- 361 - وقد يعقب الن على الخطاب القرآني بما يؤكد الغرض من إيراده، كما قصة زيد بن أرقم ، قالكنت في غزاة ، فسمعت عبدالله بن أُ بَ ـيّ يقول: لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا من حوله ، ولئن رجعنا من عنده ليخرجن الأ عز منها الأذل. فذكرت ذلك لعمي أو لعمر ، فذكره للنبي ، فدعاني فحدثته، فأرسل رسول الله إلى عبدالله بن أُبَ ـيّ وأصحابه، فحلفوا ما قالوا، فكذبني ر سول الله وصدقه؛ فأصابني همّ لم يصبني مثله قط، فجلست في البيت، فقال لي عمي: ما أردت إلى أن كذبك رسول الله ومَقَ تك، فأنزل الله تعالى : ﴿ﮐ ﮑ ﮒ﴾، فبعث إليّ النبي ، فقرأ ، فقال: «إ نَّ اللهَ قَدْ صَدَّقَكَ يًَ زَيْدُ »(1). ومن التعقيب ما ورد في قصة موسى والخضر عليهما السلام، ففي نهاية القصة قال النبي : «يـَرْحَمُ اللهُ مُوسَى، لَوَد دْناَ لَوْ صَبـَرَ حَتىَّ يـُقَصَّ عَلَيـْنَا م نْ أَمْر هم َا». إن القصة تحوي عدة مضامين تربوية، إلا أن معنى "الصبر" ظاهر أنه من أهم مقاصد القصة، ولذا جاء التعقيب مركزًا عليه: «يـَرْحَمُ اللهُ مُوسَى، لَوَ د دْناَ لَوْ صَبـَرَ ». (1) أخرجه البخاري 4111-4114.)
عدد الصفحات ٣٧٠- 351 - المبحث الثالث: أغراضالخطاب بالقرآن وهذا هو غاية البيان النبوي من تخير آيًت القرآن الكريم والخطاب بها، فالنبي لم يكن يتخيرها ويضمنها خطابه لمجرد توشيحه بالقرآن وتحسينه بالاقتباس منه، وإنما لما لها من التأثير العميق في نفوس الصحابة ، وما تحققه من أغراض ووظائف تربوية لتعميق الإيمان وتهذيب السلوك وتوجيه المخاطبين نحو الطريق المستقيم، والله قد قال:﴿ﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥ﴾1]﴿ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ﴾[16.] وتتنوع الأغراض حسب المقامات التي وردت فيها، وربما كان المقام الواحد يحتم ل أكثر من غرض، لكني أشير إلى الأبرز منها، ومن هذه الأغراض: ﴿ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ﴾ الآية [1] :﴿ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦﭧ ﭨ ﭩﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﴾ [15] 1- الترغيب ومما جاء في هذا الغرض الخطبة التي خطبها النبي حينما رأى الفاقة في قوم من مضر، فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: «أَمَّا بـَعْدُ، فَ إ نَّ اللهَ أَنـْزَلَ في ك تَاب ه : ﴿ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ﴾ إلى آخر الآية: ﴿ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ﴾ [1] والآية التي في الحشر: ﴿ﭠ ﭡ ﭢ
عدد الصفحات ٣٧١- 351 - ﭣ ﭤ ﭥ ﭦﭧ ﭨ ﭩ﴾ [15]»، ثم حثّ على التصدق، فقال «تَصَدَّقَ رَجُل م نْ د ينَار ه م نْ د رْهمَ ه م نْ ثـَوْب ه م نْ صَاع بـُرّ ه م نْ صَاع تمَْر ه » حتىَّ قَال : «وَلَوْ ب ش قّ تمَْرَةٍ ». إن المقام الذي خطب فيه الن مقام ترغيب للصح ابة على التصدق على هؤلاء الفقراء الحفاة العراة الذين ظهر من حالهم ما جعل وجه رسول الله يتمعَّ ر، فرقّ لهم، وعجّل بالصلاة؛ ليجتمع الناس فيحثهم على الصدقة، ويبادر إلى سدّ حاجتهم، وقدّم بين يدي الحث على التصدق آيتين ترغبان الصحابة ،وتحفزهم إ ما يريده ال نبي منهم، ومناسبتهما للمقام ظاهرة؛ أما الآية الأولى من سورة النساء ففيها تذكير بحق الأخوة والتعاون على البر والتقوى، قال النووي ( 656هـ): ((سبب قراءة هذه الآية أنها أبلغ في الحث على الصدقة عليهم، ولما فيها من تأكد الحق لكونهم إخوة))(1)،وهذا مما يناسبه النداء بوصف الناس:﴿ ﭑ ﭒ﴾. وأما آية الحشر ففيها التذكير بالآخرة ترغيبًا إلى العمل الصالح والمبادرة إليه: ﴿ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ﴾، وهذا مما يناسبه النداء بوصف المؤمنين: ﴿ﭝ ﭞ ﭟ﴾. وفي كلا الآيتين تكرر الأمر بالتقوى أربع مرات؛ تقوية لجانب الخوف من الله ومراقبته، وهذ ا مما يدفع إلى المبادرة إلى العمل الصالح ومنه التصدق في هذا المقام. ولقد كان لهذا الابتداء بالخطاب القرآني أثره في صحابة رسول الله ما جعلهم يبادرون إلى التصدق مع ما بكثير منهم من الحاجة، قال جرير : فجاء رجل من (1) شرح صحيح مسلم ، للنووي: 5/112.
عدد الصفحات ٣٧٢- 352 - انصار بصُ رّ ة كادت كفه تعجز عنها ، بل قد عجزت، ثم تتابع الناس حتى رأيت كومين من طعام وثياب، حتى رأيت وجه رسول الله يتهلل، كأنه مذهبة(1)، وحق لرسول الله وهو الرحيم بأمته أن يتهلل ويُسرّفرحً ا بمبادرة المسلمين إلى طاعة الله تعالى، وبذل أموالهم لله، وامتثال أمر رسول الله ، ولدفع حاجة هؤلاء المح تاجين، وشفقة المسلمين بعضهم على بعض، وتعاونهم على البر والتقوى)) (2). ومن الترغيب حديث ابن عباس أن الن خرج في عيد فطر فصلى، خطب، ثم أتى النساء ومعه بلال فوعظهن وذكّرهن، وأمرهن بالصدقة، وكان قبل أن يأمرهن تلا عليهن قول الله : ﴿ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ﴾12]«أَنـْتنُ عَلَى ذَل كَ ؟»قالت امرأة: نعم، يً رسول الله . قال: «فـَتَصَدَّقْنَ» إن الن أراد أن يحث النساء على الصدقة، لكنه مهد للاستجابة له بالتذكير بآية مبايعة النساء، وخاصة قول الله فيها: ﴿ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ﴾، فكان الأمر بالتصدق مبنيًا على تقرير ما في الآية من طاعته ، قال ابن حجر552هـ في التناسب بين الأمر بالتصدق والآية: ((ومناسبته للآية من قوله: ﴿وَلا يـَعْص ينَكَ في مَعْرُوفٍ ﴾ فإن ذلك من جملة المعروف الذي أُ مرن به ))(3). (1) أخرجه مسلم 1115.) (2) شرح صحيح مسلم ، للنووي: 5/112. (3) فتح الباري ، لابن حجر: 2/465.
عدد الصفحات ٣٧٣- 353 - وظاهر مناسبة تخير هذه الآية لحال المخاطب، وإلا فثمة آيًت أخر فيها الأمر بطاعة الرسول والنهي عن معصيته، لكن لما كانت هذه الآية تخاطب النساء خاصة والنبي في مقام مخطابتهن اقتضى هذا المقام الخطاب بها. وكان لهذا الخطاب أثره في نساء الصحابة رضي الله عنهن؛ فبادرن إلى الاستجابة لحث رسول الله وتصدقن بما معهن من حُلي، قال ابن عباسفبسط بلال ثوبه، فجعلن يلقين الفَ تَ خ والخواتم فيه. والنبي يكثر من حثّ النساء على الصدقة، مع أنهن يملكن كما يملك الرجال، ولعل ذلك لكثرة ما يقع منهن من الخطايً كما في حديث أبي سعيد الخدري أن الن قال«يًَ مَعْشَرَ النّ سَاء ، تَصَدَّقْنَ فَإ نيّ أُر يتُكُنَّ أَكْثـَرَ أَ هْل النَّار »(1)، فقلن: وبم يً رسول الله ؟ قال« :تُكْث رْنَ اللَّعْنَ، وَتَكْفُ رْنَ الْعَش يرَ »...(2)، والصدقة من أعظم ما يكفر الله به الذنوب كما في قول : ﴿ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﴾251] «الصَّدَقَةُ تُطْف ئُ الخَْط يئَةَ كَمَا يُطْف ئُ الْمَاءُ النَّارَ»(3). وربما كثر حثهن عليه مع ما سبق ((لغلبة البخل عليهن، وقلة معرفتهن بثواب الصدقة وما يترتب عليها من الحسن والفضل في الدنيا قبل يوم الآخرة)) (4)، وقد يكون لانشغال المرأة ببيتها وزوجها (1) أخرجه البخاري 314 و1462) ، ومسلم51.) (2) ينظر: فتح الباري ، لابن حجر: 1/113 و2/465، وعمدة القاري ، للعيني: 2/122-123. (3) أخرجه أحمد 3/321 و311، و5/231، والترمذي614،2616)، وابن ماجه3153)، وصححه الألبا في صحيح سنن الترمذي: 1/151 (511.) (4) عمدة القاري ، للعيني: 3/252.
عدد الصفحات ٣٧٤- 354 - وأولادها، بحيث لا تفرغ للأعمال الصالحة من صلاة وصيام وغيرهما مما يتطلب وقتًا أو جهدًا بدنيًا، فتكون الصدقة مع عظم أجرها أسهل على المرأة من تلك الأعمال، ولعل الأسباب كلها متحققة في النساء عمومًا، فتكون جميعها مقصودة في الخطاب، والله أعلم(1). 2- الترهيب ومما ورد على هذا الغرض حديث ابن مسعود قالسمعت رسول الله يقول: «مَنْ حَلَفَ عَلَى مَال امْر ئٍ مُسْل مٍ ب غَ ير حَ قّ ه لَق يَ اللهَ وَهُ وَ عَلَيْه غَضْبَانُ »ثم قرأ علينا رسول الله مصداقه من كتاب : ﴿ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ﴾ إلى آخر الآية [55.] إن الحلف على مال امرئ مسلم بغير حق فيه كذب وظلم وهضم لحقوق المسلم وإثارة للعداوة بينهم ونشر للفساد في مجتمعهم، ولذا لم يكتف النبي بمجرد النهي عن هذا الفعل، بل كان المقام يقتضي التخويف منه والترهيب: «لَق يَ اللهَ وَهُوَ عَلَيْه غَضْبَانُ »، ثم ترقّى الن في الترهيب بقراءة الآية، التي تتضمن شيئًا من لوازم غضب الله على من فعل ذلك المنكر، مما يزيد الأمر ترهيبًا وتخويفًا. وقد جاءت هذه الآية مقتبسة في خطاب نبوي آخر في مقام الترهيب، كما في حديث أبي هريرة : «ثَلاَثَة لاَ يُكَلّ مُهُمُ اللهُ يـَوْمَ الْق يَامَة وَلاَ يـَنْظُرُ إ لَيْه مْ وَلاَ يـُزَكّ يه مْ وَلهَُمْ عَذَاب أَل يم »، وفي حديثعن أبي ذر أن النبي كرر هذا القول ثلاث مرار وقد كان هذا الترهيب عظيمًا مما جعل أبو ذر يقولخابوا وخسروا ، من هم يً رسول الله ؟ (1) ينظر: رعاية حال المخاطب في أحاديث الصحيح 15-15.
عدد الصفحات ٣٧٥- 355 - إن الأفعال التي توعد الن عليها بهذا الوعيد الشديد أفعال شنيعة، لا يقتصر أثرها على من عملها، بل يتعدى إلى غ يره وإلى المجتمع المسلم، فيشيع الكبر والأثرة والفساد والشقاق. والاقتباس في الحديثين ليس مقتصرًا على تلك الآية بل هي وآية أخرى، هي قوله : ﴿ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ﴾ [154.] والاقتباس يصلنا فقط بهاتين الآيتين وما فيهما من الترهيب الصادر من العظيم ، بل يصلنا بسياقهما الذي يكشف عن مدى توافق الخطاب النبوي مع الخطاب القرآني، وإيراد السياقين يكشف عن ذلك: ﴿ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸﭹ
عدد الصفحات ٣٧٦- 356 - ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ﴾ [154-155]ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ﴾ [55-55.] إن المعاني التي تضمنها البيان النبوي نجدها حاضرة في هاتين الآيت فالذي يمنع فضل ماله ومائه عن ابن السبيل والمستحقين له، أو يمنّ في عطائه، يناسبه قوله : ﴿ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ﴾. والذي يُـنَـفّ ق سلعته بالحلف الكاذب يناسبه قوله : ﴿ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﴾ ﴿ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﴾ ﴿ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ﴾ ﴿ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ﴾.
عدد الصفحات ٣٧٧- 355 - والذي لا يفي لإمامه إلا على حظ الدنيا يناسبه : ﴿ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ﴾ ﴿ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ﴾. وهكذا يضع الاقتباسُ المخاطَب أمام هذه الآيًت فتزيده ترهيبًا وتخويفًا. 4- العتاب والإنكار ومما جاء في هذا الغرض حديث أبي سعيد بن المعلى حينما كان يصلي فلم يستجب لنداء النبي له، فقال له رسول « :أَلمَْ يـَقُلْ اللهُ: ﴿ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ﴾؟!»، وكذلك قوله لأبيّ بن كعب في مثل هذا الموقف «أَفـَلَمْ تجَ دْ ف يمَا أَوْحَى اللهُ إ ليََّ أَنْ : ﴿ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ﴾»قال: بلى، ولا أعود إن شاء الله. ولقد كان لهذا العتاب القرآني أثره في نفوس أصحابه وترتبيتهم على الاستجابة لأمر الله ورسوله، وما كان من أُبي إلا أن قاللا أعود إن شاء الله. ومما جاء في مقام الإنكار حديث مَ عق ل بن يَ سار حيث كانت أخته تحت رجل ، فطلقها ثم خَ لَّ ى عنها، حتى انقضت عدتـها، ثم خطبها، فحَ م ي معقل من ذلك أَ نَ ــفً ا، فقال: خَ لَّ ى عنها وهو يقدر عليها، ثم يـخطبها، فحال بينه و بينها، فأنزل الله : ﴿ﮄ ﮅ ﮆﮇﮈ ﮉ ﮊ﴾ إلى آخر الآية [232] فدعاه رسول فقرأ عليه . وكان كافيًا لمعقل أن يخاطبهرسول الله بالقرآن فحسب ليرجع إلى أمر الله ويدع أخته لزوجها، وقد قالت الرواية عنه فترك الحمية، واستقاد لأمر الله.
عدد الصفحات ٣٧٨- 355 - ومن ذلك قوله لأزواجه لما راجعنه في إمامة أبي بكر للناس أثناء مرضه الذي توفي فيه: «مَهْ. إ نَّكُنَّ لأَنـْتنَُّ صَوَاح بُ يُوسُفَ . مُرُوا أَباَ بَكْرٍ فـَ لْيُصَلّ ل لنَّاس » وهذا مقام إنكار وزجر، ولذا استعمل الن اسم الفعل "مه" الذي مثل هذا المقام، بمعنى: اكفف أو اسكت ونحوهما(1)، كما استعمل الن أسلوب التشبيه البليغ، الذي يحذف منه الأداة ووجه الشبه، وهو من آكد أنواع ال تشبيه، وأكثرها مبالغة في الوصف، إذ هو قائم على تناسي التشبيه، وعلى ادعاء اتحاد المشبه بالمشبه به، وكأن المشبه هو عين المشبه به في جميع صفاته لا في الوصف الذي صيغ التشبيه له. والتشبيه هنا يتلاءم مع جنس المخاطب، فالمشبه به نسوة، والمخاطب كذلك، قال ابن حجر (552هـ((والمراد أنهن مثل صواحب يوسف في إظهار خلاف ما في الباطن، ثم إن هذا الخطاب وإن كان بلفظ الجمع فالمراد به واحد ، وهي عائشة فقط(2)، كما أن (صواحب) صيغة جمع والمراد زليخا فقط ، ووجه المشابهة بينهما في ذلك أن زليخا استدعت النسوة ، وأظهرت لهن الإكرام بالضيافة ، ومرادها زيًدة على ذلك ، وهو أن ينظرن إلى حسن يوسف ويعذرنها في محبته ، وأن عائشة أظهرت أن سبب إرادتها صرف الإمامة عن أبيها كونه لا يسمع المأم ومين القر اءة لبكائه، ومرادها زيًدة على ذلك ، وهو أن لا يتشاءم الناس به))(3)، والله أعلم 4- التأكيد والتقرير ومما جاء على هذا الغرض حديث علي حينما سئل الرسول : أفلا نمكث على كتابنا وندع العمل ؟ فقال: «اعْمَ لُ وا فَ كُ لٌّ مُ يَ سَّ ر : أَ مَّ ا أَ هْ ل السَّ عادة فيـُ يَ سَّ رونَ ل عَ مَ ل (1) ينظر: لسان العرب ، لابن منظور: 13/542. (2) وفي قول الن لحفصة يراد به حفصة أو هي وعائشة (3) فتح الباري ، لابن حجر: 2/153.
عدد الصفحات ٣٧٩- 351 - أَهْ ل السَّ عادة ، وأَ مَّ ا أَ هْ ل الشَّ قاوة فيـُ يَ سَّ رونَ ل عَ مَ ل أَ هْ ل الشَّ قاوة »ثم قرأ : ﴿ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ﴾ [5-11.] ومن ذلك حديث جرير بن عبد الله قال: كنا عند النبي ، فنظر إلى القمر ليلة البدر، فقال: «إ نَّكُمْ سَتـَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تـَرَوْنَ هَذَا الْقَمَرَ، لا تُضَامرونَ في رُؤْيَت ه ؛ فَإ نْ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لا تـُغْلَبُوا عَلَى صَلاةٍ قـَبْلَ طُلُوع الشَّمْس وَقـَبْلَ غُرُوبه َا فَ افـْعَلُوا» ثمقرأ «﴿ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ﴾ [31]». ففي هذين الحديثين يحتج الن بالقرآن ويستشهد به تأكيدًا لما قاله، وذلك أقوى في تقرير المعنى في نفس المخاطب؛ من أجل اليقين بالخبر، والاستجابه للأمر والنهي، والله أعلم. 1- تأنيس المخاطب وتطييب قلبه وفي ذلك حديث زيد بن أرقم حينماأصابه همّ ، أجلسه بيته بسبب تكذيبه على خبره عن المنافقين، فأنزل الله تعالى : ﴿إ ذَا جَاءَكَ الْمُنَاف قُونَ﴾ ، فبعث إليه النبي ، فقرأ عليه الآيًت، ثم قال: «إ نَّ اللهَ قَدْ صَدَّقَكَ يًَ زَيْدُ ». ويظهر أن قراءة الن القرآن على زيد خاصة لتأنيسه وتطييب قلبه بعد أن أصابه الهم الذي ألزمه بيته بسبب تكذيبه، وأي أُنْس سيكون له بعد أن صدقه الله !
عدد الصفحات ٣٨٠- 351 - ومثله قصة عمر بن الخطاب يوم الحديبية كما رواها سَهْل بن حُنـَيْف أن عمر جاء إلى الن بعد الصلح،فقال: يً رسول الله ، ألسنا على الحق وهم على الباطل؟ قال: «بـَلَى». فقال: أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار؟ قال: «بـَلَى». قالفعلام نعطي الدَّ ن ية في ديننا؟! أنرجع ول ـمّ ا يحكم الله بيننا وبينهم؟! فقال: «يًَ ابْنَ الخَْطَّاب ، إ نيّ رَسُولُ الله ، وَلَنْ يُضَيّ عَني اللهُ أَبَدً ا». فانطلق عمر إلى أ بكر، فقال له مثل ما قال للنبي ، فقال: إنه رسول الله ، ولن يضيعه الله أبدً ا. فنزلت سورة الفتح ، فقرأها رسول الله على عمر إلى آخرها ، فقال عمر: يً رسول الله ، أَ وَ فَ تح هو؟! قال: «نـَعَمْ»(1) . فدعوة الن لعمر، وقراءة السورة عليه خاصة كان لتطييب قلبه وزيًدة يقينه بكلام الله ، بعد أن وقع في نفسه شيء من الصلح. وكان لذلك تأثير في نفس عمر ، كما قال سهل في رواية عنهفطابت نفسه ورجع . (1) أخرجه البخاري 3152)، ومسلم1555).
عدد الصفحات ٣٨١- 351 - اللخلاتلملة تناول البحث نوعًا من أنواع البيان النبوي في خطاب الصحابة ، وهو الخطاب بالقرآن الكريم، وجاء في مقدمة وثلاثة مباحث، تناول في المبحث الأول: أنواع الخطاب النبوي بالقرآن، وفي المبحث الثاني: بنية الخطاب النبوي بالقرآن، وفي المبحث الثالث: أغراض الخطاب النبوي بالقرآن. وكان من نتائج هذا البحث ما يأتي: 1- يعد خطاب الن بالقرآن الكريم ظاهر في البيان النبوي سواء مع أصحابه أم مع غيرهم. 2- تنوع الخطاب النبو ي بالقرآن الكريم إلى ثلاثة أنواع: الأول: الخطاب بنص القرآن سواء كان الخطاب كله قائمًا على النص القرآني، أم كان النص جزءًا من الخطاب. والثاني: الاقتباس من القرآن. الثالث: الإشارة إلى القرآن. 3- تنوعت أجناس القول التي جاء الخطاب بالقرآن في إطارها، ومن هذه الأجن اس: الخطبة، والوصية، والحوار، والفتوى، والقصة. 4- ظهر في البنية التركيبية للخطاب عدة صور وأساليب بلاغية، منها: حسن الابتداء، وحسن الختام، والتكرار، والاستفهام، والإيجاز، والتعريض. وربما مهّد النبي للخطاب، وربما عقّب عليه، بحسب ما يقتضيه المقام 5- يحقق الخطاببالقرآن الكريم أغراضًا ووظائف تربوية في تعميق الإيمان وتهذيب السلوك وتوجيه المخاطبين نحو الطريق المستقيم، وتتنوع تلك الأغراض حسب المقامات التي وردت فيها، ومن الأغراض: الترغيب، والترهيب، والعتاب والإنكار، وتأنيس المخاطب والتلطف معه، والتأكيد والتقرير. وأرى أن هذا الموضوع لا يزال مفتوحًا لتناوله وتعميق البحث فيه والكشف عن المزيد من أغراضه وأساليبه. أسأل الله أن ينفع به كاتبه وقارئه، والحمد لله رب العا
عدد الصفحات ٣٨٢- 352 - فهرس المصادر والمراجع 1- آثار ابن باديس، جمع الدكتور عمار الطالبي، دار الغرب الإسلامي، بيروت، الطبعة الثانية، 1413هـ 2- أساس الاقتباس، لاختيار الدين الحسيني، مطبعة مهران، استانبول، 1215هـ 3- أساليب الطلب في الحديث النبوي: دراسة لغوية بيانية في الموطأ، محمد سعي د عبدالله، دار الثقافة، 2111م 4- الاقتباس من القرآن الكريم، لأبي منصور الثعالبي، تحقيق: د.إبتسام الصفار، د ار الحرية للطباعة، بغداد، 1315هـ 5- الاقتباس: أنواعه وأحكامه، للدكتور عبد المحسن العسكر، دار المنهاج، الريًض، الطبعة الأولى، 1425هـ 6- أنوار الربيع في أنواع البديع، لابن معصوم المدني، تحقيق: شاكر هادي شكر، مطبعة النعمان بالنجف، الطبعة الأولى، 1351هـ 5- البحر ا يط، لأبي حيان الأندلسي - دار الفكر - بيروت- الطبعة الثانية/1413هـ 5- بيان إعجاز القرآن، للخطابي، ضمن ثلاث رسائل في إعجاز القرآن، تحقيق: محمد خلف الله ومحمد سلام، دار المعارف، القاهرة، الطبعة الرابعة. 1- البيان والتبيين، للجاحظ، تحقيق: عبد السلام هارون، مكتبة اانجي، القاهرة، الطبعة الخامسة، 1415هـ
عدد الصفحات ٣٨٣- 353 - 11- التبيان في البيان، لشرف الدين الطي ، تحقيق: عبد الحميد هنداو ي، المكتبة التجارية ، مكة المكرمة. 11- التجربة الدعوية للشيخ عبدالحميد بن باديس، مركز البحوث والدراسات مجلة البيان، الريًض، 1435هـ 12- حسن التوسل إلى صناعة الترسل، لشهاب الدين الحلبي، تحقيق: أكرم عثمان يوسف، دار الرشيد للنشر، بغداد، 1151م 13- دلائل الإعجاز، لعبد القاهر الجرجا ، تحقيق: محمود شاكر، مكتبة الخانجي، القاهرة ، الطبعة الثانية، 1411هـ 14- رعاية حال المخاطب في أحاديث الصحيحين، ليوسف العليوي، نشر جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، الطبعة الأولى، 1431هـ 15- سنن ابن ماجة، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، المكتبة العلمية، بيروت. 16- سنن الترمذيالجامع الصحيح)، لأبي عيسى الترمذي، تحقيق: أحمد شاكر، مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي، مصر، الطبعة الثانية، 1315هـ 15- سنن النسائي، بشر ح السيوطي، وحاشية السندي، عناية: عبد الفتاح أبو غدة، مكتبة المطبوعات الإسلامية، حلب، 1416هـ 15- شرح صحيح مسلم ، للنووي، دار الفكر، بيروت، الطبعة الثانية، 1312هـ 11- شروح التلخيص ، يحوي: الإيضاح للقزويني، وعروس الأفراح للسبكي، ومختصر التفتازاني، ومواهب الفتاح للمغر بي، وحاشية الدسوقي على مختصر التفتاز اني، دار السرور، بيروت.
عدد الصفحات ٣٨٤- 354 - 21- صحيح البخاري، تحقيق: محب الدين الخطيب، ترقيم: محمد فؤاد عبد الباقي، المطبعة السلفية ومكتبتها، القاهرة، الطبعة الأولى، 1411هـ 21- صحيح سنن الترمذي، للألباني، مكتبة المعارف، الريًض، الطبعة الأولى، 1421هـ 22- صحيح سنن النسائي، للألباني، نشر مكتب التربية العربي لدول الخليج، الطبعة الأولى، 1411هـ 23- صحيح مسلم، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، المكتبة الإسلامية، تركيا ، الطبعة الأولى، 1354هـ 24- الطراز المتضمن لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز، ليحيى بن حمزة العلوي، مر اجعة وضبط: محمد عبد السلام شاهين، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، 1415هـ 25- زاد المعاد في هدي خير العباد، لابن قيم الجوزية، تحقيق: شعيب وعبدالقادر الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة السابعة والعشرون، 1415هـ 26- عمدة القاري شرح صحيح البخاري، لبدر ال دين العيني، دار إحياء التراث العربي، بيروت. 25- العمدة في محاسن الشعر وآدابه، لابن رشيق القيرواني، تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد، دار الجيل، بيروت، الطبعة الخامسة، 1411هـ 25- فتح الباري، لابن حجر العسق ، تحقيق: ابن باز، وترقيم عبد الباق ي، دار المعرفة ، بيرو ت.
عدد الصفحات ٣٨٥