- 255 - إلى المجتمعات عموماً والمجتمعات الإسلامية خصوصاً بهلاك هذه الحضارة وتلاشيها وبقاء التربية الإسلامية بإذن الله . - الحرية العلمية ، فدع الإسلام إلى العلم والعمل الصالح ، وأثنى على العلماء ﭧ ﭨ ﭽ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﭼ(1)، وهذا العلم يكون إلا من خلال التربية الذاتية في بداية الطريق. إن شعور الفرد منا بهذه المسؤولية وما يترب عليها من الجزء في الدنيا والآخ ر ة يكون دافعاً داخلياً لنا في ضبط تصرفاتنا وأقوالنا وأفعالنا، ويحثنا بالاستمرار على العمل والجدية ومراقبة الله عز وجل في جميع الأحوال، وهذه ثمرة عظيمة للتربية الذاتية، واستحضار الجزاء وما يؤول إليه مصير لفرد منا يكون له السبب الجوهري في إصلاح أحوالنا والسير على الطريق المستقيم الذي يسعد به صاحبه في الدنيا والآخرة، ومن يعرض عنه وتقوده نفسه ولا يقودها يخسر دنياه وأخراه ، ﭧ ﭨ ﭽ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼﯽ ﯾ ﯿﭼ(2). إن هذه المسؤولية بحيث يكون"كل إنسان مسؤول عن عمله ، لا يستطيع أن يلقي حمله على غيره ، ولا هو يتلقى على كتفه أحمال الآخرين . والشعور الدائ م بهذه (1 ) سورة فاطر 25 . (2 ) سورة طه 124 .
عدد الصفحات ٢٥٨- 255 - المسؤولية الفردية يحدد للإنسان في داخل نفسه كياناً متميزاً واضح الحدود أعصابه صاحية لكل ما يمسه ولو من بعيد "(1). ومن أعظم الوسائل والأساليب التربوية في منهج القرآني الكريم ؛لتعزيز هذا الجانب، ربط القلب البشري با لله مباشرة ،إن الإنسان إذا حسن الاتصال بربه وأقب ل بقلبه على مولاه ، وجد سعادته في نفسه أولاً ، ووجد سعادته في المجتمع ثانياً ، واستغراق الإنسان مع هذا الجانب يولد لديه الإيجابية التي تدفعه إلى الرقي في الدنيا والآخرة، وتنسيه هموم الدنيا ومتاعبها وفي لحظة الاستغراق " يمتلئ الإنسا ن بالشحنة التي توجهه إلى الله في الحياة .. توجهه فرداً إيجابياً له كيان . وإنها لتمنحه قوة عجيبة إزاء كل أحد وكل شيء وكل حدث" (2). ولذا فإن الباحث يرى أن من المناسب بعد هذا الطرح التنظيري،أن يعرض نموذج من النماذج الحية التي تأثرت به ذا المنهج القرأني التربوي فحولته إلى سلوك عملي تطبيقي في حياتها بعد أن تعرضت لتلك التربية القرآنية على يدي رسول الله ، ويكتفي بهذا النموذج لضيق الوقت وإلا كل تلك النماذج القرآنية الأمة الإسلامية في عمومها بحاجة ماسة للوقوف على سيرتها؛ليستلهم منها المسلم الجانب ال تطبيقي ويسعى جاهداً لسد الهواة الواسعة اليوم بين الجانب النظري والجانب التطبيقي في الواقع. (1 ) محمد قطب ، منهج التربية الإسلامية ، ج1، ص166. (2 ) المرجع السابق ، ص 165.
عدد الصفحات ٢٥٩- 251 - المبحث الثالث : نموذج من مدرسة منهج القرآن الكريم في التربية عمر بن الخطاب " لا يشك منصف من غير المسلمين، وهو يقرأ التاريخ لبشري ويطالعه بع البصيرة، والموضوعية،بعيداً عن الحزبية والعصبية، بأن التربية المحمدية،على صاحبها أفضل الصلاة والسلام وأتم التسليم، أحدثت تغير إيجابياً للبشرية في التصورات والمفاهيم والسلوك،فنجح "نجاحاً ليس له في صريخ البشرية مثيل ووصل بمجتمع المدينة في واقع الحياة إلى غاية من ا لرفعة والسمو لم يبلغها الفلاسفة والمفكر ون والمصلحون في الأماني والخيال، ودل نجاحه على ما تستطيعه التربية- وفق منهج القرآن –من تغيير للأنفس، وسمو بالمجتمع ورفعة بالبشرية إلى أسمى الآفاق" (1)، فأخرجت التربية المحمدية للإنسانية لأول مرة في صريخ المجتمعات ال بشرية مجتمعاً تسوده"الحرية الكاملة والمساواة التامة والضمانات القوية ومبدأ محاسبة الحكام والأمراء" (2). في هذا المجتمع،وضمن هذه التربية المحمدية القرآنية،التي بلغت السمو في شأنها كله، يشير الباحث إلى نموذج من نماذجها الواقعية المثالية، التي تجعل المثال واقعاً مطبقاً في الحياة، وليس مجرد خيال وأمنيات، ينبغي أن تسعى البشرية جاهدة للوصول ولن تصل، ولكن على الأقل أن تقترب من ذلك! إن هذا النموذج الذي يفوق خيال الباحث، ويفوق كلماته وتصوراته، سيتوج الباحث به بحثه في الجانب التطبيقي لمنهج القرآن الكريم في التربية، من خلال التعرض (1 ) محمد شديد ، منهج التربية في القرآن الكريم ، ص 13 -14. (2 ) المرجع السابق ، ص 55.
عدد الصفحات ٢٦٠- 261 - لبعض وقفاته التربوية، التي تعبر عن فكره التربوي، وعن التربية القرآنية التي ع اشها مع الحبيب المصطفى ، فشرب منها حتى تفتقت أمعائه، فسرت في كيانه كما يسرى الدم في عروقه، فكان حقيقة ذلك النموذ ج، إنه فاروق الأمة، والمهم، الذي يفر منه الشيطان، أنه الخليفة الراشد الثاني عمر بن الخطاب ، وسيركز الباحث حديثه عن هذا النموذج المحمدي في نقطتين فقط هما : شخصيته وما يتعلق بها من معلومات تعريفية به ، والجانب الآخر وقفات تربوية تعبر عن فكره التربوي رضي الله عنه. أولاً : شخصية عمر بن الخطاب وما يتعلق بهامن معلومات تعريفية. أ- اسمه ونسبه : هو عمر بن الخطاب بن نُفيل بن عبد العُزى بن ريًح بن عبدالله بن قـُرْط بن رزاح بن عدي بن كعب، ويكنى أبا حفصن وأمه حنتمة بنت هاشم بن المغيرة بن عبدالله بن عمر بن مخزوم(1). ب- صفته : كان أبيض أمهق تعلوه حمرة طوالاً أصلع أجلح شديد حمرة العين في عارضه خ فة، وقال وهب : صفته في التوراة قرن من حديد أمير شديد (2)،وكان رجلاً جسيماً كأنه من رجال بني سَدُوس، ضخماً،أعسر، أيسر، يسرع في مشيته ،عن أسلم قال: رأيت عمر إذا غضب أخذ بهذا ، وأشار إلى سَبَلتَه ، فقال بها إلى فمه ونفخ فيه، وكان يصفر لحيته، ويرجل رأسه بالحناء ، ركب عمر فرساً فانكشف ثوبه عن فخذه فرأى أهل نجران بفخذه شامةً سوداء فقالوا: هذا الذي نجد في كتابنا أنه يخُرجنا من أرضنا (3). (1 ) محمد بن سعد ، طبقات ابن سعد ، ج3 ص265. (2 ) جمال الدين أبي الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي ، صفة الصفوة ، م 1 ، ج1 ، ص113. (3 ) محمد بن سعد، طبقات ابن سعد ، ج3 ، ص324 – 325.
عدد الصفحات ٢٦١- 261 - أما من نقل أن عمر كان آدم ، فنقل ابن سعد عن محمد بن عمر الواقدي الطبقات أنه قال: " هذا الحديث لا يُعرف عندنا ، إن عمر كان آدم إلا أن يكون رآه عام الرمادة فإنه كان تغير لونُه حين أكل الزيت.. عن عياض بن خليفة قال: رأيت عمر عام الرمادة وهو أسود اللون ولقد كان أبيض فيقال مم ذا ؟ فيقول: كان رجلاً عربياً وكان يأكل السمن واللبن فلما أمحل الناس حرمهما فأكل الزيت ح تى غير لونه وجاع فأكثر" (1). ج- نشأته: قال ابن سعد" أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني أسامة بن زيد بن أسلم عن أبيه عن جده قال: سمعتُ عمر بن الخطاب يقول: ولدتُ قبل الفجار الأعظم بأربع سنين"(2)، وكان منزل عمر بن الخطاب في أصل الجبل الذي يقا ل له اليوم جبل عمر، وكان اسم الجبل في الجاهلية العاقر فنسب إلى عمر بعد ذلك ،وبه كانت منازل عدي بن كعب (3)، قال النووي" ولد عمر بعد الفيل بثلاث َ عشرة سنة ، وكان من أشراف قريش ، وإليه كانت الس فارة في الجاهلية، فكانت قريش إذا وقعت الحرب بينهم – أو بينهم وبين غيرهم – بعثوه سفيراً، وإذا نافرهم منافر أو فاخرهم مفاخر بعثوه منافراً ومفاخراً"(4). (1 ) المرجع السابق ، ج 3 ، ص324. (2 ) السابق ، ص261. (3 ) السابق، ص266. (4 ) جلال الدين السيوطي ، صريخ الخلفاء ، ص56.
عدد الصفحات ٢٦٢- 262 - وكانت محادته للإسلام " تكاد وحدها تعدل أذى قريش .. وكان تشبثه بموقفه يدحض أي أمل في عُدوله عنه،حتى لقد صور أحد المسلمين يومئذ يأسه من إسلام (عمر)بقوله : إنه لن يسلم حتى يُسلم حم ار الخطاب" (1). د- أسلامه : عن أنس بن مالك رضي الله عنه: خرج عمر متقلد السيف فلقيه الرجل من ب زهرة، قال : أين تعمد يً عمر؟ فقال: أريد أن أقتل محمداً، قال: وكيف تأمن من بني هاشم وبني زهرة وقد قتلت محمداً؟ قال ، فقال عمر : ما أراك إلا صبوتَ وتركتَ دينك الذي أنت عليه، قال : أفلا أدلك على العجب يً عمر ؟ إن ختنك وأختك قد صبا وتركا دينك الذي أنت عليه . قال فمشى عمر ذامراً حتى أصهما وعندهما خباب، فلما سمع بحس عمر توارى في البيت ، فدخل ، فقال: ما هذه الهيمنة؟ وكانوا يقرؤون طه ، قلا: ما عدا حديثاً تحدثناه بيننا، قال: فعلكما قد صبأتما ، فقال له ختنه : أرأيت يً عمر، إن كان الحق في غير دينك ، فوثب عليه عمر، فوطئه وطأ شديداً، فجاءت أخته لتدفعه عن زوجها ، فنفحها نفحة بيده ، فدمَي وجهها، فقالت- وهي غضبى - :وإن كان الحق في غير دينك، "إنى أشهد أن إله إلا الله وأ ن محمداً رسوله ، فلما يئس عمر، قال : أعطوني الكتاب الذي هو عندكم فأقرأه – وكان عمر يقرأ الكتاب - فقالت أخته :إنك نجس، وإنه لا يمسه إلا المطهرون فقم فاغتسل أو توضأ فقام فتوضأ ، ثم أخذ الكتاب، فقرأ طه حتى انتهى إلى قوله تعالى: ﭽ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭼ(2)، فقال (1 ) خالد محمد خالد، خلفاء الرسول ، ص 142- 143 (2 ) سورة طه 14 .
عدد الصفحات ٢٦٣- 263 - عمر : دلوني على محمد ، فلما سمع خباب عمر خرج، فقال:أبشر يً عمر ، إني أرجو أن تكون دعوة رسول الله لك ليلة الخميس " اللهم أعز الإسلام بعمر بن الخطاب، أو بعمر بن هشام". وكان رسول الله في أصل الدار التي في أصل الصفا، فانطلق عمر حتى أتى الدار وعلى بابها حمزة وطلحة وناس ، فقال حمزة: هذا عمر ؛ إن يرد الله به خيراً يسلم، وإن يرد غير ذلك يكن قتله علينا هيناً ، قال: والنبي داخل يُوحى إليه، فخرج حتى أتى عمر ، فأخذ بمجامع ثوبه وحمائل السيف، فقال: ما أنت بمته يً عمر حتى ينزل الله بك من الخزي والنكال ما أنزل بالوليد بن المغيرة ، فقال عمر: أشهد أن لا إله إلا الله وإنك عبد الله ورسوله (1). قال ابن سعد في طبقاته : عن سعيد بن المسيب : أسلم عمر بعد أربعين رجلاً وعشرة نسوة فما هو إلا أن أسلم عمر فظهر الإسلام بمكة، وعن صهيب بن سنان قال: لما أسلم عمر ظهر الإسلام ودُعي إليه علانية، وجلسنا حول البيت ح لقاً وطُفنا بالبيت وانتصفنا ممن غلظ علينا ورددنا عليه بعض ما يأتي به ، قال ابن مسعود :ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر، وقال أيضاً:كان إسلام عمر فتحاً وكانت هجرته نصراً وكانت إمارته رحمة ، لقد رأيتنا وما نستطيع أن نصلي بالبيت حتى أسلم عمر ، فلما أسلم قاتلهم حتى تركونا فصلينا (2). (1 )طبقات ابن سعد، ج3، ص265- 265 (2 )المرجع السابق ، ج 3، ص261- 251.
عدد الصفحات ٢٦٤- 264 - أسلم عمر في ذي الحجة السنة السادسة من النبوة ، وهو ابن ست وعشرين سنة (1). قال: وكان عبدالله بن عمر يقول: أسلم عمر وأنا ابن ست سن (2). عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: سألت عمر رضي الله عن ه:لأي شيء سميت الفاروق؟ فقال: أسلم حمزة قبلي بثلاثة أيًم ، فخرجت إلى المسجد ،فأسرع أبو جهل إلى النبي يسبه ،فأُخبر حمزة، فأخذ قوسه وجاء إلى لمسجد إلى حلقة قريش التي فيها أبو جهل ، فاتكأ على قوسه مقابل أبي جهل ، فنظر إليه ، فعرف أبو جهل الشر في وجهه ، فقال: ما لك يً أبا عمارة؟ فرفع القوس ، فضرب بها أخدعه فقطعه، فسالت الدماء، فأصلحت ذلك قريش مخافة الشر.قال: ورسول الله مخُتفٍ في دار الأرقم المخزومي، فانطلق حمزة، فأسلم، فخرجت بعد ه بثلاث أيًم، فإذا فلا ن المخزومي- ثم ذكر قصة إسلامه – قال عمر : فكبر أهل الدار تكبيرة سمعها أهل مكة ، قلت: يً رسول الله السنا على الحق؟ قال: بلي ، قلت: ففيم الإخفاء ؟ فخرجنا صفين أنا في أحدهما وحمزة في الآخر حتى دخلنا المسجد، فنظرت قريش إلى وإلى حمزة، فأصابتهم كآبة شديدة لم يصبهم مثلها فسماني رسول الله " الفاروق" يومئذ، لأنه أظهر الإسلام وفرق بين الحق والباطل (3) . (1 )طبقات ابن سعد، ج3، ص251 ، جلال الدين السيوطي، صريخ الخلفاء ، ص11. (2 )طبقات ابن سعد ، ج3، ص251. (3 ) جلال الدين السيوطي، صريخ الخلفاء ، ص11 – .11
عدد الصفحات ٢٦٥- 265 - هل- جملة من مناقبه وفضائله (1) : قال أهل العلم لما أسلم : عز الإسلام ، وهاجر جهراً ، وشهد بدراً وأحداً والمشاهد كلها وهو أول خليفة من دُع ي أمير المؤمنين، وأول من كتب التاريخ للمسلمين، وأول من جمع القرآن في المصحف ، وجمع الناس على التراويح، وأول من عس بالمدينة، وحمل ال د رة وأدب بها، وجلد في الخمر ثمانين، وفتح الفتوح، ومصر الأمصار، وجند الأجناد، ووضع الخراج ، ودون الدواوين ، وفرض الأعطية. قال : عن عائشة عن النبي ، قال : قد كان في الأمم محدثون فإن يكن أمتي فعمر. حديث متفق عليه، وعن سعد بن أبي وقاص عن النبي :أنه قال لعمر والذي نفسي بيده ما لقيك الشيطان قط سالكاً فجاً إلا سلك فجاً غير فجك. أخرجاه في الصحيحين، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: أن رسول الله قال : رأيت الناس مجتمعين في صعيد فقام أبو بكر فنزع ذنوباً أو ذنو بين وفي بعض نزعه ضعف والله يغفر له، ثم أخذها عمر فاستحالت في يده غرباً، فلم أر عبقريًً يفري فريه حتى ضرب الناس بعطن. حديث صحيح (2) . و- موافقات عمر (3): قال السيوطي : قد أوصلها بعضهم إلى أكثر من عشرين عن ابن عمر مرفوعاً: ما قال الناس في شيء وقال عمر إلا جاء القرآن بنحو ما يقول عمر.وأخرج الشيخا ن عن عمر قال: وافقتُ ربي في ثلاث: قلت: يً رسول (1 ) جمال الدين أبي الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي ، صفة الصفوة، ص 114- 115. (2 ) صحيح البخاري ، رقم الحديث : 3652، ج5 ، ص11 . (3 ) جلال الدين السيوطي، صريخ الخلفاء ، ص16 – 11.
عدد الصفحات ٢٦٦- 266 - الله لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى، فنزلت ﭽ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﭼ(1)، وقلت يً رسول الله يدخل على نسائك البر والفاجر فلو أمرتهن يحتجبن، فنزلت آية الحجاب، واجتمع نساء النبي ، فقلت : عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجاً خيراً منكن، فنزلت كذلك. وأخرج مسلم عن عمر قال: وافقت ربي في ثلاث: الحجاب، وفي أسارى بدر، وفي مقام إبراهيم، ففي هذا الحديث خصلة رابعة (أي انفراد مسلم بأسارى بدر، وانفراد الحديث السابق بقصة الغيرة فكان من مج موعهما أربع، فهذا هو المراد، و كذلك فيما بعده). وفي التهذيب للنووي : وفي تحريم الخمر؛ فزاد خصلة خامسة، وحديثها في السنن ومستدرك الحاكم أنه قال: اللهم بين لنا في الخمر بياناً شافياً ، فأنزل الله تحريمها. وأخرج ابن أبي حاتم في تفسيره عن أنس قال: قال عمر: واف قت ربي في أربع، نزلت هذه الآية ﭽ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﭼ ، فلم نزلت قلت أنا: فتبارك الله أحسن الخالقين، فنزلت : ﭽ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﭼ(2) فزاد في هذا الحديث خصلة سادسة ، وللحديث طريق آخر عن ابن عباس أوردته في التفسير المسند. (1) سورة البقرة 125 . (2 ) سورة المؤمنون 14.
عدد الصفحات ٢٦٧- 265 - ز- بعض أقوال لصحابة والسلف في عمر (1):- . - قال أبو بكر الصديق: ما على ظهر الأرض رجل أحب إلى من عمر.وقيل لأبي بكر في مرضه : ماذا تقول لربك وقد وليت عمر ؟ قال: أقول : وليت عليهم خيرهم. - وقال علي : إذا ذكر الصالحون فحيهلا بعمر،ما كنا نبعد أن السكينة تنطق على لسان عمر. - قال عبدالله بن مسعود: لو أن علم عمر وضع في كفة ميزان ووضع علم أحياء الأرض في كفة لرجح علم عمر بعلمهم، ولقد كان يرون أنه ذهب بتسعة أعشار العلم ، كان ابن مسعود أيضاً يقول: لو سلك الناس واديًً وش عباً وسلك عمر وا ديًً وش عباً لسلكت وادي عمر وشعبه ، وقال أيضاً: إذا ذكر الصالحون فحيهلا بعمر، إن عمر كان أعلمنا بكتاب الله وأفقهنا في دين الله تعالى، وقال أيضاً: فضل عمر بن الخطاب الناس بأربع : بذكر الأسرى يوم بدر، أمر بقتلهم فأنزل الله: ﭽﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﭼ(2)، وبذكر الحجاب ، أمر نساء النبي أن يحتجبن ، فقالت له زينب : وإنك علينا يً ابن الخطاب والوحي ينزل علينا في بيوتنا،فأنزل الله: ﭽﯟﯠﯡﯢﯣﯤ ﯥﭼ(3) وبدعوة الن: (اللهم أيد الإسلام بعمر) وبرأيه في أبي بكر، كان أول من بايعه (1 ) جلال الدين السيوطي،صريخ الخلفاء ، ص14- 16. (2 ) سورة الأنفال 65. (3 ) سورة الأحزاب: 53 .
عدد الصفحات ٢٦٨- 265 - - قال حذيفة: كأن عل م الناس كان مدسوساً في حجر عمر، وقال أيضاً: والله ما أعرف رجلاً لا تأخذه في الله لومة لائم إلا عمر. - عن عمير بن ربيعة أن عمر بن الخطاب قال لكعب الأحبار : كيف تجد نعتي ؟ قال: أجد نعتك قرناً من حديد ؟ قال : أمير شديد لا تأخذه في الله لومة لائم ، قال: ثم مه ؟ قال: ثم يكون من بعدك خليفة تقتله فئة ظالمة، قال: ثم مه ؟ قال: ثم يكون البلاء. ح- بعض كراماته (1): - عن مالك عن نافع عن ابن عمر ، قال: وجه عمر جيشاً، ورأس عليهم رجلاً يدعى سارية ، فبينما عمر يخطب جعل ينادي: يً سارية الجبل، ثلاثاً، ثم قدم رسول الجيش، فسأله عمر، فقال: يً أمير المؤمنين هُزمنا، فبينا نحن كذلك إذ سمعنا صوصً ينادي يً سارية الجبل، ثلاثاً، فأسندنا ظهورنا إلى الجبل، فهزمهم الله قال: قيل لعمر: إنك كنت تصيح بذلك ، وذلك الجبل الذي كان سارية عنده بنهاوند من أرض العجم، قال ابن حجر في الإصابة: إسناده حسن. - عن طارق بن شهاب قال: إن كان الرجل ليحدث عمر بالحديث فيَكْذ به الكذبة فيقول: احبس هذه، ثم يحدثه بالحديث فيقول:احبس هذه، فيقول له : كل ما حدثتك حق إلا ما أمرتني أن أحبسه ، وقال الحسن:إن كان أحد يعرف الكذب إذا حدث به فهو عمر بن الخطاب. (1 ) جلال الدين السيوطي ،صريخ الخلفاء ، ،ص 11-115.
عدد الصفحات ٢٦٩- 261 - ط- خلافته ووفاته(1) . ولي الخلافة بعهد من أبي بكر في جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة ، قال الزهري : استخلف عمر يوم توفى أبو بكر، وهو يوم الثلاثاء لثمان بقين من جمادى الآخرة أخرجه الحاكم، فقام بالأمر أتم قيام، وكثرت الفتوح في أيًمه . وفي آخر سنة ثلاث وعشرين كانت وفاة عمر بعد صدوره من الحج شهيداً، قال سعيد بن المسيب، لما نفر عمر من منى أناخ بالأبطح ، ثم استلقى ورفع يديه إلى السماء، وقال: اللهم كبرت سني ، وضعفت قوتي، وانتشرت رعيتي ، فاقبضني إليك غير مُضيع ولا مفرط، فما انسلخ ذو الحجة حتى قتل. لما قدم عمر من مكة جاء أبو لؤلؤة إلى عمر يريده فوجده غاديًً إلى السوق وهو متكئ على يد عبد الله بن الزبير فقال: يً أمير المؤمنين إن سيدي المغيرة يكلفني ما لا أطيق من الضريبة، قال عم ر : وكم كلفك ؟قال: أربعة دراهم كل يوم، قال: وما تعملُ؟ قال: الأرحاء، وسكت عن سائر أعماله. فقال: في كم تعمل الرحى. فأ خبره ، قال: وبكم تبيعها؟ فأخبره، فقال : لقد كلفك يسيراً، انطلق فأعط مولاك ما سألك. فلما ولى قال عمر: ألا تجعل لنا رحى ؟ قال: بلى أجعل لك رحى يتحدث بها أهل الأمصار. ففزع عمر من كلمته ، قال وعلي معه فقال: ما تراه أراد؟ قال : أوعدك يً أمير المؤمنين، قال عمر : يكفيناه الله(2). ثبت عن عمر في الصحيح: أنه كان يق ول : اللهم أسالك شهادة في سبيلك، وموصً في بلد رسولك، فاستجاب له الله هذا الدعاء وجمع له بين هذين الأمرين، (1 ) جلال الدين السيوطي ، صريخ الخلفاء ، ص114-115. (2 ) طبقات ابن سعد، ج3، ص345.
عدد الصفحات ٢٧٠- 251 - الشهادة والموت في المدينة المنورة. وهذا عزيز جداً، ولكن الله لطيف بما يشاء تبارك وتعالى، فاتفق له أن ضربه أبو لؤلؤة فيروز المجوسي الأصل، والرومي الدر، وهو قائم يصلي في المحراب، صلاة الصبح من يوم الأربعاء لأربع بقين من ذي الحجة من هذه السنة(32هـ) بخنجر ذات طرفين فضربه ثلاث ضربات ، وقيل ست ضربات، وإحداهن تحت سرته وقطعت الصفاق فخر من قامته ، واستخلف عبد الرحمن بن عوف ورجع العلج بخنجره لا يمر بأحد إلا ضربه ، حتى ضرب ثلاثة عشر رجلاً مات منهم ستة، فألقى عليه عبد الله بن عوف برنساً فنحر نفسه .. وأوصى عمر أن يكو الأمر شورى بعده في ستة ممن توفى رسول الله وهو عنهم راض، وهم :عثمان، وعلي ، وطلحة، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وأوصى من يستخلف بعده الناس خيراً على طبقاتهم ومراتبهم ، ومات بعد ثلاث، ودفن يوم الأحد مستهل محرم من سنة أربع وعشرين ودفن بالحجرة النبوية إلى جانب الصديق، عن إذن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنهما في ذلك (1) . قال معاوية: كان عمر ابن ثلاث وستين، وعن سالم بن عبد الله أن عمر قبض وهو خمس وستين سنة، وقال ابن عباس كان عمر: ابن ست سنين، وقال قتادة: ابن إحدى وستين سنة، وصلى عليه صهيب(2). ثانياً: وقفات تربوية مستنبطة من فكره التربوي. (1 ) محمد بن صامل السلمي، ترتيب وتهذيب كتاب البداية والنهاية 2" خلافة عمر بن الخطابـ، ص21 – 22. (2 ) جمال الدين أبي الفرج عبدالرحمن بن علي ا وزي، صفة الصفوة ، م 1 ج1، ص121.
عدد الصفحات ٢٧١- 251 - وبعد هذه الإطلالة على شواطئ سيرة فاروق الأمة وملهمها ومحدثها، عمر بن الخطاب ،نعيش معاً في رحاب أفكاره و رؤاه التربوية التي انبثقت من المنهج القرآ التربوي الذي رُبي عليه الفاروق في مدرسة محمد ، ويسعى الباحث جاهداً أن يستنبط هذه الرؤى والأفكار من خلال مقولات وخطابات وتوجيهات وتصرفات الخليفة الراشد عمر بن الخطاب ؛ لعل أن يتوصل الباحث إلى بعض هذه الرؤى العمرية ، فيهدي به نفسه أولاً، ويهديه إلى كل باحث عن الرشد والفلاح والتربية الحقة التي تتعطش لها أمة الإسلام اليوم ، وهي قد أثقل كاهلها تلك الترها ت التي نبعت من الآراء البشرية التي في غ البيتها بعيدة عن المنهج الإلهي القرآني ال راشد الذي أتى ليسعد النفس الإنسانية ويجعلها تتناغم تناغم المحب مع حبيبه. إذا اهتدت إلى رشدها وعرفت طريق ربها، فتسعد ويسعد الكون بسعادتها، وتسعد البشرية جمعاء كما سعدت ردحاً من الزمان، وما هذا النموذج المحمدي العمري إلا من النماذج التي سعدت بها البشرية ردحاً من الزمان، وحاجة البشرية اليوم والأمة الإسلامية بالذات إلى مطالعة تلك السير وتوظيف رصيدها التطبيقي الهائل العملي لفهم الإسلام وحقيقة الإسلام في واقعها المرير؛ لتنهض من كبوتها وتعود في قيادة البشرية مرة أخرى ، والع قلاء من البشرية والإنسانية اليوم في العالم يتطلعون تطلع المحب المشتاق المغيب عن حبيبه فقد وقف إيرفنج، الأستاذ بجامعة تنسي الأمريكية، مخ اطباً تجمعاً للمسلمين في مدينة جلاسجو ببريطانيا منذ سنوات قائلاً:" ..أفيقوا من غفلتكم لقيمة هذا النور الذي تحملون، والذي تتعطش إليه أرواح الناس في مختلف جنبات الأرض، تعلموا الإسلام وطبقوه، واحملوه لغيركم من البشر تنفتح أمامكم الدنيا، ويَد نْ لكم كل ذي سلطان .." (1). (1 ) سعيد عطية الزهراني، القيم الأخلاقية في الصراع الحضاري بين الإسلام والغرب، ص 12.
عدد الصفحات ٢٧٢- 252 - ونادى بذلك ولي بريطانيا تشارلس في محاضرة ألقاها في قاعة المؤتمرات بوزارة الخارجية البريطانية في ديسمبر من عام 1116م ، نفلتها جريدة الشرق الأوسط عددها (6512) بتاريخ 15/12/1116م : "... إننا- نحن الغرب - نحتاج إلى معلمين مسلمين ليعلمونا كيف نتعلم بقلوبنا كما نتعلم بعقولنا ،وإن اقتراب الألف الثالثة قد يكون الحافز المثالي الذي يدفعنا لاستكشاف هذه الصلات وتحفيزها وأ مل ألا تفوت الفرصة السانحة لإعادة اكتشاف الجانب الروحي في رؤيتنا لوجودنا بأجمعه"(1) . بعض الرؤى والأفكار التربوية المستنبطة من سيرة عمر بن الخطاب : 1- الاستفادة من الكوادر العلمية والفقهية والدعوية المتميزة التي تربت على يدي رسول الله في المدينة وتوظيفهاالتوظيف الأمثل . فوظف عمر بن الخطاب "هذه الطاقات فأحسن توجيهها ووضعها في محلها فأسست تلك الطاقات الكوادر للحركة العلمية والفقهية التي كانت مواكبة لحركة الفتح التي انتشرت في خلافة الفاروق فبلغت الآفاق، وكانت تلك الكوكبة المباركة التي تربت على يدي الحبيب هي التي تشرف على توجيهها وتعليمها في جميع مجالاتها الحياتية. 2- الحرص على المحافظة على ما أسسه الحبيب المصطفى. عن عبد الله بن عباس قال: كان للعباس ميزاب على طريق عمر فلبس ثيابه يوم الجمعة وقد ذبح للعباس فرخان فلما وافى الميزاب صب ماء بدم الفرخين ، فأصاب عمر فأمر عمر بقلعه ، ثم رجع فطرح ثيابه ولبس ثياباً غير ثيابه ، ثم جاء فصلى (1 ) محمد قطب1424هـ ): كيف ندعوا الناس ؟ ، ص 155 .
عدد الصفحات ٢٧٣