- 113 - والقرآن هو معين التربية الأول، وهو مصدر الهدى وال نور الذي أشرقت له الظلمات، وهو الرحمة الكبرى التي بها صلاح جميع المخلوقات، وهو شفاء الصدور ، و نور الأبصار، وطمأنينة القلوب، إنه النعمة الباقية، والعصمة الواقية، والحجة البالغة، والدلالة الدامغة، كيف لا وهو كلام الحق جل وعلا؟! . وعندما تتأمل القرآن تجد أن مادة (الرب) قد تكررت فيه أكثر من ألف مر ة، وقد ذكر المفسرون وعلماء اللغة أن الرب هو المربي الذي يسوس من يربيه ويدبر أمره، وربوبية الله للإنسان تظهر بتربيته إيًهم . وهذا يدل على عناية القرآن بشأن تربية النفس وتزكيتها، ويؤكد لنا كذلك أهمية هذا الملتقى (ملتقى التربية بالقرآن الكريم – مناهج وتجارب) وأهمية الم وضوعات والمحاور التي طرحها للدراسة والبحث، وقد رأيت أن أسلط الضوء بإيجاز على المحور الأول من محاور هذا الملتقى، والذي عنوانه (التربية بالقرآن ؛ المفهوم والأسس والضوابط)، وسأتناول هذا الموضوع - بإذن الله تعالى – من خلال خطة تحتوي على تمهيد، و ثلاثة مباحث رئيسة، وخاتمة، وذلك على النحو التالي: التمهيد: وأتناول فيه الحاجة إلى التربية القرآنية وأهميتها. المبحث الأول: مفهوم التربية القرآنية . المبحث الثاني: أسس التربية القرآنية. المبحث الثالث: ضوابط التربية القرآنية. الخاتمة وتشتمل على أبرز نتائج الدراسة. هذا وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين . كتبه / د. محمد مصطفى أحمد شعيب
عدد الصفحات ١١٤- 114 - التمهيد (الحاجة إلى التربية القرآنية وأهميتها) إن البشرية منذ فجر التاريخ إلى يومنا هذا قد عرفت منهجين للتربية لا ثالث لهما : أحدهما : المنهج الإلهي الذى أنزله الله على أنبيائه ورسله ليبينوا للناس ما نزل اليهم. والثاني : المنهج الأرضي على اختلاف أن واعه، وتعدد أغراضه، تبعاً لتصورات الناس لطبيعة الحياة والإنسان، ولطبيعة الفرد والمجتمع، وهي تصورات مهما اختلفت وتنوعت فإنها - جميعها- تبقى قاصرةً عن تحقيق التربية المثلى للفرد أو المجتمع، وهي فاقدة للتوازن والاعتدال، شأنها شأن كل منهج من مناهج البشر القاصرة. من هنا كانت الحاجة ماسة إلى معرفة منهج الله تعالى في مجال التربية، بل وفي كل مجال من مجالات الحياة، بغية امتثاله وتطبيقه وجني ثماره غضة طرية في واقع الحي اة؛ استقامة وصلاحاً، وسعادة ورضى، وطمأنينة ورُق ي. ولا يخفى ما كانت عليه حال البشرية، قبل البعثة النبوية، من بعد عن هدي الرسالات السماوية، فقد كان الشرك مهيم ناً على حياة الناس، والظلم فاشياً ، والجهل عاماً ، والفساد ظاهراً ، والفسوق منتشراً ، ولم يكن لهم عاصم من دين أو خلق، ولا رادع من قانون أو نظام، ولا وازع من وعى أو مر وءة، عالم تحكمه شريعة الغاب، يأكل القوي منهم الضعيف، فبعث الله نبينا محمداً بالهدى والنور،فدعا إلى التوحيد ، وقاوم الظلم، وأباد الجهل، وأزال الفساد من الأرض، وربىَّ النفوس تربية فريد ة من نوعها، تلك التربية التي أخرجت لنا خير جيل عرفته البشرية، جيل الصحابة الكرام رضوان الله تعالى عليهم.
عدد الصفحات ١١٥- 115 - وانطلقت تلك التربية الفريدة للنفس البشرية ، من النظرة الصحيحة ل لإنسان، فهو مخلوق كرَّ مه الله تعالى، وفضله على كثيرٍ ممن خلق تفضيلاً، قال تعالى: ﴿ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﴾(1). فالإنسان محل العناية الربانية ، كرَّ مه سبحانه وتعالى بالعقل ليميز النافع من الضار، و يعرف الخير من الشر، ويحقق عبادة الله في الأرض، ويتحلى بمكارم الشريعة، من طهارة النفس، وجميل الأخلاق، والحكمة، والعفة، والصبر، والعدل، والإحسان، وغيرها من مكارم هذه الشريعة وفضائلها. كما أرسل له - سبحانه - الرسالات السماوية لإقرار وتأكيد ما ركز في فطرته من معرفة ربه وخالقه ، وأنعم عليه بشتى النعم، وأحاطه بعناي ته وحف ظه وتسخير ملائكته؛قال تعالى: ﴿ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ﴾(2) . وسخر له جميع ما في الأرض، وجعله خليفة فيها لعمارتها، وتحقيق عبودية الله ، ونشر الخير، وإقامة العدل، ودفع الظلم، قال تعالى: ﴿ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﴾(3). (1) سورة الإسراء: آية 51. (2) سورة الرعد: آية 11. (3) سورة البقرة: آ ية 31 .
عدد الصفحات ١١٦- 116 - والإنسان سيد هذاالكون، وكل ما فيه مسخَّر لأجل منفعته وخدمته، وقد خلقه الله تعالى من بين سائر الكائنات خلقة تؤهله للدارين - الدنيا والآخرة - ؛ قال الراغب الأصفهاني - رحمه الله -: «وذلك أن الله تعالى قد أوجد ثلاثة أنواع من الأحياء، نوعاً لدار الدنيا وهي الحيوانات، ونوعاً للدار الآخرة وهو الملأ الأعلى- يعني: الملائكة -، ونوعاً للدارين وهو الإنسان، فالإنسان واسطة بين جوهرين؛ وضيع وهو الحيوانات، ورفيع وهو الملائكة، فجمع فيه قوى العالمين، وجعله كالحيوانات في الشهوة البدنية والغذاء والتناسل والمهارشة والمنازعة وغير ذلك من أوصاف الحيوانات، وكالم لائكة في العقل والعلم وعبادة الرب والصدق والوفاء ، ونحو ذلك من الأخلاق الشريفة. ووجه الحكمة في ذلك: أنه تعالى لما خلقه لعبادته وعمارة الأرض والخلافة فيها، وهيأه مع ذلك لمجاورته في جنته، اقتضت الحكمة أن يجمع له القوتين، فإنه لو خُلق كالبهيمة معرىّ عن العقل لما صلح لعبادة الله تعالى وخلافته، كما لم يصلح لذلك البهائم، ولا لمجاورته ودخول جنته، ولو خلق كالملائكة معرَّى عن الحاجة البدنية لم يصلح لعمارة أرضه، كما لم يصلح لذلك الملائكة، حيث قال تعالى في جوابهم: ﴿ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﴾(1)؛ فاقتضت الحكمة الإلهية أن تجمع له القوصن، و في اعتبار هذه الجملة تنبيه على أن الإنسان دنيويٌّ وأخرويٌّ، وأنه لم يخُ لق عبثاً كما نبه الله عليه بقوله: ﴿ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﴾(2)»(3). (1) سورة البقرة: آية 31 . (2) سورة المؤمنون: آية 115 . (3) الراغب الأصفهاني، تفصيل النشأتين وتحصيل السعادتين، (ص 35،35 .)
عدد الصفحات ١١٧- 115 - وتحقيق الإنسان للعبوديةالحقة لله، وخلافة الأرض وعمارتها على الوجه المطلو ب، لا يكون إلا بتربية الإنسان وتهذيبه، فرداً وجماعةً وأمَّةً، ومن هنا كانت التربية القرآنية فريضة في أعناق الجميع، وأمانة يحملها الجيل للجيل الذي بعده، ويؤديها المربون لأنفسهم ولغيرهم. إنها تربية الإنسان على تحكيم شريعة الله في جميع أقواله وأفعاله، مع التسل يم التام والانقياد المطلق لها، ومن دون أن يجد أدنى حرجٍ في نفسه تجاهها؛ قال تعالى: ﴿ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ﴾(1). إنها تربية الإنسان على التوحيد والعقيدة، والإيمان بالله واليوم الآخر والرسل والملائكة والكتب والقدر خيره وشره، وتربيته على العمل الصالح، والتطبيق والامتثال لتعاليم الشريعة، وتربيته على الدعوة إلى الله والتواصي بالحق مع أفراد مجتمعه، والت عاون على تحقيق عبودية الله في الأرض، وتربيته على الصبر بكل أنواعه، صبر على طاعة الله تعالى، ويدخل ضمنه الصبر في إحقاق الحق ومحاربة الباطل، وتحمل تبعات ذلك الطريق أيًً كانت شاقةً ومؤلمة، وصبر عن معاصيه، وصبر على أقدار الله المؤلمة، وبمثل هذه التربية ينجو الإنسان من الخسارة، ويحقق الفوز والنجاة بإذن الله تعالى؛ قال الله تعالى: ﴿ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﴾(2) . (1) سورة النساء: آية 65 . (2) سورة العصر: الآيًت 1-3 .
عدد الصفحات ١١٨- 115 - إنَّ المصائب التي تنزل بالمجتمع الإنساني عامة، والكوارث التي تصيب المجتمعات الإسلامية خاصة، وظلم الإنسان للإنسان، واحتكار الأمم القوية لخيرات الأمم الضعيفة، كل ذلك نتيجة لسوء تربية الإنسان، والانحراف به عن فطرته وطبيعته، وعن ابتغاء كماله م ن خلال تطبيقه لتعاليم ربه، وامتثاله لشريعته. ولا نجاة ولا صلاح للبشرية، إلا بالعودة إلى تربية الإنسان تربية إسلامية قرآنية، فالإسلام هو المنهج الرباني المتكامل والمتناغم مع فطرة الإنسان، وقد أنزله الله جل وعلا لصياغة الشخصية الإنسانية صياغة متزنة متكاملة، ليجعل منها خير نموذج على وجه الأرض، يحقق العدالة الإلهية في المجتمع الإنساني، ويستخدم ما سخَّر الله له من قوى الطبيعة، استخداماً معتدلاً متوازناً، لا غلو فيه ولا شطط، ولا تقصير فيه ولا تفريط. فالتربية القرآنية ضرورة حتمية لتخليص البشرية من التيه والضلال ، والشهوات والشبهات، والظلم والقهر والاستبداد الذي تعيشه البشرية بابتعادها عن تعاليم الوحي.
عدد الصفحات ١١٩- 111 - المبحث الأول: مفهوم التربية القرآنية المطلب الأول: معنى التربية لغة واصطلاحاً: التربية لغة: إذا رجعنا إلى كتب اللغة ومعاجمها، تبين لنا ثلاثة معاني رئيسة لكل مة التر بية: أولها: الزيًدة والنمو والعلو، تقول: ربا يربو، بمعنى: زاد ونما، ومنه كلمة (الربا)؛ لأنه زيًدة على رأس المال، ومنه قوله تعالى: ﴿ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﴾(1)، والربوة هي المكان المرتفع . والمعنى الثاني : النشأة ، تقول : ربى يربى- بوزن خفي يخفى -، أي: نشأ وترعرع، ومنه قول ابن الأعرابي: فمن يك سائلاً عني فإني ... بمكة منزلي وبها ربيت. والمعنى الثالث: الرعاية والإصلاح، تقول: ربَّ يرب- بوزن مد يمد – بمعنى: أصلحه وتولى أمره، وقام عليه ورعاه، وتقول: رببت الأمر أربه رباً، ورباباً: أصلحته، و(الرب ) بمعنى القيم والمصلح، والله تعالى هو الرب ؛ لأنه مصلح شؤون خلقه، ومدبر أمو رهم، و(الربيبة ) بمعنى الحاضنة؛ لأنها تتكفل بشأن من تحضنه، ومنه (ربة الدار) التي تتعهدها. هذه معاني عامة لهذا الأصل الثلاثي (ربا)، والفعل المزيد عليه بحرف هو الفعل (ربىَّ)، وم صدره القياسي (تربية) (2)؛ ونلحظ في هذه المعاني أن مادة التربية - أو التربيب – تدور على الزيًدة والإصلاح، أي: الإصلاح للموجود، والإضافة إليه. (1) سورة الروم : آية 31 . (2) انظر: الجوهري، الصحاح، 1/131)؛والهروي،تهذيب اللغة، (15/115)؛ وابن الأثير، النهاية في غريب الحديث والأثر، (2/151،151)؛ وابن منظور، لسان العرب، ( 14/314- 316)، والزبيدي، صج العروس، (2/463.)
عدد الصفحات ١٢٠- 121 - والتربية اصطلاحاً : قال الإمام الغزالي - رحمه الله - « :ومعنى التربية يشبه عمل الفلاح الذي يقلع الشوك، ويخرج النباصت الأجنبية من بين الزرع، ليحسن نباته، ويكمل ريعه »(1) . وقال الإمام البيضاوي- رحمه الله - : «الرب في الأصل بمعنى التربية، وهي ت بليغ الشيء إلى كماله شيئاً فشيئاً »(2). وقالالراغب الأصفهاني - رحمه الله - : «الرب في الأصل: التربية، وهو إنشاء الشيء حالاً فحالاً إلى حد التمام»(3). وعرَّف بعضهم التربية بأنها«تنشئةُ وتكوينُ إنسانٍ سليم مُسلم متكامل من جميع نواحيه المختلفة، من الناحية الصحية، والعقلية، والاعتقادية، والروحية، والإدارية، والإبداعية»(4). والتربيةالصحيحة المثمرة تتكون من عدة عناصر، وهي: الأول: تصفية النفس من الشوائب و الكدورات ، وهو ما يسمى بالتخلية. الثاني: تعليمها ما ينفعها في الحياة العملية، وهو ما يسمى بالتحلية، ويدخل في ذلك: تنمية المواهب والقدرات والإمكانيات لدى الشخص، واستعداداته كلها، وهي كثيرة متنوعة. الثالث: المحافظة على الفطرة ورعايتها، ويدخل في ذلك: توجيه الفطرة إ لى ما فيه صلاحها وكمالها اللائق بها. (1) الغزالي، أيها الولد، (ص 125.) (2) البيضاوي، أنوار التنزيل، (1/25.) (3)الراغب الأصفهاني، المفردات، ( ص 336 .) (4) مقداد يًلجن، أهداف التربية الإسلامية وغايًتها، (ص 21 .)
عدد الصفحات ١٢١- 121 - الرابع: التدرج، فالتربية تحتاج إلى وقت وتدرج، وهذا واضح في قول البيضاوي: «شيئاً فشيئاً »، وقول الراغب: «حالاً فحالاً » . والتربية نشأت منذ نشأ الإنسان الأول(آدم عليه السلام)، ومهمتها: الاهتمام بالكائن البشري وتزكيته في كافة جوانبه: البدنية، و العقلية، و النفسية، والروح ية، فالتربية كما تعنى بالظاهر من خلال الاهتمام بما يكون به نمو الإنسان واكتمال قوته البدنية، فهي أشدر عناية بالباطن، من خلال الاهتمام بحالته الروحية والنفسية و العقلية بما يوحيه الله للإنسان بواسطة رسله، ليكمل له فطرته ، ويزكي له روحه ونفسه بعلو م الشريعة، بتعلمه لها وعمله بها. فالغرض من التربية هو الإعداد للحياة الفاضلة بتكوين العقل السليم والجسم السليم، وبناء الشخصية على أسس متينة من الأخلاق الكريمة، و هداية البشرية إلى ربها ومعبودها، ك ي تقوم بعبادة الله تعالى، إذ هي الغاية من الخلق، ك ما قال سبحانه: ﴿ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﴾(1). والغاية من التربية و ثمرتها: حصول السكينة والطمأنينة للنفس الإنسانية، وبالتالي قيام المجتمع الفاضل الذي يسوده الحب والوئام، وينتشر في أرجائه العدل وا لسلام. (1) سورة الذاريًت: آية 56 .
عدد الصفحات ١٢٢- 122 - المطلب الثا التربية القرآنية مما لا شك فيه أن القرآن الكريم هو الأساس الأول للتربية والثقافة في المجتمع الإسلامي، و هو المثل الأعلى للمسلمين فيما يقرره من عقائد وعبادات ، و معاملات وأخلاق، وقصص وحكم وأمثال ؛ قال تعالى: ﴿ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ...﴾(1) . وإذا كان القرآن كتاب عقيدة و تشريع، فإنه في الوقت ذاته كتاب تربية و علم وتهذيب وإصلاح، وميزة القرآن في هذا المجال أنه ألقى على التربية ثوباً إلهياً قدسياً ، فصارت جزءاً من الدين والعبادة، ولأمر ما كان أول ما نزل من القرآن هو قوله تعالى: ﴿اقرأ ﴾ وال قراءة باب العلم والتربية، و كانت الآية الأولى من القرآن: ﴿ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﴾(2) وكلمة ﴿رَبّ كَ﴾ ذات صلة قوية بالتربية، وقد تقدمت الإشارة إلى ذلك . و تتميز التربية الإسلامية المستمدة من القرآن الكريم بأنها تشمل جميع الجوانب الإنسانية، فهي تهتم بالحواس والعقول، كما تهتم بالقلوب والأرواح. فالقرآن يدعو إلى استخدام الحواس-كالسمع والبصر- في النظر والتأمل؛ قال تعالى: ﴿ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﴾(3). ويدعو إلى استخدام العقل للإدراك ، والتفكير، وتحصيل العلم والمعرفة؛ قال جل وعلا: ﴿ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﴾(4)، وقال سبحانه: ﴿ ﯤ (1) سورة الإسراء: آية 1 . (2) سورة العلق: آية 1 . (3) سورة الإسراء 36 . (4) سورة الرعد : آية 4، وسورة النحل: آية 12.
عدد الصفحات ١٢٣- 123 - ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ﴾(1)، وقال سبحانه: ﴿ ﰕ ﰖ ﰗ ﰘ ﰙ ﰚ ﴾(2)، وقال تعا ﴿ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ﴾(3)،وقالتعالى:﴿ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ﴾(4)، وقال تعالى: ﴿ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﴾(5) . ويدعو إلى تطهير النفس والقلب ليكون هناك إشراق روحي ، وتعليم وفتح رباني، قال الله جل وعلا:﴿ﯸﯹﯻﯼﯾﯿﰀ ﰁ﴾(6)، وقال سبحانه: ﴿إِن تلَتلَّقُوا اللََّّ يََ عَل لَكُم فلُر قَانً ﴾(7) أي: نور اً يكشف لكم الحق من الباطل، والصواب من الخطأ. إن القرآن الكريم يخاطب أعماق الفطرة، ويستجيش الوجدان، ويحرك القلوب الحية، والعقول النيرة، لتوحّ د الله جل وعلا، و قد بلغ من إعجاز القرآن الكريم، وأ سلوبه الرائع الخلاب أن خاف المشركون على قلوبهم وأنفسهم من استماعه حتى لا يتحولوا من الشرك إلى التوحيد، ومن الكفر إلى الإيمان، حتى كانت وصية بعضهم للبعض (1) سورة الحج: آية 46. (2) سورة البقرة : آية 231. (3) سورة البقرة 252. (4) سورة الملك: آية 11 . (5) سورة الأنفال: آية 22. (6) سورة البقرة: آية 252 . (5) سورة الأنفال: آية 21 .
عدد الصفحات ١٢٤- 124 - الآخر- كما حكى الله عنهم - ألا يسمعوا للقرآن؛ قال تعالى : ﴿ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﴾(1). وإنك لتعجب كل العج ب، عندما تعلم أنَّ كفار مكة سجدوا لله - رغم كف رهم - تأثراً بروعة القرآن؛ فقد ذهب النبي في يوم من أيًم شهر رمضان المبارك ، في السنة الخامسة من البعثة المحمدية المباركة، إلى بيت الله الحرام في مكة المكر مة، حيث يجلس السادة والكبراء من المشركين، و أخذ النبي يقرأ عليهم القرآن الكريم، وافتتح بسورة النجم، وقرع آذانهم كلام إلهي رائع خلاب، يستجيش الوجدان، ويلا مس القلو ب، ويحرك العواطف، لقد أنصت المشركون جميعاً لكتاب الله، وانشغلوا عن كل شيء بسماع القرآن، وقرأ النبي حتى وصلآخر السورة ، وفيها قوارع تطير لها القل و ب، وتأخذ بالألباب: ﴿ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﴾(2)؛ فخرَّ النبي ساجداً لله،و لم يشعر المشركون بأنفسهم إلا وهم سجود لله خلف رسول الله! إي وربي ، لم يتمالك المشركون أنفسهم ف خرّ وا ساجدين لله، تأثراً بروعة القرآن وبهائه وجلاله، و كيف لا وهو كلام الله يتلوه رسول الله !. وقد بوَّب البخاري في صحيحه: (باب سجود المسلمين مع المشركين ، ...) ثم روى بسنده عن ابن عباس رضى الله عنهما أن النبي سجد بالنجم، وسجد معه المسلمون، والمشركون ، والجن، والإنس(3) . (1) سورة فصلت: آية 26. (2) سورة النجم : الآيًت 55- 62 . (3) رواه البخاري في صحيحه، كتاب سجود القرآن، باب سجدة النجم، (1151( )2/41.)
عدد الصفحات ١٢٥- 125 - كما روى عن ابن مسعود :أن الن قرأ سورة النجم فسجد بها، فما بق ي أحد من القوم إلا سجد(1). إن القرآن هو المصدر الأول والأساسي للتربية الإسلامية، و هو معينها الذي لا ينضب، وهو الهدى الذي يمحو الله به الجهالة والضلالة، والنور الذي أشرقت له الظلمات، وهو الرحمة الكبرى التي بها صلاح جميع المخ لوقات، وهو نور الأبصار من عماها، وشفاء الصدور من أذاها، كلما ازدادت فيه الأبصار تدبراً وتفهماً وتفكيراً زادها القرآن هداية واستقامة وتبصيراً ، كيف لا وهو كلام الله رب العالمين، وهو سبحانه الخالق للإنسان والمربي له، من خلال كلامه وشرعه الذي أوحاه إلى أنبي ائه ورسله. لقد تر ك القرآن أثراً -لا تخطئه العين- في تربية النبي ، ولما استنكر الكفار نزول القرآن مفرَّقاً على الحوادث والأزمان، ردَّ الله عليهم بقوله: ﴿ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﴾(2)، وشهدت السيدة عائشة رضي الله عنها بأثر القرآن في حياة النبي ، فعن سعد بن هشام بن عامر، قال: أتيت عائشة، فقلت: يً أم المؤمنين، أخبريني بخلق رسول الله ، قالت: «كان خلقه القرآن، أما تقرأ القرآن، قول الله عز وجل : ﴿ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﴾(3( )4). (1) رواه البخاري في صحيحه، كتاب سجود القرآن، باب سجدة النجم، (1151( )2/41.) (2) سورة الفرقان: آية 32 . (3) سورة القلم: آية 4. (4) رواه أحمد في مسنده،24611( )41/145،141)، وقال محققو المسند«حديث صحيح».
عدد الصفحات ١٢٦- 126 - وحياة الرسول في حله وترحاله، وسلمه وحربه، وغضبه ورضاه، وهو وحده أو مع أهله أو بين أصحابه، بل حياته كلها في كل أحواله وأوقاته، تشهد بما شهدت ب ه السيدة عائشة - بل والناس جميعاً - من أنه «كان خلقه القرآن »، فلم يخرج عن تعاليم القرآن وإرشاداته طيلة عمره قيد أنملة . ورسول الله هو المربي الأول لهذه الأمة بالقرآن، فقد أشرف على تربي ة جيل الصحابة بالقرآن الكريم تربية شاملة متكاملة، حتى ارتقوا إلى القمة التي يصبوا إليها كلر بني الإنسان، فكان ذلك الجيل ظاهرة فريدة عجيبة لم يشهد التاري خ لها مثيلاً حتى الآن، فقد استطاع النبي الكريم بهذا القرآن أن يعيد بناء الإنسان العربي الجاهلي، ويخرجه من ظلمات التصحر الفكري والعقائدي والأخلاقي والاجتماعي، إلى نور الإيمان والمعرفة وسمو الخلق وسماحة النفس؛ قال تعالى: ﴿ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﴾(1). واستطاع الصحابة الكرام رضوان الله عليهم تحويل هذا القرآن إلى منهج ح ياة، وواقع متحرك، ومجتمع منظور ؛ وذلك أنهم كانوا إذا تعلموا عشر آيًت لم ينتقلوا عنها حتى يعملوا بما فيها من العمل؛ قال عبد الله بن مسعود :«كان الرجل منّا إذا تعلَّم عشر آيًت لم يجُاوزهنَّ حتى يعرفَ معان يـَهُنَّ، والعمل بهنَّ »(2) . وقال أبو عبد الرحمن السلمي رحمه الله : «حدثنا الذين كانوا يقرئوننا القرآن : عثمان ابن عفان، وعبد الله بن مسعود، وغيرهما، أنهم كانوا إذا تـَعَلَّموا من النبي عشر (1) سورة الجمعة: آية 2. (2) الطبري، جامع البيان، (1/54 .)
عدد الصفحات ١٢٧- 125 - آيًت، لم يجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل، قالوا: فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعاً (1). ولهذا استحق الصحابة الكرام رضوان الله عليهم ا لثناء من الله جل وعلا - هم وصبعوهم بإحسان - في قوله جل وعلا: ﴿ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﴾(2). وكما كان للقرآن أعظم الأثر التربوي في نفس الن ونفوس الصحابة الكرام، فقد كان للقرآن كذلك وقع عظيم ، وأثر تربوي بالغ في نفوس المسلمين، هداية وطمأنينة، واستقامةً وصلاحاً. والسرر في ذلك أن للقرآن أسلوباً رائعاً، ومزايً فريدة في تربية النفس البشرية (إنه يفرض الإقناع العقلي مقترناً بإثارة العواطف والانفعالات الإنسانية، فهو بذلك يربي العقل والعاطفة جميعاً، متمشياً مع فطرة الإنسان في البساطة، وعدم التكلف، وطرق باب العقل مع القلب مباشرة . يبدأ القرآن من المحسوس المشهور المسلم به؛ كالمطر، والريًح، والنبات، و الرعد، والبرق، ثم ينتقل إلى استلزام وجود الله، وعظمته وقدرته، وسائر صفات الكمال، مع اتخاذ أسلوب الاستفهام أحياناً، إما للتقريع، وإما للتنبيه، وإما للتحبيب والتذكير بالجميل، أو نحو ذلك، مما يثير في النفس الانفعالات الربانية؛ كالخضو ع، والشكر، ومحبة الله، والخشوع له، ثم تأتي العبادات والسلوك المثالي تطبيقاً عملياً للأخلاق الربانية . (1) ابن تيمية، الإيمان، (ص135 .) (2) سورة التوبة: آية 111.
عدد الصفحات ١٢٨- 125 - ولعل أوضح مثال على هذا الأسلوب التربوي القرآني يتضح في «سورة الر حمن»، حيث يُذكّ رنا الله جل جلاله بنعمه ودلائل قدرته، بادئاً من الإنسان، و قدرته على التعليم، إلى ما سخَّر الله له من الشمس والقمر، والنجم والشجر، والفاكهة و الثمر، وما خلق من السماء والأرض، وعند كل آية أو عدة آيًت استفهام يضع الإنسان أمام الحسّ والوجدان، و صوت القلب والضمير، فلا يستطيع أن ينكر ما يحس به، ويستجيب له عقله وقلبه، وقد تكرر ذلك هذا الاستفهام: ﴿ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﴾(1) إحدى وثلاثين مرة في هذه السورة، وفي كل مرة يثير انفعالاً بحسب الآية التي تسبقه. والقرآن قد بدأ نزوله بآيًت تربوية، فيها إشارة إلى أن أهم أهدافه تربية الإنسان بأسلوب حضاري فكري، عن طريق الاطلاع، والقراءة، والتعليم، والملاحظة العلمية لخلق الإنسان منذ كان علقة في رحم الأم ﴿ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﴾(2). و تعالى أقسم أحدَ عشرَ قسماً ليقرر أن النفس الإنسانية قابلة للتربية، والتزكية والتسامي(3) )(4). (1) سورة الرحمن : آية 13. (2) سورة العلق: الآيًت 1- 5 . (3) وذلك في سورة الشمس، من قوله تعالى: ﴿وَالشَّمْس وَضُحَاهَا﴾ إلى قوله عز وجل : ﴿قَدْ أَفـْلَحَ مَ نْ زَكَّاهَا، وَقَ دْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾الشمس: الآيًت 1-11. ] (4) النحلاوي، أصول التربية الإسلامية وأساليبها، (ص 24،25.)
عدد الصفحات ١٢٩