- 145 - ﰄ ﴾(1) . والقرآن يدعو إلى النظر والتدبر والتأمل في آيًت الله الكونية والقرآنية، بغية إيقاظ المشاعر والحواس للتفكر والاعتبار والعمل والتطبيق، و من هنا كثرت الآيًت القرآنية التي تتحدث عن مشاهد الكون ومظاهر الطبيعة، وتلفت الأبصار والبصائر إلى الليل والنهار، والشمس والقمر، والنجوم والأفلاك، و الأرض والسماء، والهواء والماء، والأنهار والبحار، والأشجار والأطيار، وغيرها من مظاهر إبداع الله تعالى في خلقه في هذا الكون. قال تعالى :﴿ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ﴾(2)، وقال سبحانه: ﴿ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﴾(3)، وقال عز وجل ﴿ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﴾ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﴾(4). (1) سورة الزخرف: الآيًت 21- 22 . (2) سورة الأعراف: آية 155. (3) سورة الحج: آية 46. (4) سورة ق: الآيًت 6-11.
عدد الصفحات ١٤٦- 146 - والقرآن يذمر أولئك الذين يُ عطّ لون حواسَّ هم فلا ينتفعون بها في الإدراك و الملاحظة والاعتبار، قال الله تعالى: ﴿ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﴾(1)، وقال جل وع ﴿ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﴾(2)، وقال تبارك وتعالى: ﴿ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﴾(3)، وقال سبحانه ﴿ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﴾(4) . وإذا كان عصرنا يفخر بأنه قد وضع في مجال التفكير والتعليم مراحل يسلكها العا في مجال البحث العلمي، ويتوصل بها إلى تحقيق المعرفة، فمن الإنصاف للحقيقة والتاريخ، بل من الإنصاف لأنفسنا وشخصيتنا العربية الإسلامية أن نقرر أن التربية القرآنية ، سبقت إلى وضع المنهج القويم للتفكير والبحث والمعرفة منذ قرون. فقد أشار القرآن إلى مراحل هذا المنهج، وهي تبدأ بمرحلة التجرر د من الميول والأهواء والمؤثرات والتقليد، قال جل وعلا: ﴿ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﴾(5)، ثم تأتي مرحلة النظر والتأمل ، قال تعالى: ﴿ﮈ ﮉ (1) سورة البقرة : آية 15. (2) سورة البقرة: آية 151. (3) سورة الأعرف: آية 151 . (4) سورة الأنفال: الآيًت 22- 23. (5) سورة المؤمنون: آية 51 .
عدد الصفحات ١٤٧- 145 - ﮊ ﮋ ﮌ ﮍﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ﴾(1)، وقال سبحانه: ﴿ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤﮥ ﮦ﴾(2). تيتأ ثم مرحلة البحث والموازنة والاستقراء، حيث يدرك العقل مواطن الاتفاق ومواطن الافتراق بين الأشياء، وأوجه الشبه أو أوجه الاختلاف ، تمهيداً لاستخلاص النتائج و الأحكام، والقرآن ينبه إلى ملاحظة الموازنة في كثير من الآيًت، ومن ذلك قوله جل وعلا: ﴿ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜﭝﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﴾(3)، وقوله تعالى: ﴿ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﴾(4)، وقال سبحانه ﴿ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﴾(5). ثم تأتي مرحلة الحكم المؤيد بالدليل والبرهان ، قال تعالى: ﴿ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ﴾(6)، وقال عز وجل: ﴿ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ (1) سورة يونس: آية 111 . (2) سورة الذاريًت: آية 21،21 . (3) سورة فاطر: آية 12. (4) سورة فاطر: الآيًت 11- 22 . (5) سورة غافر: آية 55 . (6) سورة البقرة: آية 111، وسورة النمل: آية 64 .
عدد الصفحات ١٤٨- 145 - ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﴾(1)، وقال تبارك وتعالى: ﴿ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﴾(2)، وقال تعالى: ﴿ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﴾(3)،وقال عز وجل: ﴿ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﴾(4). وعلى هذا فالتربية القرآنية تدعو إلى حرية التفكير، واستقلال ية العقل، وحصانة البحث، ومقاومة التقليد والجمود على ما كان فيه ال سابقون، وهذا هو الأساس الرابع من أسس التربية القرآنية: الأساس الفكري. المطلب الخامس: الأساس النفسي (طمأنينة النفس) لقد جاءت تعاليم القرآن متناسبة مع كافة احتياجات النفس الإنسانية ، فالله سبحانه وتعالى هو خالق هذه النفس، وهو الذي وضع لها ما يناسبها ويحقق لها الطمأنينة والسعادة في كتابه العظيم (القرآن الكريم)، فهو دواؤها من أي أمر اض نفسية مهما بلغت حدتها ومضاعفاتها، ولا يمكن أن تتوفر حالة الاطمئنان والرض ا والسكينة والسعادة بشكل كامل و صم إلا من خلال هذا القرآن العظيم، وبذكر ربنا الرحمن الرحيم، ومن أعظم ذكره ا لتعبد بتلاوة القرآن والعمل به. (1) سورة الأنبياء: آية 24. (2) سورة القصص: آية 55. (3) سورة الإسراء: آية 51. (4) سورة يونس: آية 36 .
عدد الصفحات ١٤٩- 141 - قال جل وعلا: ﴿ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﴾(1)، وقال سبحانه: ﴿ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﴾(2)، وقال تعا ﴿ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ﰎ ﰏ ﰐ ﰑ ﰒ ﰓ ﴾(3)، وقال تبارك وتعالى: ﴿ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﴾(4). قال ابن عباس رضي الله عنهما : ضمن الله تعالى لمن قرأ القرآن وعمل بما فيه ألا يضل في الدنيا، ولا يشقى في الآخرة، وتلا الآية(5). فالتر بية ال تي جاء بها القرآن، وتربى عليها أهل الإيمان، هي التي تكفل سعادة الإنسان والمجتمع؛ لأن الله سبحانه وتعالى هو خالق هذه النفس، و يعلم ما يعتريها من حالات ضعف أو فتور أو مرض، ويعلم أسباب ذلك وعلاجه، والقرآن كلامه سبح انه الذي أنزله لتصلح بتطبيقه وامتثاله أحوال البشرية. (1) سورة الإسراء: آية 1 . (2) سورة الإسراء: آية 52 . (3) سورة الرعد: آية 25 . (4) سورة طه: آية 123،124 . (5) القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ( 11/255 .)
عدد الصفحات ١٥٠- 151 - قال تعالى مبيناً سعة علمه وإحاطته بخائنة الأعين وبما تخفيه الصدور: ﴿ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﴾(1)،و بين ظلم الإنسان وجهله بقوله جل وعلا : ﴿ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﴾(2) . وبينَّ القرآن حال النفس البشرية يوم القيامة، وكيف تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون، قال تعالى: ﴿ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ﴾(3)، وفي هذا خير راد ع لتلك النفس عن ارتكاب المعاصي والموبقات، وخير محفّ ز للطاعات والقربات. و هناك حاجة نفسية للقرآن الكريم ، فلا يحصل للنفس رضا وطمأنينة إلا بالقرآن ، وتربية القرآن، وهناك أبحاث سيكولوجية متطورة تذكر أن في مخ الإنسان فراغ لا يملأ إلا بالتربية الروحية ، والتعلق الوجداني ، و تستند لأننا ضعفاء ويظهر ضعفنا جلياً حين المرض، أو حين يلوح علينا شبح الموت المخيف ، فإذا لم تهتد البشرية إلى د ين الله القيم الحق الذي يملأ ذلك الفراغ النفسي والروحي والوجداني عندها؛ تلجأ إلى الخرافات ، وعبادة أنواع شتى من الآلهة المزعومة، كعبادة الأصنام، أو عبادة البقر، أو عبادة الأضرحة والقبور، أو عبادة الفئران، أو عبادة النجوم والكواكب، أو حتى عبادة (1) سورة غافر: آية 11. (2) سورة الأحزاب : آية 52. (3) سورة النور: آية 24،25.
عدد الصفحات ١٥١- 151 - الفرج!!، في محاولة يًئسة لملء الفراغ الذهني ب تلك المعتقدات وأنواع العب ادات - السخيفة -، خوفاً من حالة الضياع القاتلة التي يسببها لهم الفراغ الروحي و الوجداني، وأظن أننا لا نحتاج إلى أدلة في هذا الحديث، وخاصة حينما نرى البلدان الم تقدمة ماديًً وتكنولوجياً وعلمياً مثل الدول الأوروبية، أو اليابان أو السويد، ونحوها من الدول، فإننا نرى إلى جانب التطور التكنولوجي هنالك الضياع المر القاتل الذي يعاني منه قطاع كب ير من المجتمع عندهم، وبالرغم من الترف المادي الذي يعيشونه، وتوفر كل وسائل الراحة لهم، إلا أنهم يعيشون أمراضاً نفسية شتى، كالقلق والاضطراب، والإحباط، يعيشون ضيقاً نفسياً وضنكاً، لا يملؤه إلا أن يؤمنوا بالله تعالى إيماناً حقيقياً، ويستجيبون لتعاليم شرعه، فعن دها يشعرون بالرضا والسكينة والطمأنينة. والتربية القرآنية لا تملأ الفراغ الوجداني والروحي والنفسي فحسب، بل إنها تحارب العقد النفسية أولاً بأول، ولا تسمح لها أن تنمو وتنتشر، بل تهيء التربية القرآنية مناخات مضادة لتلك العقد فتقضي عليها وتحاصرها وتمنع نموها، ف لا تتحول إلى حالة مرضية عسيرة ، كمرض الحسد، أو الحقد، أو التكبر، أو الغيبة، أو النميمة، أو الخوف، أو الجشع، أو التسلط، أو حب السيطرة ، أو الانتقام، أو الغرور، أو الوسواس، ... الخ تلك الأمراض النفسية . ويكون علاجها ومحاصرتها بمجاهدة النفس التي يدعو لها القرآن ويحث عليها، وحملها على أن تتعلم أمور الدين وتعمل بها، وبمخالفة الهوى، فالنفس تميل إلى الهوى وتستميلها الشهوات، فيجب إلزامها ما أمر الله به، وإلزامها ترك ما تهوى مما نهى الله عنه، كمنع العين عن رؤية المحرم، وإمساك اللسان عن قول السوء، ومنع الأذن من الاستما ع للمحرم، ومنع اليد أن تمتد للحرام، أو أن تلمس حراماً، وهكذا في سائر
عدد الصفحات ١٥٢- 152 - الجوارح، فمراقبة النفس ومنعها عن معصية الله وإلزامها طاعته، هو سبيل تزكيتها وتربيتها وتطهيرها وتربيتها. وقد نقل الإمام القرطبي في تفسيره لقول الله تعالى: ﴿ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﴾(1) عن أبي سليمان الداراني - رحمه الله - قوله: ليس الجهاد في الآية: قتال الكفار فقط، بل هو نصر الدين، والر د على المبطلين، وقمع الظالمين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومنه مجاهدة النفوس في طاعة الله، وهو الجهاد الأكبر(2) . فالتربية القرآنية تعالج كل تلك الأمر اض النفسية، وتملأ وجدان المسلم وق لبه وروحه بكل سعادة ورضا وطمأنينة، وهذا ما قصدته، بالأساس النفسي، الذي هو أحد الأسس التي تقوم عليها التربية القرآنية الفذة الفريدة. المبحث الثالث: ضوابط التربية القرآنية كما أن للتربية بالقرآن أسساً تقوم عليها، ولا يمكن وجودها إلا بتوفر ها، فإن لها كذلك ضوابط، تحدد مسارها، وتضبط توجهاتها، وتزيد من ثمرتها المرجوة، بإذن الله تعالى، وسأتناول أبرز خمس ضوابط، من خلال خمسة مطالب، على النحو التالي: (1) سورة العنكبوت: آية 61. (2)القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ( 13/365.)
عدد الصفحات ١٥٣- 153 - المطلب الأول: شمولية التربية فالتربية القرآنية تربية عامة شاملة؛ دينية و دنيوية، روحية و مادية، علمية و عملية، فالقرآن لا يفصل بين دنيا الإنسان وآخرته ، بل يعتبر دنياه وسيلة للنجاة والسعادة في آخرته، كما أنه يدله على سبيل سعادته في دنياه قبل آخرته، قال جل وعلا : ﴿ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﴾(1). وعلماء الإسلام ودعاته ومفكروه لم يفرقوا في كتاباتهم التربوية والتوجيهية بين د ين المسلم ودنياه، ولا بين حياته وآخرته، بل مزجوا بينهما مزجاً بديعاً عجيباً، ومن أوضح الأمثلة على ذلك ما كتبه الإمام الماوردي - المتوفى سنة خمسين وأربعمائة للهجر ة - في كتابه القيم الما تع (أدب الدنيا والدين). ويوجه ال قرآن النفس البشرية إلى القوة في الحياة على اختلاف أنواعها، سواء أكانت قوة مادية أو معنوية،علمية أو عملية،عبادية أو أخلاقية، سياسية أو اقتصادية، أو غير ذلك من أنواع القوة؛ قال تعالى : ﴿ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﴾(2) . وفي الحديث عن أبي هري رة ، قال: قال رسول الله :«المؤمن القوي، خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير احرص على ما ينفعك، و استعن بالله ولا تعجز»(3) . (1) سورة القصص: آية 55. (2) سورة الأنفال: آية 61 . (3) رواه مسلم في صحيحه، كتاب القدر، باب في الأمر بالقوة وترك العجز والاستعانة بالله وتفويض المقادير لله، (2664) (4/2152.)
عدد الصفحات ١٥٤- 154 - فأي نوع من أنواع القوة، يأمر به القرآن ويدعو إليه، كما تأمر به السنة أيضاً وتدعوا إليه. و القرآن يهدف إلى صيانة المجتمع، وتحصينه ضد عوامل الضعف أو الفناء؛ قال جل وعلا:﴿ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ﴾(1)، وقال جل وعلا: ﴿ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﴾(2)، وقال تعا﴿ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ﴾(3) . ومن شمولية التربية القرآنية أنها تعنى بتربية الفرد، كما تعنى بتربية الجماعة على حدٍّ سواء. فمن الأمثلة على تربية القرآن للفرد: تحذير القرآن له من عداوة الشيطان، قال جل وعلا: ﴿ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﴾(4). وقال سبحانه وتعالى : ﴿ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﴾(5). (1) سورة البقرة: آية 115 . (2) سورة آل عمران: آية 131. (3) سورة النساء: آية 114 . (4) سورة يوسف: آية 5 . (5) سورة الفرقان: آية 21.
عدد الصفحات ١٥٥- 155 - وتحذيره من الغرور وعاقبته، قال جل وعلا: ﴿ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﴾(1). وتحذيره الطغيانَ وعاقبته: ﴿ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﴾(2) . وتذكير ه بتحمل تبعات ما يفعل: ﴿ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﴾(3). وبالجملة، فإنَّ التربية القرآنية شملت الإنسان في كل تصرفاته و حركاته وسكناته، فكل ما يتعلق بالفرد قد وضعت له التربية القرآنية ما يصلحه، وما فيه سعادته في دنياه وآخرته ، قال تعالى: ﴿ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﴾(4) . (1) سورة الانفطار: الآيًت 6 - 5. (2) سورة العلق: الآيًت 6-5. (3) سورة ا سراء: الآيًت 13- 15. (4) سورة القيامة : آية 36.
عدد الصفحات ١٥٦- 156 - ومن الأمثلة على تربية القرآن للجماعة: مطالبته لها بالتماسك والوحدة، كما في قوله تعالى : ﴿ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﴾(1). ويعلمنا القرآن روح الجماعة ، حتى في دعاء الله ورجا ئه، قال سبحانه: ﴿ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﴾(2)، وقال تعالى:﴿ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﴾(3) . ويذكرها باشتراك أفرادها في تحمل التبعات ، قال جل وعلا: ﴿ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﴾(4). ويعلمها أن الخير في الجمع بين التفكير الفردي والتفكير الجماعي، كما في قوله سبحانه:﴿ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ (1)سورة آل عمران : آية 113. (2) سورة الفاتحة: الآيًت 5- 5. (3) سورة الحشر: آية 11. (4) سورة المائدة: آية 32.
عدد الصفحات ١٥٧- 155 - ﯭ﴾(1)، وقوله تعالى: ﴿ ﮞ ﮟ ﮠ ﴾(2)، وقوله جل وع ﴿ﭭ ﭮ ﭯ ﴾(3). ويبين لها أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتعاون على البر والتقوى، و السعي للإصلاح فريضة على الجماعة المسلمة في مجموعها، قال تعالى : ﴿ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ﴾(4)، وقال جل وعلا: ﴿ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ﴾(5)، وقال عز وجل ﴿ﯭ ﯮ ﯯﯰﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﴾(6) . وبالجملة، فإنَّ التربية القرآنية شملت البشرية في كل تصرفاتها و حركاتها وسكناتها، ووضعت لها التربية القرآنية ما يصلحها، وما فيه سعادتها في الدنياه والآخرة ، قال تعالى: ﴿ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﴾(7). (1) سورة سبأ: آية 46. (2) سورة الشورى: آية 35. (3) سورة آل عمران: آية 151. (4) سورة آل عمران: آية 114. (5) سورة آل عمران: آية 111. (6) سورة المائدة: آية 2. (5) سورة المؤمنون: آية 115،116 .
عدد الصفحات ١٥٨- 155 - المطلب الثا : الاقتصاد والتدرج يقرر القرآن ال كريم أن التربية ليست عملية تحول مفاجئ في السلوك، وإنما هي عملية تحول تدريجي، يعتمد على التدرج في التوجيه شيئاً فشيئاً، حتى تؤتي التربية ثمارها المرجوة. وهذا التدرج قد اختاره الله تعالى لنفسه في إنشاء هذا الكون، فالله جل وعلا بالرغم من قدرته المطلقة التي لا تحدَّها حدود، كما قال جل وعلا: ﴿ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﴾(1)، وقال سبحانه: ﴿ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﴾(2)؛ بالرغم من ذلك فإنه سبحانه لم يخلق الكون دفعة واحدة، وإنما تدرج في خلقه، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﴾(3)، وقال تبارك وتعالى: ﴿ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ﴾(4)، وغيرها من آيًت؛ ليكون ذلك دلالة لخلقه أن يتدرجوا في كافة أمورهم و من طبع الإنسان أنه لا يتغير فجأة، وإنما تمر عليه مراحل من التفكير والتج ريب والنظر والتأمل والإدراك حتى يتغير سلوكه . (1) سورة البقرة: آية 115. (2) سورة النحل: آية 41. (3) سورة الأعراف: آية 54، وسورة يونس: آية 3 . (4) سورة هود: آية 5 .
عدد الصفحات ١٥٩- 151 - وقد راعت التربي ة القرآني ة هذا التدرج، فأنت إذا نظرت في ترتيب نزول الق رآن، رأيت أن أول الآيًت والسور نزولاً كانت تتحدث عن العقائد وتثبيت الإيمان في القلوب، وذكر أحوال الأمم السابقة، والكلام على الجنة والنار وأحوال القيامة، ولم ينزل فيها أول الأمر شيئاً من العبادات والحلال والحرام والتكليفات الشرعية، ولو نزل ذلك أول الأمر لما استجاب الناس لذلك في الغالب الأعم، فهو حدثاء عهد بإيمان، ويحتاجون إلى تربية متدرجة حتى يقبلوا الحلال والحرام والتكليفات الشرعية، ف كان أول ما نزل من القرآن تبشير وتحذير ، وتنبيه إلى عاقبة الأمم السابقة التي ك ذبت رسلها، وماذا فعل الله بهم، ثم في مرحلة لاحقة، نزلت الأ وامر بالعبادات، وتحريم المنكرات ، مع مراعاة التدرج في ذلك. تقول عائشة رضي الله عنها: «إنما نزل أولُ ما نزلَ منه – أي: من القرآن - سورة من المفَصل ، فيها ذكرُ الجنة والنار ، حتى إذا ثابَ الناسُ إلى الإسلام ، نزلَ الحلالُ والحرامُ، ولو نزل أولَ شيءٍ : لا تشربوا الخمرَ، لقالوا: لا ندعُ الخمرَ أبداً، و لو نزل : لا تزنُوا، لقالوا: لا ندعُ الزّنا أبداً، لقد نزلَ بمكةَ على محمدٍ ، وإنيّ لجارية ألعبُ :﴿ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﴾(1)، وما نزلتْ سورةُ البقرةُ، والنساء إلا وأنا عندَهُ »(2). بل إن نزول القرآن مفرَّقاً على الأيًم والليالي، والوقائع والأحداث، ما هو إلا مراعاة لسنة التدرج، وتثبيتاً وتربية للنبي ولأمته من بعده، وقد قال الله تبارك وتعالى: (1) سورة القمر: آية 46 . (2) رواه البخاري في صح يحه، كتاب فضائل القرآن، باب تأليف القرآن، ( 4113( )6/155.)
عدد الصفحات ١٦٠- 161 - ﴿ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﴾(1). قال عبد العظيم الزرقا - رحمَه الله - في معرض حديثه عن الحكمة من نزول القرآن مُفَرَّقاً: (أن في التنجيم تيسيراً من الله في حفظه وفهمه، ومعرفة أحكامه و حكمه، وذلك مُطَمْئ ن له – أي: للنبي - علىوعي ما يوحى إليه حفظاً وفهماً، وأحكاماً وحكماً، كما أن فيه تقويةً لنفسه الشريفة على ضبط ذلك كله)(2) . وقال في الحكمة الثانية من نزول القرآن مفرَّ قاً: (التدرج في تربية هذه ا لأمة الناشئة، علماً وعملاً ) (3). ومن مظاهر هذا التدرج : تحريم الخمر، فقد كان شرب الخمر منتشرا في الجاهلي ة وفي صدر الإسلام، ولا بُدَّ من تحريمها لما يترتب عليها من أضرار لا تخفى على ذي عينين، و لو نزل تحريمها فجأة لشق ذلك على الناس، وربما لم يستجب الكثيرون للنهي، لإلفهم شربها، وتعودهم عليها، فجاء تحريمها متدرجاً، على ثلاثة مراحل. المرحلة الأولى: بين الله جل وعلا فيها أن للخمر منافع للناس، وأنها تشتمل على إثم كبير، وأن إثمها أكبر من نفعها، فقال جل وعلا: ﴿ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯨ ﯩ ﯪﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ﴾(4)، (1) سورة الفرقان : آية 32. (2 )الزرقاني، مناهل العرفان، ( 1/53)، ومعنى التنجيم: أي التفريق، والمراد نزول القرآن مُفرَّقاً على الحوادث و الأزمنة المختلفة في ثلاث وعشرين سنة، فقد كانت السورة تنزل دفعة واحدة، أو ينزل مقطع منها، أو تنزل الآية الواحدة أو مقطع منها، قال تعالى: ﴿ وَقـُرْآناً فـَرَقـْنَاهُ ل تـَقْرَأَهُ عَلَى النَّاس عَلَى مُكْثٍ وَنـَزَّلْنَاهُ تـَنْز يلاً﴾( الإسراء: 116)، أي: لتقرأه على مهل، فيتمكَّنوا من حفظه والعمل بما جاء فيه. (3) الزرقاني، مناهل العرفان، ( 1/55.) (4) سورة البقرة : آية 211.
عدد الصفحات ١٦١