فوائد واستدلالات فتح الباري 660 الأصل، وهو تشبيه واقع ووجهه واضح. والله أعلم - قال ابن القيم: ليس المراد بقوله7 ﴾ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﴿يعلم الدين، لأن الله يقول: ولكن المراد أن فطرته مقتضية لمعرفة دين الإسلام ومحبته، فنفس الفطرة تستلزم الإقرار والمحبة، وليس المراد مجرد قبول الفطرة لذلك، لأنه لا يتغير بتهويد الأبوين مثلا بحيث يخرجان الفطرة عن القبول، وإنما المراد أن كل مولود يولد على إقراره بالربوبية، فلو خلي وعدم المعارض لم يعدل عن ذلك إلى غيره، كما أنه يولد على محبة ما يلائم بدنه من ارتضاع اللبن حتى يصرفه عنه الصارف، ومن ثم شبهت الفطرة باللبن بل كانت إياه في تأويل الرؤيا. - قال ابن المبارك: أن المراد8 أو سعادة، فمن علم الله أنه يصير مسلما ولد على الإسلام، ومن علم ا أنه يصير كافرا ولد على الكفر، فكأنه أول الفطرة بالعلم. وتعقب بأنه لو معنى لأنهما فعلا به ما هو »كان كذلك لم يكن لقوله الفطرة التي ولد عليها فينافي في التمثيل بحال البهيمة. - قيل: أن المراد9 أما أهل السعادة فقالوها طوعا،﴾ ﮛ﴿الميثاق من الذرية قالوا جميعا وأما أهل الشقاوة فقالوها كرها. وقال محمد بن نصر: سمعت إسحاق ابن راهويه يذهب إلى هذا المعنى ويرجحه،وتعقب بأنه يحتاج إلى نقل صحيح، فأنه لا يعرف هذا التفصيل عند أخذ الميثاق إلا عن السدي ولم يسنده، وكأنه أخذه من الإسرائيليات، حكاه ابن القيم عن شيخه.
عدد الصفحات ٦٦٠فوائد واستدلالات فتح الباري 661 - قيل: أن المراد10 ثم يعتقد إذا بلغ التكليف، ورجحه ابن عبد البر وقال: إنه يطابق التمثيل أي على ﴾ﭜ﴿بالبهيمة ولا يخالف حديث عياض لأن المراد بقوله: استقامة، وتعقب بأنه لو كان كذلك لم يقتصر في أحوال التبديل على ملل الكفر دون ملة الإسلام، ولم يكن لاستشهاد أبي هريرة بالآية معنى. - قيل: أن اللام في الفطرة للعهد أي فطرة أبويه، وهو متعقب بما ذكر في 11 ليس»الذي قبله. ويؤيد المذهب الصحيح أن قوله فيه لوجود الفطرة شرط بل ذكر ما يمنع موجبها كحصول اليهودية مثلا متوقف على أشياء خارجة عن الفطرة، بخلاف الإسلام. - قال ابن القيم: سبب اختلاف العلماء في معنى الفطرة في هذا الحديث أن 12 القدرية كانوا يحتجون به على أن الكفر والمعصية ليسا بقضاء الله بل مما ابتدأ الناس إحداثه، فحاول جماعة من العلماء مخالفتهم بتأويل الفطرة على غير معنى الإسلام، ولا حاجة لذلك، لأن الآثار المنقولة عن السلف تدل على أنهم لم يفهموا من لفظ الفطرة إلا الإسلام، ولا يلزم من حملها على ذلك موافقة مذهب القدرية، لأن قوله على أن ذلك يقع بتقدير الله تعالى، ومن ثم احتج عليهم مالك بقوله في آخر الحديث L باب مَوْتِ يَوْمِ الاِثْنَينِْ ]94[ J الحديث الأول - حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ 1387
عدد الصفحات ٦٦١فوائد واستدلالات فتح الباري 662 فَقَالَ: فِي كَمْ كَفَّنْتُمْ النَّبِي قَالَتْ: دَخَلْتُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ قَالَتْ: فِي ثَلَثَةِ أَثْوَابٍ بِيضٍ سَحُولِيَّةٍ لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلاَ ؟ قَالَتْ: يَوْمَ عِمَامَةٌ. وَقَالَ لَهَا: فِي أَيِّ يَوْمٍ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ الاِثْنَيْنِ قَالَ: فَأَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟ قَالَتْ: يَوْمُ الاثْنَيْنِ قَالَ: أَرْجُو فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَ اللَّيْلِ فَنَظَرَ إِلَى ثَوْبٍ عَلَيْهِ كَانَ يُمَرَّضُ فِيهِ بِهِ رَدْعٌ مِنْ زَعْفَرَانٍ فَقَالَ: اغْسِلُوا ثَوْبِي هَذَا وَزِيدُوا عَلَيْهِ ثَوْبَيْنِ فَكَفِّنُونِي فِيهَا قُلْتُ: إِنَّ هَذَا خَلَقٌ قَالَ: إِنَّ الْحَيَّ أَحَقُّ بِالْجَدِيدِ مِنْ الْمَيِّتِ إِنَّمَا هُوَ لِلْمُهْلَةِ فَلَمْ يُتَوَفَّ حَتَّى أَمْسَى مِنْ لَيْلَةِ الثُّلَثَاءِ وَدُفِنَ قَبْلَ أَنْ يُصْبِحَ. فوائد الحديث: - قال الزين بن المنير: تعين وقت الموت ليس لأحد فيه اختيار، لكن في 1 التسبب في حصوله مدخل كالرغبة إلى الله لقصد التبرك فمن لم تحصل له الإجابة أثيب على اعتقاده. - فيه استحباب التكفين في الثياب البيض.2 - فيه تثليث الكفن3 - فيه طلب الموافقة فيما وقع للأكابر تبركا بذلك؛ قال ابن باز: هذا فيه نظر4 ، لأن اوالصواب أن ذلك غير مشروع إلا بالنسبة إلى النبي سبحانه شرع لنا التأسي به، وأما غيره فيخطيء ويصيب. - فيه جواز التكفين في الثياب المغسولة.5 - فيه إيثار الحي بالجديد6 - فيه الدفن بالليل7
عدد الصفحات ٦٦٢فوائد واستدلالات فتح الباري 663 - فيه فضل أبي بكر وصحة فراسته وثباته عند وفاته8 - فيه أخذ المرء العلم عمن دونه9 - قال أبو عمر: فيه أن التكفين في الثوب الجديد والخلق سواء. وتعقب بما10 تقدم من احتمال أن يكون أبو بكر اختاره لمعنى فيه، وعلى تقدير أن يكون كذلك فلا دليل فيه على المساواة. L وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ باب مَا جَاءَ فِ قَبِْ النَّبِ ]96[ J الحديث الأول - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ هِلَلٍ هُوَ الْوَزَّانُ 1390 : فِيقَالَتْ: قال رسول الله عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ «مَرَضِهِ الَّذِي لَمْ يَقُمْ مِنْهُ لَوْلاَ ذَلِكَ أُبْرِزَ قَبْرُهُ غَيْرَ أَنَّهُ خَشِيَ أَوْ خُشِيَ أَنَّ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا. »مَسَاجِدَ وَعَنْ هِلَلٍ قَالَ: كَنَّانِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ وَلَمْ يُولَدْ لِي. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ عَنْ سُفْيَانَ مُسَنَّمًا. التَّمَّارِ أَنَّهُ حَدَّثَهُ أَنَّهُ رَأَى قَبْرَ النَّبِي حَدَّثَنَا: فَرْوَةُ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ لَمَّا سَقَطَ عَلَيْهِمْ الْحَائِطُ فِي زَمَانِ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ أَخَذُوا فِي بِنَائِهِ فَبَدَتْ لَهُمْ فَمَا وَجَدُوا أَحَدًا يَعْلَمُ ذَلِكَ قَدَمٌ فَفَزِعُوا وَظَنُّوا أَنَّهَا قَدَمُ النَّبِي مَا هِيَ إِلاَّ قَدَمُ حَتَّى قَالَ: لَهُمْ عُرْوَةُ لاَ وَاللَّهِ مَا هِيَ قَدَمُ النَّبِي .عُمَرَ
عدد الصفحات ٦٦٣فوائد واستدلالات فتح الباري 664 فوائد الحديث - قوله1 كذلك ومالك وأحمد والمزني وكثير من الشافعية، وادعى القاضي حسين اتفاق الأصحاب عليه، وتعقب بأن جماعة من قدماء الشافعية استحبوا التسطيح كما نص عليه الشافعي وبه جزم الماوردي وآخرون. وقول سفيان التمار لم يكن في لا حجة فيه كما قال البيهقي لاحتمال أن قبره الأول مسنما، فقد روى أبو داود والحاكم من طريق القاسم بن محمد بن يا أمة اكشفي لي عن قبر رسول «أبي بكر قال دخلت على عائشة فقلت وصاحبيه، فكشفت له عن ثلاثة قبور لا مشرفة ولا ا لاطئة، مبطوحة ببطحاء العرصة الحمراء ، وعمر مقدما، وأبا بكر رأسه بين كتفي النبي » رأسه عند رجلي النبي كانت في الأول مسطحة، ثم لما بني جدار القبر في إمارة عمر بن عبد العزيز على المدينة من قبل الوليد بن عبد الملك صيروها مرتفعة. الحديث الثاني: - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ حَدَّثَنَا حُصَيْنُ بْنُ 1392 عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ الأَوْدِيِّ قَالَ: رَأَيْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ اذْهَبْ إِلَى أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ فَقُلْ يَقْرَأُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عَلَيْكِ السَّلَمَ ثُمَّ سَلْهَا أَنْ أُدْفَنَ مَعَ صَاحِبَي قَالَتْ: كُنْتُ أُرِيدُهُ لِنَفْسِي فَلوثِرَنَّهُ الْيَوْمَ عَلَى نَفْسِي فَلَمَّا أَقْبَلَ قَالَ: لَهُ مَا
عدد الصفحات ٦٦٤فوائد واستدلالات فتح الباري 665 لَدَيْكَ قَالَ: أَذِنَتْ لَكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ: مَا كَانَ شَيْءٌ أَهَمَّ إِلَيَّ مِنْ ذَلِكَ الْمَضْجَعِ فَإِذَا قُبِضْتُ فَاحْمِلُونِي ثُمَّ سَلِّمُوا ثُمَّ قُلْ يَسْتَأْذِنُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَإِنْ أَذِنَتْ لِي فَادْفِنُونِي وَإِلاَ فَرُدُّونِي إِلَى مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ إِنِّي لاَ أَعْلَمُ أَحَدًا وَهُوَ أَحَقَّ بِهَذَا الأَمْرِ مِنْ هَؤُلاَءِ النَّفَرِ الَّذِينَ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ عَنْهُمْ رَاضٍ فَمَنْ اسْتَخْلَفُوا بَعْدِي فَهُوَ الْخَلِيفَةُ فَاسْمَعُوا لَهُ وَأَطِيعُوا فَسَمَّى عُثْمَانَ وَعَلِيًّا وَطَلْحَةَ وَالزُّبَيْرَ وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ وَسَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ وَوَلَجَ عَلَيْهِ شَابٌّ مِنْ الأَنْصَارِ فَقَالَ أَبْشِرْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ بِبُشْرَى اللَّهِ كَانَ لَكَ مِنْ الْقَدَمِ فِي الإِسْلَمِ مَا قَدْ عَلِمْتَ ثُمَّ اسْتُخْلِفْتَ فَعَدَلْتَ ثُمَّ الشَّهَادَةُ بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ فَقَالَ لَيْتَنِي يَا ابْنَ أَخِي وَذَلِكَ كَفَافًا لاَ عَلَيَّ وَلاَ لِي أُوصِي الْخَلِيفَةَ مِنْ بَعْدِي بِالْمُهَاجِرِينَ الأَوَّلِينَ خَيْرًا أَنْ يَعْرِفَ لَهُمْ حَقَّهُمْ وَأَنْ يَحْفَظَ لَهُمْ حُرْمَتَهُمْ وَأُوصِيهِ بِالأَنْصَارِ خَيْرًا الَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ أَنْ يُقْبَلَ مِنْ مُحْسِنِهِمْ وَيُعْفَى عَنْ مُسِيئِهِمْ وَأُوصِيهِ بِذِمَّةِ اللَّهِ وَذِمَّةِ رَسُولِهِ أَنْ يُوفَى لَهُمْ بِعَهْدِهِمْ وَأَنْ يُقَاتَلَ مِنْ وَرَائِهِمْ وَأَنْ لاَ يُكَلَّفُوا فَوْقَ طَاقَتِهِمْ فوائد الحديث: - قال ابن التين: قول عائشة في قصة عمر1 لم يبق ما يسع إلا موضع قبر واحد، فهو يغاير قولها عند وفاتها لا تدفني عندهم فإنه يشعر بأنه بقي من البيت موضع للدفن. والجمع بينهما أنها كانت أولا تظن أنه لا يسع إلا قبرا واحدا فلما دفن ظهر لها أن هناك وسعا لقبر آخر.
عدد الصفحات ٦٦٥فوائد واستدلالات فتح الباري 666 - قال ابن بطال: إنما استأذنها عمر لأن الموضع كان بيتها وكان لها فيه حق،2 وكان لها أن تؤثر به على نفسها فآثرت عمر - فيه الحرص على مجاورة الصالحين في القبور طمعا في إصابة الرحمة إذا 3 نزلت عليهم وفي دعاء من يزورهم من أهل الخير - في قول عمر4 فيها ولا يلزم بالوفاء - فيه أن من بعث رسولا في حاجة مهمة أن له أن يسأل الرسول قبل وصوله 5 إليه ولا يعد ذلك من قلة الصبر بل من الحرص على الخير L باب مَا يُنْهَى مِنْ سَبِّ الأَمْوَاتِ ]97[ J الحديث الأول - حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ الأَعْمَشِ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ عَائِشَةَ 1393 « :قَالَتْ: قال النبي قَدَّمُوا الأَعْمَشِ تَابَعَهُ عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ وَابْنُ عَرْعَرَةَ وَابْنُ أَبِي عَدِيٍّ عَنْ شُعْبَةَ. فوائد الحديث: - قال الزين بن المنير: لفظ الترجمة يشعر بانقسام السب إلى منهي وغير 1 منهي، ولفظ الخبر مضمونه النهي عن السب مطلقا. والجواب أن عمومه عند ثنائهم مخصوص بحديث أنس السابق حيث قال بالخير وبالشر
عدد الصفحات ٦٦٦فوائد واستدلالات فتح الباري 667 ويحتمل أن اللام في الأموات عهدية والمراد به المسلمون، لأن الكفار مما يتقرب إلى الله بسبهم. - قال القرطبي في الكلام على حديث 2 أن الذي كان يحدث عنه بالشر كان مستظهرا به فيكون من باب لا غيبة لفاسق، أو كان منافقا. ثانيها يحمل النهي على ما بعد الدفن، والجواز على ما قبله ليتعظ به من يسمعه. ثالثها يكون النهي العام متأخرا فيكون ناسخا، وهذا ضعيف. - قال ابن رشيد ما محصله: أن السب ينقسم في حق الكفار وفي حق 3 المسلمين، أما الكافر فيمنع إذا تأذى به الحي المسلم، وأما المسلم فحيث تدعو الضرورة إلى ذلك كأن يصير من قبيل الشهادة، وقد يجب في بعض المواضع، وقد يكون فيه مصلحة للميت، كمن علم أنه أخذ ماله بشهادة زور ومات الشاهد فإن ذكر ذلك ينفع الميت إن علم أن ذلك المال يرد إلى صاحبه. - استدل به على منع سب الأموات مطلقا، وقد تقدم أن عمومه مخصوص، 4 وأصح ما قيل في ذلك أن أموات الكفار والفساق يجوز ذكر مساويهم للتحذير منهم والتنفير عنهم. وقد أجمع العلماء على جواز جرح المجروحين من الرواة أحياء وأمواتا. انتهى كتاب الجنائز
عدد الصفحات ٦٦٧فوائد واستدلالات فتح الباري 668 L كتاب الزكاة) 24( J L ﴾ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ﴿باب وُجُوبِ الزَّكَاةِ وَقَوْلِ اللهَِّ تَعَالىَ ]1[ J الحديث الأول - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ حَدَّثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ 1397 : أَنَّ أَعْرَابِيًّا عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدِ بْنِ حَيَّانَ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فَقَالَ: دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ إِذَا عَمِلْتُهُ دَخَلْتُ الْجَنَّةَ قَالَ: أَتَى النَّبِي « قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لاَ أَزِيدُ عَلَى هَذَا فَلَمَّا وَلَّى قال النبي »وَتَصُومُ رَمَضَانَ « : حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ عَنْ يَحْيَى عَنْ أَبِي حَيَّانَ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو زُرْعَةَ عَنْ النَّبِي بِهَذَا. فوائد الحديث - قوله1 القيدين كراهية لتكرير اللفظ الواحد، وقيل: عبر في الزكاة بالمفروضة للاحتراز عن صدقة التطوع فإنها زكاة لغوية، وقيل: احترز من الزكاة المعجلة قبل الحول فإنها زكاة وليست مفروضة. - قوله فيه2 ذكره له فاختصره
عدد الصفحات ٦٦٨فوائد واستدلالات فتح الباري 669 - قال القرطبي: في هذا الحديث -وكذا حديث طلحة في قصة الأعرابي 3 وغيرهما- دلالة على جواز ترك التطوعات، لكن من داوم على ترك السنن كان نقصا في دينه، فإن كان تركها تهاونا بها ورغبة عنها كان ذلك فسقا، يعني « : لورود الوعيد عليه حيث قال مني على الفرائض، ولا يفرقون بينهما في اغتنام ثوابهما. وإنما احتاج الفقهاء إلى التفرقة لما يترتب عليه من وجوب الإعادة وتركها ووجوب العقاب على الترك ونفيه. - قال القرطبي: ولعل أصحاب هذه القصص كانوا حديثي عهد بالإسلام 4 فاكتفى منهم بفعل ما وجب عليهم في تلك الحال لئلا يثقل ذلك عليهم فيملوا، حتى إذا انشرحت صدورهم للفهم عنه والحرص على تحصيل ثواب المندوبات سهلت عليهم. L باب إِثْمِ مَانِعِ الزَّكَاةِ ]3[ J الحديث الأول - حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ أَنَّ عَبْدَ 1402 يَقُولُ: قال الرَّحْمَنِ بْنَ هُرْمُزَ الأَعْرَجَ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ « :النبي لَمْ يُعْطِ فِيهَا حَقَّهَا تَطَؤُهُ بِأَخْفَافِهَا وَتَأْتِي الْغَنَمُ عَلَى صَاحِبِهَا عَلَى خَيْرِ مَا كَانَتْ إِذَا لَمْ يُعْطِ فِيهَا حَقَّهَا تَطَؤُهُ بِأَظْلَفِهَا وَتَنْطَحُهُ بِقُرُونِهَا وَقَالَ: وَمِنْ حَقِّهَا أَنْ تُحْلَبَ عَلَى الْمَاءِ قَالَ: وَلاَ يَأْتِي أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِشَاةٍ يَحْمِلُهَا
عدد الصفحات ٦٦٩فوائد واستدلالات فتح الباري 670 عَلَى رَقَبَتِهِ لَهَا يُعَارٌ فَيَقُولُ: يَا مُحَمَّدُ فَأَقُولُ: لاَ أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا قَدْ بَلَّغْتُ وَلاَ يَأْتِي بِبَعِيرٍ يَحْمِلُهُ عَلَى رَقَبَتِهِ لَهُ رُغَاءٌ فَيَقُولُ: يَا مُحَمَّدُ فَأَقُولُ: لاَ أَمْلِكُ لَكَ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا قَدْ بَلَّغْتُ فوائد الحديث: أي من العظم والسمن ومن الكثرة، لأنها تكون » - قوله1 عنده على حالات مختلفة، فتأتي على أكملها، ليكون ذلك أنكى له لشدة ثقلها. - قوله2 بحاء مهملة، أي لمن » - قوله 3 يحضرها من المساكين، وإنما خص الحلب بموضع الماء ليكون أسهل على المحتاج من قصد المنازل وأرفق بالماشية؛ وذكره الداودي بالجيم، وفسره بالإحضار إلى المصدق؛ وتعقبه ابن دحية، وجزم بأنه تصحيف. - فيه أن في المال حقا سوى الزكاة؛ وأجاب العلماء عنه بجوابين أحدهما: 4 أن هذا الوعيد كان قبل فرض الزكاة، ثاني الأجوبة: أن المداد بالحق القدر الزائد على الواجب ولا عقاب بتركه، وإنما ذكر استطرادًا. الحديث الثاني: - حدثنا علي بن عبد الله حدثنا هاشم بن القاسم حدثنا عبد الرحمن 1403 بن عبد الله بن دينار عن أبيه عن أبي صالح السمان عن أبي هريرة من آتاه الله مالا فلم يؤد زكاته مثل له « :قال: قال رسول الله ماله يوم القيامة شجاعا أقرع له زبيبتان يطوقه يوم القيامة ثم يأخذ بلهزمتيه
عدد الصفحات ٦٧٠فوائد واستدلالات فتح الباري 671 ﯲ ﯳ ﯴ ﴿-يعني بشدقيه- ثم يقول: أنا مالك أنا كنزك ثم تل »﴾ﯵ فوائد الحديث: تثنية زبيبة بفتح الزاي وموحدتين، وهما الزبدتان اللتان » - قوله1 في الشدقين، يقال: تكلم حتى زبد شدقاه، أي خرج الزبد منهما، وقيل هما النكتتان السوداوان فوق عينيه، وقيل: نقطتان يكتنفان فاه، وقيل: هما في حلقه بمنزلة زنمتي العنز، وقيل: لحمتان على رأسه مثل القرنين، وقيل: نابان يخرجان من فيه. - قوله2 في الحديث بالشدقين، وفي الصحاح: هما العظمان الناتئان في اللحيين تحت الأذنين. وفي الجامع: هما لحم الخدين الذي يتحرك إذا أكل الإنسان. - قوله3 في التعذيب حيث لا ينفعه الندم، وفيه نوع من التهكم الآية دلالة على أنها نزلت في مانعي الزكاة، وهو - في تلاوة النبي4 قول أكثر أهل العلم بالتفسير، وقيل: إنها نزلت في اليهود الذين كتموا صفة . وقيل: نزلت فيمن له قرابة لا يصلهم، قاله مسروق.النبي - في هذين الحديثين: تقوية لقول من قال: المراد بالتطويق في الآية الحقيقة، 5 خلافا لمن قال: إن معناه سيطوقون الإثم
عدد الصفحات ٦٧١فوائد واستدلالات فتح الباري 672 L باب مَا أُدِّيَ زَكَاتُهُ فَلَيْسَ بِكَنْزٍ ]4[ J الحديث الأول - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شَبِيبِ بْنِ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ يُونُسَ عَنْ ابْنِ 1404 فَقَالَشِهَابٍ عَنْ خَالِدِ بْنِ أَسْلَمَ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﮆ ﮇ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﴿أَعْرَابِيٌّ أَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِ اللَّهِ : مَنْ كَنَزَهَا فَلَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهَا فَوَيْلٌ لَهُ إِنَّمَا قَالَ ابْنُ عُمَرَ ﴾ ﮈ ﮉ ﮊ كَانَ هَذَا قَبْلَ أَنْ تُنْزَلَ الزَّكَاةُ فَلَمَّا أُنْزِلَتْ جَعَلَهَا اللَّهُ طُهْرًا لِلَمْوَالِ. فوائد الحديث: - قوله1 أو عودا إلى الفضة لأن الانتفاع بها أكثر أو كان وجودها في زمنهم أكثر من الذهب، أو على الاكتفاء ببيان حالها عن بيان حال الذهب، والحامل على قال صاحب الكشاف: أفرد ﴾ﮇ ﴿ذلك رعاية لفظ القرآن حيث قال: ذهابا إلى المعنى دون اللفظ، لأن كل واحد منهما جملة وافية. وقيل: المعنى ولا ينفقونها، والذهب كذلك، وهو كقول الشاعر وإني وقيار بها لغريب أي وقيار كذلك. - قوله2 -وهو حبس ما فضل عن الحاجة عن المواساة به- كان في أول الإسلام، ثم نسخ ذلك بفرض الزكاة لما فتح الله الفتوح وقدرت نصب الزكاة، فعلى هذا المراد بنزول الزكاة بيان نصبها ومقاديرها لا إنزال أصلها.
عدد الصفحات ٦٧٢فوائد واستدلالات فتح الباري 673 - قال ابن عبد البر: وردت عن أبي ذر آثار كثيرة تدل على أنه كان يذهب3 إلى أن كل مال مجموع يفضل عن القوت وسداد العيش فهو كنز يذم فاعله، وأن آية الوعيد نزلت في ذلك، وخالفه جمهور الصحابة ومن بعدهم وحملوا الوعيد على مانعي الزكاة، وأصح ما تمسكوا به حديث لا إلا «طلحة وغيره في قصة الأعرابي حيث قال: هل علي غيرها؟ قال أن تطوع الحديث الثاني: - حَدَّثَنَا عَلِيُّ سَمِعَ هُشَيْمًا أَخْبَرَنَا حُصَيْنٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ قَالَ: 1406 فَقُلْتُ لَهُ مَا أَنْزَلَكَ مَنْزِلكَ هَذَا قَالَ مَرَرْتُ بِالرَّبَذَةِ فَإِذَا أَنَا بِأَبِي ذَر ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﴿كُنْتُ بِالشَّأْمِ فَاخْتَلَفْتُ أَنَا وَمُعَاوِيَةُ فِي قَالَ مُعَاوِيَةُ: نَزَلَتْ فِي أَهْلِ الْكِتَابِ فَقُلْتُ: نَزَلَتْ ﴾ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ يَشْكُونِي فِينَا وَفِيهِمْ فَكَانَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ فِي ذَاكَ وَكَتَبَ إِلَى عُثْمَانَ فَكَتَبَ إِلَيَّ عُثْمَانُ أَنْ اقْدَمْ الْمَدِينَةَ فَقَدِمْتُهَا فَكَثُرَ عَلَيَّ النَّاسُ حَتَّى كَأَنَّهُمْ لَمْ يَرَوْنِي قَبْلَ ذَلِكَ فَذَكَرْتُ ذَاكَ لِعُثْمَانَ فَقَالَ لِي: إِنْ شِئْتَ تَنَحَّيْتَ فَكُنْتَ قَرِيبًا فَذَاكَ الَّذِي أَنْزَلَنِي هَذَا الْمَنْزِلَ وَلَوْ أَمَّرُوا عَلَيَّ حَبَشِيًّا لَسَمِعْتُ وَأَطَعْتُ. فوائد الحديث: - قوله1 والمدينة، نزل به أبو ذر في عهد عثمان ومات به ، وإنما سأله زيد بن وهب _أي أبي ذر_ - قد ذكر في هذا الحديث سبب نزوله2 عن ذلك لأن مبغضي عثمان كانوا يشنعون عليه أنه نفى أبا ذر، وقد بين
عدد الصفحات ٦٧٣فوائد واستدلالات فتح الباري 674 أبو ذر أن نزوله في ذلك المكان كان باختياره. نعم أمره عثمان بالتنحي عن المدينة لدفع المفسدة التي خافها على غيره من مذهبه المذكور فاختار كما رواه أصحاب الربذة، وقد كان يغدو إليها في زمن النبي السنن من وجه آخر عنه، وفيه قصة له في التيمم. - قوله3 وقد بين السبب في سكناه الشام ما أخرجه أبو يعلى من طريق أخرى عن : إذا بلغ زيد بن وهب حدثني أبو ذر قال: قال لي رسول ا البناء - أي بالمدينة سلعا ترتحل إلى الشام؛ فلما بلغ البناء سلعا قدمت الشام فسكنت بها فذكر الحديث نحوه. - فيه أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة لاتفاق أبي ذر ومعاوية على أن 4 الآية نزلت في أهل الكتاب - فيه ملاطفة الأئمة للعلماء، فإن معاوية لم يجسر على الإنكار عليه حتى 5 كاتب من هو أعلى منه في أمره، وعثمان لم يحنق على أبي ذر مع كونه كان مخالفا له في تأويله. - فيه التحذير من الشقاق والخروج على الأئمة.6 - فيه الترغيب في الطاعة لأولي الأمر7 - فيه أمر الأفضل بطاعة المفضول خشية المفسدة8 - فيه جواز الاختلاف في الاجتهاد9 - فيه الأخذ بالشدة في الأمر بالمعروف وإن أدى ذلك إلى فراق الوطن10 - فيه تقديم دفع المفسدة على جلب المصلحة لأن في بقاء أبي ذر بالمدينة11
عدد الصفحات ٦٧٤فوائد واستدلالات فتح الباري 675 مصلحة كبيرة من بث علمه في طالب العلم، ومع ذلك فرجح عند عثمان دفع ما يتوقع من المفسدة من الأخذ بمذهبه الشديد في هذه المسألة، ولم يأمره بعد ذلك بالرجوع عنه لأن كلا منهما كان مجتهدا. الحديث الثالث: - حَدَّثَنَا عَيَّاشٌ حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى حَدَّثَنَا الْجُرَيْرِيُّ عَنْ أَبِي الْعَلَءِ 1407 عَنْ الأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: جَلَسْتُ ح و حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي حَدَّثَنَا الْجُرَيْرِيُّ حَدَّثَنَا أَبُو الْعَلَءِ بْنُ الشِّخِّيرِ أَنَّ الأَحْنَفَ بْنَ قَيْسٍ حَدَّثَهُمْ قَالَ: جَلَسْتُ إِلَى مَلإ مِنْ قُرَيْشٍ فَجَاءَ رَجُلٌ خَشِنُ الشَّعَرِ وَالثِّيَابِ وَالْهَيْئَةِ حَتَّى قَامَ عَلَيْهِمْ فَسَلَّمَ ثُمَّ قَالَ: بَشِّرْ الْكَانِزِينَ بِرَضْفٍ يُحْمَى عَلَيْهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ ثُمَّ يُوضَعُ عَلَى حَلَمَةِ ثَدْيِ أَحَدِهِمْ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ نُغْضِ كَتِفِهِ وَيُوضَعُ عَلَى نُغْضِ كَتِفِهِ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ حَلَمَةِ ثَدْيِهِ يَتَزَلْزَلُ ثُمَّ وَلَّى فَجَلَسَ إِلَى سَارِيَةٍ وَتَبِعْتُهُ وَجَلَسْتُ إِلَيْهِ وَأَنَا لاَ أَدْرِي مَنْ هُوَ فَقُلْتُ لَهُ: لاَ أُرَى الْقَوْمَ إِلاَّ قَدْ كَرِهُوا الَّذِي قُلْتَ قَالَ: إِنَّهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئًا. فوائد الحديث: - قوله1 الدقيق الذي على طرف الكتف أو على أعلى الكتف، قال الخطابي: هو الشاخص منه، وأصل النغض الحركة فسمي ذلك الموضع نغضا لأنه يتحرك بحركة الإنسان. - قوله2 إنما يجمعون الدنيا
عدد الصفحات ٦٧٥