ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ مق• فيما تقدم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلّم: قال ﴾ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ﴿ « .وبين عبدي، ولعبدي ما سأل فهذه الآية قسمها الله تعالى بينه وبين عبده: حقّه جلّ وعلا، وهو إفراده بالعبادة. فَقِسْمُها الأوَّىل: سؤال العبد الإعانةَ من الله وحده دون ما سواه. وَقِسْمُها الآخر: فمن قام بحقّ الله تعالى في القسم الأول أعطاه الله ما سأله في القسم الآخر. وقد اشتملت هذه الآية عل: التبرؤ من كلّ معبود يُعبد من دون الله تعالى؛ ففيها معنى . 1 والتبرؤ من الاستعانة بغيره جلّ وعلا؛ وذلك مستلزم للإيمان بقدرته تعا .2 على الإعانة؛ ففيها معنى - فإخلاص العبادة يستلزم الكفر بكلّ ما يُعبد من دون الله تعالى، وأن يكون القلب سليماً لله تعالى ليس فيه تعلّق بغيره. - وإخلاص الاستعانة يستلزم التوكّل على الله تعالى، وتفويض الأمور إليه، ورجاء عونه وتوفيقه.
عدد الصفحات ٦٦66 (الدّين يرجع كلّه إلى هذين المعنيين، وهذا كما قال بعض قال ابن كثير رحمه الله: ﴾ﭢ ﭣ ﭤ ﭥﭦ ﴿ السّلف: الفاتحة سرّ القرآن، وسرّها هذه الكلمة: فالأوّل تبرّؤٌ من الشرّك، والثّاني تبرّؤٌ من الحول والقوة، والتفويض إلى اللهّ عزّ ﮘ ﮙ ﮚﮛ ﴿وجلّ. وهذا المعنى في غير آيةٍ من القرآن، كما قال تعالى: ﮃ ﮄ ﴿ ،﴾ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ﴿، ﴾ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﭢ ﭣ ﴿ ، وكذلك هذه الآية الكريمة: ﴾ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ا.هـ.)﴾ﭤ ﭥ ﭦ (كثيراً ما سمعت شيخ الإسلام -قدس الله روحه- وقال ابن القيّم رحمه الله: ا.هـ.تدفع الكبرياء) ﴾ﭤ ﭥ﴿تدفع الرياء، ﴾ﭢ ﭣ﴿يقول: ﴾:ﭢ ﭣ ﴿معنى قوله تعالى: • أي نُخلِص لك العبادة؛ فنطيع أوامرك محبّة وخوفاً ورجاء خاضعين مستكينين لك وحدك لا شريك لك. التَّذلُّلُ والخُضوعُ والانقيادُ مع شدَّةِ المحبَّةِ والتعظيمِ. والعِبادةُ هي: بيان معنى العبادة في اللغة • (العبودية عندَ جميع العرب أصلُها الذلّة، وأنا تسمي قال ابن جرير رحمه الله: ).الطريقَ المذلَّلَ الذي قد وَطِئته الأقدام، وذلّلته السابلة (معبَّدًا) (ومعنى العبادة في اللغة: الطاعة مع الخضوع، وقال أبو منصور الأزهري: ا.هـ.ويقال طريقٌ مُعَبَّدٌ إذا كان مذلَّلا بكثرة الوطء) فهذا تعريف لها باعتبار أصل معناها اللغوي الملازم لها، واعتبار هذا المعنى مهم.
عدد الصفحات ٦٧67 بيان معنى العبادة • والعبادة في الشرع لها تعريفات متعددة ذكرها أهل العلم، وقد سلكوا مسالك في تعريفها، ومن أحسنها تعريف شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في رسالة (العبادة هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه ؛ إذ قال رحمه الله تعالى: »العبودية« ا.هـمن الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة) هذا قَيدٌ يخُرِج الأشخاصَ والأمكنةَ والأزمنةَ (من الأعمال والأقوال) قوله: التي يحبها الله فلا توصف بأنا عبادة، لأن العبادة تتعلق بما يُتعبَّد به. وتعريف شيخ الإسلام للعبادة حسن بديع، وهو وصف جامع مانع للعبادات الشرعية، وأما العبادات الشركية والبدعية فلا يشملها هذا التعريف لأن الله تعالى لا يحبها ولا يرضاها ولا يقبلها، وإن كانت داخلةً في اسم العبادة لغة؛ لأن كلَّ ما ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﴿يُتقرَّب به إلى المعبود فهو عبادة؛ كما قال الله تعالى: ﮭ ﮮ ﮯ ﴿؛ فسمَّى ما يفعلونه عبادة، وقال تعالى: ﴾ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ «وقال النبي صلى الله عليه وسلم ﴾ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ رواه مسلم.عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد فالعبادات الشركية والبدعية وإن كان يشملها اسم العبادة لغة وحقيقة من جهة كونا صادرة عن تذلل وخضوع للمعبود، لكنها عبادات باطلة عند الله؛ فمن عبد اللهَ عبادةً غير خالصة له فهي مردودة عليه، وكذلك من عبد الله بعبادة لم يأذن الله بها فهي مردودة عليه. فتعريف شيخ الإسلام للعبادة تعريف بالحدّ الرسميّ لغرض بيان ما يشمله اسم العبادة الشرعية، وتعريف ابن جرير وأبي منصور للعبادة تعريف بالحد الحقيقي لغرض بيان ماهية العبادة وحقيقتها؛ فهي لا تكون إلا بتذلل وخضوع. المحبة، ويصحب هذه الذلة في العبادات الشرعية التي أمر الله بها ثلاثة أمور: فلا تُسمّى العبادة عبادة إلا بالجمع بين هذه الأمور. والانقياد، والتعظيم؛
عدد الصفحات ٦٨68 والعبادةُ تكونُ بالقلبِ واللسانِ والجوارحِ، وقد أمَرَ اللهُ تعالى بإخلاصِ العبادةِ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﴿له وَحْدَه لا شرَيكَ له؛ قال اللهُ تعالى: .﴾ﯚﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ .﴾ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ﴿ وقال تعالى: ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﴿ وقال تعالى: .﴾ﮤﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﴾:ﭢ﴿فوائد تقديم المفعول • فيه ثلاث فوائد جليلة: ﴾ﭣ﴿ عل الفعل﴾ﭢ﴿ تقديم المفعول إفادة الحصر؛ وهوَ إثباتُ الحكمِ للمذكورِ ونفيهُ عما عداهُ؛ فكأنَّهُ يقولُ: إحداها: نعبدكَ، ولا نعبدُ غَيركَ، أو قول: (لا نعبد إلا إيَّاك)؛ مع اختصار اللفظ وعذوبته. ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﴿ومما يوضّح هذا المعنى قول الله تعالى: ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ .﴾ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ظاهر في أنّ هذا التركيب يفيد الحصر، أي: تدعونه وحده ولا ﴾ﮯ ﮰ ﮱ﴿ تدعون غيره مما كنتم تشركون بهم. تقديم ذكر المعبود جلَّ جلاله. والثانية: إفادة الحرص على التقرّب؛ فهو أبلغ من (لا نعبد إلا إياك). والثالثة: :﴾ﭤ ﭥ ﴿معنى قوله تعالى: • أي نستعينك وحدك لا شريك لك على إخلاص العبادة لك؛ فإنا لا نقدر على ذلك إلا بأن تعيننا عليه، ونستعينك وحدَك على جميع أمورنا؛ فإنّك إن لم تعنّا لم نقدر على جلبِ النفعِ لأنفسنا ولا دفع الضرّ عنها.
عدد الصفحات ٦٩69 فائدة حذف متعلَّق ا • ما يُستعان الله تعالى عليه، فههنا استعانة ومستعان به المراد بمتعلَّىق الاستعانة ومستعان عليه؛ فالاستعانة فعل العبد، والمستعان به هو الله، والمستعان عليه لم يُذكر وحاصل ما قالوه في هذه الآية ولذلك تكلم العلماء في بيان متعلَّق الاستعانة هنا، يرجع إلى معنيين: نستعينك على عبادتك؛ لتقدّم ذكرها. أحدهما: نستعينك على قضاء حوائجنا، وجميع شؤوننا؛ فلا غنى لنا عن والمعنى الآخر: عونك وإمدادك. والصواب الجمع بين المعنيين؛ إذ كلاهما حقّ، فالأوَّل طلب الإعانة على أداء حقّ الخالق جلّ وعلا، والآخر طلب الإعانة على ما يحتاجه المخلوق. وقد روى الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما ما يفيد الجمع بين المعنيين؛ . أخرجه عل طاعتك وعل أمورنا كلّها ﴾ﭤ ﭥ﴿«فقال في قوله تعا ابن جرير وابن أبي حاتم. وحذف متعلّق الاستعانة هنا يفيد عمومَ ما يُستعان بالله عليه؛ ليشملَ كلَّ ما يحتاج العبد فيه إلى عون ربّه لجلب نفع أو دفع ضرّ في دينه ودنياه أو دوام نعمة قائمة، أو دوام حفظ من شرّ، فكلّ ذلك مما لا يناله العبد إلا بعون ربّه جلّ وعلا. بيان معنى ا • الاستعانة هي طلب العون؛ والاعتماد على المستعان به في جلب المنافع ودفع المضارّ. والاستعانة أوسع معاني الطلب، وإذا أطلقت دلَّت على معنى الاستعاذة والاستغاثة؛ لأنَّ حقيقة الاستعاذة: طلب الإعانة على دفع مكروه، وحقيقة: الاستغاثة: طلب الإعانة على تفريج كربة.
عدد الصفحات ٧٠70 فالاستعانة بمعناها العام تشمل الدعاء والتوكل والاستعاذة والاستغاثة والاستهداء والاستنصار والاستكفاء وغيرها؛ لأن كل ما يقوم به العبد من قول أو عمل يرجو به تحصيلَ منفعة أو دفع مفسدة فهو استعانة. وحاجة العبد إلى الاستعانة بالله تعالى لا تعدلها حاجة، بل هو مفتقر إليه في جميع حالاته؛ فهو محتاج في كل أحواله إلى الهداية والإعانة عليها، ومحتاج إلى تثبيت قلبه على الحق، ومغفرة ذنبه وستر عيبه وحفظه من الشرور والآفات وقيام مصالحه. والعبدُ حارثٌ همَّامٌ يجد في قلبه كلَّ وقت مطلوباً من المطلوبات يحتاج إلى الإعانة على تحقيقه، والله تعالى هو المستعان الذي بيده تحقيق النفع ودفع الضر، فلا يأتي بالحسنات إلا هو، ولا يدفع السيئات إلا هو سبحانه. فلا يحصل لعبدٍ من عباد الله نفعٌ في أمر من أمور دينه ودنياه إلا بالله جل وعلا، فهو المستعان وحده على كل ذلك. وكل سبب من الأسباب التي يبذلها العبد لتحقيق النفع أو دفع الضر لا يستقل بالمطلوب، فلا يوجد سبب مستقل بالمطلوب، بل لا بد أن يكون معه سبب مساعد ولا بد معه أيضاً من انتفاء المانع، ولا يكون كلُّ ذلك إلا بإذن الله جل وعلا. فمن أبصر هذا حقيقةً أسلمَ قلبَه لله جل وعلا، وعَلِمَ أنه لا يكون إلا ما يشاء الله، وأن ما يطلبه من خير الدنيا والآخرة لا يناله إلا بإذن الله وهدايته ومشيئته، وأن لنيل ذلك أسباباً هدى الله إليها وبيَّنها. ومن كان على يقين بهذه الحقيقة قامَت في قلبه أنواعٌ من العبودية لله جل وعلا من المحبة والرجاء والخوف والرغب والرهب والتوكل وإسلام القلب له جل وعلا والثقة به وإحسان الظن به. ويجعل الله في قلب المؤمن بسبب هذه العبادات العظيمة من السكينة والطمأنينة والبصيرة ما تطيب به حياته وتندفع به عنه شرور كثيرة وآفات مستطيرة.
عدد الصفحات ٧١71 تحقيق ا • تحقيق الاستعانة يكون بأمرين: التجاء القلب إلى الله تعالى بصدق طلب العون منه، وتفويض الأمر - أحدهما: إليه، والإيمان بأن النفع والضر بيده جل وعلا، لا يخفى عليه شيء، ولا يعجزه شيء. اتّباع هدى الله تعالى ببذل الأسباب التي أرشد إليها وبينها، فيبذل في - والآخر: كل مطلوب ما أذن الله تعالى به من الأسباب. « وقد جمع النبي صلى الله عليه وسلم هذين الأمرين بقوله . رواه مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.ينفعك واستعن بالله ولا تعجز في أمور دينك ودنياك.« أي: اطلب عونه لتحقيق ما ينفعك « لأنَّ العجز هو: ترك بذل السبب مع إمكانه « فتبينَّ بذلك أنَّ من يترك بذلَ السببِ الممكنِ غير محقّقٍ للاستعانة ومن حقّق الاستعانة أعانه الله، والله لا يخلف وعده. اأق• الاستعانة عل قسمين: استعانة العبادة، وهي الاستعانة التي يصاحبها معانٍ تعبدية تقوم القسم الأول: في قلب المستعين من المحبة والخوف والرجاء والرغب والرهب فهذه عبادة لا يجوز صرفها لغير الله عز وجل، ومن صرفها لغيره فهو مشرك كافر، وهي الاستعانة التي أوجب الله تعالى إخلاصها له جلَّ وعلا، كما قال الله تعالى فيما علّمه عباده المؤمنين: ؛ وتقديم المعمول يفيد الحصر، فيستعان بالله ﴾ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ﴿
عدد الصفحات ٧٢