- 51 - ومع اندماجه بالروح يتحرر العقل من سيطرة النفس وغرائزها وبذلك ينجو من التخبط في الظلام ، وعدم الوصول إلى الحقيقة . لذا " إذا لم يتحرر العقل من سيطرة النفس وغرائزها وبقي يت خبط في ديًجر الظلام أو أوحال الشرك والضلال فإنه لا يستطيع الوصول إلى الحقيقة بسبب تلك العوائق التي بينه وبين الوصول إليها " (1). فالقرآن الكريم يربي العقل على تفتح الذهن " وقدح التفكير ،وتوسيع المدارك ، وتنمية العقول ، وإشباع حبها للإطلاع والمعرفة ، والإ جابة على التساؤلات واستفساراتها بالمنطق والعلم ، والاقتناع ، وتحفيزها على الاجتهاد والابتكار " (2) . إن القرآن ينظر إلى الإنسان نظرة متكاملة بجميع جوانبه الشخصية فيهتم بها لخلق توازن وانسجام بينها في جميع الجوانب . ثالثاً : التربية الجسمية اهتم القرآن ا لكريم بالتربية الجسمية والعناية بها حتى يتمكن الإنسان من القيام بأداء المهمة والرسالة التي أمر الله بها المتمثلة في عبادة الله ، والامتثال لأوامره ، والقيام بفرائضه التي افترضها الله في هذه الحياة الدنيا، ويضاف إلى القيام بمهمة الاستخلاف . يسعى القرآن الكر يم إلى تكوين الجسم القوي؛ إذ المؤمن القوي خير من المؤمن الضعيف (3). (1) فيصل بعلبكي ، العقل والإيمان في نظر القرآن ، دار الندوة الإسلامية للطباعة النشر ، بيروت ، 1412هـ ـ1111م ،صـ 1. (2)محمد قطب الشاربي ، منهج التربية الإسلامية ، دار الشروق ، القاهرة ، 1413هـ ـ1153م، جـ1، صـ55. (3) عبد الحميد الصيد الزنــتـاني، أسس التربية الإسلامية في السنة النبوية ، مرجع سابق ، صـ 445.
عدد الصفحات ٨٢- 52 - عَنْ أَبي هُرَيـْرَةَ رَض يَ اللَُّّ عَنْهُ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ « :الْمُؤْم نُ الْقَو ير، خَيـْر وَأَحَبر إ لىَ الله م نَ الْمُؤْم ن الضَّع يف ، وَفي كُلٍّ خَيـْر احْر صْ عَ لَ ى مَا يـَنـْفَعُكَ، وَاسْتَع نْ با لله وَلاَ تـَعْجَزْ، وَإ نْ أَصَابَكَ شَيْء ، فَلاَ تـَقُلْ لَوْ أَنيّ فـَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا، وَ لَك نْ قُلْ قَدَرُ الله وَمَا شَاءَ فـَعَلَ، فَإ نَّ لَوْ تـَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَان »(1). لا بد من جسم قوي قادر علىالحركة، قادر على القيام بأعبائه الدينية والدنيوية ، الإسلام فرض فروضاً ، وألزم بواجبات، بعضها شعائري عبادي، وبعضها اجتماعي، وبعضها اقتصادي، هذه الأعباء لا يستطيع أن يؤديها المريض والضعيف كما ي نبغي، وكما ينشد الإسلام، إنها تحتاج إلى جسم قوي . التربية الجسمية هي" العناية بالجانب الجسمي تعني الوصول بالإنسان إلى قدر معقول من الصحة الجسمية العامة ، ومعرفة الأُسس العامة للصحة والوقاية من الأمراض " (2). ولهذا فإن التربيةفي القرآن تُعنى بهذا الجسم من الناحية الصحية ، ثم من ناحية الجمال والزينة ، هذه النواحي يريد الإ سلام أن تتوفر في جسم الإنسان المسلم. 1 )الناحية الصحية ينبغي أن يحرص المسلم على أن يكون صحيح الجسم، وينبغي أن يحرص الأب على أن يكون ابنه صحيح الجسم، وأن تحرص الأم كذلك، وأن تحرص المدرسة كذلك، وأن تحرص الدولة كذلك على صحة أ فراد ها، وقايةً وعلاجاً ، والوقاية أولاً ، ودرهم وقاية خير من قنطار علاج . (1) مسلم بن الحجاج النيسابوري ، المسند الصحيح المختصر بنقل العدل عن العدل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، مرجع سابق ، جـ 4، صـ215 (2) إبراهيم عصمت مطاوع ، أصول التربية ، دار المعارف ، القاهرة ، د.ت ، صـ 64.
عدد الصفحات ٨٣- 53 - ومن هنا حرص الإسلام على النظافة، على الطهارة التي هي أول باب يدرسه المسلم في فقه الإسلام، باب الطهارة، النظافة من الأحداث والأخباث، ومن هنا كان الغسل، وكان الوضوء، وكان تطهير الثوب والبدن والمكان شرطا لصحة الصلاة، فلا يقبل الله صلاة بغير طهارة . عَنْ أَبي مَال كٍ الأَْشْعَر يّ رَض يَ اللَُّّ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله « :الطرهُورُ شَطْرُ الإْ يمَان وَالحَْمْدُ للّ َّ تمَْلأَُ الْم يزَانَ، وَسُبْحَانَ الله وَالحَْمْدُ للّ َّ تمَْلآََن - أَوْ تمَْلأَُ - مَا بـَينَْ السَّمَاوَات وَالأَْرْض ، وَالصَّلاَةُ نُور ، وَالصَّدَقَةُ بـُرْهَان وَالصَّبـْرُ ض يَاء ، وَالْقُرْآنُ حُ جَّة لَكَ أَوْ عَلَيْكَ، كُلر النَّاس يـَغْدُو فـَبَاي ع نـَفْسَهُ فَمُعْت قُهَا أَوْ مُوب قُهَا »(1). عَنْ أَبي سَع يدٍ الخُدْر يّ رَض يَ اللَُّّ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّّ قَالَ«غُسْلُ يـَوْم الجُمُعَة وَاج ب عَلَى كُلّ محُْتَل مٍ »(2). عَنْ أَبي هُرَيـْرَةَ رَض يَ اللَُّّ عَنْهُ ، قَالَ: قَالَ النَّبي ر « :للّ َّ تـَعَالىَ عَلَى كُلّ مُسْل مٍ حَق ، أَنْ يـَغْتَس لَ في كُلّ سَبـْعَة أَيًَّمٍ يـَوْمًا»(3). الإسلام يحرص على النظافة، نظافة البدن كله، ونظافة أجزاء معينة من البدن، نظافة الأسنان ونظافة الشعر، نظافة الأطراف، نظافة البدن كله ، و نظافة ال بيت، ونظافة الطريق، ليكون المسلم نظيفاً في ظاهره وباطنه . جاء الإسلام ليوفر للإنسان الصحة في بدنه بالوقاية، حتى إن كل شيء إن أكله الإنسان يعلم أنه يُضَرّ به ينبغي أن يمتنع عنه، ولذلك ينبغي أن يمتثل للتوجيهات (1) مسلم بن الحجاج النيسابوري ، المسند الصحيح المختصر بنقل العدل عن العدل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، مرجع سابق ، جـ 1، صـ211 . (2) محمد بن إسماعيلالبخاري ، الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيًمه = صحيح البخاري ، مرجع سابق ، جـ 2، صـ3 . (3) المرجع السابق ، جـ 2، صـ5.
عدد الصفحات ٨٤- 54 - الصحية والتعليمات الطبية، التي تقول إيًك والطعام الفلاني، أو: الأطعمة الفلانية فاسدة، ينبغي أن يطيع ذلك، وهذه الطاعة واجبة دينًا وشر عًا، لأنه لا يجوز للإنسان أن يتصرف تصرفًا يضر به نفسه. يقول الله تعالى : ﴿ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨﮩ ﮪﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﴾ (سورة البقرة آية 115) وقال تعا : ﴿ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷﭸ ﭹ ﭺ ﭻﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﴾ (سورة النساء آية 21) فالقرآن الكريم يربي الإنسان على أكل الحلال وتحريم الخبائث ؛لذا أحلّ لنا الطيّبات وحرّم علينا الخبائث. قال تعالى: ﴿ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﴾ (سورة الأعراف آية 155.) 2 )التجمل والتزيّن ثم هناك عنصر في التربية الجسمية، هذا العنصر هو: التجمل والزينة، ربما يظن الناس أن القرآن لا يري د الإنسان الذي يكون حسن المظهر حسن الثياب جميل الهندام
عدد الصفحات ٨٥- 55 - طيب الرائحة ، هذه هي التربية الجسمية التي يريدها القرآن ، يريد القرآن أناساً في أجسامهم أقويًء أصحاء سالمين، هذا هو الذي ينشده القرآن ، وما تسعى إليه التربية بالقرآن ، وما ينبغي أن نحرص عليه في تربي تنا لأنفسنا من الناحية الصحية والجسمية. والإنسان المنصف لنفسه ولجسده يتبع حالة الوسطية ، والاعتدال في كبح جماح هذه الشهوات ، ولنتأمل قـول الله الحق سبحانه وتعالى ﴿ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﴾ (سورة البقرة : آية 165 ) " فإنما أذن للناس أن يأكلوا مما في الأرض بشرطين أن يكون طيباً ، وأن يكون حلالاً "(1). فالطيبات التي أحلها وأباحها المطاعم النافعة للعقول والأخلاق والخبائث هي الضارة للعقول كالخمر أو الخبائث لأنها تفسد العقول والأخلاق. لذا خاطب الله سبحانه وتعالى الناس ، ودعاهم لأن يأكلوا مما في الأرض ، ويدعوهم إلى أكل الحلال لا لشيء إلا لمصلحتهم " وحين يأمر الحق سبحانه و تعالى المؤمنين أن يأكلوا من طيبات مما رزقهم الله فإن حكمة ذلك أن يكون المؤمنون قدوة لغيرهم. "(2). (1) أحمد عبد الحليم بن تيمية ، الإيمان ، دار الكتب العلمية ،بيروت ،1414هـ ـ1113م ، صـ42. (2) محمد متولي الشعراوي ،منهاج الصالحين ، دار العصرية ،بيروت ، 1424هـ ـ2114م ، صـ232.
عدد الصفحات ٨٦- 56 - وبالحلال يربي الإنسان نفسه ، وهو سبب لحماية الدين والعرض ، فالدعوة لأكل الحلال ، هي صيانة للإنسان من الشيء الضار ، وسبب لحماية الدين و العرض " أي البراءة من النقص في الدين وعرضة من الطعن فيه " (1). عَنْ النـرعْمَانَ بْنَ بَش يرٍ رَض يَ اللَُّّ عَنْهُ ، يـَقُولُ: سمَ عْتُ رَسُولَ اللَّّ يـَقُولُ: " الحَلاَلُ بـَينّ ، وَالحَرَامُ بـَينّ ، وَبـَيـْنـَهُمَا مُشَبـَّهَات لاَ يـَعْلَمُهَا كَث ير م نَ النَّاس ، فَمَن اتـَّقَى المُشَبـَّهَات اسْتـَبـْرَأَ ل د ين ه وَع رْض ه ، وَمَنْ وَقَعَ في الشربـُهَات : كَرَاعٍ يـَرْعَى حَوْلَ الح مَى، يُ وش كُ أَنْ يـُوَاق عَهُ، أَلاَ وَإ نَّ ل كُلّ مَل كٍ حم ًى، أَلاَ إ نَّ حم َى اللَّّ في أَرْض ه محََار مُهُ، أَلاَ وَإ نَّ في الجَ سَد مُضْغَةً : إ ذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلرهُ، وَإ ذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُ لرهُ، أَلاَ وَه يَ القَلْبُ "(2). إن هذا الحديث عظيم الموقع كثير الفوائد (3)، "وهو أحد الأحاديث الأربعة ال عليها مدار الإسلام وثانيهما هو حديث"إ نمََّا الأَعْمَالُ با لنّ يَّة "(4) وثالثهما حـديث إ نَّ م نْ حُسْن إ سْلاَم الْمَرْء تـَرْكُهُ مَا لاَ يـَعْن يه " (5)ورابعهاحديث لاَ يـُؤْم نُ أَحَدُكُمْ حَتىَّ يحُ بَّ لأ َخ يه مَا يحُ بر ل نـَفْس ه "(6). (1) أحمد علي بن حجر العسقلاني،فتح الباري شرح صحيح البخاري،المكتب ة السلفية،القاهرة، 1415هـ ـ1115م،جـ1، صـ155. (2) محمد إسماعيل البخاري ، صحيح البخاري ، مرجع سابق ، ، جـ 1،صـ21. (3) يوسف المرعشلي، تزكية النفس،دار المعرفة،بيروت، 1424هـ ـ2113م.، صـ111. (4) محمد إسماعيل البخاري ، صحيح البخاري ، مرجع سابق ، جـ 1،صـ6. (5) أحمد بن محمد بن حنبل،مسند الإمام أحمد بن حنبل ،تحقيق: شعيب الأرنؤوط - عادل مرشد، وآخرون ، د عبد الله بن عبد المحسن التركي ،مؤسسة الرسالة، 1421 هـ- 2111 م، جـ3،صـ251. (6) محمد إسماعيل البخاري ، صحيح البخاري ، مرجع سابق ، ، جـ 1،صـ13.
عدد الصفحات ٨٧- 55 - فالحاجة اليوم إلى تعلم الحلال لنلتزمه ، والحرام لنجتنبه ح تتربى الأنفس ، وتصل إلى مرتبة عند الله سبحانه وتعالى ، وبذلك يتربى الجسم . فالذي تربت نفسه أخذ كل أمـر صادر من عند الله ، وهو متيقن أن الله سبحانه وتعالى لا يأمره إلا بشيء نافع له ، والضار الذي نهى عنه ضار ،وإن كانت فيه منفعة. وبعض الناس تأكل أكثر مما تحتاج في أوقات لا يحس بالجوع ، وقد يأكل ويشرب ما يضره ، و قد ينكح لا لبقاء النوع واستمرارية الذرية، ويكون ذلك بوسائل وأشكال تتسبب في تدمير النوع ، وعقم منابعه أي أنه قد ينزل إلى مستوى السلوك الحيواني ، وينطبق عليه الوصف الإلهي. قوله تعالى ﭽ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧﭨ ﭩ ﭪﭫ ﭬ ﭭﭮ ﭯ ﭰ ﭱﭼ(سورة الأعراف آية 151) لذلك احتاج الجسم الإنساني إلى تنظيم حاجاته ، وتربية جسمه بغية تحقيق هدف اثنين : " الأول:ـ إباحة كل ما أحـله الله للإنسان ، والذي أحله الله هو الطيب النافع الذي يتفق مع قوانين الخلق ، ويوفر النمو والعافية للجسم ، ويوفر للنوع البشري الاستمرار ، ويمكّ ن الإنسان من القيام بوظائفه التي خُلق من أجلها . الثاني : - منع كل ما حرمه الله على الإنسان ، والذي حرمه الله هو الخبيث الضار الذي يصطدم بقوانين الخلق ، ويهدد نمـو الجسم وعافيته ويتسبب بالأخطار التي تهدد بقاء النوع البشري ، ويفقد الإنسان عن القيام بمسؤولياته "(1). (1) ماجد عرسان الكيلاني ، مناهج التربية الإسلامية ، عالم الكتب ، بيروت ، 1416هـ-1115م، صـ152،ط2.
عدد الصفحات ٨٨- 55 - قال الله تعالى ﭽ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯﮰ ﮱ ﯓﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﭼ (سورة المائدة آية 4 ) قال الله تعالىﭽﭴﭵ ﭶﭷﭸﭹﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜﮝ ﮞ ﮟ ﮠﭼ(سورة الأعراف آية 155 ) والإسلام يراعي الإنسان في المشاق حيث تختلف هذه" المشاق بالقوة و الضعف، وبحسب الأحوال ، وقوة العز ائم وضعفها ، وبحسب الأزمان والأعمال ، وقد تر ك الشارع كل مكلف على ما يجد ، كما ترك كثيراً موكولاً إلى الاجتهاد كالمرض فكثير من الناس يقوى في مرضه على مالا يقوى عليه الآخر" (1). وعندما نظر العلماء في النصوص المخففة من أجل المرض والسفر ، وحالات الإكراه ،والاضطرار كانت لهم نظرات متعددة عند تغير الحكم الشرعي من وضعه الأصلي إلى ما هو من أجل العذر ، فبعضهم نظر إلى إعمال الدليل المحرم ، وقيام الحرمة أو عدمها ، وانبنى على ذلك تقسيمات للرخصة إلى حقيقة ومجازية . (1) إبراهيم موسى الشاطبي ، الموافقات، دار الفكر، بيروت، د.ت ، جـ 1، صـ213-215.
عدد الصفحات ٨٩- 51 - والإنسان المسلم الذي تزكت نفسه عليه أن يستجيب لأمر الله ورسو له في قبول الرخص التي رخص بها حتى يؤدي العبادات التي فرضت عليها . قال الله تعالى ﭽ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧﭼ (سورة البقرة آية 155 ) وقال الله تعالى: ﭽ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭼ(سورة النساء آية 25 ) فالمراد عموم التخفيف ، وأخذ الرخصة كما جاءت الشريعة به . عَنْ عَائ شَةُ رَض يَ اللَُّّ عَنـْهَ ا: صَنَعَ النَّبي ر شَيـْئًا فـَرَخَّصَ ف يه ، فـَتـَنـَزَّهَ عَ نْهُ قـَوْم ، فـَبـَلَغَ ذَل كَ النَّبي َّ ، فَخَطَبَ فَحَم دَ اللََّّ ثمَُّ قَالَ: «مَا باَلُ أَقـْوَامٍ يـَتـَنـَزَّهُ ونَ عَن الشَّيْء أَصْنـَعُهُ، فـَوَاللَّّ إ نيّ لأََعْلَمُهُمْ با للَّّ ، وَأَشَدرهُمْ لَهُ خَشْيَةً » (1). إن إتباع اليسر والسهولة ، والأخذ برخص الله هو منهج الحبيب المصطفى ، فهو أعلم الناس بما أنزل ، وأشدهم خشية له . (1) أحمد على العسقلاني ، فتح الباري شرح صحيح البخاري،المكتبة السلفية،القاهرة، 1415هـ ـ1115م، جـ11، صـ513.
عدد الصفحات ٩٠- 11 - والرسول أعلمهم " وإن كان الله قد غفر له لكنه مع ذلك أخشى الناس لله ، وأتقاهم فما فعله من عزيمة أو رخصة فهو غاية التقوى والخشية. "(1). لذا فالتقوى والخشية من صفات الذين تزكت أنفسهم ،ورسول الله زكاه ربه فلا بد من متابعته . ولقد راعى القرآن حاجة الجسم إلى الترويح لإعطاء الجسم قسطاً من الراحة، وعدم قضاء الوقت كله في الصرامة والتوتر " والمقياس في براءة الترويح هو أن لا يتعدى اللهو، والترويح سرور اللاهي ليلحق الأذى والألم بالآخرين والمخلوقات الأخرى" (2). والترويح واللهو المباح الذي يمارسه الإنسان المسلم لأحد سببن: الأول : الاقتداء برسول الله . ثانياً تحقيق فوائد لا تتم إلا به. وتتم ممارسة اللهو في ظل الضوابط الشرعية التي تكفل له الانضباط بالشريعة الإسلامية حتى تتربي النفس، ويكون هذا الترويح واللهو المباح. عَنْ عَطَاء بْن أَبي رَباَحٍ قَالَ: رَأَيْتُ جَاب رَ بْنَ عَبْد الله وَجَ اب رَ بْنَ عُمَيرٍْ الأَْنْصَار يـَّينْ يـَرْم يَان قَالَ: «فَأَمَّا أَحَدُهمَُا فَجَلَسَ » فـَقَالَ لَهُ صَاح بُهُ: «أَكَسلْتَ؟ » قَالَ «نـَعَمْ» فـَقَالَ أَحَدُهمَُا ل لآْخَر : أَمَا سمَ عْتَ رَسُولَ الله يـَقُولُ " كُلر شَيْءٍ لَيْسَ م نْ ذ كْر الله فـَهُوَ لَع ب ، إ لاَّ يَكُونُ أَرْبـَعَة : مُلاَعَبَةُ الرَّجُل امْرَأَتَهُ، وَتأَْد يبُ الرَّجُل فـَرَسَهُ، وَمَشْيُ الرَّجُل بـَينَْ الْغَرَضَينْ ، وَ تـَعَلرمُ الرَّجُل السَّبَّاحَةَ "(3). (1) المرجع السابق ، جـ 13، صـ251. (2) ماجد عرسان الكيلاني ، مناهج التربية الإسلامية ، مرجع سابق ، صـ 153. (3) نور الدين الهيثمي ، مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، دار الكتاب العربي ، بيروت ، د.ت، جـ5، صـ261.
عدد الصفحات ٩١- 11 - " فـفي الحديث نـص على أن هذه الألوان من الترويح محمودة ، ،إنها من ذكر الله، وما ذلك إلا لأنه تحقـق أهدافاً كبرى : كالاستعداد للجهاد بتقوية الجسم ، وإعداد النفس ، وتعويد الإنسان على نبذ الكسل " (1). والقرآن راعى الطبيعة الإنسانية " وجعل لهذا المخلوق المكلف الضعيف فسحة في الأمر. قال الله تعالى ﭽ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﭼ (سورة البقرة آية 155 ) ...الأسمى الذي يكدح الإنسان من أجله "(2). فأباح الله سبحانه وتعالى للإنسان بعد الجد والكدح ، وأن يأخذ شيئاً من الراحة والاستجمام يريض به جسمه ، ويعيد بها نشاطه ، ويحي بها نفسه ، ويعيد إليها تجددها، ويرح عقله ، ويعيد له صفاءه وتوقده . والإسلام يحث النظر إلى الكون المليء بآيًت الجمال ، وعلى الإنسان أن يفكر دائماً في سر الإبداع في نفسه وفيما حوله ، ويشد الأذهان إلى الجمال ، و القرآن يحوي منهجاً تربويًً متكاملاً يتضمن هذه الناحية الجمالية . والقرآن الكريم يلقي الضوء على الانعكاسات التربوية ، والتي لها دور في تحقيق الأهداف ، ومنها الزينة ، والتي لا غنى للإنسان عنها حتى لقد أمر الله بها "ولكن التوسط و الاعتدال حتى لا تكون سبيلاً إلى الفتنة والفساد"(3). (1) محمد بن أبي بكر بن القيم ، الفروسية ، دار التراث، المدينة المنورة ، 1411هـ ـ1111م ، صـ43. (2) خالد فهد العودة، الترويح التربوي،دار مسلم للنشر والتوزيع ، الريًض ، 1414هـ ـ1114م ، صـ33. (3) أحمد فؤاد الأهواني ، القيم الروحية في الإسلام ، من سلسلة دراسات في الإسلام ، المجل س الأعلى للشؤو ن الإسلامية ، وزارة الأوقاف ،القاهرة ، 1352هـ ـ1162م، صـ115.
عدد الصفحات ٩٢- 12 - وجعل لهذه الفسحة ما يضبطها من قواعد حتى لا يخرج عن الإطار الذي حدد لها، وحتى لا تفسد الهدف ، وحتى تتربى النفس بهذا التوسط والاعتدال ، والإسلام يحل الزينة ،ويزجر من يحرمها ، ويصف الله الجمال ويعده" من آيًت قدرته وسوابغ نعمه على عباده" (1). حيث يقول سبحانه وتعالى ﭽ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭼ (سورة الكهف آية 46) "والزينة والعبادة تتفقان ولا تفترقان بل تجب الزينة في محراب العبادة "(2). حيث يقول سبحانه وتعالى: ﭽ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭼ (سورة الأعراف آية 31) وقال تعالى: ﭽ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭼ (سورة القصص آية 61) ولكي يدخل الإنسان في هذه التوجيهات الجمالية لابد من التنفير من القذارة والرثاثة و شعث الهيئة واصطناع الزهد والخشوع في الأشكال دون الأصول ؛ إذ "ليس الخشوع بأكل الخشن ولبس الخشن وتطأطئ الرأس ولكن الخشوع أن ترى الشريف و الدنئ في الحق سواء ، وتخشع لله في كل فرض افترض عليك " (3). (1) عبد الجواد سيد بكر ، فلسفة التربية الإسلامية في الحديث الشريف ، دار الفكر ، القاهرة ، 1413هــ 1153م،صـ244. (2) عباس محمود العقاد، التفكير فريضة إسلامية، دار نهضة مصر للطباعة والنشر، 1421هــ2111م،صـ65. (3) محمد أحمد القرطبي ، الجامع لأحكام القرآن ،دار إحياء التراث العربي ،بيروت، 1422هـ2111م ، جـ1، صـ261 .
عدد الصفحات ٩٣- 13 - فهذا المظهر الخارجي في الخشوع ليس المطلوب ، ولكن الذي تتزكى بها النفس هو الخشوع لله ،وإعطاء الحق الواجب عليك . فالمظهر الجمالي يكون بجمال الثياب والملبس دون التكبر والتعالي على الناس والتشبه بمن لا يليق لنا أن نتشبه بهم .كما قال تعالى ﭽ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﭼ (سورة القصص آية 51.) تربية القدرات الإرادية : هي الدوافع والانفعالات الإرادة هي القوة الثانية للقلب وهي الدوافع. " الدوافع هي القوى المحركة التي تبعث النشا ط في الكائن الحي ، وتبدئ السلوك، وتوجهه نحو الهدف أو أهداف معينة " (1). "وتعرف بأنها قوة المشيئة والاختيار (2). وتصنف الدوافع أو الإرادة إلى قسمين رئيسين : 1) الدوافع الفطرية أو الانفعالات الفطرية (الأولية ): وهي التي تهمنا في هذه الدراسة 2) الدوافع المكتسبة الدوافع الفطرية : "هي تلك الدوافع التي لم يكتسبها الفرد من بيئته عن طريق الخبرة والمران والتعلم ، إنما هي عبارة عن استعداد يول د الفرد مزوداً به، لهذا فهي تسمى بالدوافع الفطرية"(3). (1) محمد عثمان نجاتي ، القرآن وعلم النفس ، مرجع سابق ، صـ 25. (2) ماجد عرسان الكيلاني ، مناهج التربية الإسلام ية ، مرجع سابق،صـ 142. (3) مصطفى فهمي ، في علم النفس ، دار الثقافة ، القاهرة ، د.ت ، صـ 45.
عدد الصفحات ٩٤- 14 - وتزبى هذه الدوافع الفطرية إذا نظمت نحو أهدافها التي خلقت من أجلها ، وهذه تساعد على التوافق من أجل حفظ الذات ، وبقاء النوع. وتنقسم الدوافع الفطرية إلى ما يلي : أولا : الانفعال أو دوافع الغضب: إن انفعال الغضب له جانبان أحدهما إيجابي والآخر سلبي . فالغضب حينما يتعدى أي فرد على حد من حدود الله محمود من قبل الله ،و به يتربى الإنسان لأن فيه أمر بالمعروف ونهي عن المنكر . أما الغضب السلبي فهو غضب من أجل إشباع شهوة ، وملذات النفس البشرية التي تولد في القلب الحقد والغل والحسد وإضمار السوء والشماتة إلى غير ذلك من ألوان السلوك اللاسوي لذا فهذا نوع مذموم وغير مقبول (1). ومن الغضب المذموم حينما تضعف النفس والذي يــــــــ" سمى وهن ،ويكون نتيجة الهوان والاستضعاف ؛إذ فيه الهلاك والضرر بالجسد البشري والنوع الإنسا ني"(2) . وبهذا النوع من الغضب لا تتربى النفس لأنها تبعت الشهوات وأما الذي يكون فيه تربية النفس هو الجانب الإيجابي الذي لحدود الله ، والذي فيه الانفعال ،وليس فيه حسد ولا غل ولا هوان ، وبذلك لا يفقد الإنسان ت ر بيته لنفسه ، فالغضب المحمود " ينتظر إشارة الدي ن والعـقل فينبعث حيث تجب الحمية ، (1) محمد محمود محمد ، علم المعاصر في ضوء الإسلام ، دار الشروق ، جدة ،1413هـ- 1113م، صـ151. (2) ماجد عرسان الكيلاني ، مناهج التربية الإسلامية ، مرجع سابق ، صـ 143.
عدد الصفحات ٩٥- 15 - وينطفئ حين يحسن الحلم ، وحفظه على حد الاعتدال هو الاستقامة التي كلف بها عباده ، وهو الوسط الذي وصفه رسول الله "(1). فالوسطية في الغضب لله سبحانه وتعالى وهذا يعتبر شجاعة ، " ولكي يتم علاج الغضب في التربية الإسلامية بما يلي : 1) ذكر الله سبحانه وتعا 2 ) قراءة القرآن الكريم ؛ إذ يبعث الطمأنينة في النفس 3) الانصراف للعبادة كأداء صلاة نافلة 4) إجراءات تصحيح موقف الخطأ: ـ عن طريق التحكيم والمصالحة أو إزالة الضرر (2). قال الله تعا ﭽ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﭼ (سورة فصلت آية 34 ) ثانياً : الانفعال ودوافع الخوف الخوف له جانبان إيجابي من ذلك الخوف من الله سبحانه وتعالى ، وسلبي مثل الهلع والجبن وهو إفراط؛إذ "الخوف هو إحساس نفسي بالضيق مصحوب في أغلب الأحيان بتغيرات أداء وظيفية معظم أداء أعضاء الجسم. "(3). ولقد وصف القرآن الكريم الخوف بقوله تعا ﭽ ﮌ ﮍﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛﮜ ﮝ ﮞ ﮟ (1) محمد محروس الشناوي، بحوث في التوجيه الإسلامي للإرشاد والعلاج النفسي ، دار غريب ، القاهرة ، 1421ه ،-2111م، صـ345. (2) المرجع السابق ، صـ 256-255. (3) عدنان الشريف ، من علم النفس القرآني ، دار العلم للملايين ،بيروت ، 1412هـ-1112م ، صـ63.
عدد الصفحات ٩٦- 16 - ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﭼ (سورة الأحزاب آية 11) فالخوف حينما يشتط الإنسان يصيبه جبن وهلع وهذا إفراط ، وحينما يضعف أو يتوقف يسمى تهور وهذه الحالتين تلحق بالإنسان الضرر والخوف ، والخوف فضيلة كما قال الله تعالى ﭽ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭼ (سورة الرحمن آية 46) وقال تعا: ﭽ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﭼ (سورة النازعات آية41-41) فالله يكافئ العبد الذي يخاف قيامة بين يديه للحساب بالجنة ونعيمها ، لذلك جعل الورع والتقوى خصوصاً للخائفين من حساب الله يوم القيامة . لقوله تعالى ﭽﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭼ (سورة الأعلى آية 11-15) وقال تعاﭽ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭼ(سورة الأنفال آية 2 ) وقال تعاﭽ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ
عدد الصفحات ٩٧