المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

مختصر تفسير الفاتحة

عبد العزيز بن داخل المطيري

صفحة ٥ من ٨

72 جل وعلا وحده، ولا يستعان بغيره، وقال النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس رواه الترمذي وقال: حسن صحيح. « والاستعانة ملازمة للعبادة فكل عابد مستعين؛ فإنه لم يعبد إلهه إلا ليستعين به على تحقيق النفع ودفع الضر. استعانة التسبب، وهو بذل السبب رجاء نفعه في تحصيل المطلوب القسم الثاني: مع اعتقاد أن النفع والضر بيد الله جل وعلا، وأن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن. فهذه الاستعانة ليست بعبادة لخلوّها من المعاني التعبّدية، وهي كما يستعين الكاتب بالقلم على الكتابة؛ وكما يستعين على معرفة الحق بسؤال أهل العلم. استعانة التسبب حكمها بحسب حكم السبب وحكم الغرض فإذا كان الغرض مشروعاً والسبب مشروعاً كانت الاستعانة مشروعة، وإذا كان الغرض محرماً أو كان السبب محرماً لم تجز تلك الاستعانة، فإن تعلق القلب بالسبب كان ذلك شركاً أصغر من شرك الأسباب. وقول ﴾ﮰ ﮱ ﯓ ﴿إذا تبينَّ ذلك فاعلم أنَّ قول الله تعالى: «النبي صلى الله عليه وسلم لعمر بن الخطاب لمّا أعطاه عطيَّة رواه ابن خزيمة.ودينك وحديث قابوس بن المخارق عن أبيه، قال: أتى النبيَّ صلى الله عليه وسلم رجلٌ .«فقال: يا رسول الله، الرجل يأتيني يريد مالي، قال قال: فإن لم يذكر الله؟ .«قال قال: فإن لم يكن حولي أحد؟ .«قال قال: فإن نأى عني السلطان؟

عدد الصفحات ٧٣

73 «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم رواه ابن أبي شيبة والنسائي.الآخرة أو تمنع مالك فهذه النصوص وما في معناها المراد بالاستعانة فيها استعانة التسبّب، وأمَّا استعانة العبادة فلا يجوز أن تصرف لغير الله تعالى. اأق• الناس في العبادة والاستعانة عل أقسام: ﭢ ﴿ فأفضلهم الذين أخلصوا العبادة والاستعانة لله تعالى؛ فكانوا من أهل - ، وهم على درجات لا يحصيهم إلا من خلقهم؛ لأن ﴾ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ المسلمين يتفاضلون في إخلاص العبادة وفي الاستعانة تفاضلاَ كبيراً؛ ومن أحسن في هذين العملين فهو سابق بالخيرات بإذن ربه. وقد يقع لدى بعض المسلمين تفريط وتقصير في إخلاص العبادة والاستعانة؛ - فيحصل لهم بسبب ذلك آفات وعقوبات. فالتقصير في إخلاص العبادة تحصل بسببه آفات عظيمة تحبط العمل أو تنقص ثوابه كالرياء والتسميع وابتغاء الدنيا بعمل الآخرة، وأخف من هؤلاء من يؤدي هذه العبادات لله لكن لا يؤديها كما يجب؛ فيسيء فيها ويخلّ بواجباتها لضعف إخلاصه وضعف إيمانه. والتقصير في الاستعانة تحصل بسببه آفات عظيمة من الضعف والعجز والوهن فإن أصابه ما يحِبُّ فقد يحصل منه عجب واغترار بما يملك من الأسباب، وإن أصابه ما يكره فقد يصاب بالجزع وضعف الصبر. وكلا التفريطين لا يحصل لصاحبهما طمأنينة قلب ولا سكينة نفس ولا تطيب حياته حتى يحقق هذين العملين الجليلين.

عدد الصفحات ٧٤

74 وبهذا يعلم المؤمن أنَّ كماله وسعادته ورفعة درجاته بحسب إحسانه في عبادة ربّه واستعانته به. اأنواع ا • الاستعانة بالله تعالى عل أنواع: - فأفضلها وأحبها إلى الله تعالى: الاستعانة بالله على طاعة الله، وكلما كان المؤمن أشد حباً لله ورجاء في فضله وخوفاً من سخطه وعقابه كان على هذا الأمر أحرص، وعرف أن حاجته إليه أشد. لكن من الناس من يغلب عليه الاستعانة بالله لتحقيق المطالب الدنيوية حتى تشغله عن المطالب الأخروية؛ فإن تحقق له ما يطلب من أمور الدنيا فرح به وضعفت رغبته في الاستعانة بالله تعالى على طاعة الله، وإن حُرمه ابتلاء واختباراً جزع وسخط؛ فهذا النوع في قلوبهم عبودية للدنيا، وقد تُعجَّل لهم مطالبهم فتنة لهم ثم تكون عاقبتهم سيئة. ﭑ ﭒ ﭓ ﴿وسبب ذلك أنم شابهوا الكفار فيما ذمهم الله به؛ فقال تعالى: ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ .﴾ﮁ ﮂ ﮃ ﮄﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ وهم وإن لم تبلغ بهم إرادتهم للدنيا مبلغاً يرتكبون به ما يخرجهم من دائرة الإسلام من ترك الصلاة أو ارتكاب أي ناقض آخر من نواقض الإسلام إلا أنَّم لمّا بلغ حبّهم للدنيا ما جعلهم يتركون بعض الواجبات ويرتكبون بعض المحرمات عمداً كان ذلك دليلاً على ضعف إخلاصهم العبادة لله تعالى؛ وكان في قلوبهم عبودية صغرى للدنيا يستحقّون بها من العذاب وضنك المعيشة ما يناسب جرمهم وتفريطهم.

عدد الصفحات ٧٥

75 وقد علموا أنَّ أصل بلاء الكفار إيثارهم الحياة الدنيا على الآخرة كما قال تعا .﴾ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ﴿ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﴿ وقال: .﴾ﮇ ﮈ ﮉ .﴾ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ﴿وقال: فمن شابههم في بعض أعمالهم التي ذمّهم الله عليها استحقّ من العذاب بقدر مشابهته لهم. ﴾:ﭤ ﭥ ﴿ على﴾ﭢ ﭣ﴿الحكمة من تقديم • تقرر أنَّ الله تعالى حكيم عليم، وأن الله قد أحكم كتابه غاية الإحكام، وأن القرآن قد بلغ الذروة العليا في الفصاحة وحسن البيان، فلذلك قد يجتمع في المسألة الواحدة من المسائل البيانية حِكَمٌ متعدّدة ويتفاوت العلماء في إدراكها وحسن البيان عنها، وقد تعددت أقوال العلماء في الجواب على هذه المسألة حتى بلغت نحو عشرة أقوال. والقاعدة في مثل هذه المسائل أن يُقبل ما يحتمله السياق وترتيب الكلام ومقاصد الآيات وغرها من الدلالات الصحيحة بشرطين: أن يكون القول في نفسه صحيحاً.أحدهما: أن يكون لنظم الآية دلالة معتبرة عليه.والثاني: ومن أمعن النظر في هذه الأمور وكانت له معرفة حسنة بعلم البيان تبيّنت له حِكَمٌ متعدّدة في غالب الأمر، بل ربّما ظهر له من الدلائل ما غفل عن ذكره كثيرون، كما فعل ابن القيّم رحمه الله تعالى في كتابه هذا السؤال؛ فقد أحسن بيان جملة من الحكم والأسرار البديعة التي لا تكاد تجدها

عدد الصفحات ٧٦

76 في كتب التفسير بمثل تنبيهه وبيانه، وقد استفاد أصلها من شيخه ابن تيمية لكنَّه بنى على هذا الأصل من التفصيل والتفريع ما أجاد فيه وأفاد. (تقديم العبادة على الاستعانة في الفاتحة من باب تقديم الغايات فقال رحمه الله: على الوسائل إذ العبادة غاية العباد التي خُلقوا لها، والاستعانة وسيلة إليها. ﴾ ﭤ ﭥ ﴿متعلق بألوهيته واسمه ﴾ﭢ ﭣ ﴿- ولأن كما ﴾ﭤ ﭥ﴿ على ﴾ﭢ ﭣ﴿متعلق بربوبيته واسمه قدم اسم قِسْم﴾ﭢ ﭣ﴿- ولأن قِسْم العبد؛ فكان من الشطر الذي ﴾ﭤ ﭥ﴿الله تعالى، لكونه أولى به، »﴾ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ﴿له، وهو - ولأن عبودية تامة مستعين به ولا ينعكس، لأن صاحب الأغراض والشهوات قد يستعين به على شهواته، فكانت العبادة أكمل وأتم، ولهذا كانت قسم الرب. - ولأن - ولأن - ولأن غير مخلص. - ولأن « لصدقته - ولأن وتوفيقه لك، فإذا التزمت عبوديته، ودخلت تحت رقها أعانك عليها، فكان التزامها

عدد الصفحات ٧٧

77 والدخول تحت رقها سببا لنيل الإعانة، وكلما كان العبد أتم عبودية كانت الإعانة من الله له أعظم، والعبودية محفوفة بإعانتين: إعانة قبلها على التزامها والقيام بها، وإعانة بعدها على عبودية أخرى، وهكذا أبدا، حتى يقضي العبد نحبه. به، وما له مقدم على ما به، لأن ﴾ﭤ ﭥ﴿ له، ﴾ﭢ ﭣ﴿- ولأن ما له متعلق بمحبته ورضاه، وما به متعلق بمشيئته، وما تعلق بمحبته أكمل مما تعلق بمجرد مشيئته، فإن الكون كله متعلق بمشيئته، والملائكة والشياطين والمؤمنون والكفار، والطاعات والمعاصي، والمتعلق بمحبته: طاعتهم وإيمانم، فالكفار أهل مشيئته، والمؤمنون أهل محبته، ولهذا لا يستقر في النار شيء لله أبدا، وكل ما فيها فإنه به تعالى وبمشيئته. )﴾ﭤ ﭥ﴿ على ﴾ﭢ ﭣ﴿فهذه الأسرار يتبين بها حكمة تقديم ا.هـ. ﭤ ﴿(وإتيانه بقوله: وذكر الشيخ محمد الأمين الشنقيطي وجهاً حسناً فقال: فيه إشارة إلى أنه لا ينبغي أن يتوكل إلا على ﴾ﭢ ﭣ﴿بعد قوله: ﴾ﭥ من يستحق العبادة؛ لأن غيره ليس بيده الأمر، وهذا المعنى المشار إليه هنا جاء مبيناً .)﴾ﮘ ﮙ ﮚ﴿واضحاً في آيات أخر كقوله: ﴾ﭢ ﭣ ﴿معنى النون في قوله تعالى:• الإتيان بنون الجمع هنا مع أنّ القارئ قد يكون فرداً ويدعو بهذه الصيغة التي تدلّ على الجمع فيه فوائد بلاغية ذكرها جماعة من أهل العلم، وخلاصتها أن هذه الصيغة تتضمن إقرار القارئ بأنه عبد من جمُلة العباد الذين يعبدون الله وحده ويستعينون به ولا يشركون به. ﭤ ﴿ خبرية، وفي ﴾ﭢ ﭣ ﴿ويضاف إلى ما ذكرون بيانُ أنَّ الجملة في خبرية متضمّنة معنى الطلب. ﴾ﭥ

عدد الصفحات ٧٨

78 - فالإتيان بضمير الجمع في مقام الإخبار أبلغ في التعظيم والتمجيد، من (إيَّاك أعبد). - والإتيان بضمير الجمع في مقام الطلب أبلغ في التوسّل، فأضاف إلى التوسّل بالتوحيد التوسّل بكرمه تعالى في إعانة إخوانه المؤمنين؛ كأنّ المعنى (أعنّي كما أعنتهم) فهي في معنى (اهدني فيمن هديت). ﴾:ﭥ﴾ و﴿ﭣ﴿فائدة الاإتيان بالفعل ا • الإتيان بالفعل المضارع هنا لإفادة التجدّد والتكرار، فالعبادة والاستعانة من الأعمال التي تتجدد وتتكرر. فائدة تحول الكلام من الغيبة اإلى الخطاب: • وهذا ما يُسمّى بالالتفات في علم البلاغة، وله فوائد في تنويع الخطاب، والبيان عن التنقّل بين مقامات الكلام، والتنبيه على نوع جديد من الخطاب يستدعي التفكّر في مناسبته، واسترعاء الانتباه لمقصده. قال ابن كثير رحمه الله: (وتحوّل الكلام من الغيبة إلى المواجهة بكاف الخطاب له مناسبةٌ، لأنّه لمّا أثنى على اللهّ فكأنّه اقترب وحضر بين يدي اللهّ تعالى؛ فلهذا قال: وفي هذا دليلٌ على أنّ أوّل السّورة خبرٌ من اللهّ ﴾ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ﴿ تعالى بالثّناء على نفسه الكريمة بجميل صفاته الحسنى، وإرشادٌ لعباده بأن يثنوا عليه بذلك)ا.هـ.

عدد الصفحات ٧٩

79 في الاآية مرت﴾ ﭢ﴿فائدة تكرر • في الآية مرتين:﴾ﭢ﴿اجتهد العلماء في التماس الحكمة من تكرّر بحسب اختلاف الفعلين، فاحتاج كل ﴾ﭢ﴿ (وتكررت- فقال ابن عطية: ا.هـ.واحد منهما إلى تأكيد واهتمام) مرة أخرى دلالة على تعلق هذه الأمور ﴾ﭢ﴿(وفي إعادة - وقال ابن القيم: بكل واحد من الفعلين، ففي إعادة الضمير من قوة الاقتضاء لذلك ما ليس في حذفه، فإذا قلت لملك مثلا: إياك أحب، وإياك أخاف، كان فيه من اختصاص ا.هـ.الحب والخوف بذاته والاهتمام بذكره، ما ليس في قولك: إياك أحب وأخاف) .(وكرّر للاهتمام والحصر) - وقال ابن كثير:

عدد الصفحات ٨٠

81 ﭧ ﭨ ﴿الباب ال ﴾ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﴾ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ﴿تف مق هذه الآية دعاء ومسألة لله تعالى، وهي مقصود العبد بعدما تقدّم من الحمد والثناء والتمجيد لله تعالى، والتوسّل إليه بإخلاص العبادة والاستعانة له، وما يتضمّن هذا الإخلاص من البراءة من الشرك وما يقدح في إخلاص العبادة لله تعالى، والبراءة من الحول والقوّة إلا به تعالى. كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﴿«عن ربّه تبارك وتعا .قال: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل ﴾ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ وهذا الدعاء الذي اصطفاه الله تعالى لهذه الأمّة ورضيه لها، وفرضه عليها؛ أعظم الدعاء وأنفعه، وأحبّه إلى الله، وقد وعدها الإجابة عليه؛ فمن أحسن الإتيان بما دلَّ عليه أوّل هذه السورة كان أسعد بإعطاء مسألته، وإجابة دعوته في آخرها. (أنفع الدعاء، وأعظمه وأحكمه دعاء قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﴿الفاتحة: ؛ فإنه إذا هداه هذا الصراط أعانه على طاعته وترك ﴾ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ معصيته، فلم يصبه شر، لا في الدنيا ولا في الآخرة، لكن الذنوب هي من لوازم نفس الإنسان، وهو محتاج إلى الهدى في كل لحظة، وهو إلى الهدى أحوج منه إلى ا.هـ.الأكل والشرب)

عدد الصفحات ٨٢

82 (والذين هداهم الله من هذه الأمة حتى صاروا من أولياء الله المتقوقال أيضا: كان من أعظم أسباب ذلك دعاؤهم الله بهذا الدعاء في كل صلاة، مع علمهم بحاجتهم وفاقتهم إلى الله دائما في أن يهديهم الصراط المستقيم؛ فبدوام هذا الدعاء ا.هـ.والافتقار صاروا من أولياء الله المتقين) وإذا حصلت الهداية حصل ما يترتب عليها من النصر والرزق والتوفيق وأنواع الفضائل والبركات، وما تطلبه النفس من أحوال السعادة، ومن العاقبة الحسنة في الدنيا والآخرة. بيان مراتب الهداية: الهداية عل مرتبتين: العلم بالحقّ، ثمرتها:هداية الدلالة والإرشاد، وهي هداية علمية، المرتبة الأولى: والبصيرة في الدين. إرادة الحقّ ثمرتها:هداية التوفيق والإلهام، وهي هداية عملية، والمرتبة الثانية: والعمل به. ولا تتحقّق الهداية إلا بالجمع بين المعنيين؛ وهو مقتضى الجمع بين العلم والعمل. ولذلك فإن من لم يعرف الحقّ لا يهتدي إليه، ومن عرفه لكن لم تكن في قلبه إرادة صحيحة له فهو غير مهتدٍ. ويطلق لفظ ﭩ ﴿وقوله تعالى: ﴾ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ﴿ في قوله تعالى: .﴾ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ﴿. وقوله: ﴾ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﴿ويأتي تارة مراداً به المعنى الثاني كما في قوله تعالى: أي بعملهم الصالح ﴾ﯱ ﯲ﴿وقوله تعالى: ﴾ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ وسيرتهم الحسنة.

عدد الصفحات ٨٣

83 ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﴿ويأتي تارة بما يحتملهما كما في هذا الموضع، وقوله تعالى: .﴾ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﰐ ﰑ ﰒ ﰓ ﰔ ﰕ ﴿ويطلق لفظ الهدى على معانٍ أخر كما في قوله تعالى: المراد به الإلهام الفطري لكلّ الكائنات بما تقوم به مصالحها، وهذا من ﴾ﰖ ﰗ دلائل ربوبيّته تعالى. درجات المهتدين: والمهتدون عل ثلاث درجات: الذين تحقق لهم أصل الهداية، وهم الذين هداهم الله لأصل الدرجة الأولى: الإسلام اعتقاداً وقولاً وعملاً، فأدّوا ما صحّ به إسلامهم، واجتنبوا نواقض الإسلام، مع اقترافهم لبعض الكبائر وتفريطهم في بعض الواجبات؛ فأصحاب هذه الدرجة مسلمون، لهم نصيب من الهداية بحسب ما معهم من الإيمان علماً وعملاً، لكنَّهم ظالمون لأنفسهم بسبب ما ارتكبوا من المعاصي. وهؤلاء وإن كانوا موعودين بدخول الجنّة إلا أنّم مستحقون للعقاب والعذاب الأليم على بعض ما اقترفوا من المحرّمات وما فرّطوا فيه من الواجبات؛ فمنهم من يُعذّب في الدنيا بأنواع من العذاب، ومنهم من يعذّب في قبره، ومنهم من يعذّب في عرصات يوم القيامة، حتى يكون منهم من يعذّب في النار حتى يُطهّر من ذنوبه فلا يدخل الجنّة إلا هو طيّب قد ذهب عنه خَبَثُه، ويعفو الله عمن يشاء. المتقّون، وهم الذين هداهم الله لفعل الواجبات وترك والدرجة الثانية: المحرمات؛ فنجوا بذلك من العذاب، وفازوا بكريم الثواب. المحسنون، وهم أكمل الناس هداية، وأحسنهم عملاً، وهم والدرجة الثالثة: الذين هداهم الله لأن يعبدوه كأنّم يرونه، فاجتهدوا في إحسان أداء الواجبات، والكفّ عن المحرّمات، وأحسنوا التقرّب إلى الله تعالى بالنوافل حتى أحبّهم.

عدد الصفحات ٨٤

84 وأصحاب كلّ درجة يتفاضلون فيها تفاضلاً كبيراً لا يحصيه إلا من خلقهم ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﴿ وقد جمع الله هذه الأصناف الثلاثة في قوله تعالى: ﭧ ﭨ ﭩﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ .﴾ﮃ ﮄﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ فالظالمون لأنفسهم من الذين اصطفاهم الله هم أصحاب الكبائر من المسلمين؛ اصطفاهم الله على غيرهم من الكفار والمنافقين، وهم على ظلمهم لأنفسهم موعودون بدخول الجنّة لصحّة إسلامهم لكنّهم على خطر من العقوبة على بعض ذنوبهم. والمقتصدون هم المتقون. والسابقون بالخيرات هم المحسنون، نسأل الله تعالى أن يجعلنا منهم بمنّه وكرمه، وأن يهدينا لما هداهم إليه. :﴾ﭧ﴿معنى فسؤال الهداية هنا يتضمَّىن سؤال : أي أرشدنا ووفقنا لاتّباع هداك؛ ﴾ﭧ﴿ هداية الدلالة والإرشاد، وسؤال هداية التوفيق والإلهام. فبهداية الدلالة والإرشاد يُبصر المرءُ الحقّ ويتبينّ حقيقته وعلاماته، ويبصر .1 الباطل ويتبينّ حقيقتَه وعلاماته؛ فيميّز الحقَّ من الباطل، والهدى من الضلال، والطيّب من الخبيث، وما يقرّب إلى الله مما يباعد منه. وهذه الهداية يتفاضل فيها المهتدون تفاضلاً كبراً: منهم من يزيده الله هدى وبصيرة حتى يكون من الموقنين أولى البصائر فأ: والألباب، ويجعل الله له نوراً يمشي به، وفرقانا يفرق له بين الحقّ والباطل؛ كما

عدد الصفحات ٨٥

85 ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ﴿ قال الله تعالى: .﴾ﮇ ﮈ ﮉﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ وهذه البصيرة التي أنزلها الله تعالى في هذه الآية هي من الهداية التي يهدي بها من يشاء من عباده؛ وهي دالة على أن المؤمن كلما كان أقوى إيماناً وأتقى لله تعالى كان نصيبه من هذا الفرقان أعظم، وكلما ضعف إيمانه ونقص تقواه ضعفت بصيرته. ومنهم من يكون له أصل الهداية التي يميّز بها الكفر من الإسلام، ويعرف ب: بها كثيراً من حدود الله تعالى كفرائض الدين وكبائر الذنوب، لكن يكون في بصيرته ضعفٌ عن معرفة إدراك كثير من شعائر الإسلام، ومقاصد الدين؛ فيكون له نصيب من هذه الهداية بقدر ما معه من الفقه في الدين. وبهداية التوفيق والإلهام يٌوفَّق المرء لاتّباع هدى الله تعالى، وامتثال أمره، .2 واجتناب نيه، وتصديق خبره، فيحبِّب الله إليه الإيمانَ والعمل الصالحَ ويزيّنه قلبه، ويعينه على ذكره وشكره وحسن عبادته، فيكون مهتدياً حقاً. وهذه الهداية هي أصل الفلاح والفوز، وهي لا تتحقق للعبد إلا بتحقّق المرتبة التي قبلها؛ فيكون جامعاً بين العلم النافع والعمل الصالح. مقا إذا تبينّ ما تقدّم من معنى سؤال الهداية، ومعرفة مراتبها، ودرجات المهتدين فيها؛ فاعلم أنّ لكل داعٍ بالهداية مقصدٌ من دعائه؛ والله تعالى يعطي كلَّ سائل ما أراده بسؤاله. فأهل الإحسان مقصدهم جمع مراتب الهداية وبلوغ أعلى درجاتها؛ ويشهدون شدّة حاجتهم إلى أن يُبصرّهم الله بالحقّ في جميع شؤونم، وأن يجعلهم مريدين لاتّباع هداه، وأن يوفّقهم ويعينهم على ذلك.

عدد الصفحات ٨٦

86 ومَن دونم كلٌّ بحسب مقصده وعزيمته وصدق إرادته، حتى يكون منهم من يذكر الدعاء وهو لا يدري ما يقول. وقد رُوي من حديث أبي هريرة وعبد الله بن عمرو بن العاص وعبد الله بن عمر «بن الخطاب رضي الله عنهم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال .لعبد دَعَاه عن ظهر قلب غافل ويشهد له ما في سنن أبي داوود والسنن الكبرى للنسائي من حديث عمار بن « ياسر رضي الله عنه قال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول الرجل لينصرف، وما كتب له إلا عُشر صلاته، تسعها، ثمنها، سبعها، خمسها ربعها .ثلثها نصفها رواه أبو « وقال سفيان الثوري يقول نعيم في الحلية. ولذلك لا يستوي سؤال أهل الإحسان في دعائهم وسؤال المقصرّين فيه؛ فما يقوم بقلب العبد عند الدعاء من شهود الاضطرار إلى هداية الله، والإنابة إليه تعالى وخشيته، وما يصحب ذلك من الخوف والرجاء، والصدق والإخلاص، والتوكّل على الله، وحسن الظنّ به؛ كلّ ذلك من الأعمال القلبية العظيمة التي إذا صاحبت الدعاء كان الداعي أسعد بالإجابة والإثابة. اأوجه تفا الذين يسألون الله تعالى الهداية ليسوا سواءً في هذا السؤال العظيم، بل يتفاضلون فيه من وجوه: حضور القلب عند الدعاء؛ فليس دعاء الغافل اللاهي كدعاء المدرك أحدها: الواعي.

عدد الصفحات ٨٧

87 الإحسان في الدعاء؛ فليس من يدعو الله تعالى بتضرّعٍ وتقرّبٍ والوجه الثاني: خوفاً وطمعاً؛ ويشهد اضطراره لإجابة الله دعاءه كمن هو دون ذلك. فمن كان من أهل الإحسان في الدعاء كان نصيبه من الإجابة أعظم وأكمل، ومن كان دونه كان نصيبه بقدره، وقد جعل الله لكلّ شيء قدراً. مقاصد الداعي من سؤال الهداية، فإنما الأعمال بالنيات، ولكلّ والوجه الثالث: امرئ ما نوى، والله يعلم قصد كلّ سائل من سؤاله، ولذلك فإنَّ الأكمل للإنسان أن يقصد بسؤاله الهداية التامة التي يبصر بها الحقّ، ويتّبع بها الهدى، وأن يهديه بما هدى به عباده المحسنين. الهداية منّة من الله تعالى: الهداية للحقّ منَّةٌ من الله تعالى، لا تكون إلا به، وكلّ الناس ضالّون إلا من هداهم الله، كما في الحديث القدسي الجليل الذي رواه مسلم من حديث أبي ذرّ [ رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم عن ربّه جلّ وعلا أنه قال .كلّكم ضالّ إلا من هديتُه فاستهدوني أهدكم والناس لا يهتدون إلى شيء ينفعهم في دينهم ودنياهم إجمالاً وتفصيلاً إلا بالله تعالى. وقد جَعَل الله تعالى الهداية للحق علامة بيّنة على استحقاقه للعبادة، وبطلان ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱﭲ ﴿عبادة ما سواه؛ كما قال الله تعالى: . ﴾ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄﮅ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘﮙ ﮚ ﮛ ﴿وقال تعالى: .﴾ﮜﮝ هنا ﴾ﭷ﴿والضمير ﴾ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﴿وقال تعالى: لإفادة الحصر، أي هو وحده الذي يهدي السبيل.

عدد الصفحات ٨٨

88 .﴾ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ﴿ وقال تعالى: والآيات في هذا المعنى كثيرة، كلّها تبينّ أنَّ الله تعالى هو الذي يمنّ بالهداية على من يشاء من عباده، وأنَّ الله يحول بين المرء وقلبه؛ فإن شاء أن يقيم قلبه أقامه، وإن شاء أن يزيغه أزاغه. ولذلك كان من أكثر دعاء النبي صلى الله عليه وسلم الدعاء بتثبيت قلبه؛ كما في مسند الإمام أحمد وسنن الترمذي من حديث أبي معاوية، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن أنس رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُكثر أن .« يقول فقلت: يا رسول الله، آمنا بك وبما جئت به فهل تخاف علينا؟ .«قال وقد روي نحو هذا الحديث عن جماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. وشهود هذه الحقيقة يدفع عن العبد طغيان الشعور بالاستغناء عن طلب الهداية الذي هو من أعظم أسباب الحرمان. الحكمة من إذا قيل: المسلم مهتدٍ بإسلامه فما فائدة سؤاله الهداية؟ فالجواب أن دخول المسلم في الإسلام هو أصل الهداية؛ لكنّه يحتاج إلى هدايات كثرة متنوّعة ومتجددة، وبيان ذلك من وجوه: أن الهداية قائمة على العلم والعمل، وهما يتفاضلان؛ فيحتاج المؤمن إلى .1 البصيرة في الدين، وإلى الإعانة على الطاعة، والعصمة من الضلالة في كلّ أمرٍ من أموره.

عدد الصفحات ٨٩