المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

التعريف بكتب التفسير حتى نهاية القرن الخامس الهجري

مساعد بن سليمان الطيار

صفحة ٨ من ١٢

112 (المذهب الفقهي للإمام الط) كان الإمام الطبري -رحمه الله تعالى - مجتهدًا، ولم يكن متقي ِّدًا بمذهب معين، بل كان له مذهبه الخاص، وله كتب خاصة أيضًا في الفقه، وكان له أتباع لكن قليلون، وكان يسمى مذهبه بـــــ: (المذهب الجريري)، نسبة إلى ابن جرير، لكن هذا المذهب لم يستمر، ومع أن المذاهب المشهورة كانت قبله إلا أنه لم يتمذهب بمذهب منها، ولهذا لا تجده ينس ب إلى مذهب من المذاهب المعروفة. وأما نسبته إلى الشافعية أو إلى غيرهم فقد يكون استفاد من أصول الشافعي أو غيره، لكنه كان صاحب اجتهاد مستقل، ولم يكن مرتبطًا بشيء من هذه المذاهب. ويلاحــظ في عرضــه ل لمســائل الفقهيــة المرتبطــة بالقــرآن أنــه لا يخــرج عــن الأحكــام القرآنيــة الــتي نصــت عليهــا الآيــة، فمــثلاً نجــده عنــدما يأتي عنــد قولــه: (ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼﭽ) [228]، فيبـين الحكـم الـذي نصـتعليـه الآيـة ولا يسـتطرد بعيـدًا عــن ذلــك(3)، بخــلاف المتــأخرين، فــإن بعضــهم حينمــا يأتي إلى مثــل هــذه الآيــة ينــاقش قضــايا كثيرة متعلقة بالطلاق ولا تدل عليها الآية بوجه (4). (المتن والإسناد في تفسير الط - أولاً: سبق أن ذكرنا أن الطبري -رحمه الله تعالى - اعتنى بـذكر الإسـناد، لكنـه لم يعـتنِّ بنقد الأسانيد إلا نادراً جدًا، فقلَّما يتكلم عن إسناد من الأسانيد، وذلك مثل إسـناد الســـدي المشـــهور عـــن بعـــض أشـــياخه، حيـــث قـــال في مـــوطن واحـــد: (وإن كنـــت في إسناده مرتاباً )(1)، ولم يزد على هذا، وفي رواية أخرى عنده للكلب عـن أبي صـالح قـال فيهــا: (وقــد وردت مــن طريــق مــن غــير مرضــية عــن ابــن عبــاس )، الــتي هــي مــن طريــق (3) ينظر: جامع البيان للطبري2/299. (4) ينظر مثلاً: البحر المحيط لأبي حيان 4/214، ومفاتيح الغيب للرازي 6/211، وروح المعا للآلوسي 4/311. (1 )3/112.

عدد الصفحات ١١٣

113 الكلب عن أبي صالح، لكنها قليلة - ثانياً: يحرص على عـدم الروايـة عـن المتهمـين بالكـذب أو بالوضـع، ولهـذا مدحـه شـيخ الإســلام ابــن تيميــة -رحمــه الله - بأنــه لا يــروي عــن الكــذابين والوضــاعين، مثــل مقاتــل بـــن ســـليمان(3)، فـــلا تكـــاد تجـــد لـــه عنـــده رأيٌ ولا روايـــةٌ، مـــع أن تفســـير مقاتـــل بـــن سليمان مشهورٌ . و مثل الكلب كـذلك، وقـد ذكـر لـه في تفسـيره مـا يقـرب مـن خمسـين (11 )رأياً، وأورد لــه روايات قليلــة جــدًا، وغالبًــا يوردهــا مقرونــةً بغيرهــا وليســت مســتقلةً، وغالبــاً كــذلك مــا تكـــون مـــن روايـــة الثقـــات عنـــه كمعمـــر أو ســـفيان، فقـــد صـــان تفســـيره ممـــن اتهـــم بالكـــذب والوضع، وهذا حكم أغلب. تنبيه: قول الـبعض بأن الطـبري -رحمـه الله تعـالى - سـار في كتابـه علـى قاعـدة: (مـن أسـند فقد؛ أحالك) = قول غير صحية، وقد كان يمكن صحة هـذا القـول لـو أن الطـبري لم يتعـرض في كتابه لنقد المتون، ولكنه لم يذكر هذه المنهجية في مقدمة تفسيره، بخلاف كتابـه في التـاريخ فقــد أشــار إلى هــذا، لكنــه لم يــذكر هــذا في التفســير إطلاقــاً، ومــن حمــل أســانيد التفســير علــى هذه القاعدة فقد جانب الصواب؛ لأن الطبري قد اعتمد على الروايات الضعيفة في تصحيح معــاني الآيات، ولــو كــان قــد اعتمــد قاعــدة: (مــن أســند فقــد أحالــك)؛ لمــا اعتمــد علــى هــذه الروايات في صحة المعاني التي تفسر بها. أما المتون فعناية لطبري بنقدها واضح جـدًا، فقـد كـان يبـين المعـنى الصـحيح مـن الضـعيف من هذه الأقوال التي يذكرها ويذكر توجيهات هذه الأقوال. (موقف الإمام الطبَ من المبهمات) الحــديث عـــن موقـــف الطــبري مـــن المبهمـــات يطــول جـــداً (4)، لكننـــا ســنأخذ هنـــا منـــه فائدة من خلال ذكر مثال عنده في المبهمات؛ لأن المثال يدل على عقلية الطـبري - (3 )لم أقف على هذا الكلام لشيخ الإسلام عن الطبري، وإنما ذكره عن البغوي (4 )للدكتور: مساعد الطيار، دروس صوتية في التعليق على مواطن من المبهمات في تفس ير الطبري، متوفرة على الشبكة العنكبوتية.

عدد الصفحات ١١٤

114 رحمه الله تعا - في طريقة التعامل مع ما لا يفيد في التفسير. ففي قصة المائدة وما الذي نزل في المائدة، هل هو سمك وخبز، أو طعـام مـن كــل الطعــوم، وغــير ذلــك مــن الأقــوال الــواردة فيهــا عــن الســلف، فقــد أوردهــا الطــبري ، ثم عقـب علـى هــذا الخـلاف بقولـه: (وأمــا الصـواب مــن القـول فيمـا كــان علـى المائــدة، فــأن يقــال: كــان عليهــا مــأكول. وجــائز أن يكــون كــان سمكــاً وخبــزاً، وجــائز أن يكــون كــان ثمــراً مــن ثمــر الجنــة. وغــير نافــع العلــم بــه، ولا ضــار الجهــل بــه، إذا أقــر تالي الآيــة بظاهر ما احتمله التنزيل )(3). وهــذه قاعــدة جليلــة في المبهمــات، وهــي أنــه مــا دام لا يبــنى علــى معرفــة المــبهم علمٌ؛ فلو أنكرها أحد أو أقربها فكلاهما سواء، لعـدم وجـود دليـل قـائم يـدل علـى هـذا من ذاك، وهذه قاعدة مهمة جدًا وقد كررها -رحمه الله تعالى - في تفسيره مراراً . (قواعد الترجيح عند الإمام الطبَ ) تميَّز تفسير الطبري بذكر القواعد الترجيحية، وسنذكر هنا بعض القواعد من خلال المجلد الذي يحوي جزءاً من سورة المائدة وسورة الأنعام، ومنه ما يلي:  قال -رحمه الله -: (غير جائز أن يصرف ما عمَّه الله-تعالى ذكره -إلى الخصوص إلا بحجة يجب التسليم لها)(4).  قال -رحمه الله -: (وغير نافع العلم به، ولا ضار الجهل به، إذا أقر تالي الآية بظاهر ما احتمله التنزيل) (1).  قال -رحمه الله -: (كفي خطأً بقوله، خروجه عن أقوال أهل العلم)(2).  قال -رحمه الله -: (والقول إذا خرج من أن يكون أصلاً أو نظيراً لأصل فيما تنازعت فيه الأمة، كان واضحاً فساده)(3). (3) جامع البيان للطبري33/414. (4) جامع البيان للطبري33/317. (1) جامع البيان للطبري33/414. (2) جامع البيان للطبري31/11.

عدد الصفحات ١١٥

115  قال -رحمه الله-: (الكلام إذا تنوزع في تأويله؛ فحمله على الأغلب الأشهر من معناه أحق وأولى من غيره، ما لم تأتِّ حجةٌ مانعةٌ من ذلك يجب التسليم لها) (4). وهذا غيض من فيض من القواعد الترجيحية، فضلاً عن القواعد العلمية التي تدور كتابه وتكثر جداً. (منهج الطبَ في بالقراءات) سنذكر ما يتعلق بم نهج الطبري في القراءات باختصار من خلال النقاط التالية: - أولاً: يزعم بعض المعاصرين أن الإمام الطبري كان ير د القراءات المتواترة، وهذا جهل بتاريخ القراءات وبمنهج الطبري وبمنهج العلماء قبله، وجهل كذلك بمنهج العلماء بعده في التعامل مع القراءات. فقد توفي الإمام الطبري -رحمه الله تعالى - سنة (131هـ)، وتسبيع السبعة كان بعد عهده؛ لأن ابن مجاهد (ت: 142هـالذي سبَّع السبعة توفي بعده. ثم إن القائل بهذا يحاكم الطبري إلى مصطلح ظهر بعده، -أعني مصطلح (التواتر)-، فتواتر القراءات كمصطلح لم يأتِّ إلا بعد الطبري، ولم يكن الطبري -رحمه الله تعالى - بدعًا في قضية تقديم قراءة على قراءة (1). - ثانياً استخدم الطبري عدة مصطلحات في القراءات، منها: 3- مصطلح (القراءة المستفيضة 4- مصطلح (القراءة المشهورة 1- مصطلح (قراءة الحجة 2- مصطلح (إجماع الحجة في القراءة 1- مصطلح (القراءة الش اذة). = (3) جامع البيان للطبري33/382. (4) جامع البيان للطبري33/238. (1 )ينظر مقال بعنوان: (هل أنكر ابن جرير قراءة متواترة أو ردَّها؟)، من كتاب: مقالات في علوم القرآن وأصول التفسير ، للدكتور: مساعد الطيار، (4 )3/248-221.

عدد الصفحات ١١٦

116 ولم يوجد في تفسيره استخدام لمصطلح (القراءة المتواترة)، وهذا المصطلح مما يحتاج إ بحث في نشأته؟ - ثالثاً: من مصطلحات الإمام الطبري في الترجيح والرد ِّ بين القراءات: 3- (أعجب القراءات إ 4- (أولى القراءات في ذلك بالصواب 1- (القراءة التي لا أستجيز القراءة بغيرها 2- (هذه قراءة لا أستجيز القراءة بها - رابعاً: تعدَّدت حجج قبول القراءة عند الطبري، ومنها ما يلي: 3- علل سياقية 4- موافقة رسم المصحف 1- استفاضة القراءة 2- وجود معنى نظير للقراءة في القرآن 1- علل لغوية وتصريفية 6- مجيء تفسير المفسرين على معنى تلك القراءة دون هذه القراءة. 7- الأفصح في اللغة وهذه المسائل تحتاج إلى بحث، وما ذكرته هنا ما هو إلا إشارات سريعة، ومن المهم تقريره: أن الإمام الطبري -رحمه الله تعالى - لم يكن بدعًا في هذا العمل، ولا يصح القول بأنه أنكر القراءات المتواترة. نموذج من تفسير الإمام الطبَ : قــال المؤلــف -رحمــه الله -: (وقولــه: (ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ) [12]،يقــول -تعالى ذكره -: هذا حميم، وهو الذي قـد غلـي حـتى انتهـى حـر ه، وغسـاق فـَلْيـذوقوه؛ فـالحميم مرفوع بهذا، وقوله : (ﯥ) معناه التأخير، لأن معنى الكلام ما ذكـرت، وهـو: هـذا حمـيم وغســاق فليــذوقوه. وقــد يتجــه إلى أن يكــون هــذا مكتفيــاً بقولــه (ﯥ) ثم يـ بـْتَــدأ فيقــال: حميم وغَسَّاق، بمعنى: منه حميم ومنه غَسَّاق.كما قال الشاعر: حتى إذا أضَاءَ الص بْح في غَلَـسٍ

عدد الصفحات ١١٧

117 *وَغ ــــودِّرَ البـَقْــــل مَلْــــوِّي وَمحَْص ــــودٌ. وإذا و ج ِّــــه إلى هــــذا المعــــنى جــــاز في هــــذا النصــــب والرفــــع. النصب: على أن ي ضْمر قبلها لها ناصب، كم قال الشاعر: زِّيادَتَنـا نـ عْمـان لا تحَْرِّمَنَّنـا * تَـقِّ الله فِّينا والكِّتابَ الَّذي تـَتـْل و. والرفع بالهاء في قوله : (ﯥ)كما يقال: الليـلَ فبـادروه، والليـل فبادروه)(3). التعليق نلاحظ أنه ذكر المعنى الجملي -وإن كان لم يفسر معنى ا لغساق- والغساق فيه خلاف، ثم ذكر ما يرتبط بالإعراب وجواز الوقف على قوله :(ﯤ ﯥ )، ثم تبتدئ: ( ﯦ ﯧ ﯨ ) ، يعني: على التفصيل؛ منه حميم، ومنه غساق، ثم أتى باستدلالات شعرية لهذه القضية النحوية. ***** ثم قال: (حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المضفل، قال: ثنا أسباط، عن السدي : (ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ) [12]،قال: الحميم: الذي قد انتهى حَر ه. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: الحميم دموع أعينهم، تجمع في حياض النار فيسقونه)(4). التعليق نلاحظ أنه ذكر عن السلف معنى الحميم أنه الذي انتهى حره، ونجده هو كذلك قد فسَّر الحميم بهذا المعنى، ونلاحظ أنه ذكر عن ابن زيد قدراً زائداً في معنى الحميم في قوله: (دموع أعينهم تجمع في حياض النار فيسقونه)، وقد سكت الطبري على هذه الزيادة التي ذكرها ابن زيد ولم يعترض، لأنها قضية غيبية تحتاج إلى نص ٍ يؤيدها، فتظل تحت دائرة الاحتمالات حتى يَرِّد ما يثبتها أو يـَر د ها، وهذا هو منهج الطبري في مثل هذه المرويات، (3 )جامع البيان للطبري43/441. (4 )جامع البيان للطبري43/446.

عدد الصفحات ١١٨

118 يسكت عنها، ولا يشير إلى موافقة أو مخالفة ***** ثم قال: (وقوله: (ﯧ) اختلفت القر أة في قراءته، فقرأته عامة قراء الحجاز والبصرة وبعض الكوفيين والشام بالتخفيف "وَغَسَاق" قالوا: هو اسم موضع. وقرأ ذلك عامة قراء الكوفة: (ﯧ) -مشددة-، ووجهوه إلى أن ه صفة من قولهم: غسق يغسق غسوقاً إذا سال، وقالوا: إنما معناه: أنهم يسقون الحميم، وما يسيل من صديدهم. والصواب من القول في ذلك عندي أنهما قراءتان قد قرأ بكل واحدة منهما علماء من القراء، فبأيتهما قر أ القارئ فمصيب، وإن كان التشديد في السين أتم عندنا في ذلك؛ لأن المعروف ذلك في الكلام، وإن كان الآخر غير مدفوعة صحته)(3). التعليق هنا يظهر تحليله للقراءا ت، فيقول: ورد في (غساق) قراءتان ؛ الأولى: بتشديد السين، والثانية: بتخفيفها، يعني: (غَ سَ اق) و(غَ سَّ اق). وذكر أن أهل القراءة الأولى وجهوه إلى أنه موضع اسمه غَ سَ اق في النار، وذكر القول الأخير وأنه من السيلان، غسق الوادي إذا سال، وغسق الجرح أيضاً إذا سال صديده، ثم نبه على أن القراءتين كلاهما صحيحة، قال: (فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب)، ولكنه ذكر أن أحبها إليه التشديد؛ لكونها أتم من جهة المعنى، والمعروف من كلام العرب، فهذه إحدى الطرائق في الترجيح بين القراءات عنده. ***** ثم قال: (واختلف أهل التأويل في معنى ذلك، فقال بعضهم: هو ما يسيل من جلودهم من الصديد والدم. ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: (ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ) [12]،قال: كنا نحدث أن الغسَّاق: ما يَسِّيل من بين جلده ولحمه. حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السدي ، قال: الغساق: الذي يسيل من أعينهم من دموعهم، يسقونه مع الحميم. حدثنا ابن حميد، قال: (3 )جامع البيان للطبري43/446.

عدد الصفحات ١١٩

119 ثنا جرير، عن منصور، عن إبراهيم، قال: الغسَّاق: ما يسيل من س رْمهم، وما يسقط من جلودهم. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد : الغساق: الصديد الذي يجمع من جلودهم مما تصهرهم النار في حياض يجتمع فيها فيسقونه. حدثني يحيى بن عثمان بن صالح السهمي ، قال: ثني أبي، قال: ثنا ابن لهَِّيعة، قال: ثني أبو قبيل أنه سمع أبا هبيرة الزيادي يقول: سمعت عبد الله بن عمرو يقول: أي شيء الغسَّاق؟ قالوا: الله أعلم ، فقال عبد الله بن عمرو: هو القَيْح الغليظ، لو أن قطرة منه تـ هَرَاق في المغرب لأنتنت أهل المشرق، ولو تـ هَرَاق في المشرق لأنتنت أهل المغرب. قال يحيى بن عثمان، قال أبي: ثنا ابن لهيعة مرة أخرى، فقال: ثنا أبو قبيل، عن عبد الله بن هبيرة، ولم يذكر لنا أبا هبيرة. حدثنا ابن عوف، قال: ثنا أبو المغيرة، قال: ثنا صفوان، قال: ثنا أبو يحيى عطية الكلاعي ، أن كعباً كان يقول: هل تدرون ما غسَّاق؟ قالوا: لا والله، قال: عَ ينٌْ في جهنم يسيل إليها حم َّةٌ كل ذات حم َة من حية أو عقرب أو غيرها، فيستنقع فيؤتي بالآدمي، فيـ غْمَس فيها غمسةً واحدةً ، فيخرج وقد سقط جلده ولحمه عن العظام، حتى يتعلق جلده في كعبيه وعقبيه، وينجر لحمه كجر الرجل ثوبه)(3). التعليق كلام كع ب يوافق القر اءة هذه في الموضع، لكن ذلك يحتاج إلى مراجعة؛ هل هو اسم موضع أم ماذا؟ ***** ثم قال: ( وقال آخرون: ه و البارد الذي لا يستطاع من برده . ذكر من قال ذلك: ح دثت عن يحيى بن أبي زائدة، عن ابن ج رَيج، عن مجاهد : ( ﯧ ﯨ ) قال: باردٌ لا ي سْتطاع، أو قال: برد لا ي سْتطاع. حدثني علي بن عبد الأعلى، قال: ثنا المحاربي ، عن ج وَيبر، عن الضحاك: (ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ) [12] قال: يقال: الغسَّاق: أبرد البرد . ويقول آخرون: لا بل هو أنـْتنَ النـَّتنْ. وقال آخرون: بل هو الم نْتنِّ. ذكر من قال (3 )جامع البيان للطبري43/446-447.

عدد الصفحات ١٢٠

121 ذلك ح دثت عن المسيب، عن إبراهيم النكري، عن صالح بن حيان، عن أبيه، عن عبد الله بن بـ رَيدة، قال: الغسَّ اق: المنتن، وهو بالط خارية. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: ثني عمرو بن الحارث، عن در اج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري ، أن النب  قال لَوْ أنَّ دَلْوًا مِّنْ غَسَّاقٍ يـ هَراق فيِّ الد نْيا ؛ لأنـْتنََ أهْلَ الد نْيا. وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب ق ول من قال: هو ما يسيل من صديدهم ؛ لأن ذلك هو الأغلب من معنى الغ س وق، وإن كان للآخر وجه صحيح)(3). التعليق نلاحظ أنه أورد الروايات في الاختلاف ثم رجح، والمعتمد في الترجيح أن الأغلب من معنى ال غساق في اللغة هو ما يسيل، فهو راجع إلى مادة السيلان، وهذا يدل على أن الحديث الذي أورده فيه ضعف، ولو كان الحديث صحيحاً ؛ لما اعترض عليه، لكن من منهجه أنه يورد ما يتصل من الآثار بتفسير الآية، فاعتمد المعنى الأول؛ لأنه الأغلب، قال: (وإن كان للآخر وجه صحيح )، ووجه صحته أن الغسق يطلق في اللغة على الشيء البارد ، فمنهم يسميه الغسق لأنه وقت برودة في الجو، و غسق الليل يعني: الوقت البارد منه، فأطلق عليه غسق. نموذج من تفسير الإمام ابن أب حاتم(2): قـــال -رحمـــه الله -: (قولـــه تعـــالى: (ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ) [11] .حَـــدَّثـَنَا أَبيِّ ثنا سَهْل بْن غِّ يَاثٍ، ثنا حَفْص بْن ع ثْمَانَ، عَنِّ الأَعْمَشِّ، عَنْ مج َاهِّدٍ قَالَ لَمَّا أَصَابَ قـَوْمَ ن ـوحٍ الْغَــرَق قَـالَ: قَــامَ الْمَــاء عَلَـى رَأْسِّ ك ــل ِّ جَبَـلٍ خمَْسَــةَ عَشْــرَةَ رَأْسـاً ، قَــالَ: أَصَـابَ الْغَــرَق امْــرَأَةً فِّيمَنْ أَصَابَ لهََا صَبِّ فـَوَضَ عْت ه عَلَى صَـدْرِّهَا، فـَلَمَّـا بـَلَغَهَـا الْمَـاء ؛ وَضَـعْت ه عَلَـى مِّنْكَبـَيـْهَـا، فـَلَمَّـا بـَلَغَهَـــا الْمَـــاء ؛ وَضَـــعْت ه عَلَـــى يَـــدَيـْهَا. قَـــالَ: فـَقَـــالَ -تـَبَـــارَكَ وَتـَعَـــالىَ -: لَـــوْ رَحمِّْـــت أَحَـــدًا مِّـــنْ أَهْـــلِّ الأَرْضِّ لَرَحمَْتـ هَــا. حَــدَّثـَنَا أَبيِّ، ثنــا نَصْــر بْــن عَلِّــي ٍ، ثنــا ن ــوح بْــن قـَــيْسٍ، عَــنْ عَــوْنِّ بْــنِّ أَبيِّ شــراد (3 )جامع البيان للطبري43/448. (4 )ذكر الدكتور هذا النموذج من تفسير أبي حاتم دون التقديم بتعريفه كبقية حديثه عن الكتب

عدد الصفحات ١٢١

121 قــــــال: غــــــرق الْمَــــــاء الجِّْبَــــــالَ فـَوْقـَهَــــــا ثمََــــــانِّينَ مِّــــــي قـَوْل ــــــه تـَعَــــــالىَ: (ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ) [11] .حَـــدَّثـَنَا أَبيِّ، ثنـــا مح َمَّـــد بْـــن عَبَّـــادٍ الْم ـــزَنيِّ ، ثنـــا عَبْـــد اللََِّّّ بْـــن سِّـــنَانٍ، عَـــنْ ن ـــوحِّ بْـــنِّ الْم خْتَــارِّ، عَــنْ أَبيِّ سَــعِّيدٍ، (ﯰ) [11] قَــالَ: خَرَجْــت أ رِّيــد أَنْ أَشْــرَبَ مَــاءً فَمَــرَرْت باِّلْف رَاتِّ فَإِّذَا الحَْسَن وَالحْ سَينْ فـَقَالا: ياَ أَباَ سَـعِّيدٍ، أَيْـنَ ت رِّيـد قـ لْـت : أَشْـرَب مَـاءَ الْم ـر ِّ ، قَـالَ : لاَ تَشْـرَب مَــاءَ الْم ــر ِّ ؛ فَإِّنَّــه لَمَّـا كَــانَ زَمَــن الط وفَــانِّ ، أَمَـرَ اللََّّ الأَرْضَ أَنْ تـَبـْلَــعَ مَاءَهَــا، وَأَمَــرَ السَّــمَاءَ أَنْ تـ قْلِّــعَ ، فْاسْتـَعْصَــى عَلَــى بـَعْــضِّ الْبِّقَــاعِّ ، فـَلَعَنَــه فَصَــارَ مَــاؤ ه مَــرَّاً وَتـ رَاب ــه سَــبَخاً لاَ يـ نْ بِّــت شَــيْئ اً . أَخْبـَرَناَ أَب و عَبْدِّ اللََِّّّ الط ِّهْـرَانيِّ فِّيمَـا كَتَـبَ إِّليََّ ثنـا إِّسمَْاعِّيـل بْـن عَبْـدِّ الْكَـرِّيمِّ، حَـدَّثَنيِّ عَ بْـد الصَّـمَدِّ بْن مَعْقِّلٍ قَالَ: سمَِّعْت وَهْبَ بْنَ م نـَب ِّهٍ وَقِّيلَ ياَ أَرْض ابـْلَعِّي مَ اءَكِّ يـَق ول باِّلحَْ بَشِّيَّةَ: ازْر دِّيهِّ )(3). التعليق بالحبشية: ازرديه، من ازدرد الطعام يعني: أكله ، كأنه يقول: إن مادة بلع هذه حبشية. و لغة الحبشة أصلها عربية؛ لأن العرب انتقلوا إلى الحبشة ، فقد تكون هناك موافقة بين الأصل والفرع، وليس محل بحثها هنا، لكن أشرنا إليها فقط للتنبه لمثل هذا. ***** ثم قال: (حَدَّثـَنَا أَبيِّ ثنا أَب و صَالِّحٍ حَدَّثـَنَا م عَاوِّيَة بْن صَالِّحٍ، عَنْ عَلِّـي ِّ بْـنِّ أَبيِّ طَلْحَـةَ، عَــنِّ ابْــنِّ عَبَّــاسٍ قـَوْل ــه : (ﯮ ﯯ) [11]،يـَق ــول : اسْــك نيِّ . وَر وِّيَ عَــنْ قـَتَــادَةَ، نحَْــو ذَلِّكَ )(4). التعليق المقصو د من هذا النموذج أن ينتبه إلى أن منهج ابن أبي حاتم في كتابه يسير على هذه الطريقة، فليس فيه إلا آثار، ويستفاد منه حال البحث عن أثر من آثار السلف، ويعد (3 )تفسير ابن أبي حا6/4116. (4 )تفسير ابن أبي حا6/4116.

عدد الصفحات ١٢٢

122 مرجعاً يرجع إليه، وليس صالحاً للقراءة، لعدم تكامل المادة التفسيرية فيه، بخلاف تفس الإمام الطبري.

عدد الصفحات ١٢٣

123 اطلب الثاني: (تأويلات أهل السنة) للماتريد (ت: 333ه التعريف بمللف هذا التفسير: هو: أبو منصور محمد بن محمد بن محمود الماتريدي ، يلقب بـــــــ (علم الهدى)، من أئمة علماء الكلام، و نسبته إلى (ما تريد )، وهي محلة قرب سمرقند فيما وراء النهر و لد بها. تفقه على أبي بكر أحمد الجوزجاني عن أبي سليمان الجوزجاني عن محمد عن أبي حنيفة، و من مؤلفاته: التوحيد، وأوهام المعتزلة، والرد على القرامطة، ومآخذ ال شرائع، والجدل، وتأويلات القرآن، وتأويلات أهل السنة، وشرح الفقه الأكبر المنسوب لأبي حنيفة، وكانت وفاته بـــــسمرقند سنة ( 111هـ(3). التعريف بهذا التفسير وطريقة مللفه فيه(1): - أولاً يلاحظ في هذا الكتاب كثرة الاستدلالات العقلية، وفضلاً عن أن مؤلفه أبعده عن آثار السلف؛ فإنه يتهاون في رد ِّ ما يحكيه من الإجماع. ومن ذلك قوله عند تفسيره للأيام المعدودة في قوله : (ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ) [ق ة81] قال: (أَجمع أَهل التفسير والكلام على صرف الأَيام المعدودة المذكورة في هذه الآية إلى أَيام عبادة العجل. وذلك لا معنى له؛ لوجهين ؛ أحدهما: أَن هَؤ لاَءِّ لم يعبدوا العجل، وإنما عبد آباؤ هم، فلا معنى لصرف ذلك إلى هَؤ لاَءِّ. والثاني: لو صرف ذلك إلى آبائه م الذين عبدوا العجل لم يحتمل أيضًا؛ لأَنهم قد تابوا ورجعوا عن ذلك ، فلا معنى للتعذيب على عبادة العجل بعد التوبة والرجوع إلى عبادة اللََّّ؛ كقوله : ﴿ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ (3 )انظر ترجمته في: الجواهر المضية في طبقات الحنفية لعبد القادر ا لحنفي 4/311، وتاج التراجمبن ق طل وبغا ص: 429، وطبقات المفسرين للأدنه وي 3/69.

عدد الصفحات ١٢٤

124 ﯓ ﯔ ﴾ [18]، واللََّّ أعلم . وتصرف الأَيام المعدودة إلى العمر الذي عَصَوا فيه)(4)ـ التعليق هذه كلها استدلالات عقلية ، ومن الغريب أنه حكى الإجماع ثم ا عترض ع ليه باستدلال عقلي، و نحن نحاكمه إلى قوله، مع أنه لا يوجد إجماع على ما ذكره أصلاً . و هذا الإجماع الذ ي زعم ه منتقَ دٌ بما رواه الطبر ي عن ابن عباس ومجاهد أن اليهود قالوا أنهم ي عذبون سبعة أيام(1)، فالأيام المعدودة ورد فيها قولان عند السلف : - الأول: أنها أربع و ن يوماً . - الثاني: أنها سبعة أيام. والقول الذي زعم أنه إجماع هو قول الجمهور ، مـنهم ابـن عبـاس، وقتـادة، والسـدي، وأبي العالية، وعكرمة، والضحاك، وزيد بن أسلم (2). - ثانياً يلاحظ أيضاً في هذا الكتاب كثـرة التـأويلات الباطلـة والضـعيفة، وذلـك بسـبب اعتماد المؤلف مبدأ إدخال المحتملات بلا قاعدة معينه، فليس لديـه ضـابط لمـا يـدخل وما لا يدخل مـن المحـتملات، ولهـذا يـرد عنـده كثـير مـن المحـ تملات الـتي تكـون ضـعيفة أو باطلة. = (3 )ينظر أيضاً: مقال بعنوان: (تفسير أبي منصور الماتريدي)، من كتاب: (مقالات في علوم القرآن وأصول التفسير) (4)، للدكتور: مساعد الطيار، 4/273-279. (4) تأويلات أهل السنة للماتريدي 3/111-113. (1 )انظر: جامع البيان للطبري4/477 (3231)، و4/478 (3234). (2 )انظر: جامع البيان للطبري4/472-478.

عدد الصفحات ١٢٥

125 ومـــن أمثلـــة ذلـــك مـــا ذكـــره عنـــد تفســـيره لقولـــه تعـــالى: ﴿ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ﴾ [1] قال: (يقولون يحتمـل وجهـين ، يحتمـل الصـلاة المعروفـةَ، يقيمونهـا بتمـام ركوعها وسجودها، والخشوع، والخضوع ل ه فيها، وإخلاص القلـب في النيـة؛ علـى مـا جـاء في الخبر: "انْظ ر مَنْ تـ نَـاجِّي "، ويحتمـل الحمـد لـه والثنـاء عليـه . فـإن كـان المـراد هـذا فهـو لا يحتمل النسخ، ولا الرفع في الدنيا والآخرة )(3). التعليق هذا الوج ه الثاني غريب جداً، ولم ينسبه المؤلف لأحـد، فقـد يكـون ذكـره مـن عنـد نفســـه احتمـــالاً ، وقـــد يكـــون نقلـــه عـــن غـــيره، وعلـــى أيـــة حـــال فهـــو قـــول ضـــعيف ولـــيس صحيحاً . - ثالثاً: أكثر المؤلف من الرَ د ِّ على المعتزلة. - رابع اً: نحََــى المؤلـف في المســائل الفقهيـة إلى مــذهب أبى حنيفـة (ت: 311هـــ، و هــذا غير ظاهر في الجزء المطبوع من كتابه . - خامساً: يقـل الاستشـهاد بالشـعر في هـذا الكتـاب؛ وذلـك لأن الع مْـدة عنـد مؤلفـه - كما أسلفت- هي القضايا العقلية. - سادس اً: ينقــــل المؤلــــف عــــن أهــــل الكــــلام، ويعتمــــد تفســــيرهم، ويقدمــــه علــــى تفســــير السلف، ومن أمثلـة ذلـك قولـه: (ثم اختلَـف أهـل التفسـير في العَـالَمِّين: فمـنهم مـن رد إلى كــل ذي روح دب علــى وجــه الأرض، ومــنهم مــن رد إلى كــل ذي روح في الأَرض وغيرهـــا، ومـــنهم مـــن قـــال: لله كــــذا، كـــذا عـــالم، والتأويـــ ل عنــــدنا مـــا أجمـــع عليـــه أهــــل (3) تأويلات أهل السنة للماتريدي3-171-172.

عدد الصفحات ١٢٦

126 الكــلام؛ أن العــالَمين اســم لجميــع الأَنام والخلــق جميعــاً. وقــول أَهــلِّ التفســير يرجــع إ لى مثله، إلا أَنهم ذكروا أسماء الأعلام، وأَهل الكلام ما يجمع ذلك وغيرَهم)(3). فيلاحظ أنه اعتمد قول أهل الكلام أولاً، ثم أدخل فيه قول أهل التفس - س ابعاً: مــن الإشــكالات العقديــة عنــد المؤلــف أن مفهــوم الإيمــان عنــده هــو التصــديق، كاعتقــاد الأشــاعرة (4)، وقــد ظهــر هــذا جليــاً في كتابــه، ومــن ذلــك قولــه(وإن كــان في أَهل الكتاب ففيـه الأَمـر بالإيمـان الـذي هـو إيمـان، وهـو التصـديق. و الإيمـان عنـدنا هـو التصـــديق بالقلـــب، دليلـــه قـــول جميـــع أَهـــل التأْويـــل والأَدب أنهـــم فســـروا: ﴿ﭻ﴾: صدَّ قوا في جميع القرآن )(1). وقال أيضاً عند قوله : ﴿ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﴾ [41] (الآية تنقض قول من جعل جميع الطاعات إيماناً؛ لما أثبت لهم اسم الإيما ن، دون الأعمال الصالحات، غير أ ن البشارة لهم، و ذهاب الخوف عنهم إنما أ ثبت بالأ عمال الصالحات ، ويحتمل الأعمال الصالحات: عمل القلب، وهو أن يأتي بإيمان خالص لله، لا كإيمان المنافق بالقول دون القلب)(2). (3) تأويلات أهل السنة للماتريدي3/161. (4) مذهب الأشاعرة في الإيمان مضطرب، والخلاصة أن الوارد عن هم فيه ثلاثة أقوال؛ الأول: وافقوا فيه السلف في أن الإيمان قول وعمل. الثاني: وافقوا فيه فقهاء المرجئة، وابن كلاب، في أن الإيمان تصديق القلب، وقول اللسان. الثالث: وافقوا فيه الجهمية في أن الإيمان مجرد تصديق القلب ، وهو أشهر الأقوال عن شيخهم أبي الحسن الأشعري، وعليه أكثر أصحابه كالباقلاني والجويني والماتريدي. (ينظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية 7/321،7/321، و 7/119، و 31/27، و41/86، والتسعينية له4/416، والنبوات له أيضاً3/181.) (1) المص تأويلات أهل السنة للماتريدي 3/181. (2) تأويلات أهل السنة للماتريدي3/211.

عدد الصفحات ١٢٧

127 التعليق كأنه هنا يريد أن يرد على المعتزلة ، فإنهم يرون الأعمال غير الإيمان. ويلاحظ أنه ادَّ عى الإجماع في أن المراد با لإيمان: التصديق، لكننا لو نظرنا إلى كلام السلف لوجدناه غير ذلك، فقد ذكر الإمام الطبري أقوال السلف عند تفسير ه لقول الله  :﴿ﭝ ﭞ ﭟ ﴾ [1]، ومنها قال ابن مسعود: الإيمان التصديق. وقال ابن عباس: يؤمنون يصدقون. وقال الربيع بن أنس: يؤمنون يخشون. وقال الزهر ي: الإيمان العمل، ثم قال: (ومعنى الإيمان عند العرب : التصديق فيدعى المصدق بالشيء قولاً مؤمناً به، ويدعى المصدق قوله بفعله مؤمناً . ومن ذلك قول الله -جل ثناؤه -: ﴿ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﴾ [37] يع: وما أنت بمصدق لنا في قولنا . وقد تدخل الخشية لله في معنى الإيمان الذي هو تصديق القول بالعمل. والإيمان كلمة جامعة للإقرار بالله وكتبه ورسله، وتصديق الإقرار بالفعل. وإذا كان ذلك كذلك، فالذي هو أولى بتأويل الآية وأشبه بصفة القوم : أن يكونوا موصوفين بالتصديق بالغيب، قولاً ، واعتقاداً ، وعملاً ، إذ كان جل ثناؤه لم يحصرهم من معنى الإيمان على معنى دون معنى، بل أجمل وصفهم به من غير خصوص شيء من معانيه أخرجه من صفتهم بخبر ولا عقل)(3). فقول الطبري هنايفن ِّ د ما زعم ه الماتريد ي من ادعاء الإجمـاع بأن المـراد بالإيمـان هـو التصـديق، وأن العمل لا يدخل في الإيمان، فالسلف -كما سبق- يرون أن العمل من الإيمان. - ثامن اً: تظهـــر عنايـــة المؤلـــف بالاســـتدلال والاســـتنباط مـــن الآيات، وقـــد تكـــون هـــذه الاستنباطات عقدية تتناسب مع ما يذهب إليه، وقد تكون غير ذلك. و مـــــن أمثلـــــة ذلـــــك قولـــــه عنـــــد تفســـــير قـــــول الله  : ﴿ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ﴾ [42] يقـــول(في الآيـــة دلالـــة أنهـــا لم تعـــد لغـــير الكـــافرين )(4)،يـــرد بـــذلك علـــى المعتزلـــة في تخليـــدهم (3) جامع البيان للطبري3/411. (4) تأويلات أهل السنة للماتريدي3/214.

عدد الصفحات ١٢٨