- 225 - المبحث الأول : الإطار العام للبحث توطئة : الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على الرسول الأمين، محمد بن عبد الله، المرسل رحمة للعالمين، وعلى أصحابه وآل بيته الأكرمين ، وعلى من سار على نهجه بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد ؛ فإن عنوان هذا البحث " منهج القرآن الكريم في التربية " تم اختياره من قبل الباحث بعد الترجيح بينه وبين عنوان آخر وهو " منهج التربية في القرآن الك ريم " . واختيار أحد العنوانين لا يعني أنه أصح من الآخر ؛ لدى وجهة النظر الأخرى، ولكنه حتماً أنه أصح لدى من يختاره، ويبرر على اختياره، فكل باحث وقارئ، ينظر إلى المقروء أو المبحوث من زاوية ربما نظر الآخر من زاوية أخر ى لم ينظر إليه الباحث الآخر، وربما الزاويتين مع بعضهما تتكامل ؛ لتشخيص الشيء وتحديد مفهومه، وربما تختلفا في نفس الوقت اختلافاً كلياً؛ لبعد المنهجين واختلاف الرؤيتين من الناحية التصورية. أما العنوان المختار لهذا البحث من وجهة نظر الباحث، فهو " منهج القرآن الكريم في التربية "، وليس " منهج التربية في القرآن الكريم " ، وإن كان في العموم لا غبار على استخدام كلا العنوانين ، فهما يدلان إلى درجة كبيرة على المقصود ، ويرجح الباحث العنوان المختار لعدة مبررات ، منها: - أن منهج القرآن الكريم في التربية ،أدق عبارة ، وأعم ق معنى ، من منهج التر بية في القرآن ؛ لأن معنى العنوان المختار أي الطريق الذي رسمه القرآن الكريم في تربية
عدد الصفحات ٢٢٦- 226 - المسلمين فـ"القرآن منهج حياة متكامل، تنبثق أخلاقه وعباداته وشرائعه من عقيدته، فهي الأصل وما عداها فروع" (1). - أما منهج التربية في القرآن ، فهو يرسم ويحد د المناهج التربوية التي ور دت في القرآن الكريم المتعددة، فمنها الصحيح ومنها السقيم الذي أتبعه أصحابه، فأصابهم الهلاك والدمار عندما نهجوا ذلك المنهج، قال تعالى: ﭽ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞﭼ(2)أي أنه" جعل لكل منهم طريقاً ومنهاجاً، وجعلهم مبتلين مختبرين فيما آصهم من الدين والشريعة، وما آصهم في الحياة كلها من عطايً" (3). - تطورت المناهج في العصر الحديث ، وتعددت وألغت بعضها بعضاً ، أما المنهج القرآني فبقي واضحاً بيناً نبراساً، يتجدد بكل عصر وزمان ومكان مع ثباته ولمعانه وإسعاده لمن سار على نهجه في جميع المجالات، حتى نادى العقلاء من الغربيين في هذا العصر بالرجوع إلى المنهج القرآني ؛ لحل مشاكلهم ومنها الأزمة الاقتصا دية التي اهتزت لها عروش المجتمع الغربي بأعظم دوله ، فقال : بوفيس فانسون : لو حاول القائمون على مصارفنا احترام ما ورد في القرآن من تعاليم وأحكام وطبقوها ما حل بنا ما حل من كوارث وأزمات (مجلة تشالينجر ). - من ناحية اعتبارية، فإن أصل جميع التربيات الصحيحة الإنسانية لا تخرج عن ما ورد في المنهج القرآني ،بأي حال من الأحوال في القديم و الحديث وفي المستقبل، فالقرآن له منهج فريد في التربية ، فيربي بآيًته متى صادف الفطرة السليمة ، والقلب (1 ) محمد شديد ، منهج القرآن في التربية ، ص 312 . (2 ) سورة المائدة 45 . (3 ) سيد قطب ، في ظلال القرآن، ج2 ، ص113 .
عدد الصفحات ٢٢٧- 225 - الذكي، والعقل الواعي، والقدوة الحسنة لدى المتربي؛ لذا فمنهج القرآن في التربية هو الأصل بالتقديم ، فهو" منهج شامل متكامل، كل جزئية فيه مقصودة، وكل كلمة فيه بحساب"(1) . موضوع البحث إن لكل تربية في الوجود البشري، منهج تسلكه وتسير عليه في إطاره ا النظري ، وفي إطارها التطبيقي العملي، بغض النظر عن مدى صحة هذا المنهج أو عدم صحته، وبمقدار صحة هذا المنهج، وتجرده من الحظوظ الإنسانية المغروزة في النفس الإنسانية، التي تسعى بكل ما أوتيت من قوة وسلطان؛ لتحقيق رغباتها وأهوائها، وما تتطلع إليها الفئة التي أطرت هذا المنهج في حدود ما تريد ! وإن أطلقت عليه ما أطلقت من المسميات الجوفاء، التي لا تحمل إلا مجرد الاسم الذي ينجذب إليه الاتباع ، بغض النظر عن حقيقة هذا المنهج في واقع الحياة وتطبيقاتها. والتربية الإسلإمية لا شك أنها تنطلق من منهج رئيس، تسلكه وتسير على ضوئه في إطارها النظري والعملي، والذي يميز هذا المنهج عن غيره من المنهاهج التربوية ، أنه منهج رباني سماوي، يستمد توجيهاته من وحي السماء ، القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة التي زكى الله صاحبها بقوله تعالى : ﴿مَا يَنط قُ عَ ن الهَْوَى ِ إنْ هُوَ إ لاَّ وَحْي يُوحَى ﴾ " النجم :3-4." ولذا الإنطلاق منهما في التربية يحرر النفس من حظوظها البشرية، ويرتقي بها إلى مدارك السمو والعلو؛ لأنه يشدها إلى السماء مع موازنه لما في الأرض في نفس الوقت والحال معاً، ﭧ ﭨ ﭽ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ (1 ) محمد قطب، منهج البية الإسلامية ، ج1، ص5.
عدد الصفحات ٢٢٨- 225 - ﯰ ﯱ ﯲ ﯳﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﴾(1) وهذا لا يوجد في المناهج التربوية البشرية، التي وظيفتها الأساسية أن تشد الفرد إلى الأرض بكل معاني هذه الكلمة بعيداً عما في السماء. ولذا فالمنهج الرئيس للتربية الإسلامية حسب ترتيبهما ،القرآن الكريم ثم ا لسنة النبوية، علي صاحبها أفضل الصلاة وأتم التسليم، وهذان المصدران هما المرجع الرئيس للتربية الإسلامية في المجالات التشريعي ة وفي المجالات التربوية، وكل ما س واهما يعود إليهما مما أتفق عليه أهل العلم والدراية من العلماء الربانين من السلف والخلف. وهنا يتطرق ال باحث إلى الحديث عن منهج القرآني الكريم في التربية فقط ؛ لذا عنونى لبحثه بهذا العنوان ، مع أهمية السنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة وأتم التسليم، فهي التطبيق العملي لحياة الحبيب المصطفى ،وهي الترحمان الحقيقي للقرآن الكريم ، مفسرة وشارحة ومقيدة لعمومه ، وهما لا ينفكان في حياة المسلم ،بأي حال من الأحوال ، ولكن لا يختلف أثنان في المجتمع المسلم، أن القرآن الكريم هو المنهج الرئيس الأول في التربية ، وأن السنة النبوية الصحية على صاحبها أفضل صلاة وأتم تسليم هي الثاني في الترتيب. وبعد هذا الترتيب العام ،فإن مضمار البحث المخصص هنا، وهو ما يتعلق بالقرآن الكريم والتربية، وهو ما اسماه الباحث " منهج القرآن الكريم في التربية " ؛ وهو جانب تأصيلي تربوي ، لما سبق ذكره في طيات هذا البحث ، ومنه تنطلق تساؤلاته . (1 ) سورة القصص 55.
عدد الصفحات ٢٢٩- 221 - تساؤلات البحث وفي ضوء ما سبق يتحدد السؤال الرئيس للبحث : ما منهج القرآن الكريم في التربية ؟ ويتفرع من هذا السؤال الرئيس التساؤلات التالية : 1- ما الطبيعة الإنسانية وحقيقتها في الخطاب القرآني ا؟ 2- ما مفهوم الفطرة الإنسانية في القرآن الكريم،وما وظيفة المربي المسلم اتجاهه؟ 3- ماالجانب الوقائي والعلاجي للنفس الإنسانية في ضوء القرآن الكريم ؟ 4- ما النموذج المختار من مبادئ تربية النفس الإنسانية في القرآن الكريم في هذا البحث؟ 5- ما الفكر التربوي لدى الخليفة الراشد الثاني: عمر بن الخطاب كأحد نماذج مدرسة منهج القرآن الكريم في التربية ؟ أهداف البحث ، يهدف هذا البحث إلى : - تأصيل موضوع التربية بالقرآن ، وأنه هو المنهج الرئيس في التربية في الإ سلام. - الإسهام في إبراز عموم رسالة القرآن ومنهجه في الا صلاح التربوي للنف س الإنسانية. - إبراز الطبيعة الإنسانية وحقيقتها في الخطاب القرآني. - مفهوم الفطرة الإنس انية ووظيفة المربي المسلم تجاه هذه الفطرة. - طبيعة الجانب الوقائي والعلاجي للنفس الإنسانيةفي ضوء القرآن الكريم. - إبراز نموذج من نماذج تربية النفس الإنسانية في القرآن الكريم"مبدأ المس ؤولية الذاتية". - إبراز الجانب الفكري التربوي لدى الخليفة الراشد الثاني عمر بن الخطاب رضي الله عنه كأحد نماذج مدرسة منهج القرآن الكريم في التربية .
عدد الصفحات ٢٣٠- 231 - أهمية البحث مما سبق أعلاه تبرز أهمية البحث في عدة نقاط منها : - تأصيل موضوع التربية بالقرآن ، وأنه هو المنهج الرئيس في التربية في الإ سلام. - الإسهام في إبراز عموم رسالة القرآن ومنهجه في الا صلاح التربوي للنف س الإنسانية. - إبراز التوافق والتناغم بين الإنسان عندما يكون سويًً على الفطرة وبين الكون والوجود كله في مفهوم التربية الإسلامية في العموم والتربية القرآنية في الخصوص. - تصحيح بعض المفاهيم والتصورات المغلوطة حول بعض التطبيقات التربوية الإسلامية في الميدان التربوي . - بيان موقف التربية الإسلامية من التحديًت المعاصرة التي تحف بها من شمالها وجنوبها ، وشرقها وغربها، وتتقاذفها كالأمواج المتلاطمة بكل قوة ؛ لتفتت أجزائها ومكوناتها الأساسية، فسرعان ما تمتص تلك الصدمات ، بكل مرونة وحيوية ، فتحولها إلى مضادات حيوية داخلية ، تقضي على كل فيروس يحاول أن يقضي أو يضعف مقوماتها الأساسية. - المساهمة في علاج بعض أمراض الأمة الإسلامية المزمنة التي نتجت عن بعدها عن حقيقة منهج القرآن الكريم في التربية ، والتي من أبرزها وجود هواة واسعة بين ما تدعو إليه مبادئ ونماذج مدر سة منهج القرآن الكريم وسلوك الفرد في العالم الإسلامي اليوم. - إن البقاء الحقيقي، والنصر والتمكين؛ لهذه الأمة الإسلامية المتميزة في تربيتها ، رضي من رضي وأبى من أبى ، فإن خفت لامعانها وبريقها في زمن ما ؛لضعف إيمانها؛ لكنه سرعان ما يعود إلى توهجه وتألقه، عندما تعود إلى منهج القرآني الكريم.
عدد الصفحات ٢٣١- 231 - منهج البحث لكي يحقق البحث أهدافه المتوخاة؛ فيرى الباحث استخدام المنهج الوثائقي الوصفي،وهذا المنهج يتضمن " بصفة أساسية وضع الأدلة المأخوذة من الوثائق والمسجلات – مع بعضها بطريقة منطقية والاعتماد على هذه الأدلة في تكوين ال نتائج التي تؤسس حقائق جديدة أو تقدم تعميمات سليمة عن الأحداث الماضية أو الحاضرة أو عن الدوافع والصفات والأفكار الإنسانية "(1). وفي ضوء هذا التعريف يضع الباحث تعريفا للمنهج الوثائقي الوصفي على ضوئه ينطلق في جمع مادة بحثه بأنه : وصف شامل للمشكلة من خلال الإطلاع على المعلومات المتعلقة بهذا الموضوع خصوصاً - منهج القرآن الكريم في التربية - وما يتعلق بالتربية الإسلامية عموماً، موظفاً في ذلك الطريقة الاستقرائية والاستنباطية معاً، للمساهمة في علاج واقع الأمة الإسلامية اليوم بفهم ذلك الواقع، وتحليله، وبيان مكامن الضعف فيه، وتطويره وتغييره إلى الأفضل والأحسن، وفي ضوء هذا المنهج جمع الباحث مادة البحث . مصطلح البحث . إيضاح المصطلح، هو المفتاح الذي من خلاله يستطيع القارئ، فهم مراد الباحث من استخدامه لذلك المصطلح، ولذا يركز البحث العلمي على هذا الجانب، الذي تنطلق من ركيز ته المادة البحثية للباحث؛لكي ينحصر بحثه في نقطة معينة من خلالها يضيف فائدة علمية جديدة أو يجمع متفرقات في موضع واحد حول موضوع بحثه يصعب جمعها لولا ذلك البحث، أو يصحح مفاهيم خاطئة ومغلوطة تعلقت بالموضوع (1 ) أحمد بدر ،أصول البحث العلمي ومناهجه، ، ص113.
عدد الصفحات ٢٣٢- 232 - أو غير ذلك ،والمصطلح الذي يسعى الباحث لتضمينه في بحثههو " منهج القرآن الكريم في التربية ". المنهج في اللغة : فالمنهج والمنهاج مشتقة من النهج ، والنهج في اللغة : الطريق الواضح ، وكذلك المنهج وال منهاجُ.وأنهجَ الطريقُ، أي استبانَ وصار نهجاً واضحاً بيناً " (1) ، وقال صاحب لسان العرب (2): نهج: طريق نـَهْج : بـَينّ واض ح ، وَهُوَ النـَّهْجُ .. وطُرُق نـَهْجَة ، وسبيل مَنـْهَج : كَنـَهْجٍ. ومَنـْهَجُ الطريق : وضَحُه. والم نهاجُ: كالمَنـْهَج . وَفي التـَّنْز يل : ﭽ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞﮟ ﭼ (3)،وأَنهَجَ الطريقُ: وضَحَ واسْتَبانَ وَصَارَ نـَهْجاً واض حاً بـَيّ ناً؛ قَالَ ي ز يدُ بنُ الخَذَّاق الْعَبْد ير: وَلَقَدْ أَضاءَ لَكَ الطريقُ، وأَنـْهَجَتْ ... سُبُلُ المَكار م ، والهُدَى تـُعْد ي أَي : تُع ينُ وتـُقَوّ ي. والم نهاجُ: الطريقُ الواض حُ. واسْتـَنـْهَجَ الطريقُ: صَارَ نـَهْجاً .. ونـَهَجْتُ الطريقَ: أَبـَنـْتُه وأَوضَحتُه؛ يـُقَالُ : اعْمَلْ عَلَى مَا نـَهَجْتُه لَ كَ. ونـَهَجتُ الطريقَ: سَلَكتُه. وفلان يَستَنه جُ سبيلَ فلانٍ أَي يَسلُكُ مَسلَكَه . والنـَّهْجُ : الطريقُ المستقيمُ . (1 ) أبو نصر إسماعيل بن حماد الجوهري ، الصحاح صج اللغة وصحاح العربية، تحقيق: أحمد عبد الغفور عطار، ج2،ص234. (2 ) محمد بن مكرم ابن منظور ، لسان العرب ، ج 2، ص353. (3 ) سورة المائدة 45.
عدد الصفحات ٢٣٣- 233 - وبهذا فإن المقصود من مصطلحمنهج القرآن الكريم في التربية" لدى الباحث هنا : أي الطريق الواضح البين الذي رسم ه القرآن الكريم في تربية لرسول وصحابته الكرام ليستمدوا منه هم والأجيال المسلمة منهاج حياتهم وتربيتهم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها ، فالقرآن الكريم " منهج حياة متكامل، تنبثق أخلاقه وعباداته وشرائعه من عقيدته، فهي الأصل وما عداها فروع" (1)، فهو نظام متكامل من الحقائق والمعايير الألهية الثابتة، والخبرات والمعارف القرآنية، والمهارات الإنسانية المتغيرة التي يكتسبها المسلم ليرتقي إلى مرتبة الكمال الإنساني التي هيأه الله لها " (2). يقول صاحب كتاب دراسات قرآنية من خلال دراسته للقرآن الكريم :"فكنت أخرج بنتائج مح ددة في كل مرة : أن هذا الدين المعجز، الذي كتابه القرآن ، عملاق ضخم في كل زاوية يدرس منه .. عملاق ضخم في منهجه الاقتصادي ..عملاق ضخم في منهجه التربوي ..عملاق ضخم في منهجه الأخلاقي .. عملاق ضخم في منهجه في نظام الأسرة .. عملاق ضخم في منهجه السياسي .. وهكذا و هكذا في كل مجال، بحيث تبدو المناهج البشرية إلى جواره أقزاماً ضيئلة، فوق أنها ممسوخة الكيان"(3) . حدود البحث لهذا البحث حدود موضوعية، وهي الجانب التربوي لمنهج القرآن الكريم ، ومدى مساهمة هذا المنهج في إصلاح النفس الإنسانية عموما ،والفرد المسلم خصوصاً، (1 ) محمد شديد، منهج القرآن في التربية ، ص 312. (2 ) علي أحمد مدكور ، مفهوم المنهاج التربوي في التصور الإسلامي ، مؤتمر نحو بناء نظرية تربوية إسلامية معاصرة "2- 5 محرم 1411هـ ، ج2، ص61. (3 ) محمد قطب ، دراسات قرآنية ،ص 15.
عدد الصفحات ٢٣٤- 234 - ومعالجة الواقع الحالي للمجتمعات المسلمة على ضوء الفهم الصحيح لمنهج القرآن الكريم في التربية الذي بلغ أوجد تطبيقه العملي في صدر الإسلام . المبحث الثا : القرآن الكريم وتربية النفس الإنسانية. أولاً: الطبيعة الإنسانية في القرآن الكريم. كلمة الإنسان وردت في القرآ ن الكريم 11 مرة كالآتي(1) : - مرة واحدة في السور التالية : النساء 25، يونس 12، إبراهيم 34، الحجر:26، النحل4،الكهف54 ، الأنبياء35، الحج66، المؤمنون12، العنكبوت:5، القمان14، السجدة5، الأحزاب 52، يس55،الشورى 45، الزخرف: 15، الأحقاف15، ق16 ، اعارج : 11. - ومرصن في السور التالية : مر 66،65، الزمر 5،41، فصلت41 ،51، الرحمان 3،14، القيامة3،5. - وأخيراً أربع مرات في سورة الإسراء11،53،111.) ومن خلال تصفح المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم وجد الباحث أن لفظة الإنسان وردت في 65 موضعاً كما أشار إلى ذلك مؤلف الكتاب(2)، والمصحف الرقمي ذكر أن كلمة الإنسان وردت 56 مرة وهذا الاختلاف شد انتباه الباحث ، مما جعله يبحث عن سبب الاختلاف، وبعد المقارنة بين العدد الوارد في المصحف الرقمي، والعدد الوارد في المعجم المفهرس لألفاظ (1 ) المصحف الرقمي . (2 ) محمد فؤاد عبدالباقي ، المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم ، ص 111- ص121
عدد الصفحات ٢٣٥- 235 - القرآن الكريم ، والتأكد من العدد الوارد في المعجم بمتابعة العدد وجد الباحث أن العدد فعلاً " 65"مرة، ولكن لاحظ ما يلي أن المصحف الرقمي يورد عدد الآيًت فقط التي ربما تكرر فيه ذكر الإنسان أكثر من مرة، بخلاف المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم فإنه يكرر، بحيث يورد كلمة لفظ الإنسان في الآية الواحدة على حدة، بالإضافة إلى ذكر لفظة الإنسان بدون أل التعريف كالفظة (إنسان) ﭽ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﭼ(1)، وهذا مثال توضيحي لما سبق ، ففي سورة الإسراء أورد المصحف الرقمي عدد الآيًت التالية في أربع مواضع كالآتي :" 11،53، 65،111) أما المعجم المفهرس فأورد سبع مواضع كا 53، 65 ،53 ،111)،ونلاحظ أن الآية13" من سورة الإسراء وردت في المعجم بخلاف المصحف الرقمي لعدم وجود أل التعريف، وبهذا يزيل اللبس الذي حدث للباحث أثناء المقارنة بين العددين الواردين في ك ل من المعجم المفهرس والمصحف الرقمي. ومجموع ألفاظ الإنسان ومشتقاتها ومرادفاتها الواردة في القرآن الكريم ، يقرب من " ستمائة وإحدى وثمانين مرة . وقد جاءت هذه الألفاظ لتشكل لنا إنسان القرآن بصورته الحسية والأخرى غير الحسية، فترسم لنا قصة الإنسان منذ نشأته وحتى نهايته ومن ثم بعثه مرة أخرى " (2). (1 ) سورة الإسراء 13 . (2 ) صالح موسى درادكه ، الإنسان في القرآن الكريم، ص 1.
عدد الصفحات ٢٣٦- 236 - وحقيقة الإنسان في القرآن أنه مر بمراحل في النشأة والتكوين ، فذكر القرآن أن الله خلق آدم الإنسان الأول في الوجود، وهو أبو البشر قاطبة " من تراب ، وجعل تناسله من ماء، ويمر الإنسان في أطوار بعد نشأته الأولى . فمن التراب يصير طيناً ثم صلصالاً ، ثم يصبح حمأً مسنوناً ، ثم بعد ذلك فخاراً، ثم ينفخ الله فيه الروح فيجعله خلقاً آخر "(1)،ﭧ ﭨ ﭽ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﭼ(2)،وﭧ ﭨ ﭽ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﭼ(3)،وﭧ ﭨ ﭽ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﭼ(4)ﭧ ﭨ ﭽ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﭼ(5)، ثم يأتي التكريم الرباني لهذا الكائن البشري ، بنفخ فيه الروح ، التي وجد الإنسان بها إنسانيته وتكريمه قاطبة على المخلوقات (6)،ﭧ ﭨ ﴿ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﴾(5). (1 ) المرجع السابق ، ص 11. (2 )سورة آل عمران 51 . (3 )سورة الحجر 25 . (4 )سورة الحجر: 26. (5 )سورة الرحمن :14. (6 )صالح موسى درادكه ، الإنسان في القرآن الكر (5 )سورة ص 51- 52 .
عدد الصفحات ٢٣٧- 235 - وكذلك من حقيقة ا نسان في الخطاب القرآني ، أن هذه النشأة للإنسان " بمراحلها المختلفة تماثل وتوازي نشأة الإنسان بالتناسل وتشابه أطواره والأطوار التي يمر بها الجنين في رحم الأم، فلنظر إلى قوله تعالى : ﴿ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﴾ (1) . وتنوع الخطاب القرآني للإنسان من ناحية نشأته وتكوينه، والمراحل التي يمر بها في حياته إلى أن يقف بين يدي ربه للمحاسبة والمجازاة على ما قدم في دنياه ، ﭧ ﭨ ﭽ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕﭼ(2). وإذا صبع المطالع الآيًت القرآنية الموجهة لمخاطبة الإنسان ، فيجدها ،إما أن تكون مباشرة لكيانه كاملاً كما سبق في الآيًت ، وهي تخاطب الإنسان ، وإما تكون لعضو من أعضائه وهي تعبيراً لتكوينه كاملاً ، ولكن خصص بالذكر هذا العضو للأهمية وإبراز دوره في حياة الكائن البشري، منها الجسد ، والروح ، والنفس، والعقل ، والقلب ، وهذه العناصر رئيسة في التكوين البشري ؛لذا كان الخطاب القرآني (1 )سورة المؤمنون: 12 - 14 . (2 ) الإسراء: 13 – 14.
عدد الصفحات ٢٣٨- 235 - للإنسان يتوجه إليها في بعض الآيًت القرآنية مباشرة وفي بعض الأحيان بطريقة غ مباشرة. إن الإنسان في الإسلام كائن كامل يقوم على ثلاثة عناصر أساسية هي الروح والعقل والجسم، ويختصر بعض المفكرين هذا الثلاثي الرئيس في التركيبة الإنسانية بمصطلح "عقيد"، وهي مأخوذة من ( عقل وقلب وجوارح "يد") . وقد حرص الإسلام على تربية هذه العناصر وتغذيتها بتوازن ودقة متناهية؛لأ ن إهمال جانباً على حساب جانب أخر يحدث تشوهاً في بنية الإنسان ونفسيته،وبالتالي يؤثر على حياته ودوره وأثره في الكون كله. فالروح غذاؤها بالعبادات والذكر وقراءة القرآن الكريم،والتأمل في مخلوقات الله والبكاء من خشية الله والجسم غذاؤه من الطيبات حتى يكون قويًً قادراً على تحمل أعباء الحياة ومسؤولياته ا،ﭧ ﭨ ﭽ ﭣﭤ ﭥ ﭦ ﭧﭨﭩﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﭼ(1)، والعقل غذاؤه بالعلم والمعرفة والبحث والنظر في آفاق الكون، وشعارنا نحن المسلمون في هذا الميدان: ﴿ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ﴾(2( )3). (1 ) سورة الأعراف: 32. (2 ) سورة العلق 1 . (3 ) عوض بن حمد الحســـني ، مشـــروع التربية الأخلاقية للمرحلة الثانوية في ضـــوء التحديًت المعاصـــرة لبناء شـــخ صـــية إسلامية فاعلة ضمن مواد التربية الإسلامية، ص12.
عدد الصفحات ٢٣٩- 231 - وحس ب الباحث، أن يقف مع هذه الآية على عجالة وهو أن يتكلم عن منهج القرآن الكريم في التربية، أن يستعرض بعض المضامين التربوية المستنبطة من هذه الآي ة الأولى التي نزل بها القرآن الكريم على رسول الله ، التي بدأت بتحديد الجهة التي يلزم أن يتطلع إليها الإنسان في الع موم والمسلم في الخصوص وهو"يتلقى عنها تصوراته وقيمه وموازينه.. إنها ليست الأرض وليس الهوى .. إنما هي السماء والوحي الإلهي"(1). وإذا عاش الإنسان هذا التوجه، وأدركه الإدراك الحقيقي، وتعامل معه التعامل العملي التطبيقي في جميع جوانب حياته ، سيصبح مصدر سعادة لنفسه أولاً ولغيره ثانياً، وهذا ما حدث بالفعل؛ لطائفة المؤمنة الأولى- ومن سار على نهجها- التي تلقت هذا التوجيه القرآني في تربيتها، فغيرت حياتها، وغيرت مجريًت حياة الأمم والشعوب المجاورة لها، فعاشوا" يتطلعون إلى الله مباشرة في كل أمرهم. كبيره وصغيره. يحسون ويتحركون تحت عين الله.. وكان هذا الحدث هو مفرق الطريق.وقامت معالم في الأرض واضحة عالية لا يطمسها الزمان، ولا تطمسها الأحداث. وقام في الضمير الإنساني تصور للوجود وللحياة وللقيم لم يسبق أن أتضح بمثل هذه الصورة" (2). وبعد هذا الاستعراض ؛ لهذا الحدث الذي بدأ بال توجيه بالقراءة الموجهة، بمفهومها الواسع ، قراءة الكون وما فيه من الأسرار العظيمة، التي تدل على أن هناك واحد ،أحد فرد صمدُ ، خلق الإنسان ، والكون بما فيه؛ لغاية واحدة ، وهي عبوديته (1 ) سيد قطب ، في ظلال القرآن ، ج6، ص3135. (2 ) المرجع السابق ، ص 3135- ص31351.
عدد الصفحات ٢٤٠- 241 - المحضة،ﭽ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭼ(1)والآن نعيش مع بعض المضامين التربوية المستنبطة من هذا الآية، ومنها:- 1- القراءة بمفهومها الواسع ،ابتداءً من التدبر والتأمل في الكون ومخلوقات الله عز وجل ،وانتهاءً بتعلم أدوات الكتابة، من أسباب تعظيم الخالق جل جلاله؛ ولذا كانت أول توجيه ومخاطبة من الله؛ لنبيه ورسوله الأمي الذي لا يقرأ ولا يكتب( ﭻ)، قال الشاعر: وفي كل شيء له آية * تدل على أنه واحد. 2- العلم وأهميته في رقي الإنسان ابتداءً ، وفي رقي المجتمعات ككل، ولكن أي علم ؟! إنه العلم المقرون باسم الله( اقرأ باسم ربك)، فإن العلم الذي يدل على الله عز وجل،أيًً كان تخصص ذلك العلم ومادته،وإن كان العلم الشرعي من أعظم هذه العل وم لاحتوائه على أمور الدينا والدنيا إلا أن العلم هنا عام والقراءة كذلك في بداية الآية عامة ،وإن كانت مقرونة باسم الله ﴿ﭻ ﭼ ﭽ ﴾؛ ولذا كانت رسالة الإسلام " فاتحة لعهد الرشد البشري كان اهتمامها بالعلم اهتماماً كبيراً بالغاً ؛ فقد بدأ الوحي بالأمر بالقراءة والإشادة بالعلم" (2). 3- إن معايير الكرامة الإنسانية ،القراءة والكتابة ورفع الأمية عن المجتمعات الإنسانية عموماً والمجتمعات الإسلامية خصوصاً؛لذا أكد القرآن في أول توجيه للرسول بأهمية القراءة والمطالعة بمفهومها العام والخاص، واقترن ت بكرامة الله عز و جل﴿ ﮆ ﮇ ﮈ ﴾، أن من يلحظ الآية السابقة يجد أنها جمعت بين" القراءة وكرم الرب، (1 ) سورة الذريًت 56 . (2 ) محمد شديد ، منهج القرآن في التربية ، ص 135.
عدد الصفحات ٢٤١