المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

بحوث ملتقى التربية بالقرآن مناهج وتجارب 1

باحثون

صفحة ٢٣ من ٢٥

- 353 - ﭻ ﭼ ﭽﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﴾ [31-32.] ومن ذلك حديثعثمان بن عفّان  قال حدثنا رسول الله  عند انصرافنا من صلاتنا هذه (قال مسعر: أراها العصر) فقال : «مَا أَدْري، أُحَدّ ثُكُمْ ب شَىْ ءٍ أَوْ أَسْكُتُ ؟» فقلنا: يً رسول الله ، إن كان خيرً ا فحدثنا، وإن كان غير ذلك فالله ورسوله أعلم. قال: «مَا م نْ مُسْل مٍ يـَتَطَهَّرُ فـَيُت مر الطرهُورَ الَّذ ى كَتَبَ اللهُ عَلَيْه ، فـَيُصَلّ ي هَذ ه الصَّلَوَات الخَْمْسَ إ لاَّ كَانَتْ كَفَّارَاتٍ ل مَا بـَيـْنـَ هَا»(1). وهو يشير في قوله«الطرهُورَ الَّذ ى كَتَبَ اللهُ عَلَيْه » إلى قول الله  :﴿ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ﴾ الآية6.] ومن ذلك حديثأبي سعيد الخدري  قال: خرج رسول الله  في أضحى أو فطر إلى المصلى، فمر على النساء، فقال: «يًَ مَعْشَرَ النّ سَاء، تَصَ دَّقْنَ ؛ فَإ نيّ أُر يتُكُنَّ أَكْثـَرَ أَهْل النَّار » فقلن: وبم يً رسول الله ؟ قال: «تُكْث رْنَ اللَّعْنَ وَتَ كْفُرْنَ الْعَش يرَ مَا رَأَيْتُ م نْ ناَق صَات عَقْلٍ وَد ينٍ أَذْهَبَ ل لُبّ الرَّجُل الحَْاز م م نْ إ حْدَاكُنَّ » قلن: وما نقصان ديننا وعقلنا، يً رسول الله ؟ قال: «أَلَيْسَ شَهَادَةُ الْمَرْأَة م ثْلَ ن صْف شَهَادَة الرَّجُل ؟» قلن" بلى. قال: «فَذَل ك م نْ نـُقْصَان عَقْل هَا . أَلَيْسَ إ ذَا حَاضَتْ لمَْ تُصَلّ وَلمَْ تَصُمْ ؟» قلن: بلى. قال: «فَذَل ك م نْ نـُقْصَان د ين هَا»(2). (1) أخرجه مسلم 231.) (2) أخرجه البخاري 314) ، ومسلم51.)

عدد الصفحات ٣٥٤

- 354 - يشير بقوله«أَلَيْسَ شَهَادَةُ الْمَرْأَة م ثْلَ ن صْف شَهَادَة الرَّجُل ؟» إلى قوله تعا ﴿ﮉ ﮊ ﮋ ﮌﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ﴾[252.] ومن ذلك أيضًا قوله لابن عمر حينما طلق امرأته وهي حائض: «فَت لْكَ الْع دَّةُ الَّتي أَمَرَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ تُ طَلَّقَ لهََا النّ سَاءُ »(1). يشير إلى قول :﴿ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ﴾ [1]الن قرأ : ﴿يًَ أَيـرهَا النَّبى ر إ ذَا طَلَّقْتُمُ النّ سَاءَ فَطَلّ قُوهُنَّ في قـُبُل ع دَّته نَّ﴾ (2). المبحث الثا : بنيةالخطاب بالقرآن أولاً: أجناس الخطاب: ورد الخطاب بالقرآن في إطار عدد من أجناس القول وأساليب التعبير، ومنها: 1- الخطبة ووردت في قصة القوم المضريين الذين جاؤوا النبي  فرأى الفاقة فيهم، فصلى الظهر، ثم صعد المنبر، فخطب، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قرأ فيها الآيتين من سورة النساء والحشر، ثم حثّ على التصدق. (1) أخرجه البخاري 4115،5252)، ومسلم1451.) (2) قال النووي في شرح صحيح مسلم 11/61: ((هذه قراءة ابن عباس وابن عمر، وهي شاذة، لا تثبت قرآناً بالإجماع، ولا يكون لها حك م خبر الواحد عندنا وعند محققى الأصوليين، والله أعلم)).

عدد الصفحات ٣٥٥

- 355 - ومن ذلك خطبة الن  في النساء يوم العيد، فوعظهن وذكرهن وأمرهن بالصدقة، وقرأ عليهن قبل ذلك آية بيعة النساء في سورة الممتحنة (1). وقد كان الن  يَذْكر في خطبه آيًت من القرآن الكريم يُذَكّر بها الناس، كما في صحيح مسلم عن جابر بن سمرة  قال: كانت للنبي  خطبتان، يجلس بينهما، يقرأ القرآن، ويذكر الناس(2). وفي صحيح مسلم أنه كان يخطب بسورة "ق (3)، وقال ابن القيم (551 هـ: ((مما حُف ظ من خطبه  أنه كان يكثر أن يخطب بالقرآن وسورة "ق"))(4). 2- الحوار قد يأتي الخطاب بالقرآن في إطار حوار يجري بين النبي  وأحد الصحابة، وربما كان النبي  هو الذي يبدأ الحوار، وقد يكون خطاب النبي استجابة لمن بدأ الحوار ومن ذلك مثلاً حديث أبي سعيد بن المعلى  حينما لم يستجب لنداء النبي  له وكان يصلي، فبدأ معه النبي  الحوار قائلاً« :مَا مَنـَعَكَ أَنْ تأَْت يَ ؟». فقال: كنت أصلي. فقال: «أَلمَْ يـَقُلْ اللهُ: ﴿ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ﴾ [24]» الحديث(5). (1) أخرجه البخاري 151،4515)، ومسلم554.) (2) أخرجه مسلم : (562.) (3) أخرجه مسلم 551،552،553.) (4) زاد المعاد ، لابن القيم: 1/424. (5) أخرجه البخاري 4454،4645،4513.)

عدد الصفحات ٣٥٦

- 356 - والن لم يفجأ الصحابي بالإنكار عليه، بل حاوره ليعرف حقيقة ما و قع فيه، فابتدأ أولاً بالسؤال عن الدافع إلى تخلفه عن الاستجابة للدعوة، فلما تيقن أنه وقع فيما ينكر، ارتقى إلى معاتبته والإنكار عليه بصيغة الاستفهام. ومن الحوار ما رواه أبو هريرة  قال قيل للنبي : من أكرم الناس؟ قال: «أَكْرَمُهُمْ ع نْدَ الله أَتـْقَاهُمْ» .قالوا: ليس عن هذا نسألك. قال: «فَأَكْرَمُ النَّاس يُوسُفُ نَبي ر الله ابْنُ نَبي ّ الله ابْن نَبي ّ الله ابْن خَل يل الله ». قالوا: ليس عن هذا نسألك. قال: «فـَعَنْ مَعَاد ن الْعَرَب تَسْأَلُو ؟» قالوا: نعم. قال: «فَخ يَارُكُمْ في ا لجَْاه ل يَّة خ يَارُكُمْ في الإْ سْلام إ ذَا فَق هُوا»(1). ولا أظن الن  إلا أنه كان يدرك مقصد سؤالهم لكنه أراد أن يبين لهم ما هو أولى بالجواب على طريقة أسلوب الحكيم (2)، فهم يسألون عن أصول العرب ال ينسبون إليها ويتفاخرون بها، فأجاب النبي  أولاً بهذا الجواب: «أَكْرَمُهُمْ ع نْدَ أَتـْقَاهُمْ » مقتبسًا من الآية الكريمة ﴿ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ﴾ [24] من جهة العمل الصا(3). (1) أخرجه البخاري 3354، 4651)، ومسلم2355.) (2 )من أساليب البلاغة، وهوتلقي المخاطب بغير ما يترقب بحمل كلامه على خلاف مراده تنبيهًا على أنه الأولى بالقصد، أو تلقي السائل بغير ما يتطلب بتنزيل سؤاله منزلة غيره، تنبيهًا على أنه الأولى بحاله أو المهم له. وينظر: شروح التلخيص: 1/451، والتبيان في البيان، للطي2/355، ومعجم المصطلحات البلاغية، لأحمد مطلوب1/111. (3) ينظر: فتح الباري، لابن حجر 6/414.

عدد الصفحات ٣٥٧

- 355 - 4- الوصية ربما ضمّن النبي  وصايًه شيئًا من القرآن الكريم، مما يناسب المقام، ومن ذلك مثلاً حديث جرير بن عبد الله  قال: كنا عند النبي ، فنظر إلى القمر ليلة البدر، فقال: «إ نَّكُمْ سَتـَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تـَرَوْنَ هَذَا الْقَمَرَ، لا تُضَامرونَ في رُؤْيَت ه ؛ فَإ نْ اسْتَطَعْتُ مْ أَنْ لا تـُغْلَبُوا عَلَى صَلاةٍ قـَبْلَ طُلُوع الشَّمْس وَقـَبْلَ غُرُوبه َا فَافـْعَلُوا » ثمقرأ «﴿ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ﴾ [31]»(1). والن بقراءته الآية يؤكد ما يوصيهم به، ويقرره في نفوسهم، فيكون ذلك أكثر ترغيبًا وحثًّا على الصلاة. ومن ذلك قول الرسول  لشباب الصحابة«يًَ مَعْشَرَ الشَّبَاب ، مَن اسْ تَطَاعَ الْبَاءَةَ فـَلْيـَتـَزَوَّجْ ؛ فَإ نَّهُ أَغَضر ل لْبَصَر ، وَأَحْصَنُ ل لْفَرْج ، وَمَنْ لمَْ يَسْتَط عْ فـَعَلَيْه با لصَّوْم ؛ فَإ نَّهُ لَهُ و جَاء » وقوله« :فَإ نَّهُ أَغَضر ل لْبَصَر، وَأَحْصَنُ ل لْفَرْج »مقتبس من قول الله  :﴿ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄﮅ ﮆ ﮇ ﮈﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ﴾ [31] المعاني ترتيب الآية، فقدم غض البصر على إحصان الفرج؛ من باب تقديم السبب على المسبب كما ذكره بعض البلاغيين في أسباب التقديم(2)، لكون الغض من أهم أسباب الإحصان ووسائله، قال أبو حيان (545هـ) في تفسير الآيةقدم غض البصر على حفظ الفرج ؛ لأن النظر (1) أخرجه البخاري 521،545،4551)، ومسلم633.) (2) ينظر: التبيان في البيان، للطي1/215.

عدد الصفحات ٣٥٨

- 355 - بريد الزنا ورائد الفجور ، والبلوى فيه أشد وأكثر، لا يكاد يقدر على الاحتز از منه، وهو الباب الأكبر إلى القلب ، وأعمر طرق الحواس إليه ، ويكثر السقوط من جهته))(1). وهذه الوصية تناسب حال الشباب كما قال ابن حجر 552هـخص الشباب بالخطاب لأن الغالب وجود قوة الداعي فيهم إلى النكاح بخلاف الشيوخ ))(2). 4- الفتوى يأتي الصحابة إلى رسول الله  يستفتونه فيما يقع لهم من أحوال، وربما ضمّن النبي  خطابه قرآناً، وقد يكون الجواب كله قرآنا، ومن ذلك قول النبي  لعمر لما جاءه في شأن ابنه عبدالله حينما طلق امرأته وهي حائض: «ل يـُرَاج عْهَا ، ثمَُّ يمُْس كْهَا حَتىَّ تَطْهُرَ ، ثمَُّ تحَ يضَ فـَتَطْهُرَ ، فَإ نْ بَدَا لَهُ أَنْ يُطَلّ قَهَا فـَلْ يُطَلّ قْهَا طَاه رًا قـَبْلَ أَنْ يمََ سَّهَ ا، فَت لْكَ الْع دَّةُ كَمَا أَمَرَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ » وفي روايةقال ابن عمر: وقرأ النبي : ﴿يًَ أَيـرهَا النَّبى ر إ ذَا طَلَّقْتُمُ النّ سَاءَ فَطَلّ قُوهُنَّ في قـُبُل ع دَّته نَّ﴾ (3). ومن ذلك حديث الرجل الذي أصاب المرأة، فجاء ليقضي الن  فيه ما شاء، فتلا عليه النبي  قول: ﴿ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕﯖ ﯗ ﯘ ﯙ﴾ [114.] ومنه حديث سؤالعائشة رضي الله عنها النبيَ  عمن يفعل الخير وهو كافر، فهل ذاك نافعه؟ قال: «لاَ يـَنـْفَعُهُ؛ إ نَّهُ لمَْ يـَقُلْ يـَوْمًا: رَبّ اغْف رْ لى خَط يئَتى يـَوْمَ الدّ ين ». (1) البحر المحيط، لأبي حيان: 6/545. (2) فتح الباري ، لابن حجر: 1/115، وينظر: شرح صحيح مسلم ، للنووي: 1/153. (3) قال النووي في شرح صحيح مسلم 11/61: ((هذه قراءة ابن عباس وابن عمر، وهي شاذة، لا تثبت قرآناً بالإجماع، ولا يكون لها حكم خبر الواحد عندنا وعند محققى الأصوليين، والله أعلم)).

عدد الصفحات ٣٥٩

- 351 - 1- القصة : وردت قصة واحدة تكاد تكون كلها اقتباسًا من القرآن الكريم، وهي قصة موسى والخضر عليهما السلام، كما رواها ابن عباس  قالحدثنا أُ بيّ بن كعب عن النبي : «قَامَ مُوسَى النَّبي ر خَط يبًا في بَني إ سْرَائ يلَ ، فَسُئ لَ : أَير النَّاس أَعْلَمُ ؟ فـَقَالَ : أَناَ أَعْلَمُ . فـَعَتَبَ اللهُ عَلَيْه إ ذْ لمَْ يـَرُدَّ الْع لْمَ إ لَيْه ؛ فَأَوْحَى اللهُ إ لَيْه أَنَّ عَبْدًا م نْ ع بَاد ي بم َجْمَع الْبَحْرَيْن هُوَ أَعْلَمُ م نْكَ . قَالَ : يًَ رَبّ ، وَكَيْفَ ب ه ؟ فَق يلَ لَ هُ : احمْ لْ حُوصً في م كْتَلٍ ، فَإ ذَا فـَقَدْتَهُ فـَهُوَ ثمََّ . فَانْطَلَقَ ، وَانْطَلَقَ ب فَتَاهُ يُوشَعَ بْن نُونٍ ، وَحمََلا حُوصً في م كْتَلٍ ، حَتىَّ كَاناَ ع نْدَ الصَّخْرَة وَضَعَا رُءُوسَهُمَا وَناَمَا، فَانْسَلَّ الحُْوتُ م نْ الْم كْتَل ، فَ اتخََّذَ سَب يلَهُ في الْبَحْر سَرَباً ، وَكَانَ ل مُوسَى وَفـَتَاهُ عَجَبًا . فَانْطَلَقَا بَق يَّةَ لَيـْلَت ه مَا وَيـَ وْمَهُمَا، فـَلَمَّا أَصْبَحَ قَالَ مُوسَى ل فَتَاهُ : آت نَا غَدَاءَناَ ؛ لَقَدْ لَق ينَا م نْ سَفَر ناَ هَذَا نَصَبًا ، وَلمَْ يجَ دْ مُوسَ ى مَسًّا م نْ النَّصَب حَتىَّ جَاوَزَ الْمَكَانَ الَّذ ي أُم رَ ب ه . فـَقَالَ لَهُ فـَتَاهُ : أَ رَأَيْتَ إ ذْ أَوَيـْنَا إ لىَ الصَّخْرَة فَإ نيّ نَس يتُ الحُْوتَ . قَالَ مُوسَى : ذَل كَ مَا كُنَّا نـَبْغ ي فَارْتَدَّا عَلَى آثاَ ر هم َا قَصَصًا. فـَلَمَّا انـْتـَ هَيَا إ لىَ الصَّخْرَة إ ذَا رَجُل مُسَجًّى ب ثـَوْبٍ -أو قال: تَسَجَّى ب ثـَوْب ه - فَسَلَّمَ مُوسَى. فـَقَالَ الخَْض رُ : وَأَنىَّ بأ َرْض كَ السَّلامُ . فـَقَالَ : أَناَ مُوسَى . فـَقَالَ : مُوسَى بَني إ سْرَائ يلَ . قَالَ : نـَعَمْ ، قَالَ : هَلْ أَتَّب عُكَ عَلَ ى أَنْ تـُعَلّ مَني مم َّا عُلّ مْتَ رَشَدًا . قَالَ : إ نَّكَ لَنْ تَسْتَط يعَ مَع يَ صَبـْرًا؛ يًَ مُوسَى ، إ نيّ عَلَى ع لْمٍ م نْ ع لْم الله عَلَّمَن يه لا تـَعْلَمُهُ أَ نْتَ ، وَأَنْتَ عَلَى ع لْمٍ عَلَّمَكَهُ لا أَعْلَمُهُ . قَالَ : سَتَج دُني إ نْ شَاءَ اللهُ صَاب رًا وَلا أَعْ ص ي لَكَ أَمْرًا . فَانْطَلَقَا يمَْش يَان عَلَى سَاح ل الْبَحْر ، لَيْسَ لهَُمَا سَف ينَة ، فَمَرَّتْ به مَ ا سَف ينَة فَكَلَّمُوهُمْ أَنْ يحَْم لُوهمَُا، فـَعُر فَ الخَْض رُ فَحَمَلُوهمَُا ب غَيرْ نـَوْلٍ ، فَجَاءَ عُصْفُور فـَوَ قَ عَ عَلَى حَرْف السَّف ينَة ، فـَنـَقَرَ نـَقْرَةً أَوْ نـَقْرَتـَينْ في الْبَحْر ، فـَقَالَ الخَْض رُ : يًَ مُوسَى مَا نـَقَصَ ع لْم ي وَع لْمُكَ م نْ ع لْم الله إ لا كَنـَقْرَة هَذَا الْعُصْفُور في الْبَحْر . فـَعَمَدَ الخَْض رُ إ لىَ لَوْحٍ م نْ أَلْوَا ح السَّف ينَة فـَنـَزَعَهُ ،

عدد الصفحات ٣٦٠

- 361 - فـَقَالَ مُوسَى : قـَوْم حمََلُوناَ ب غَيرْ نـَوْلٍ عَمَدْتَ إ لىَ سَف ينَت ه مْ فَخَرَقـْتـَهَا ل تـُغْر قَ أَهْلَهَا . قَالَ : أَلمَْ أَقُلْ : إ نَّكَ لَنْ تَسْتَط يعَ مَع يَ صَبـْرًا. قَالَ : لا تـُؤَاخ ذْني بم َ ا نَس يتُ . فَكَانَتْ الأُْ ولىَ م نْ مُوسَى ن سْيَاناً . فَانْطَلَقَا فَإ ذَا غُلام يـَلْعَبُ مَعَ الْغ لْمَان ، فَأَخَ ذَ الخَْض رُ ب رَأْس ه م نْ أَعْلاهُ فَاقـْتـَلَعَ رَأْسَهُ ب يَد ه ، فـَقَالَ مُوسَى : أَقـَتـَلْتَ نـَفْسًا زَك يَّةً ب غَيرْ نـَفْسٍ . قَالَ : أَلمَْ أَقُلْ لَكَ : إ نَّ كَ لَنْ تَسْتَط يعَ مَع يَ صَبـْرًا . فَانْطَلَقَا حَتىَّ إ ذَا أَتـَيَا أَهْلَ قـَرْيَ ةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا، فَأَبـَوْا أَنْ يُضَيّ فُوهمَُا، فـَوَجَدَا ف يهَا ج دَارًا يُر يدُ أَنْ يـَنـْقَضَّ فَأَقَامَهُ ، قَالَ الخَْض رُ ب يَد ه فَأَقَامَهُ ، فـَقَالَ لَهُ مُوسَى: لَوْ ش ئْتَ لاتخََّذْتَ عَلَيْه أَجْرًا . قَالَ : هَذَا ف رَاقُ بـَيْني وَبـَيْن كَ ». قال الن: «يـَرْحَمُ اللهُ مُوسَى، لَوَد دْناَ لَوْ صَبـَرَ حَتىَّ يـُقَصَّ عَلَيـْنَا م نْ أَمْر هم َا »(1). ثانيًا: الخصائص الأسلوبية 1- حسن الابتداء(2): مما عُني به البلاغيون ابتداء الخطاب، وعدوه من المواضع التي ينبغي على المتكلم أن يتأنق فيها غاية التأنق؛ لأنه أول ما يطرق السمع ويصل إلى القلب، فإن كان الابتداء حسنً ا أقبل السامع على الكلام فوعاه، وإلا أعرض عنه وجفاه (3). وإذا كان الابتداء متضمنًا المقصود من الخطاب فإن هذا براعة استهلال، وهو مظهر من مظاهر تماسك الخطاب وانسجامه(4). (1) أخرجه ال بخاري: ( 122،3411،4525،4525)، ومسلم2351.) (2) بحثه البلاغيون بأسماء عديدة، منها: حسن الابتداءات، وحسن المطلع أو المطالع، وحسن الافتتاح، ومبادئ الكلام، والإبداع في الاستهلال، وبراعة المطلع، وبراعة الاستهلال. ينظر: العمدة ، لابن رشيق : 1/215، والمثل السائر، لابن الأثير: 3/111، وشروح التلخيص 4/531، والتبيان، للطي 2/453، ومعجم المصطلحات البلاغية ، لأحمد مطلوب: 1/31 و263 و355 و411، و2/441. (3) ينظر: العمدة، لابن رشيق : 1/215، والمثل السائر، لابن الأثير: 3/121، وشروح التلخيص 4/531. (4) فرّع بعض البلاغيين (براعة الاستهلال) من (حسن الابتداء) إذا كان مضمنً ا فيه المقصود من الخطاب. ينظر: شروح التلخيص: 4/533، والتبيان، للطي2/453، ومعجم المصطلحات البلاغية1/351.

عدد الصفحات ٣٦١

- 361 - وجاءت الابتداءات النبوية في غاية من الحسن والبيان، ومن ذلك مثلاً رسالته  إلى هرقل، في مقام الدعوة إلى الإسلام، وكان مما ابتدأها تحية السلام «سَلام عَلَى مَن اتـَّبَعَ الهُْدَى»...، وهو موافق لقول الله  عنموسى  :﴿ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ﴾ [45]. أما في المقامات التربوية فيأتي الابتداء بالقرآن سابقًا خطاب الأمر أو النهي؛ لتهيئة النفوس لتقبله، والاستجابة له، كما في الخطبة التي حث فيها على التصدق للقوم الفقراء من مضر، وكذا في خطبته يوم العيد التي حث فيها النساء على الصدقة. 2- حسن الختام عُني البلاغيون أيضًا بختام الخطاب، وعدوه كذلك من المواضع التي ينبغي على المتكلم أن يتأنق فيها غاية التأنق؛ ((لأنه آخر ما يقرع السمع، ويرتسم في الن فس، وربما حفظ لقرب العهد به، فإن كان مختارًا حسنًا تلقاه السمع واستلذه، حتى جبر ما وقع فيما سبق من التقصير، كالطعام اللذيذ الذي يتناول بعد الأطعمة التفهة، وإن كان بخلاف ذلك كان على العكس، حتى ربما أنسى المحاسن الموردة فيما سبق ))(1). وأما البيان النبوي فإن الخواتيم تأتي فيه على أبلغ ما يقوله البشر، مما يقتضيه المقام ويناسب السياق، ومن ذلك أن يختم  بالقرآن، وهو كثير في الأحاديث، ويأتي خصوصًا في المقامات التي تتطلب تقريرًا للخبر وتأكيدًا له، كما في حديث علي  قال: كنا في جنازة في بقيع الغرقد ، فأصنا رسول الله ، فقعد وقعدنا حوله، ومعه م ـخْ صرَ ة، فنَ كَّ س، فجعل يَ نكُ ت بـمخصرته ، ثم قال: «مَا م نْكُمْ م نْ أَحَدٍ، مَا م نْ نـَفْسٍ (1) أنوار الربيع ، لابن معصوم: 6/324، وينظر: العمدة، لابن رشيق : 1/231، وشروح التلخيص 4/543، والتبيان، للطيبي: 2/411.

عدد الصفحات ٣٦٢

- 362 - مَنـْفُوسَةٍ إوَقَدْ كَ تَ ب اللهُ مَكَانـَ هَا م نْ الجَْنَّة وَالنَّار ، وَإ لا قَدْ كُ ت بَ تْ شَق يَّةً أَوْ سَع يدَةً ». فقال رجل : يً رسول الله ، أفلا نمكث على كتابنا وندع العمل ؟... فقال: «اعْمَ لُ وا فَ كُ لٌّ مُ يَ سَّ ر : أَ مَّ ا أَ هْ ل السَّ عادة فيـُ يَ سَّ رونَ ل عَ مَ ل أَ هْ ل السَّ عادة ، وأَ مَّ ا أَ هْ ل الشَّ قاوة فيـُ يَ سَّ رونَ ل عَ مَ ل أَ هْ ل الشَّ قاوة »ثم قرأ : ﴿ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ﴾ [5-11](1). وكذا قوله  في حديث ابن مسعود: «مَنْ حَلَفَ عَلَى مَال امْر ئٍ مُسْل مٍ ب غَ ير حَ قّ ه لَق يَ اللهَ وَهُوَ عَلَيْه غَضْبَانُ »ثم قرأ مصداقه من كتا ب الله: ﴿ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ﴾ إلى آخر الآية [55](2). 4- التكرار التكرار في البيان النبوي ظاه رة ذكرها بعض الصحابة ، كما روى أنس  أن رسول الله  كان إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثاً حتى تفهم عنه، وإذا أتى على قوم فسلم عليهم سلم عليهم ثلاثاً (3)، وعن ابن مسعود أن الن كان إذا دعا دعا ثلاثاً (4). (1) أخرجه البخاري 1362،4145)، ومسلم2645) وهذا لفظه (2) أخرجه البخاري 2355،2416،2515)، ومسلم135) وهذا لفظه (3) أخرجه البخاري 14 و15 و6244.) (4) أخرجه مسلم 1514.)

عدد الصفحات ٣٦٣

- 363 - وكثيرًا ما يأتي التكرار لتأكيد المعنى وتقريره وزيًدةالتنبيه عليه ترغيبًا أو ترهيبًا أو لغير ذلك(1)، ومما جاء حديثأبي ذر  أن الن  قال« :ثَلاثَة لا يُكَلّ مُهُمُ اللهُ يـَوْمَ الْق يَامَة ، وَلا يـَنْظُرُ إ لَيْه مْ ، وَلا يـُزَكّ يه مْ ، وَلهَُمْ عَذَاب أَل يم ». قال أبو ذر فقرأها رسول الله  ثلاث مرار . وقد كان لهذا التكرار مزيد تأكيد على عظم الجرم والترهيب منه، مما جعل أبو ذر  يقولخابوا وخسروا ، من هم يً رسول الله ؟ قال: «الْمُسْب لُ، وَالْمَنَّانُ، وَ الْمُنـَفّ قُ س لْعَتَهُ با لحَْل ف الْكَاذ ب »(2). ومن التكرار: تكرار قراءة بعض السور في خطبة الجمعة أو في بعض الصلوات، كقراءة سورة "ق" في الخطبة، كما روت أم هشام بنت حارثة بن النعمان رضي الله عنها قالت: لقد كان تنورنا وتنور رسول الله  واحدًا سنتين، أو سنة وبعض سنة، وما أخذت ﴿ﭑﭒ ﭓ ﭔ﴾ إلا عن لسان رسول الله ،يقرؤها كل يوم جمعة على المنبر إذا خطب الناس(3). قال النووي656هـ): ((قال العلماء: سبب اختيار "ق" أنها مشتملة على البعث والموت والمواعظ الشديدة والزواجر الأكيدة))(4). 4- الاستفهام الأصل في الاستفهام أن يكون لطلب العلم بشيء غير معلوم، إلا أنه كثيرًا ما يخرج عن هذا الأصل إلى معان أخرى، تفهم من خلال السياق وقرائن الأحوال، كالتقرير والتعجب والإنكار والاستبطاء وغيرها (5)، (1) ينظر: شروح التلخيص 3/215. (2) أخرجه مسلم 116.) (3 )أخرجه مسلم 553.) (4) شرح صحيح مسلم ، للنووي: 6/161. (5) ينظر: شروح التلخيص 2/246،211.

عدد الصفحات ٣٦٤

- 364 - وقد كثر الاستفهام في البيان النبوي، وأكثره جاء على غير الأصل، ويعلل ذلك أحد الباحثين في البلاغة النبوية في موطأ مالك بأن ((الاستفهام أكثر أساليب الكلام تعبيرًا عن المعاني، في المواقف والمواطن التي يراد بها التأثير في الناس، و تهييج مشاعرهم، وإلهاب أحاسيسهم، وصولاً إلى استمالتهم إلى صف الإيمان، وحملاً لهم على التزام أحكام الله، وردعًا لهم عن الوقوع في محارمه، ولذلك كان رسول الله  يستعمل الاستفهام ليمكن في نفوسهم المعاني التي يريدها ))(1). ومما وقع من الخطاب بالقرآن في صيغة استفهام قوله  لأبي سعيد بن المعلى  حينما لم يستجب لنداء الن له، وكان أبو سعيد يصلي « :أَلمَْ يـَقُلْ اللهُ ﴿ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ﴾؟!» . وورد مثل هذا الموقف مع أُبيّ بن كعب كما روى أبو هريرة  أن رسول  خرج على أُبيّ بن كعب وهو يصلي، فقال: «يًَ أُبَـيّ » فلم يجبه، فخفف أُبي صلاته، ثم انصرف إلى رسول الله  فقال: السلام عليك يً رسول الله ، فقال رسول الله : «وَعَلَيْكَ السَّلامُ ، مَا مَنـَعَكَ يًَ أُبيَر أَنْ تجُ يبَني إ ذْ دَعَوْتُكَ ؟»فقال: يً رسول الله ، إني كنت في الصلاة. قال: «أَفـَلَمْ تجَ دْ ف يمَا أَوْحَى اللهُ إ ليََّ أَنْ: ﴿ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ﴾»قال: بلى، ولا أعود إن شاء الله ... الحديث(2). (1) أساليب الطلب في الحديث النبوي53. (2) أخرجه أحمد 15/211، والترمذي: برقم 2555) وقال: حسن صحيح، والحاكم1/545، وصححه. وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي: برقم ( 2555.)

عدد الصفحات ٣٦٥

- 365 - وعدول الن في العتاب والإنكار إلى أسلوب الاستفهام-وهو كثير في عتابه  لأصحابه- لعله لما ذكره بعض العلماء أن الن بي  يعاتب وينكر بأسلوب الاستفهام للتخفيف من حدة الإنكار على أصحابه (1)، والله أعلم كما أن في العدول إلى أسلوب الاستفهام في مقام العتاب والإنكار استثارة للنفس وتنبيهًا لها لعلها أن تتأمل في سوء صنيعها وترجع، وقد أشار عبد القاهر الجرجاني ( 451هـ) إلى أن اقصود في الاستفهام إنما هو محض التنبيه، فقال بعد أن تحدث عن بعض الشواهد في معنى الإنكار: ((اعلم أنا وإن كنا نفسر الاستفهام في مثل هذا بالإنكار، فإن الذي هو محض المعنى أنه ليتنبه السامع حتى يرجع إلى نفسه، فيخجل ويرتدع، ويعيى بالجواب))(2). وفيه أيضًا تذكير للمخاطب بما هو معلوم لديه، ولذا جاءت صيغة الاستفهام بـ"أَلَـم" وهي تأتي كثيرًا في الأمر المعلوم الذي لا يخفى على المخاطب، أو مما لا ينبغي أن يخفى عليه. وأُبيَ  من كُتّاب الوحي وأقرأ أمة محمد لكتاب، ولعل ذلك يفسر مجيء الاستفهام مع أبي بهذه الصيغة: «أَفـَلَمْ تجَ دْ ف يمَا أَوْحَى اللهُ إ ليََّ ...؟». 1- الإيَاز من الأساليب التي جاء عليها الخطاب بالقرآن: الإيجاز، خاصة فيما كان إشارة إلى النص القرآني، ومن ذلك مثلاً قوله  لأزواجه منكرًا عليهن اعتراضهن على إمامة أبي بكر: «مَهْ. إ نَّكُنَّ لانـْتنَُّ صَوَاح بُ يُوسُفَ . مُرُوا أَباَ بَكْرٍ فـَلْيُ صَلّ ل لنَّاس ». فقوله :«لانـْتنَُّ صَوَاح بُ يُوسُفَ » قول موجز وتشبيه بليغ يشير إ موقف امرأة العزيز مع النسوة فيما ذكره الله في قصة يوسف . (1) فتح الباري ، لابن حجر: 2/115. (2) دلائل الإعجاز، للجرجاني : 115.

عدد الصفحات ٣٦٦

- 366 - ولعل حال المرض الذي يعانيه الن اقتضت هذا الإيجاز، مع علم المخاطب بالمشبه به وموضعه من القرآن ودلالات التشبيه به. ومن الإيجاز قول رسول الله  :«مَا م نْ مُسْل مٍ يـَتَطَهَّرُ، فـَيُت مر الطرهُورَ الَّذ ى كَتَبَ اللهُ عَلَيْه ، فـَيُصَلّ ي هَذ ه الصَّلَوَات الخَْمْسَ إ لاَّ كَانَتْ كَفَّارَاتٍ ل مَا بـَ يـْنـَهَا». فقوله :«الَّذى كَتَبَ اللهُ عَلَيْه » إيجاز، يشير به إلى ما ذكره سورة المائدة (آية: 6)، ولعل علم المخاطب بما كتب الله عليه من الطهور في القرآن اقتضى هذا الإيجاز، مع كون الخطاب مبنيًا على الإيجاز والتركيز على الترغيب في إتمام الطهور المكتوب والصلوات المفروضة، والله أعلم. 1- التعريض التعريض في الكلام خلاف التصريح، يقال: عرضت لفلان، أو بفلان؛ إذا قلت قولاً وأنت تعنيه، من غير أن توجه له المقصود من قولك صراحة. فالتعريض يكون في استعمال الكلام في حال تـُفْه م المقصود من غير أن يكون اللفظ مستعملاً في ذلك المقصود. أي: إن سياق الكلام وأحوال المتكلم والمخاطب تدل على مقصود المتكلم بكلامه من غير أن يكون اللفظ دالاً دلالة صريحة على المقصود؛ ولذا عرف التعريض بأنه: المعنى الحاصل عند اللفظ لا به. أو هو: المعنى المدلول عليه بالقرينة دون اللفظ (1). وقد يكون للتعريض من الأثر في النفوس ما لا يبلغه التصريح؛ لأنه يع ين صاحبه على إخفاء ما يريد من عتاب أو نقد أو سؤال أو شكاية أو غير ذلك، حتى لا يفهم مراده إلا من يقصده بالتعريض، ولذا فإن التعريض وسيلة مهمة يحسن بالمرء أن يستخدمها في دعوة الناس وإرشادهم، وأمرهم ونهيهم، وتربية الأبناء ونصحهم. (1) ينظر: الطراز ، للعلوي: 151، ومعجم المصطلحات البلاغية، لمطلوب2/256.

عدد الصفحات ٣٦٧

- 365 - ومن التعريض النبوي بالخطاب القرآني حديث علي بن أبي طالب  أن رسول الله  طَرَ قه وفاطمة بنت النبي  ليلةً، فقال: «أَلا تُصَلّ يَان ؟»قال علي  : فقلتيً رسول الله، أنفسنا بيد الله، فإذا شاء أن يبعثنا بعثنا. فانصرف حين قلنا ذلك، ولم يرجع إليَّ شيئًا، ثم سمعته وهو مُوَلٍّ يضرب فخذه، وهو يقول: ﴿ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ﴾ [54](1). وجاء في رواية أخرى عند أحمد والنسائي أن النبي  أيقظهما، ثم رجع إلى بيته فصلى، فلما لم يسمع لهما حسًّا رجع إليهما فأيقظهما، وقال: «قُومَا فَصَلّ يَا» .قالعليّ: فجلست وأنا أعرك عي ني وأقول: إنا والله ما نصلي إلا ما كُ تب لنا، إنما أنفسنا بيد الله، فإذا شاء أن يبعثنا بعثنا. قال: فولىّ رسول الله  وهو يقول ويضرب بيده على فخذه : «مَا نُصَلّ ي إ لا مَا كُت بَ لَنَا، مَا نُصَلّ ي إ لا مَا كُت بَ لَنَا ، ﴿ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ﴾»(2). والاستفهام النبوي«أَ تُصَلّ يَان ؟» للتحضيض والحث إلى الصلاة، لكن عليًّا  لم يستجب إلى حث رسول  وواجه هذا الحث بالجدل، فما كان من الن  إلا أن جعل يضرب فخذه كناية عن التأسف والتعجب من جواب علي ، وعدم الموافقة له على هذا الاعتذار، وكرر النبي قول علي، ثم قرأ الآية، تع ريضًا لعلي  بما ينبغي عليه من الاستجابة والمبادرة إلى ما يحث ه عليه رسول الله  من ا، وترك الجدل فيه، خاصة وأن الآية نزلت في الكفار الذين يجادلون في آيًت الله، مما يوحي (1) أخرجه البخاري 1125 و5345) ، ومسلم555.) (2) أخرجه أحمد 2/113 (515) ، والنسائي3/216 (1611)، وصححه الباني .

عدد الصفحات ٣٦٨

- 365 - للمخاطب بوجه من المشابهة معهم، وفي هذا ترهيب من الفعل وأعظم زاجر عن معاودته(1)، و أعلم. ومن التعريض قول النبي  :«أَكْرَمُهُمْ ع نْدَ الله أَتـْقَاهُمْ» جواباً للصحابة الذين سألوه: من أكرم الناس؟ وسبق الإشارة إليه قريبًا في الحديث عن الحوار. 7- التمهيد للخطاب القرآ أو التعقيب عليه قد يـمهد النبي  للخطاب بالقرآن بما يناسب مقتضى الحا ل، كما في قصة عمر بن الخطاب  يوم الحديبية، حيث دعاه الن لما نزلت عليه سورة الفتح ليقرأها عليه، لكن النبي  مهّد قبل ذلك بقوله«لَقَدْ أُنْز لَتْ عَلَيَّ اللَّيـْلَةَ سُورَة ، لهَ يَ أَحَبر إ ليََّ مم َّا طَلَعَتْ عَلَيْه الشَّمْسُ »ثم قرأ السورة، وا لقصة رواها زيد ب ن أسلم عن أبيه أن عمر كان يسير مع رسول الله  في بعض أسفاره ليلاً، فسأله عمر عن شيء ثلاث مرات، فلم يجبه رسول الله ، فقال عمر بن الخطاب: ثكلتك أمك يً عمر، نزرت رسول الله  ثلاث مرات ، كلّ ذلك لا يجيبك. قال عمر: فحركت بعيري ، ثم تقدمت أمام المسلمين، وخشيت أن ينزل فيّ قرآن ، فما نشبت أن سمعت صارخً ا يصرخ بي ، فقلت: لقد خشيت أن يكون نزل فيّ قرآن ، وجئت رسول الله  فسلمت عليه، فقال: «لَقَدْ أُنْز لَتْ عَلَيَّ اللَّيـْلَةَ سُورَة ، لهَ يَ أَحَبر إ ليََّ مم َّا طَلَعَ تْ عَلَيْه الشَّمْسُ »ثم قرأ ﴿ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ﴾(2). ولعل الن أدرك ما كان يخشاه عمر  من أن ينزل فيه قرآن لاعتراضه على رسول الله ، وعدم إجابة الرسول لسؤله، فمهد له بما يطمئن قلبه ويؤنسه (1) ينظر: شرح صحيح مسلم ، للنووي: 6/65، وعمدة القاري ، للعيني: 25/146. (2) أخرجه البخاري 4155.)

عدد الصفحات ٣٦٩