- 253 - بالناس فأصه العباس فقال: والله إنه للموضع الذي وضعه رسول ، فقال عمر للعباس: وأنا عزم عليك لما صعدت على ظهري حتى تضعه في الموضع الذي وضعه رسول الله ففعل "ذلك العباس "واه أحمد(1). 3- الاهتمام والمتابعة للرعية والاستشعار بأن الولاية تكليف وليس تشريف عن الأوزاعي أن عمر بن الخطاب خرج في سواد الليل فرآه طلحة فذهب عمر فدخل بيتاً ثم دخل بيتاً آخر، فلما أصبح طلحة ذهب إلى البيت ذلك ،فإذا بعجوز عمياء مقعدة فقال لها : ما بال هذا الرجل يأتي ك ؟ قالت : إنه يتعاهدني منذ كذا وكذا يأتيني بما يصلحني ويخرج عني الأذى، قال طلحة : ثكلتك أمك طلحة أعثرات عمر تتبع(2)، وهذا أمر طبيعي في سيرة عمربن الخطاب لأنه ؛كان يرى عبادة وتقرباً أن هذه الولاية تكليفاً وليس تشريفاً ؛ ولذا قال عمر: "هذا الأمر لا يصلح إلا بالشدة التي لا جبرية فيها وباللين الذي لا وهن فيه"(3). وسيرته نبراساً في هذا الجانب ،قال أسلم مولى عمر: قدم المدينة رفقة من تجار ، فنزلوا المصلى فقال عمر لعبد الرحمن بن عوف: هل لك أن تحرسهم الليلة؟ قال: نعم! فباص يحرسانهم ويصليان، فسمع عمر بكاء صبي ف توجه نحوه فقال لأمه : اتق الله تعالى وأحسني إلى صبيك. ثم عاد إلى مكانه، فسمع بكاءه فعاد إلى أمه فقال لها مثل ذلك، ثم عاد إلى مكانه، فلما كان آخر الليل سمع بكاء الصبي فأتى إلى أمه فقال لها: ويحك، إنك أم (1 ) جمال الدين أبي الفرج عبدالرحمن بن علي الجوزي، صفة الصفوة ، ، م 1 ج1، ص115. (2) المرجع السابق ، م 1 ج1،ص115. (3 ) طبقات ابن سعد، ج3، ص344- 345.
عدد الصفحات ٢٧٤- 254 - سوء، ما لي أرى ابنك لا يقر منذ الليلة من البكاء؟ ! فقال ت: يً عبد الله إني أشغله عن الطعام فيأبى ذلك، قال: ولم؟ قالت: لأن عمر لا يفرض إلا للمفطوم.قال: وكم عمر ابنك هذا؟ قالت: كذا وكذا شهرا، فقال: ويحك لا تعجليه عن الفطام.فلما صلى الصبح وهو لا يستبين للناس قراءته من البكاء. قال: بؤسا لعمر.كم قتل من أولاد المسلمين .ثم أمر مناديه فنادى، لا تعجلوا صبيانكم عن الفطام فإنا نفرض لكل مولود في الإسلام.وكتب بذلك إلى الآفاق (1). 4- الدولة المسلمة من صفاتها الأساسية لدى ابن الخطاب أنها تقوم بالدور الاجتماعي فرضاً وليس ندباً. فتوفر للمواطنين كل سبل الحياة الكريمة منذ نعومة أظافر هم ،ولذا قال الفاروق صاحب الحس الاجتماعي " أن لا تعجلوا صبيانكم عن الفطام فإنا نفرض لكل مولود في الإسلام ، وكتب بذلك إلى الآفاق أن يفرض لكل مولود في الإسلام" (2). 5- التغيير الإيجابي التربوي الفاعل من أبجديًته أنه يمر بمراحل متعددة ما عد أصحاب الاستعداد النفسي والبناء الشخصي القوي فلا يشترط في حقهم التدرج ،بل ربما يص لوا إلى قمة التغيير الإيجابي الفاعل مباشرة ،وقصة إسلام عمر وتحوله المباشر إلى رمز من رموز الصحابة ومصدر قوة يحسب لها العدو ألف حساب خير شاهد على ذلك الملمح التربوي " قال عمر : فكبر أهل الدار تكبير ة – بمناسبة إسلامه المفاجئ - سمعها أهل مكة ،قلت: يً رسول الله السنا على الحق؟ قال: بلي ، قلت: ففيم الإخفاء؟ فخرجنا صفين أنا في أحدهما وحمزة في الآخر حتى دخلنا المسجد، فنظرت (1 ) أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كث ، البداية والنهاية "سيرة عمر ، ج5، ص153 . (2 ) المرجع السابق
عدد الصفحات ٢٧٥- 255 - قريش إلى وإلى حمزة، فأصابتهم كآبة شديدة لم يصبهم مثلها فسماني رسول " الفاروق" يومئذ، لأنه أظهر الإسلام وفرق بين الحق والباطل(1). 6- قد يمتلك المفضول صفة لا يمتلكها الفاضل ، ومع ذلك يشار إليه مع بقاء لفاضل على ما هو عليه، فأبو بكر الصديق بالنص الثابت وإجماع الأمة على أنه أفضل البشر بعد الرسل والأنبياء وعمر في الترتيب الثاني ، ومع ذ لك يفر الشطان بالنص من عمر خلاف أبي بكر الصديق، عن عائشة عن الن، قال قد كان في الأمم محدثون فإن يكن في أمتي فعمر. حديث متفق عليه، وعن سعد بن أبي وقاص عن النبي :أنه قال لعمر: والذي نفسي بيده ما لقيك الشيطان قط سالكاً فجاً إلا سلك فجاً غير فجك. أخرجاه في الصحيحين، عن عبد الله بن عم ر رضي الله عنهما: أن رسول الله قال : رأيت الناس مجتمعين في صعيد فقام أبو بكر فنزع ذنوباً أو ذنوبين وفي بعض نزعه ضعف والله يغفر له، ثم أخذها عمر فاستحالت في يده غرباً، فلم أر عبقريًً يفري فريه حتى ضرب الناس بعطن." متفق عليه "(2). 5- الحرص على الممتلكات العامة وتربيت الأتباع على ذلك لأن فاقد الشيء يعطيه، فإذا لم يكن المسؤول حريصاً على الممتلكات العامة في خاصة نفسه وتعامله، فلن يكون المتبوع حريصاً وإن أطرت الأنظمة ووضعت الأدلة ،فإذا لم تشاهد في العيان من قبل المسؤول فلا تحقق في أرض الواقع من قبل الأتباع إلا من وجدت عنده المراقبة الذاتية، لذا حرص الفارق على تأصيل هذا الفكر التربوي والمبدأ عملياً في ذاته ومن يستعملهم على الناس،فكان إذا استعمل عاملاً "كتب له عهداً وأشهد عليه رهطاً (1 ) جلال الدين السيوطي، صريخ الخلفاء ، ص11 – 11 . (2 ) صحيح البخاري ، ج 4 ، ص215 ، رقم الحديث : 3633، صحيح مسلم :ج4، ص1561، رقم الحديث:2312.
عدد الصفحات ٢٧٦- 256 - من المهاجرين واشترط عليه أن لا يركب برذوناً ولا يأكل نقياغً ولا يلبس رقيقاً ولا يغلق بابه دون ذوي الحاجات، فإن فعل شيئاً من ذلك حلت عليه العقوبة"(1). 5- تصحيح مفاهيم الأتباع بالسلوك العملي يؤدي رسالة تربوية فكرية في الأتباع مضمونها عدم الاستسلام للظروف المحيطة والتغلب عليها بالنظرة الإيجابية للأشياء ، ر وى ابن جرير عن عمارة بن خزيمة بن ثابت قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول لأبي: ما منعك أن تغرس أرضك ؟ فقال له : أنا شيخ كبير، فقال له : عمر أعزم عليك لتغرسها ! فقد رأيتُ عمر بن الخطاب يغرسها بيده مع أبي. 1- مواكبة العصر فيما لا يضر بالثوابت ولا يزعزعها مما يقوي الث وابت ويزيد دعامتها وثباتها فكثرة المتغيرات مما يقوي الثوابت ويحافظ عليها وقلة المتغيرات وعدم تجديد ها بما يواكب العصر يضر بالثوابت ويقلل التمسك بها في زحمة المقاومة والتجدد البشري، وهذه سنة كونية ربانية، ولذا فإن الشريعة صالحة لكل زمان ومكان لكثرة المتغيرات المعزز ة لبقاء الثوابت، وهذا الفكر تربوي يرى الباحث أنه كان مطبقاً لدى عمر من وهناك عدة شواهد على ذلك - تغير مفهوم العاقلة في عهد عمر من أهل الرجل وعشيرته إلى أهل بلده ومن له تعاوناً ونصرة معهم لأتساع البلد وتواجد الشخص في بلد غير بلده يعيش فيه ويقيم فيه بعد توسع الدولة الإسلامية. - زيًدة جلد شرب الخمر من 41 جلدة حداً إ51 جلدة41 حداً و41 تعزيراً لتهون الناس في الشرب). - عدم تقسيم سواد العراق في عهده كما قسمت خيبر في عهد رسول . 11- الناس معادن كمعادن الأرض منها الجيد ومنها الردي ؛ فالحرص على كسب الجيد مطلب شرعي وحضاري ، ولذا كان الحبيب حريصاً على هداية أحد العمرين (1 ) محمد بن صامل السلمي، كتاب البداية والنهاية 2" خلافة عمر بن الخطابـ، ص15 .
عدد الصفحات ٢٧٧- 255 - للإسلام (عمر بن الخطاب ،وأبا جهل "عمرو بن هشام")، فهدى الله للإسلام عمر بن الخطاب ذلك المعدن الفذ والطاقة الفاعلة المباركة "أينما كانت ، قال ابن سعد " عن ابن عمر أن النبي ، قال: اللهم أعز الإسلام بأحب الرجلين إليك، بعمر بن الخطاب أو بأبي جهل بن هشام. قال فكان أحبهما إليه عمر بن الخطاب"(1). - وهذا ما حرص عليه ابن الخطاب في اختيار الولاة والوجهاء والعلماء؛ ولذا كان يدخل عبد الله بن عباس مع كبار الصحابة مع أنه صغير في سنه لعلمه وتأويله وتفعيلاُ لهذا الفكر التربوي الناس معادن كمعادن الأرض منها الجيد ومنها الردي فالحرص على كسب الجيد مطلب شرعي وحضاري. 11- المفاهيم والتصورات إذا كان عليها غبش فإنها لا تفيد صاحبها حتى ولو كان يملك ذكاءً مفرطاً ، فعمر في جاهليته كان يعبد صنماً من عجوة فإذا جاع أكل إله، ووأد ابنته وهي تنفض الغبار والتراب عن لحيته خوفاً من العار، فمن عمر بعد الإسلام ؟ إنه من تغيرت لديه المفاهيم والتصورات مع الذكاء الذي منحه الله ، فكان إسلامه عزاً، وهجرته فتحاً، ودانت له الأمم والشعوب ، وفر منه الشيطان. 12- الإحساس بالآخرين إحساساً معنويًً وحسياً وم شاركتهم في ذلك من الاستراتيجيات العمرية ذات الحس الإيماني ، فمن يشارك الناس بأساليب المشاركة المتعددة يجد التجاوب والتفاعل المثمر معهم. أصاب الناس عام سنةٍ فغلا فيها السمن وكان عمر يأكله ، فلما قل قال: لا آكله حتى يأكله الناس. فكان يأكل الزيت ، فقال : يً أسلم اكسر عني حره بالنار؛ ف كنت أطبخه له فيأكله فيتقرقر بطنه عنه فيقول: تقرقر لا والله لا تأكله حتى يأكله الن اس(2). (1 ) طبقات ابن سعد ، ج3 ص265. (2 ) المرجع السابق ،ج 3، ص313
عدد الصفحات ٢٧٨- 255 - 13- الرجوع إلى الحق وقبول الإقناع العقلي المنطق ي في المجال الذي فيه اجتهاد مطلب شرعي ولو كان صاحب الحجة أقل في الكفاءة والمنزلة ، فالحق هو المطل ب لكل صاحب إنصاف وتجرد من الهوى. خرج عمر بن الخطاب في ليلة مظمة ، يطوف في الليل بنفسه، فرأى في بعض البيوت ضوء سراج، وسمع ضجة، فوقف على الباب ليسمع ، فرأى عبداً أسود أمامه إناء وفيه شراب ، ومعه جماعة، فهم بالدخول من الباب فلم يقدر من تحصين البيت، فتسور السطح ، ونزل إليهم ، ومعه سوطُهُ الذي يضرب به ، فلما رأوه قاموا وفتحوا الباب ، وانهزموا، فأمسك بالأسود ، فقال له : يً أمير المؤمنين، قد أخطأت وإني صئب، فاقبل توبتي ، قال : أريد أن أضربك على خطيئتك . فقال : يً أمير المؤمنين، إن كنت قد أخطأت في واحدة ، فقد أخطأ ت في ثلاث، فإن الله تعالى يقول: ﴿وَلاَ تجََسَّسُوا ﴾ وأنت تجسست ، ويقول : ﴿وَأْتُواْ الْبـُيُوتَ م نْ أَبـْوَابه َا ﴾ وأنت أتيت من السطح ، ويقول: ﴿لاَ تَدْخُلُوا بـُيُوصً غَيـْرَ بـُيُوت كُمْ حَتىَّ تَسْتَأْن سُوا وَتُسَ لّ مُوا عَلَى أَهْل هَا﴾ وأنت دخلت وما سلمت ! فهب هذه لتلك ؛ وأنا صئب إلى الله تعالى. فقال عمر : أسلك أن تتوب إلى الله ، فقد حسُن كلامك(1). 14- البعد عن الأنانية والتفكير في الذات المحضة من الصفات العمرية التي تكتسبها النفس العلية، خرج عمر في يوم حر واضعاً رداءه على رأسه فمر به غلام على حمار فقال: يً غلام احملني معك فوثب الغلام على الحمار قال: اركب يً أمير المؤمنين . فقال: لا .. اركبْ واركب أنا خلفك تريد أن تحملني على المكان الوطئ وتركب أنت على الموضع الخشن ، ولكن أركب أنت على المكا ن الوطئ وأركب أنا خلفك على المكان الخشن، فركب خلف الغلام فدخل الم دينة وهو خلفه والناس ينظرون إليه. (1 ) نسيبة عبد العزيز المطوع، الأساليب التربوية في القرآن وا لسنة ـ،ص45.
عدد الصفحات ٢٧٩- 251 - 15- إعلان براءة الأتباع الموجه لهم مساءلة من الجهات المختصة عبر وسائل الأعلام المتاحة والرسمي ة وعدم الاكتفاء بأخبارهم ببراءته م الشفوية وكأن الأمر لما يتجاوز الكرامة الإنسانية المقدرة والمحترمة ، قال سيف عن عبد الله عن المستور عن أبيه عن عدى بن سهل قال: كتب عمر إلى الأمصار إنني لم أعزل خالداً عن سخطة ولا خيانة ، ولكن الناس فتنوا به فأحببت أن يعلموا أن الله هو الصانع وأن لا يكونوا بعرض الفتنة(1). 16- الإشادة بأهل المواقف البطولية والثبات على المبادئ في المحافل العامة ، ومن شواهد ذلك تقبيل عمر رأس عبد الله بن حذافة السهمي الذي رفع رأس المسلم ولم يذل لأهل الباطل ومغريًتهم التي قدمت من أجل تخليه عن الإسلام ودخول النصرانية . 15- احترام وتقدير أسماع المخاطبين والقراء أو من أنت توجه لهم الخطاب ، ويكون من خلا ل التحضير الجيد وجمع الأفكار والإلمام بالموضوع وإعداده وحسن طرحه بالأسلوب المناسب وفي الوقت المناسب " قال عمر في بيعة سقيفة بني ساعدة، فلم تكلم أبو بكر فأحسن.. فقد زورت في نفسي كلاماً مثله " . 15- اكتساب الطاقات الفاعلة والعقول الواعية والاستفادة من المواهب واكتشافها مبكراً مما كان من اهتمامات الفاروق فقد كان يسمح لصاحب الموهبة والتميز جانب من الجوانب بالمشارك معه في مجالس كبار الصحابة ، وكان عبد الله بن عباس من المعدودين لمشاركين لعمر في مجلس الشورى وكبار الصحابة مع صغر سنه حتى وجد بعض الصحابة في أنفسهم شيئاً من دخوله وعدم السماح بأ بنائهم بالدخول، فأراد عمر أن يوضح لهم سر مشاركته والسماح له فسألهم عن " إذا جاء نصر الله والفتح "ما المقصود بها، ففسرت منهم الظاهر من الآية ، فقال: ما (1 ) طبقات ابن سعد ، ج3 ص252.
عدد الصفحات ٢٨٠- 251 - تقول يً ابن عباس ؟ قال إخبار بدنو أجل رسول الله ، فقال : عمر والله لا أعرف إلا هذا أو نحوه. 11- تقدير الرأ ي المخالفة وإحسان الظن بصاحبه وتقديم ما يخالفه عملياً وعدم الاستناد إلى السلطة " قال عمر يوماً على المنبر:أسمعوا وأطيعوا، فقام سلمان الفارسي ، فقال: لا سمع ولا طاعة؟ فقال عمر ولما يً سلمان ؟ قال: ميزت نفسك علينا في الدنيا. أعطيت كلاً منا بردة واحدة ،و أخذت أنت بردتين ..!ف يقول عمر أين عبد الله بن عمر ؟ فينهض ابنه عبد الله : ها أنا ذا يً أمير المؤمنين .. قال أخبرهم ، فيقول عبد الله أنكم تعلمون أن أبي رجلا طوالا، فأعطيته بردتي إلى بردته.. فيقول سلمان : الآن نسمع ونطيع. آهٍ ما أعظم عمر الذي تربى في المدرس ة المحمدية في عهديها المكي والمدني، وما أعظم سلمان الفارسي الذي بحث عن الحقيقة حتى وجدها ، فتصل الحرية الإسلامية إلى هذه الدرجة من الشفافية وحسن الظن من الحاكم بالرعية إلى درجة البحث عن عدم السمع والطاعة، وتجلية الشبة للعامة، هذا هو الحل الجذري للمشكلة وليس التهذيب والتشذيب للفروع ، والمشكلة غارقة في صميم الجذر، وهذا العلاج الإسلامي المحمدي العمري السلماني ليس لهذه المشكلة بكل مشكلة وداءُ يحل بالأمة المحمدية. 21- الاهتمام بالطرق ووسائل النقل البري والبحري وإنشاء الثغور والمدن، فهو أول من حمل الطعام في السفن من مصر في البحر حتى ورد البحر ثم حمل من الجار إلى المدينة..ووضع عمر في طريق السبل ما بين مكة والمدينة ما يصلح من ينقطع به ويحمل من ماء إلى ماء"(1). (1 ) طبقات ابن سعد ، ج3، ص252- 253.
عدد الصفحات ٢٨١- 251 - 21- الاهتمام بالجانب الاقتصادي للدولة المسلمة فهو مصدر من مصادر قوتها في أرض الواقع وارتفاعها النفسي عن الحاجة لغير المسلمين" فالمؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف" فأنشأ عمر المدن والثغور، وألغى فكرة توزيع أرض السواد على الفاتحين "لأن ذلك يخلق طبقة محتكرة وفي الوقت نفسه ، عاجزة عن خدمة الأرض ، غير خبيرة بزراعتها ، ويترك الأرض تحت أيدى زارعها ، مكتفياً بالضرائب التي تدفع لبيت المال ، ثم ينال كل مسلم حظه منها" (1) وكذلك شجع على الثروة الحيوانية ، فخصص لها مرعى خصيباً رحيباً. 22- مفهوم تربوي إسلامي تصوري "فالثروة عند عمر في خدمة الإنسان، وليس الإنسان في خدمة الثروة"(2)وهذا المفهوم الذي تعامل به عمر مع الثروةيث أصبحت الثروة خادمة وليس مخدومة ينسى الإنسان في خدمتها السبل الشرع ية في الوصول إليها أما إذا تحول المفهوم العكسي فتصبح هي الخدومة كما هي الثقا فة الغربية البرجماتية النفعية التي تبرر الوسيلة الخسيسة استخدامها من أجل الوصو ل إلى الغاية. 23- الشورى وإبداء الرأي بكل شجاعة وبسالة من مصادر الحكم العمري الراشد، ومفهوم الشورى لدى عمر أنها ملك للجميع " ولم يجعل الشورى وقفاً على بطانة أو فريق من الناس ، بل احترمها كحق مبرور للأمة كلها!! ومفهوم إبداء الرأي إيصاله بأدب واحترام للغير "فالحق فوق جميع القيود.. وما دام هم الذين يكتشفو ن الحق، فيجب أن يكونوا أحراراً في ممارسة كشفه "(3)، قال عمر: لا خير فيكم إذا لم تقولوها (1 ) خالد محمد خالد ، خلفاء الرسول ، ص 211. (2 ) خالد محمد خالد ، خلفاء الرسول ، ص 212. (3 ) خالد محمد خالد ، خلفاء الرسول ، ص 221.
عدد الصفحات ٢٨٢- 252 - .. ولا خير فينا إذا لم نسمعها "أجل، لا خير في الناس إذا لم يقولوا ما يرونه حقاً، و خير في الحاكم إذا لم يسمع منهم ويصغ إليهم"(1). 24- الاهتمام والعناية بأماكن العبادة ففي" سنة 15 هـ عمر المسجد الحرام ، وأمر بتجديد أنصاب الحرم، أمر بذلك مخرمة بن نوفل، وأزهر بن عبد عوف، وح -ويطب بن عبد العزى، وسعيد بن يربوع" (2)، وكذلك"سنة 15هـ عمر المقام وكان ملصقاً بجدار الكعبة فأخره إلى حيث هو الآن لئلا يشوش المصلون عنده على ا لطائفين "(3). 25- العلم من مصادر التغذية الفكرية والوجدانية التي يرتقي بها للإنسان في نفسه ومجتمعه، ويكون راشداً في توجهاته وأرائه، وهذا مكان يمتاز به ابن الخطاب فاروق الأمة قال ابن مسعود: " إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه"وما ذلك إلا لأن علم عمر الذي تلقاه من ( معلم الناس الخير) كان علماً عظيم الشمول بعيد الأهداف يقاس عليه غيره ولا يقاس على غيره ، ولأن عمر إنما كان يحاول إدراك المبادئ التي تتفرع عنها الأحكام والقواعد التي تبنى عليها السنن والآداب . ومع ما لعمر من ملكة فطرية في إدراك الحق لاحرازه مقاييسه ، كان يستعين بعلم العلماء من الصحابة أمثال عبدالله بن مسعود وعلي بن أبي طالب وزيد بن ثابت ومعاذ بن جبل وأبي بن كعب عبدالله بن العباس. وقال عمر في معاذ:" لولا معاذ لهلك عمر"وكان يتعوذ من معضلة ليس لها أبو الحسن (4). (1 ) المرجع السابق ، ص 231 . (2 ) محمد بن صامل السلمي، كتاب البداية والنهاية " 2" خلافة عمر بن الخطابـ، ص36 -35. (3 ) السابق ، ص35. (4 )طارق السعود، رجال من الإسلام ، ص 11.
عدد الصفحات ٢٨٣- 253 - الخاتمة وبعد ..هذه الرحلة الماتعة مع منه ج القرآن الكريم في التربية، فإن الباحث يح اول تسليط الضوء على أبرز ما توصل إليه من نتائج لهذا البحث منها ما يلي : - نجحت تربية الرسول بالمنهج القرآني نجاحاً ليس له مثيل في صريخ البشرية ،ووصل بمجتمعه في واقع الحياة إلى غاية من الرفعة والسمو لم يبلغها الفلا سفة والمفكرون والمصلحون ، فلا غرابة ولا عجب أن يكون رقم واحد من مائة شخصية مرت على التاريخ ، ولا على عجب أن تضع المحكمة الدستورية للولايًت المتحدة على مبناها شكراً للنبي على ما قدم للإنسانية - إن المنهج القرآني في تربيته للأمة المسلمة الأولى غير حياته ا الفكرية وبالتالى السلوكية وهذا بدوره ساهم في مدة وجيزة من أعمار الأمم في تغيير مجريًت حياة الأمم والشعوب المجاورة لها. - إن من المنطلقات الجوهرية والأساسية في المساهمة الفاعلة والراشدة في إعادة النهضة الحضارية للأمة الإسلامية إلى رونقها وأمجادها المأمولة بإ ذن الله عودتها الصادقة والفعلية للقرآن الكريم كمنهاج حياة عملية وليست نظرية مجردة - إن التربية القرآنية هي المخلصة اليوم ؛ للبشرية في العموم للمسلمين في الخصوص، فقد أتعبها المسير في دروب الضياع ، فأطبقت عليها نفسها الداخلية بالضيق والضنك الذان ذكرهما الله ع ز وجل في كتابه الكريم، لكل معرض عن طريق الله، إعراضاً كلياً أو جزئياً، فالإسلام هو المنهج الكامل الذي لا عوج فيه، ، والمناهج البشرية دائماً ذات نقص واعوجاج. - إن التربية القرآنية تسعى لتوسيع الأفق والفكر لدى المخاطب للارتقاء به إلى الدرجة الواعية للسلوك والت صرفات لأنهما ناتج تصوري وفكري لصاحبهما .
عدد الصفحات ٢٨٤- 254 - - إن التربية القرآنية تدعو بعد الالمام بأسسها وأصولها وحقيقتها للاستفادة من أي خبرة أو فائدة منقولة لا تخالف أصولها االشرعية والتربوية. - إن منهج القرآن الكريم في التربية شامل، فهو لا يقتصر على جزء معين من الحياة الإنسانية في ميادينها المتعددة، بل يربط بين الدنيا والآخرة وبين العبادة والسلوك وبين الفرد والمجتمع في آن واحد وعلى هذا الشمول يقوم منهج القرآن الكريم في التربية . - إن التربية القرآنية لا تعترف بالانفصام النكد بين الروح والجسد والدنيا والآخرة الذي ولدته التربيات الوضعية أو السماوية المحرفة عن مصدرها الحقيقي، مما ولد العداء الشديد فيها بين الجمع بين الأمور المادية والروحية وبين الآخرة والدنيا. - إن منهج القرآن في التربية يوجه العقل إلى الاستفادة من الطاقة المادية وتذليلها لخدمة الإنسان فهو من يشرف عليها ويوجهها . - إن التربية القرآنية تستبعد كل مسئولية موروثة ، أو جماعية وتجعل المسئولية فردية تيمثلها الإنسان أمام ناظره في كل لحظاته بل أنفاسه . - إن من أهم مصادر التربية الإسلامية هو القرآن الكريم وهو يدعو نظريًً وعملياً لتحقيق التربية الشاملة للفرد والمجتمع معاً ولهذا ينبغي على التربية في العصر الحاضر تربية الأفراد والمجتمع تربية قرآنية إذا أرادت التميز والرقي وسبق الأمم في أمور الدين والدنيا معاً. - إن مفرق الطريق بين الأمة الإسلامية وغيرها من الأمم أنها تتطلع مباشرة في كل أمورها صغيرها وكبيرها إلى ما عند الله وهي آخذت بال سنن الكونية ، وهذا ما أكدت التربية القرآنية .
عدد الصفحات ٢٨٥- 255 - التوصيات وفي ضوء النتائج التي تم توصل إليها ، ومن خلال ما تم استعراضه من أدبيات البحث في إطاره العام والنظري ، فيمكن أن يوصي الباحث بما يلي : - يوصي البحث القائمين على التربية المعاصرة التمسك بما تدعو إليه ا لتربية في المنهج القرآني وترسيخ تلك التربية في نفوس النشء ، فهي البوابة للتميز والرقي وسبق الأم م في أمور الدين والدنيا معاً. - مراعاة الإعداد الفطري في التكوين الإنساني في جميع البرامج المقدمة للإنسان ، فيعد لكل جنس من الجنسين ما خلق له وهيئ له ابتداءً . - الاهتمام بالفرد ككل مركب من أجزاء متكاملة وليست متضادة ، وهي الجسم والعقل والروح في آن واحد بطريقة متوازية وغير متنافرة . - إعداد برامج في جميع المجالات توسع المدارك الفكرية لدى الفرد ، فتغيير السلوك مرتبط ارتباط تلازمياً مع تغيير الفكر أولاً . - بإعداد برامج ته تم بالقراءة الموجهة، بمفهومها الواسع ، قراءة الكون وما فيه من الأسرار العظيمة، التي تدل على أن هناك واحد ،أحد فرد صمدُ ، خلق الإنسان ، والكون بما فيه؛ لغاية واحدٍ ، وهي عبوديته المحضة، قال تعالى: ﴿ وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾، الآن نعيش مع بعض المضامين التربوية المستنبطة من هذا الآية.
عدد الصفحات ٢٨٦- 256 - فهرس المصادر والمراجع - أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير (1415هـ البداية والنهاية ، المحقق: علي شيري، دار إحياء التراث العربي. - أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة (د.ت): صحيح ابن خزيمة ، المحقق: د. محمد مصطفى الأعظمي، المكتب الإسلامي – بيروت. - أبو نصر إسماعيل بن حماد الجوهري (1415 هـ) : الصحاح صج اللغة وصحاح العربية ، تحقيق: أحمد عبد الغفور عطار، ج6، ط4،دار العلم للملايين – بيروت. - أحمد بدر(1151م):أصول البحث العلمي ومناهجه، ط5،دار المعار ، مصر - أحمد فريد( 1413هـ):وقفات تربوية مع السيرة النبوية،دار ابن القيم، الإسكندرية. - أحمد كامل الرشيدي، وفاطمة بنت حمد الرديني( 1426هـ): التربية الإسلامية من المفهوم إلى التطبيق(ضرورة إنسانية)، مكتبة الرشد ناشرون، الريًض . - بهاء سيد محمود حسانين (د،ت):دور ممارسة الأنشطة الريًضة في تنمية بعض القيم الخلقية لدى طلاب جامعة أسيوط "دراسة ميدانية . - جلال الدين السيوطي ( 1415هـ):صريخ الخلفاء ، دار الكتب العلمية ، بيروت - جمال الدين أبي الفرج عبد الرحمن لجوزي ( 1412هـ): صفة الصفوة ، فهرسة عبد السلام محمد هارون ، دار الفكر، بيروت. - جودت سعيد(1415هـ):إقرأ..وربك الأكرم، أبحاث في سنن تغييرالنفس والمجتمع. - خالد بن حامد الحازمي( 1426هـ): أصول التربية الإسلامية،ط 2. مكتبة دار الزمان ، المدينة المنورة .
عدد الصفحات ٢٨٧- 255 - - خالد محمد خالد (د . ت) : خلفاء الرسول ، دار ثابت ، القاهرة - خليل بن عبدالله الحدري ( 1415هـ): التربية الوقائية في الإسلام ومدى استفادة المدرسة الثانوية منها،رسالة ماجستير منشورة ، كلية التربية ، قسم التربية الإسلامية ، جامعة أم القرى، مكة المكرمة. - الزهراني ، سعيد بن عطية ( 1424هـ): القيم الأخلاقية في الصراع الحضاري ب الإسلام والغرب، دار ابن حزم ، بيروت - سليمان بن الأشعث السجستاني أبوداود (ت):سنن أبي داود ،المحقق: محمد محيي الدين عبد الحميد، المكتبة العصرية، صيدا – بيروت. - سليمان بن قاسم العيد (1426هـ): التربية الخُلقية بين الإسلام والعولمة، مدار الوطن للنشر، الريًض. - سيد قطب (1412هـ) :في ظلال القرآن ، ج 6 ، ط15 ،دار الشروق -بيروت- القاهرة - سيد قطب(1411هـ): في ظلال القرآن، ط 16.دار الشروق،بيروت - سيف الدين حسين شاهين شاهين (1413هـ): حقوق ا لإنسان في الإسلام، مطبعة سفير ، الريًض. - شمس الدين محمد بن أحمد الحنبلي (1115م): تنقيح تحقيق أحاديث التعليق تحقيق : أيمن صالح شعبان. دار الكتب ، بيروت. - صالح موسى درَادكه (1415هـ): الإنسان في القرآن الكريم،دار الهجرة ، بيروت - طارق السعود( 1416هـ ): رجال من الإسلام ، دار الهجرة، بيروت
عدد الصفحات ٢٨٨- 255 - - عائشة عبد الرحمن بنت الشاطئ 1153م): الشخصية الإسلامية، دار العلم للملايين، بيروت. - عطية بن محمد أحمد الصالح (1424هـ) : تنمية القيم الأخلاقية لدى طلاب مرحلة التعليم الأساسي العليا من وجهة نظر معلمي التربية الإسلامية في المملكة الأردنية الهاشمية ، رسالة دكتوراه غير منشورة ، كلية التربية ، قسم التربية الإسلامية والمقارنة ، جامعة أم القرى ، مكة الم كرمة . - على بن حمد الجرجاني( 1415هـ):التعريفات،ط 4).دار الكتاب العر-بيروت. - علي أحمد مدكور ( 1411هـ): مفهوم المنهاج التربوي في التصور الإسلامي ، مؤتمر نحو بناء نظرية تربوية إسلامية معاصرة " 2- 5 محرم 1411هـ" ، عمان، الأردن - عوض بن حمد الحسني (1425هـ):مشروع التربية الأخلاقية للمرحلة الثانوية في ضوء التحديًت المعاصرة لبناء شخصية إسلامية فاعلة ضمن مواد التربية الإسلامية، بحث غير منشور، قسم التربية الإسلامية والمقارنة، كلية التربية ، جامعة أم القرى ، مكة. - عوض بن حمد الحسني (1425هـ):تنمية القيم الأخلاقية في ارحلة الثانوية من خلال الأنشطة غير الصفية دراسة ميدانية ، رسالة ماجستير غير منشورة، قسم التربية الإسلامية والمقارنة، كلية التربية ، جامعة أم القرى ، مكة. - غسان منير سنو (1115م): القيم والمجتمع – نظام القيم السائدة عند طلبة الدراسات الشرعية في بيروت . دار ص ادر ، بيروت.
عدد الصفحات ٢٨٩