المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

بحوث ملتقى التربية بالقرآن مناهج وتجارب 1

باحثون

صفحة ٩ من ٢٥

- 121 - المبحث الثا : أسس التربية القرآنية التربية بالقرآن تقوم على أسس لا بد منها، ولا تؤتي التربية القرآنية ثمارها إلا بارتكازها على تلك الأسس، وسأتناول أبرز وأهم الأسس، من خلال خمسة مطالب، على النحو التالي: المطلب الأول: الأساس الإيما (صحة العقيدة): إنَّ الأساس الأول للتربية القرآنية، هو التوحيد وال عقيدة، وهي أول لبنة وضعها القرآن الكريم في البناء التربوي، فعرَّف الناس بربهم و خالقهم، و عرَّ فهم بالغاية التي خلقوا من أجلها، وهي عبادة الله وحده لا شريك له ، قال جل وعلا: ﴿ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﴾(1) . وقال جل وعلا مخاطباًأعماق الفطرة ، ومستنطقاً لها لتعترف بوحدانية الله تعالى: ﴿ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﴾... إلى آخر الآيًت (2) . (1) سورة الذاريًت : الآيًت 56- 55. (2) سورة النمل : الآيًت61- 65.

عدد الصفحات ١٣٠

- 131 - وقال سبحانه وتعا : ﴿ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﴾... إلى آخر السورة (1)، والآيًت في هذا كثيرة جداً وكما عرَّفهم القرآن بخالقهم وربهم جل وعلا فقد عرَّ فهم باليوم الآخر، يوم العرض على الله جل وعلا، يوم الحساب والجزاء، قال الله جل وعلا: ﴿ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﴾(2)،وتأمل ما ورد في سورة الزلزلة، والتكوير، والانفطار، والانشقاق، والمعارج، والحاقة، والواقعة، والرحمن، والحج، وغيرها كثير، تجدها تعرض لتفاصيل مما يقع في اليوم الآخر، والحساب والجزاء ، والصراط والميزان، والجنة والنار. وهذه التربية التي تقوم على الإيمان بالله و باليوم الآخر هي التي تحفظ التوازن للإنسان في هذه الحياة الدنيا، ثم تدخله الجنة وتنجيه من العذاب في الآخرة. وهكذا بقية أركان الإيمان، من الإيمان بالرسل، والكتب، والملائكة، والقدر خيره وشره، كل ذلك تعرَّض له القرآن بأسلوب بديع، يجمع بين التعليم والتربية، فيُنشئ جيلاً متوازناً، يؤمن بكافة الرسل الذين أرسلهم الله تعالى، ولا يفرق بين أحد منهم، (1) سورة آل عمران : الآيًت 111- 211. (2) سورة الحاقة : الآيًت 13- 15.

عدد الصفحات ١٣١

- 131 - فكلهم أنبياء الله ورسله، كما يؤمن بملائكة الله تعالى، ويسلم بقضاء الله وقدر ه، ويؤمن بالكتب المنزلة من عند الله تعالى. قال جل وعلا : ﴿ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﴾(1)، قال جل وعلا: ﴿ﰌ ﰍ ﰎ ﰏ ﰐ ﴾(2). ويربي القرآنُ أتباعه على أن الإيمان قول واعتقاد وعمل، يز يد بالطاعة وينقص بالمعصية، فليس الإيمان ادعاء يدعى، ولا كلمة تقال، وإنما هو منهج يظهر على السلوك والجوارح، وتشهد بها أقوال الإنسان وأفعاله؛ قال الله تعالى: ﴿ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ﴾(3)، وقال سبحانه: ﴿ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ﴾ ... الآيًت(4)، وقال جل وعلا: ﴿ﮬ ﮭ (1) سورة البقرة : آية 255 . (2) سورة القمر: آية 41. (3) سورة البقرة: آية 155. (4) سورة الأنفال: آية 2- 4 .

عدد الصفحات ١٣٢

- 132 - ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛﯜﯝﯞﯟ﴾(1)،وقال تعالى:﴿ﮐﮑﮒ ﮓﮔ﴾(2) يع صلاتكم إلى بيت المقدس قبل تحويل القبلة، سمَّى الصلاة إيماناً، وهي جامعة لعمل القلب واللسان والجوارح. وقال جل وعلا: ﴿ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﴾(3)، وقال عز وجل: ﴿ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﴾(4). وأكَّد ذلك حديث أبي هريرة ، قال: قال رسول الله  :«الإيمان بضع وسبعون - أو بضع وستون - شعبة، فأفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان»(5). وكما ربى القرآن أتباعه على الإيمان بأركانه الستة، وثبت ذلك في قلوبهم بأساليب عديدة وبليغة، فقد عرَّ فهم بأنفسهم، وبضعفهم وعجزهم، وأجابهم عن تلك الأ سئلة تتعلق بالإنسان ونشأته ومصيره، تلك الأسئلة التي حيرَّت الفلاسفة من غير المسلمين؛ من أنت؟ ومن أين؟ وإلى أين؟ وما هو المصير؟ . فجاء القرآن بإ جابات واضحة شافية كافية، يقنع بها العقل السليم، وتستقر في الوجدان، ويطمئن لها القلب والعقل، وتمنح النفس الإنسانية السعادة والطمأنينة، و تحميه من الوقوع في القلق والشك والحيرة والاضطراب ، الذي وقع فيه كث ير ممن ابتعدوا عن القرآن، وآثروا مناهج الدنيا وقدموها على المنهج الرباني، منهج الله جل وعلا . (1) سورة الحجرات: آية 15. (2) سورة البقرة : آية 143. (3) سورة الفتح : آية 4. (4) سورة المدثر : آية 31. (5) رواه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب شعب الإيمان، (35 ) (1/63 .)

عدد الصفحات ١٣٣

- 133 - وعبر عن هذه الحيرة وعن هذا الشك وعن هذا القلق أحد أولئك المتشككين، فقال بلسان المقال: جئت لا أعلم من أين ولكني أتيت! ولقد أبصرت قدامي طريقاً فمشيت! وسأمضي في طريقي شئت هذا أم أبيت!؟ كيف جئت؟! كيف أبصرت طريقي؟! لست أدري؟! (1). إنه يعيش حالةشك وحيرة و قلق واضطراب ، إنه يحيا حياة البهائم والأنعام!!، لا يعرف لحياته معنى، ولا ي درك لوجوده هدفاً ولا غاية، وصدق ربي إذ يقول: ﴿ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕﭖﭗ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ﴾(2)، إنه وصف الله جل وعلا لهذا الإنسان الذي ابتعد عن منهج الله، وابتعد عن القرآن، وله ذا فهو لا يدري! . أما المسلم المؤمن، فإنه يعلم ويدري، يدري أن الله هو الذي خلقه ورزقه وأحياه ورباه بالنعم مذ خُلق إلى أن يموت، وأنه خلقه لغاية عظيمة، وهي عبادته جل وعلا، و عمارة الكون بطاعته وتحكيم شرعه ومنهجه، ويدري أن المصير: إما نعيم أبدي وخلود في جنة عرضها السماوات والأرض، وإما عذاب و جحيم ونار تلظى، والعياذ بالله تعالى من ذلك. التربية على العقيدة الصحيحة والتوحيد لله تعالى، والإيمان الصادق، ذلك هو الأساس الأول من أسس التربية القرآنية الفذة الفريد ة . (1) قصيدة (الطلاسم) لإ يليا أبو ماضي، ديوان ايليا أبو ماضي، نيويورك، 1111م. ص (111)،نقلاً عن: الجربوع، الأمثال القرآنية، ( 2/511،521 ). (2) سورة الأعراف : آية 151.

عدد الصفحات ١٣٤

- 134 - المطلب الثا: الأساس العلمي (العلم النافع) العلم هو أساس التربية، بل هو أساس كل عمل، وهو يسبق كل قول أو فعل، وقد بوب الإمام البخاري في «صحيحه»(باب: العلم قبل القول والعمل) ثم استدل بقول الله تعالى: ﴿فاعلم أنه لا إله إلا الله﴾(1)، قال: (فبدأ بالعلم)(2). والعلم الصحيح النافع هو طريق الصلاح، ومفتاح الاستقامة والتهذيب، و باب الخشية والتقوى، وأساس التربية والرائد إلى تحقيقها، وإذا كان العلم بهذه المثابة فإن القرآن ي عظم شأن العلم والعلماء، ويرغب في طلب العلم ويحث عليه، بل إنَّ أوَّل ما بدأ الله به كتابه هو كلمة ﴿اقرأ﴾، و القراءة هي باب العلم والتربية، مما يدل على أهمية العلم واقترانه بالتربية. كما قرنت آية أخرى بين العلم والتزكية، وبينت أنها وظيفة النبي ؛ قال تعا ﴿ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧﯨﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮﯯﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﴾(3). (1) سورة محمد : آية 11. (2) البخاري، صحيح البخاري، 1/24.) (3) سورة آل عمران: آية 164.

عدد الصفحات ١٣٥

- 135 - وقالتعالى: ﴿ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ﰎ ﰏ ﰐ ﴾(1)؛ قال عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: «للعلماء درجات فوق المؤمنين بسبعمائة درجة ما بين الدرجتين مسيرة خمسمائة عام»(2) . وقال سبحانه : ﴿ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﴾(3)،و قال جل وعلا: ﴿ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﴾(4). و جل وعلا خلق هذه النفس البشرية بلا أي رصيد من العلم والمعرفة، لكن ه سبحانه هيأ أمامها وسائل التعلم والتثقيف والتربية، ثم ألهمها ما فيه ز كاتها وطهارتها، ثم علمها، وبين أن طاعته وتقواه سبيل زيًدة العلم، قال جل وعلا : ﴿ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﴾(5)، وقال سبحانه: ﴿ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞﮟﮠ ﮡ ﴾(6)،وقال تعا﴿ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ﴾(7)، وقال عز وجل: ﴿ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﴾(8). (1) سورة المجادلة: آية 11. (2) الغزالي، إحياء علوم الدين، (1/5 .) (3) سورة الزمر : آية 1. (4) سورة النحل: آية 43، وسورة الأنبياء: آية 5. (5) سورة النحل: آية 55 . (6) سورة البلد: الآيًت 5 -11. (5) سورة العلق: آية 5. (5) سورة البقرة: آية 252 .

عدد الصفحات ١٣٦

- 136 - ومن واجب المجتمع المسلم أن يعمل على توفير مجموعة من العلماء الفقهاء تكفي لتربية الناس وتفقيههم، قال جل وعلا: ﴿ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﴾(1). وإذا كان هناك من يفرق ب التربية و التعليم، فيجعل عماد التعليم قائماً على الحفظ وشحن الذهن بالمعلومات، وبجعل عماد التربية قائماً على التدريب والتهذي ب، فإن مفهوم العلم عند البصراء من رجال هذه الأمة يضم معنى التأثر والتهذيب بما يعلمه الإنسان، وقد قال جل وعلا: ﴿ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﴾(2)؛ قال ابن مسعود  :«ليس العلم بكثرة الرواية ولكن العلم الخشية»(3). ومهنة التربية والتعليم في نظر الإسلام أشرف المهن ، وهي وظيفة الأنبياء والمرسلين، قال سبحانه : ﴿ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﴾(4)،وقال تعالى: ﴿ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﴾(5). (1) سورة الت وبة : 122. (2) سورة فاطر : آية 25. (3) أحمد بن حنبل، الزهد، 565) (ص131)، وانظر أيضاً: السيوطي، الدر المنثور، (5/21 .) (4) سورة البقرة: آية 121. (5) سورة الجمعة: آية 2.

عدد الصفحات ١٣٧

- 135 - المطلب الثالث: الأساس العملي (العمل بالعلم- صحة العبادة) العمل بالعلم، وضرورة أن يُطلب العلم للعمل، وأهمية التجربة، والتطبيق، ونبذ التقليد: فمن أهم أسس التربية القرآنية أن يكون العلم للعمل، وألا يكون للتباهي، أو التفاخر أو غيرها من المقاصد، فما لم ينتفع العالم بعلمه بأن يوصله لتقو ى ربه وطاعته، كان علمه هذا حجة له لا عليه. قال عبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عباس رضي الله عنهم، ومجاهد، وعكرمة رحمهما الله - وغيرهم من أئمة السلف - في تأويل قوله تعالى:﴿ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﴾(1)؛ ﴿ﭷ ﭸ ﭹ ﴾ قالوا: «يتَّبعونه حق اتباعه، ويعملون به حق عمله»(2). وروى ابن جرير الطَّبري بسند ه عن عبد الله بن مسعود قال«والذي نفسي بيده إنَّ حقَّ تلاوته أن يحُ لَّ حلاله ويحَُرّ م حرامه، ويقرأه كما أنزله الله، ولا يحرف الكلمَ عن مواضعه، ولا يتأوَّل منه شيئاً على غير تأويل ه»،وورد مثله عن قتاد ة، والحسن، وغيرهما من السلف(3). (1) سورة البقرة : آية 121. (2 )انظر: الطبري، تفسير الطبري،2/455-411)، وابن تيمية، اان، (ص 135)، وابن حجر،فتح الباري ، (13/515 . ) (3) الطبري، تفسير الطبري،2/451.)

عدد الصفحات ١٣٨

- 135 - وعن مجاهد في تأويل قوله تعا ﴿ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﴾(1) قال«عمرك أن تعمل فيه لآخرتك »(2). وقال سبحانه عن حال نبيه شعيب-عليه السَّلام - مع قومه : ﴿ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ﴾(3) . وأمَر سبحانه رسوله بالتمسك بهذا الوحي، وإلزام نفسه العمل به ؛ فقال تعالى: ﴿ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﴾(4) . وأخبر سبحانه وتعالى أن أهل خشيته والخوف منه هم العلماء، قال جل وعلا: ﴿ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﴾(5). وبين سبحانه أن تقواه وحسن عبادته والخوف منه ومراقبته سبيل زيًدة العلم؛ قال الله عز وجل: ﴿ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﴾(6). والتزام العبادات، والاستمرار على طاعة الله تعالى، سبيل تربية النفس وتهذيبها (1) سورة القصص : آية 55 . (2) ابن المقرئ، المعجم، (ص 155 .) (3) سورة هود: آية 55. (4) سورة الزخرف : آية 43. (5) سورة فاطر : آية 25. (6) سورة البقرة: آية 252.

عدد الصفحات ١٣٩

- 131 - قال الله جل وعلا في شأن الصلاة: ﴿ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﴾(1). وقال سبحانه وتعالى في شأن الصيام: ﴿ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﴾(2). وقال جل وعلا في شأن الزكاة والصدقة: ﴿ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﴾(3). وقال عز وجل في شأن الحج:﴿ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﴾(4). وقال سبحانه في الاستقامة على صراطه المستقيم، واجتناب كل سبيل سواه ﴿ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﴾(5). (1) سورة العن كبوت: آية 45. (2) سورة البقرة: آية 153. (3) سورة التوبة: آية 113. (4) سورة البقرة: آية 115. (5) سورة الأنعام: آية 153.

عدد الصفحات ١٤٠

- 141 - وقال جل وعلا في شأن الطاعات والعبادات عموماً: ﴿ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﴾(1). وقال تبارك وتعالى: ﴿ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﴾(2) . وتدبر معي مدى التحذير من الانزواء على النفس، وبيان عاقبة التفريط في الدعوة إلى الله، وترك السعي للإصلاح - بعد العمل - قال تعالى:﴿ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﴾(3)،قال: مصلحون، ولم يقل: صالحون، أي: أن صلاح الشخص في نفسه فحسب لا يكفي للنجاة، فالتر بية القرآنية تتطلب من الفرد أن يكون صالحاً مصلحاً ، وراشداً مرشداً . ويؤكد ذلك: سورة العصر، حيث ذكرت أربع صفات لا بد منها لينجو الإنسان من الخسران، ومنها: التواصي بالحق، وهو الدعوة إلى الله تعالى، والسعي للإصلاح. فأهل القرآن هم العالمون بمعانيه، العاملون بما فيه، وإن لمَْ يحفظوه عن ظهر قلب،وأما مَنْ حفظه ولم يفهمه ولم يعمل بما فيه، فليس من أهله، وإنْ أقام حروفه إقامة السهم. عن النواس بن سمعان  أن الن قال«يؤتى بالقرآن يوم القيامة وأهله الذين كانوا يعملون به تقدمه سورة البقرة، وآل عمران »، وضرب لهما رسول الله  ثلاثة أمثال ما نسيتهن بعد، قال: «كأنهما غمامتان، أو ظلتان سوداوان بينهما شرق، أو كأنهما حزقان من طير صواف، تحآجَّان عن صاحبهما»(4) . (1) سورة البقرة: آية 21. (2) سورة النحل: آية 15. (3) سورة هود: آية 115. (4) رواه مسلم في صحيحه، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب فضل قراء ة القرآن، وسورة البقرة، (515) (1/554) .

عدد الصفحات ١٤١

- 141 - فتأمل قوله«الذين كانوا يعملون به في الدنيا ». ولقد كان أصحاب النَّبيّ ، ومَنْ جاء من بعدهم من التابعين ومن سلك سبيلهم يعملون بما يتعلَّمون، وما أكثروا من العلم إلا وأكثروا معه من العمل، وتقدَّم قول أبي عبد الرحمن السرلمي في ذلك، عندما ذكر أن الصحابة الكرام لا يتجاوزون العشر آيًت إلى غيرها حتى يتعلموا معناها ويعملوا بها. (ولذلك نستحسن أن توضع المناهج في تحفيظ القرآن على هذا الأساس، فلا يَكْتَف ي التلميذ المبتديء بحفظ نص الآيًت وتجويدها، بل يُعطى شيئاً من تفسيرها وفقهها، على قدر مستواه والمرحلة التي يجتازها ، فيُقسَّمُ منهج الحفظ إلى دروس، كل درس يتكوَّن من خمس آيًت أو عشر آيًت يتعلم تجويدها، وحفظها ، وتفسيرها، وما فيها من فقه في وقت واحد، فهذا أقوى حتى لحفظ النص، ومن التزم ذلك نرجوا أنه يُبارَكُ له جزاءَ اقتدائه بالمنهج النبوي)(1) . وقد ذمَّ الله أقواماً في كتابه الكريم لأنهم تركوا العمل بما علموه من العلم والخير، فقال سبحانه: ﴿ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﴾(2)،وقال سبحانه: ﴿ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﴾(3). أين عقولكم من تعلمون الخير الكثير ولا تعمل ون به؟!. أين عقولكم يًمن تُوجّ هون الناس إلى الخير وتدعونهم إليه، ثمَُّ تخالف أعمالكم ما لاكته ألسنتكم! وأمَرتم به غيركم؟!!. (1) عبد العزيز القاري، سنن القراء ومناهج المجوّ دين، (ص 21) . (2) سورة البقرة : آية 44. (3) سورة الصف : آية 2،3 .

عدد الصفحات ١٤٢

- 142 - قال الإمام القرط - رحمَه الله -: « اعلم وفقك الله أنَّ التوبيخ في الآية بسبب ترك فعل البر لا بسبب الأمر بالبر، ولهذا ذمَّ الله تعالى في كتابه قو ماً كانوا يأمرون بأعمال البر ولا يعملون بها؛ وبخََّهم به توبيخاً يُتلى على طول الدهر إلى يوم القيامة فقال: ﴿ ﮤ ﮥ ﮦ ﴾ الآية. وروي عن أبي جعفر بن علي، في قول الله تعالى: ﴿ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﴾(1) قال: قوم وصفوا الحق والعدل بألسنتهم وخالفوه إلى غيره »(2). وقال سبحانه ﴿ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ﴾(3). وهذا مثل كل من أوتي علماً وفقهاً في الدين، وحفظاً لنصوص الوحي الكريم ثمُ لا يعمل بذلك، مثله في الدنيا «كالحمار يحمل أسفاراً» و قبحه من مثل. قال عمر بن الخطاب  :«لا يغرر نَّ كم مَنْ قرأ القرآن، إنما هو كلام يُ تكَ لَّ م به، ولكن انظروا مَنْ يعمل به»(4). وقال الشافعي- رحمَه الله -: «ليس العلم ما حُفظ، إنما العلم ما نفع»(5). (1) سورة الشعراء : آية 14 . (2 )القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ( 1/21 .) (3) سورة الجمعة : آية 5. (4) الخطيب البغدادي، اقتضاء العلم العمل، (111) (ص51 .) (5) الأصبهاني، حلية الأولياء، (1/123 . )

عدد الصفحات ١٤٣

- 143 - وقال ابن الجوزي - رحمه الله -: «فا الله في العلم بالعمل، فإنه الأصل الأكبر، والمسكين كل المسكين من ضاع عمره في علم لم يعمل به، ففاتته لذات الدنيا وخيرات الآخرة، فقدم مفلساً، على قوة الحجة عليه»(1). وإنَّ لكل شيءٍ زكاة، وزكاة العلم العمل به، فما أديت زكاته بورك فيه، وحصل به النفع، وإلا محقت بركته . المطلب الرابع: الأساس الفكري (سلامة التفكير): القرآن يقرر حرية التفكير ، واستقلال الشخصية في البحث والاقتناع والاعتق اد، ويستنكر التقليد الأعمى، وينهى عن اتباع الغير بلا دليل ولا برهان ولو كانوا الآ باء أو الأجداد، و يفسح المجال للعقل البشري ليفكر ويتدبر ويعتبر. قال تعالى : ﴿ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﴾(2)،وقال سبحانه: ﴿ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﴾(3)، وقال جل وعلا: ﴿ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﴾(4) . وقال سبحانه: ﴿ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﴾(5)،وقال جل (1 )ابن الجوزي، صيد الخاطر، (ص 151.) (2) سورة البقرة : آية 211، و266. (3) سورة المائدة: آية 55. (4) سورة الإسراء: آية 36 . (5) سورة البقرة: آية 151 .

عدد الصفحات ١٤٤

- 144 - وعلا: ﴿ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﴾(1)، وقال عز وجل: ﴿ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﴾(2) . ونجد في هذه الآيًت الكريمة - وما في معناها – أن الله تعالى ذم المقلدين لآبائهم في الكفر والفواحش، من ناحيتين: إحداهما: الجمود على ما كان عليه الآباء، والاكتفاء به عن الترقي في العلم والعمل، وليس هذا من شأن الإنسان الحر العاقل، فإن الحياة تقتضي النمو والتوليد، والعقل يطلب المزيد والتجديد. والثانية: أنهم باتباعهم لآبائهم قد فقدوا مزية البشر في التمييز بين الحق والباطل، والخير والشر، والحسن والقبيح، بطريق العقل والعلم، وطريق الاهتداء في العمل، ويؤيده قوله تعالى:﴿ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﴾(3). وقال تعالى في عبادة العرب للملائكة: ﴿ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ (1) سورة المائدة : آية 114. (2) سورة لقمان: آية 21. (3) سورة الأعراف: آية 25.

عدد الصفحات ١٤٥