المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

بحوث ملتقى التربية بالقرآن مناهج وتجارب 1

باحثون

صفحة ٥ من ٢٥

- 65 - فخلاصة القول أن التربية في الصغر كما جاء في القرآن الكريم قال الله تعا ﭽﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱﯓ ﯔﯕﯖ ﯗﯘ ﯙ ﯚ ﭼ(سورة ال نساء آية 23) وقال الله تعاﭽ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﭼ (سورة الشعراء آية 15). وقال تعا﴿ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﴾( سورة الإ سراء آية 24). فالمساهمة في تربية الأولاد التربية المثلى الملائمة لإنشاء مجتمع راقٍ كالذي نحلم و نطمح للعيش في أرجائه، البدء بالتربية القويمة منذ الصغر؛ إذ التربية في الصغر كالنقش على الحجر. وقال تعالى ﴿ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ

عدد الصفحات ٦٦

- 66 - ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ﰎ ﰏ ﰐ ﰑ ﰒ ﰓ ﰔ ﰕ ﴾ ( سورة لقمان آية 13- 11) . إنها آيًت كريمات تضع منهجاً لتربية النشء؛ ما أجدرنا بتطبيقها على الأولاد بالأساليب القرآنية و النبوية في التربية والتعليم! ثانياً: التزكية : هي المرحلة التالية في حياة الإنسان وهي مرحلة التربية الذاتية والمستمرة ولذلك بعث الرسول صل ى الله عليه وسلم كما قال الله تعالى : ﴿ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﴾ ( سورة ال بقرة آية 121) .

عدد الصفحات ٦٧

- 65 - وقال الله تعا ﭽ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﭼ ( سورة آل عمران آية 164). وقال الله تعا: ﴿ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﴾ (سورة الجمعة آية 2). وقوله تعالى: ﴿ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ﴾. "هذا جاء على الأصل في تقديم العلم أولا ثم (العمل) به لأن العلم شرط في العمل، ولذلك قال: كل شيء يمكن حصوله للولي الجاهل إلا العلم، لأن العلم لا يحصل له إلا بالتعلم ..وقدم هنا وفي الحزب الذي يليه بعده «يـُعَلّ مُهُمُ « »يـُزَكّ يه مْ»، وآخّره في سورة الجمعة. كان الشيخ محمد بن عبد السلام يقول: إنه بحسب المجالس فحيث تقدم التعليم تكون تلك الآية نزلت عليه بمحضر الخواص ومن هو أهل للتعليم، فيكون التعليم أَهَمّ، وحيث تقدم التزكية تكون الآية نزلت عليه في موضع أكثره عوام، فتكون الت زكية في حقهم أهمّ "(1) . (1) محمد بن محمد ابن عرفة ، تفسير ابن عرفة ، تحقيق: جلال الأسيوطي، دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان، 2115 م، جـ 2 ، صـ15 .

عدد الصفحات ٦٨

- 65 - مفهوم التربية في القرآن معني التربية: أ) معنى التربية لغة : من خلال التربية في القرآن الكريم يصبح الإنسان محتاجاً لأصول ومفاهيم هامة وضرورية وهي كما يلي : الرب هو الله عز وجل ، وهو ربَّ كل شئ أي مالكه ،ولا يقال الرب في غير الله إلا بإضافة ، فقيل ربَّ كذا ، ويقال ربر هذا الشيء أي ملكه له. الربر : يطلق في اللغة على المالك والسيد والمدبر و المربي والقيم والمنعم ، ورببت القوم سستهم أي كنت فوقهم ،والرب : المالك والسيد والم طاع ، والمصلح ، ربَّ الشيء :إذا أصلحه وفي الحديث :لله نعمة تربها : أي تحفظها وتراعيها وتربيها كما يربي الرجل ولده. وترباه على تحويل التضعيف : أحسن القيام عليه ووليه حتى يفارق الطفولة كأنه ابنه أو لم يكن. والسحاب يرب المطر أي يجمعه وينميه. وأرب فلان بالمك ان : إذا قام به فلم يبرحه . وأربت الناقة بولدها : لزمته وأحبته . والرباني العالم الراسخ في العلم والدين أو الذي يطلب بعلمه وجه الله وقيل العالم العامل المعلم . والربيبة : الحاضنة قال ثعلب لأنها تصلح الشيء وتقوم به وتجمعه . ورببها : نماها وأتمها وأصلحها .

عدد الصفحات ٦٩

- 61 - ويمكننا استخلاص معاني كلمة الرب أنها : تعني المالك ـ المدبر ـ السيد ـ القيم والمصلح ـ و إحسان القيام على الطفل ـ التنمية ـ الزيًدة ـ الإتمام ـ الإصلاح (1). وهذا يع 1- وجود مرب يسود ويسيطر على المُرَ 2- هذا المربي يهدف إلى إصلاح ورعاية وتنمية المُرَبىَّ والمحافظة عليه. 3- تكون العملية بالملازمة ، والقيام وفق منهج صالح ، فهي رعاية المُرَبىَّ وتهذيبه وتوجيهه وتنمية قدراته وتدبيره والمحافظة عليه والقيام عليه وملازمته بهدف إصلاحه. إن "عملية التربية، هي تنمية شخصية الإنسان على أن تتمثل كل هذ ه الجوانب، في انسجام وتكامل، تتوحد معه طاقات الإنسان، وتتضافر جهوده لتحقيق هدف واحد تتفرع عنه، وتعود إليه جميع الجهود والتصورات، وضروب السلوك، ونب ضات الوجدان. " (2). معني التزكية : أ) معنى التزكية لغة : " زكا : الزكاء ممدود النماء والريع زكا يزكو وز كواً و في حديث علي رضي الله عنه: المال تنقصه النفقة والعلم يزكو على الإنفاق . والزكاة الصلاح ورجل تقي زكي أي زاكٍ من قـوم أتقياء أزكياء ، وقد زكا زكاة وزكوا وزكي وتزكى وزكاه الله وزكـى نفسه تزكية أي مـدحها... وقال تزكي نفسها وزكى الرجل نفسه إذا وصفها و وأثنى عليها . (1) محمد بن مكرم بن منظور ، لسان العرب ، دار إحياء التراث العربي ، بيروت ، د.ت ،صـ 64 ـ65. (2) عبد الرحمن النحلاوي ،أصول التربية الإسلامية وأساليبها في البيت والمدرسة والمجتمع ، دار الفكر، 1425هـ- 2115م، صـ21،ط25.

عدد الصفحات ٧٠

- 51 - والزكاة: زكاة المال معروفة وهي تطهير ، والفعل منه زكى يزكي تزكية إذا أدى عن ماله زكاته وقوله تعالى ﭽﮟ ﮠ ﭼ قالوا تطهرهم بها. قال أبوعلي الزكاة: صف وة الشيء...وفي التنزيل العزيز ﴿ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﴾ قال هم الذين للزكاة مؤتون ، وقال آخرون الذين هم للعمل ا لصالح فاعلون ، وقوله تعالى ﴿ﯕ ﯖ ﯗ ﴾ أي خير منه عملاً صالحاً ،وقال الفراء زكاة صلاحاً وكذلك قوله تعالى عز وجل ﴿ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﴾ قال صلاحاً. قال أبـو زيد النحـوي في قوله تعالى ﭽ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭼ وقرئ ( ﭨ ﭩ ﭪ )فمن قرأ ( ما زكا) فمعناها ما صلح منكم ، ومن قـرأ ( ما زكى) فمعـناه ما أصلح ﴿ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲﭳ ﴾ أي يصلح ، وقيل لما يخرج من المال للمساكين من حـقـوقهم زكاة لأنه تطهير للمال وتثمير وإصلاح ونـماء . وأصل الزكاة في اللغة الطهارة والنماء والبركة والمدح. " (1). " زكا الرجل إذا كان ذا فضل فهو زاكٍ وزكى يزكي زكا أو زكى الغلام كان زكياً أي حسن النمو صالح الحال ذا فضل رفيع الشأن. والزكي هو الحسن النمو الصالح الرفيع الشأن النامي على الخير ، والأزكى هو الأنفع والأدعى إلى الخير والبركة " (2). 1) الزيًدة والبركة والنماء 2)الصلاح والإصلاح (1) محمد بن مكرم بن منظور ، لسان العرب ، مرجع السابق ،جـ 6،صـ64 ـ65. (2) حسن سعيد الكرماني ، الهادي إلى لغة العرب ، دار لبنان لطباعة والنشر ، بيروت ، 1411هـ-1111م، جـ5،صـ351.

عدد الصفحات ٧١

- 51 - 3) التطه4) التثم 5)التعديل وهو الثناء والمدح6) السمو والرفعة والفضل 5) صفوة الشيء: الصفوة خيار الشيء "خلاصته(1). معنى التزكية الاصطلاحي : لقد بين الرسول  معنى تزكية النفس بقوله أن يعلم أن يعلم أن الله تعالى معه حيث كان ." كما جاء في الحديث عَنْ عَبْدَ اللَّّ بْنَ مُعَاو يَةَ الْغَاض ر يَّ رَض يَ اللَُّّ عَنْهُ حَدَّثـَهُمْ: أَنَّ رَسُولَ اللَّّ صَلَّى اللَُّّ عَلَيْه وَآل ه وَسَلَّمَ قَالَ: " ثَلاَث مَنْ فـَعَلَ هُنَّ فـَقَدْ ذَاقَ طَعْمَ الإْ يمَان : مَنْ عَبَدَ اللََّّ عَزَّ وَجَلَّ وَحْدَهُ بأ َنَّهُ لاَ إ لَهَ إ لاَّ هُوَ، وَأَعْطَى زَكَا ةَ مَال ه طَيّ بَةً به َا نـَفْسُهُ في كُلّ عَامٍ، وَلمَْ يـُعْط الهَْر مَةَ وَلاَ الدَّر نَةَ وَلاَ الْمَر يضَةَ وَلَك نْ م نْ أَوْسَط أَ مْوَال كُمْ؛فَإ نَّ اللََّّ عَزَّ وَجَلَّ لمَْ يَسْأَلْكُمْ خَيـْرَهَا وَلمَْ يأَْمُرْكُمْ بَشَّر هَا، وَزَكَّى نـَفْسَهُ "، فـَقَالَ رَجُل : وَمَا تـَزْك يَةُ النـَّفْس ؟ فـَقَالَ: «أَنْ يـَعْلَمَ أَنَّ اللََّّ عَزَّ وَجَلَّ مَعَهُ حَيْثُ كَانَ »(2). و"هي مداومةالإنسان الراغب في الخير عل تعهد نفسه بالترقية وتنـزيهها و تنقيته ا من المعاصي والرذائل والعيوب ومجاهدتها وحملها على طاعة الله عز وجل و اكتساب العلم النافع والعمل الصالح والتحلي بجميع الأخلاق والأفعال و الأقوال وإرادة الخير للنفس ولمن معها في وجودها " (3). كما أن " التزكية هي عملية تطهير وتنمية شاملين هدفها استبعاد العناصر الموهنة لإنسانية الإنسان ، وما ينتج عن هـذا الوهن من فساد وتخلف وخسران وتنمية كاملة (1) محمد مكرم بن م نظور ،مرجع سابق، صـ 5 ، صـ351. (2) سليمان أحمد الطبري ، المعجم الصغير ، دار الكتب العلمية، بيروت،1413هـ ـ1153م، جـ1،صـ211. (3) سمر محمد العريفي ، صلاحية مصطلح التزكية الإنسانية ،جامعة الملك سعود، الريًض ، 1423هـ ـ2113 م،صـ 5.

عدد الصفحات ٧٢

- 52 - للعناصر المحققة لإنسانية الإنسان وما ينتج عن هذه التنمية من صلاح وتقدم وفلاح في حياة الأفراد والجماعات . فالتزكية حسب هذا التعريف نوعان: 1) تزكية معنوية ميدانها العقيدة والقيم والثقافة 2) تزكية مادية مادتها النظم والتطبيقات (1). كما أنها" هي تطهير النفس وتربيتها وتزكيتها من الشرك وما يتفرع عنه، وتخلقها بأسماء الله الحسنى مع العبودية الكاملة وك ل ذلك من خلال متابعة النبي  "(2) . كما أن "التزكية عملية ومنهج وأسلوب بناء الذات الحرة المختارة التي تحكمت نفسها فيسهل عليها أن تحكم العالم وتقبل الآخر ، وتبني دون تهدم، وتدفع بالتي هي أحسن ،وينشد الحكمة ، وتخالف الهوى والشطـط ، وتـقـاوم الظلم ،فهي في النهاية تحب لأخيها ما تحب لنفسها " (3). وتعرف بأنها " العلم الذي يتكفل بتزكية النفس وتهذيبها وتحليتها بالفضائل و ليتها من الرذائل النفسية والخلقية والدعوة إلى كمال الإيمان والحصول على درجة الإحسان والتخلق بأخلاق النبوة وإتباع الرسول  في صفاته الباطنة وك يفياته الإيمانية."(4). وتعرف بأنها " تطهيرها من أمراض وآفات وتحققها بمقامات وتخلقها بأسماء وصفات فالتزكية في النهاية تطهر وتحقق وتخلق" (5). (1) ماجد عرسان الكي ني ، مناهج التربية الإسلامية ، عالم الكتب ، بيروت 1416هـ ـ1115م ، صـ142 . (2) إبراهيم محمد العلى ،مرجع سابق ،صـ 1 . (3) نشأت جعفر ، الحرية في الإسلام ، د.ن،1424هـ ـ2113م، صـ155. (4) أبو الحسن علي الندوي ، ربانية لا رهبانية ، دار ابن كثير ، دمشق ، 1423ه ـ2112م ، صـ11. (5) سعيد حوى، المستخلص في تزكية الأنفس،دار السلام للطباعة والنشر،القاهرة، 1425هـ ـ2116م،صـ3.

عدد الصفحات ٧٣

- 53 - ومن خلال ماسبق فقد وردت هذه المادة في نحو تسعة وعشرين موضعاً من القرآن الكريم دون عد (الزكاة) والتي ذكرت في نحو اثنان وثلاثون موضعاً ويلحظ المتدبر للآيًت في المادة المذكورة ما يلي: 1) أن فعل التزكية يأتي مسندا إلى الله صرة وإلى العبد صرة وهذا إن تحصيل التزكية يحتاج إلى جد ومثابرة ،هذا من جـهة ،ومن جهة أخرى يحتاج إلى مزيد لطف وعون وفضل منه سبحانه وتعالى فلا يعتمد على نفسه دون طلب العون من ربه . 2) أن معظم الأفـعال الواردة هي من باب الفعل المضارع دلاله على أن التزكية عملية قائمة بذاتها على صاحبها قلباً وقالباً وعملاً وسلوكاً وأنها عزيمة متجددة ومتكررة لا تتوقف تشمل الدنيا والآخرة. 3) تشير الآيًت إلى عمق هذا المصطلح ؛إذ له أهمية في صياغة الشخصية المسلمة"(1). إذا فالتزكية هي إدراك حقيقة لا يعرف مداها إلا من عرفها معرفة صمة فهي عبارة عن معرفة ما جاء به الرسول  ، والتصديق به عقداً ، والإقرار به نطقاً والانقياد محبة وخضوعاً ، والعمل به ظاهراً ، والقيام بالدعوة لما جاء به بحسب الإمكان والمحبة في الله ، والبغض فيه والعطاء في الله ، والمنع فيه ، وأن يكون الله وحده المعبود ، ومتابعة الرسول  ظاهراً وباطناً ، وتغميض عين القلب عن الالتفاف إلى سوى ورسوله . "فالتزكية شيء زائد عن العلم ؛ إذ العلم يعطي القواعد والبيان لكل شيء ، فالتزكية تطبيق لهذا العلم على النفس البشرية وأمراضها وأغراضها ، ومعرفة التطبيب وطرقه (1) إبراهيم محمد العلي، ريًض الإنس في بيان أصول تزكية النفس، جمعية المحافظة على القرآن الكريم، عمان، 1426 هـ- 2115م ،،صـ1 ( بتصرف ).

عدد الصفحات ٧٤

- 54 - ، ومعرفة بالكمال ، وكيفية النقل إليه وأدوات ذلك فراسة خاصة بكل نفس لنقلها من حال إلى حال ،وهذا شيء للكسب فيه نصيب ولكن عطاء الله هو الأساس."(1). قال الله تعا ﴿ﯤ ﯥ ﯦ ﯧﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﴾ (سورة البقرة آية 261). " ولولا الله ما زكى منهم أحد ، ولا تطـهر ولا ارتـفع ، ولكنه أرسل رسـوله  ليطهرهم ، يطهر أرواحهم من لوثة الشرك ، ودنس الجاهلية ورجـس التصورات ال تـثقل الروح الإنسانية وتطهره ا ، ويـطهر هم من لوثة الشهوات ،والنـزوات فلا ترتك س أرواحهم في الحمأة ، والذي لا يـطهر الإسلام أرواحهم في جنبات الأرض كلها قديماً وحديثاً ، مرتكسون في مستـنقع آسن وبيء من الشهوات ،والنزوات تزوي إنسانية الإنسان ،وترفع فوقه الحيوان المحكوم بالفطرة، وهي أنظف ك ثيراً مما يهبط إليه الناس بدون الإيمان ! و يـطهر مجتمعهم من الربا والسحت والغـش والسلب والنهب..وهي كلها دنـس تلوث الأرواح والمشاعر، وتلطخ المجتمع والحـياة ، ويـطهر حياتهم من الظلم و الغي ، وينشر العدل النظيف الصـريح الذي لم تستمـع به البشرية كما استمـعت به في ظل الإسلام ، وحكم الإسلام ومنهجه، ويطهرهم من سائر اللوثات التي تلطـخ وجه الجاهلية في كل مكان من حولهم، وفي كل مجتمع لا يزكيه الإسلام بروحه ومنهجه النظيف " (2). لذا قال الله تعا: ﴿ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﴾ (سورة النور آية 14). (1) سعيد حوى، الأساس في التفسير، دار السلام للطباعة والنشر، القاهرة، 1412هـ ـ1111م، جـ1، صـ322ـ323. (2) سيد قطب ، في ظلال القرآن ، دار الشروق ، القاهرة ، 1411هـ ـ1151م، ط1، جـ1 ، صـ135.

عدد الصفحات ٧٥

- 55 - والله عندما أمر رسوله الكريم بأخذ صدقة من أموالهم لكي يطهرهم ويزكيهم، ويزكي أموالهم ، قال تعالى : ﴿ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﴾ (سورة التوبة آية 113 ) " أي تطهرهم من الذنوب أوجب المال المؤدي بهم إلى مثله وقرئ تطهرهم من أطهر بمعنى طهرة وتطهرهم بالجزم جواباً للأمر ﴿ ﮟ ﮠ ﴾ تنمي بها حسناتهم وترفعهم إلى منزلة المخلصين." (1). فصاحب النفس المزكاة يظهر حسن الأدب والمعاملة مع الله قياماً بالحقوق ال أمره الله بها والنهي عما نهى عنه بما في ذلك بذل النفس جهاداً في سبيله ، ومع الناس على حسب ما يقتضي المقام ،وعلى التكليف الرباني. والإسلام "جعل أساس التزكية التهذيب لا الكبت ، والإسلام يعترف بالطاقات الحيوية في الإنسان ، و لا يعطلها عن الممارسة ، ولا يلغيها ، ولكنه ينظم عملها بما يحقق الخير والإيجابية ، ويؤدي إلى إقامة المجتمع الصالح من غير عدوان من إنسان على حق إنسان. وهو في ذلك يجمع ضرورات الجسد وأشواق الروح، ويعطي كلاً نصيبه المعقول، ويقيم للمزاوجة بين ذلك ضوابط وحدوداً " (2). فلم يأمر إلا بوسطية تحقق للإنسان ما يريد ليعيش كريماً عفيفاً مؤديًً لأوامر مشبعاً لرغبته الفطرية في ضوء كتاب الله وسنة نبيه المصطفى  . (1) عبدالله بن عمر البيضاوي، تفسير البيضاوي ، دار الكتب ، بيروت 1415هـ ـ1155م، جـ1، صـ321. (2) أنور سيد الجندي، التربية وبناء الأجيال في ضوء الإسلام ، دار الكتاب اللبناني، بيروت،1312هـ-1155م، صـ155.

عدد الصفحات ٧٦

- 56 - " وتربية القرآن شاملة لا تعني مفهومها المألوف فهي لا تفتصر على المسجد أو المعهد، ولا تختص بالعبادة دون السلوك، أو تهتم بالفرد وتترك المجتمع، أو تعني بالعق يدة وتهمل العمل ، وإنما تشمل طل جوانب النفس ، وتعمل في كل ميادين الحياة "(1). ومن هذا المنطلق فإن مفهوم التربية في القرآن يمكن تحديده في ا التربية بالقرآن هي : عملية توجيه الفرد وجهة تتحقق بها مشاركته على الن حو الذي وضعه القرآن الكريم في جميع جوانب حياة الإنسان الروحية الايمانية (عق دية) والتعبدية و الفكرية (عقلية) وا لأخلاقية والنفسية والاجتماعية . أسس التربية في القرآن : التربية الإسلامية هي عملية تتعلق قبل كل شيء بتهيئة عقل الإنسان، وفكره وتصوراته عن الكون والحياة، وعن دوره وعلاقته بهذه الدنيا، وعلى أي وجه ينتفع بهذا الكون وبهذه الدنيا، وعن غاية هذه الحياة المؤقتة التي يحياها الإنسان، والهدف الذي يجب أن يوجه مساعيه إلى تحقيقه . وتقوم التربية في القرآن على أسس مترابطة متكاملة متوازنة لا غلو فيها ولا تفريط ، وقد قدم القرآن هذه الأفكار كلها في منظومة من التصورات مترابطة، متينة البنيان . أولاً: التربية الروحية من الأسس التي جاء بها القرآن التربية الروحية والتي تقوم على أسس ومبادئ وقيم لا غلو فيها و لا تفريط . (1) محمد شديد، منهج القرآن في التربية، دار التوزيع والنشر الإسلامي ، القاهرة ، 13ه ـ1151م، صـ5.

عدد الصفحات ٧٧

- 55 - وبهذا لا تؤدي إلى" عدم التعمق وهو التكلف والمغالاة بأخذ النفس بما لا تطيق والتشدد معها في غير موضع التشديد قولا أو فعلاً مما يولد رد الفعل متمثلاً في النفور من العبادة أو الفتور عليها. "(1). فالقيام بالتربية الروحية من غير إفراط ولا تفريط ولا غلو ولا تقصير مع مراعاة أمور الدين ثم طبيعة الإنسان ، لذلك حذر الإسلام التنطع في الدين . "عَنْ عَبْ د اللَّّ بْن مَسْعُودٍ ،عَن النَّبي ّ  قَالَ«أَلاَ هَلَكَ الْمُتـَنَ طّ عُونَ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ »."(2). والله راعى في القرآن الكريم في تشريعه حاجات الإنسان وطبيعة تكوينه التي خلقها ، وعمل على اشباعها بتوازن. فالتربية الروحية تقوم على إقامة أركان الإيمان والإسلام ، وه ذه الأركان " تستهدف تزكية النفس، وترقية الخلق ، وتطهير البدن ، وتسخير قواه وقدراته في ا لخير، وإشباع حاجاته ونوازعه بطرق الحلال " (3). والتربية الروحية تشمل معني ، المعنى الأول يتعلق بالإحساس بالدين وهي الناحية العقدية ، والمعنى الثاني يتعلق بظواهر الدين ،وجملة الظواهر من التعاليم والأوامر والنواهي ، والأفعال فتظهر آثاره العملية على الإنسان . (1) أكرم ضياء العمري ، التربية الروحية والاجتماعية في الإسلام ، مركز الدراسات والإعلام دار أشبيليا ، الريًض ، 1415هـ ـ1115م ، صـ5 . (2) مسلم بن الحجاج النيسابوري ، المسند الصحيح المختصر بنقل العدل عن العدل إلى رسول الله صلى الله عليه وسل م ، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي ، بيروت ، جـ4، صـ2155. [ ش (هلك المتنطعون) أي المتعمقون الغالون المجاوزون الحدود في أقوالهم وأفعالهم ]. (3) عبد الحميد الصيد الزنــتـاني، أسس التربية الإسلامية في السنة النبوية ، الدار العربية للكتاب ، ليبيا ـ تونس ،1413هـ ـ1113م ، صـ313 .

عدد الصفحات ٧٨

- 55 - كما أن الإنسان لا يستطيع أن يحيا حياة قوة صالحة بدون عقيدة يؤمن بها أو يتمسك بها في حياته ، ويتحلى بها على النحو الصحيح على أنها إيمان وعمل يرتبط كل منهما بالآخر ارتباطاً عضويًً، وما العمل إلا تجسيد للإيمان ، وانعكاس له على ر وح العمل وجوهره . فالقرآن الكريم يربد للناس العيش في الحياة مزودين بما يحتاجونه إليه مسيطرين على نزعاتهم وأهوائهم ملائمين بين ما يريدون، فلم يدعو إلى الرهبانية والتقشف ، ولم يدعو إلى الترف والبذخ ، وإنما يدعو إلى العمل للدين والدنيا معاً. قال الله تعالى ﴿ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﴾ (سورة القصص آية 55 ). "وفي هذا يتمثل اعتدال المنهج الإلهي القويم. المنهج الذي يعلق قلب واجد المال بالآخرة. ولا يحرمه أن يأخذ بقسط من المتاع في هذه الحياة. بل يحضه على هذا ويكلفه إيًه تكليفاً ، كي لا يتزهد الزهد الذي يهمل الحياة ويضعفها. .... وهكذا يحقق هذا المنهج التعادل والتناسق في حياة الإنسان ، ويمكنه من الارتقاء الروحي الدائم من خلال حياته الطبيعية المتعادلة ، التي لا حرمان فيها، ولا إ هدار لمقومات الحياة الفطرية البسيطة " (1). وهذامن أعظم مزايً هذا الدين ومحاسنه ، أنه دين يدعو إلى التوازن والتكامل في كل شيء ، بغير إفراط ولا تفريط،ولا غلو ولا تقصير ، في أمر الدين أو الدنيا ، وهذا (1) سيد قطب الشار، في ظلال القرآن ،مرجع سابق ، جـ 5، صـ2511.

عدد الصفحات ٧٩

- 51 - ما تقرره هذه القاعدة بوضوح وجلاء : ﴿ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﴾ فالتربية الروحية يقصد بها ترسيخ القوى الروحية لدى الإنسان ، وغرس الإيمان في النفس اشباعاً لنزعاتهم الفطرية للتدين تهذيباً لغرائزهم والسمو بنزعاتهم وتوجيه سلوكهم على أساس القيم الروحية والمثل الأخلاقية التي تستمد من الإيمان بالله ع ز وجل وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خبرة وشره (1). إن القرآن الكريم جعل مفهوم التربية الروحية مستمد من الإيمان والعمل ، والعقيدة والأخلاق ، والموازنة بين مطالب الدنيا والآخرة بلا إفراط ولا تفريط و لا غلو ولا تقصير ، لتكوين المؤمن الكامل دينياً وروحياً وعقلياً وخلقياً واجتماعياً وبدنياً فيفلح في حياته الدنيوية والأخروية . فالتربية الروحية أساسها الإيمان والعقيدة ، ولا يستطيع الإنسان أن يحيا حياة قويمة صالحة بدون عقيدة فهو بفطرته يستشعر حاجته الطبيعية للإيمان . ثانياً : التربية العقلية : القرآن الكريم يهتم بتربية العقل على أسس واضحة المعالم تتفق مع فطرته ، ولقد اهتم القرآن بالعقل وأحاطه بسياج من الرعاية والعناية الخاصتين لأنه " مناط التكاليف وعليه المعول في فهم الشريعة وتطبيقها ، وإذا ما اختل هذا العقل سقطت التكاليف عن صاحبه جملة ، فيفقد الخصائص الإنسانية "(2). (1) عبد الحميد الصيد الزنــتـاني، أسس التربية الإسلامية في السنة النبوية ، مرجع سابق ، صـ 326. (2) عبدالرحمن راتب عميرة ، منهج القرآن في تربية الرجال، شركة عكاظ للنشر والتوزبع ،جدة ، 1411هـ ـ1151م ، صـ25.

عدد الصفحات ٨٠

- 51 - خاطب القرآن العقل في أول نزول له بقول الله تعا : ﴿ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﴾ (سورة العلق آية 1-5 ) فهذه الآيًت القرآنية جاءت كتربية للعقل لتعريفه أن القراءة تعلية له وتنميت ه له وصقل له بالقراءة والكتابة والتعليم والتعلم . فالقرآن يخاطب العقل بما يتناسب مع مدركاته في جميع جوانب التربية العقلية ، ومن خلال التصورات عن الألوهية ،والتصورات عن سنن الكون ، وتصوراته عن الخلق والحياة؟؟!! . و القرآن يحترم الطاقات البشرية كلها فهي ه بة الله المنعم الوهاب، ولكنه يعطيها أقدارها الصحيحة، لا يبخسها قدرها، ولا يعطيها فوق قيمتها.ويستغلها جميعا إلى أقصى طاقتها لفائدة المخلوق البشري وصلاح حاله على الأرض. ومن ثم فهو يحترم الطاقة العقلية ويشجعها ، ويربيها لتتجه في طريق الخير ، ويمزجها م ع الرو ح . يقول محمد قطب" ومن ثم فهو يحترم الطاقة العقلية ويشجعها ، ويربيها لتتجه في طريق الخير . ولكي يصل إلى ذلك يمزجها بمزيج الروح ويستنبتها ... في "تربة " الروح الأريجة المشعة ، لتستمد من أريجها العذب وإشعاعها الطليق . "(1). فمن التكامل والتوازن الذي جاء به القرآن الكريم لم يتعامل مع العقل لوحده بل مزجه بالروح وتعامل في آن واحد . (1) محمد قطب الشاربي ، منهج التربية الإسلامية، دار الشروق، القاهرة، 1413هـ ـ1153م،جـ1،صـ55.

عدد الصفحات ٨١