المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

بحوث ملتقى التربية بالقرآن مناهج وتجارب 1

باحثون

صفحة ١٣ من ٢٥

- 113 - (التفسير الذي يجب على الناس- على أنه فرض كفاية - هو ذهاب المفسر إلى فهم المراد من القول، وحكمة التشريع في العقائد والأخلاق والأحكام على الوج ه الذي يجذب الأرواح ، ويسوقها إلى العمل والهداية المودعة في الكلام ، ليتحقق فيه معنى قوله:﴿ﭑﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ﴾ [عراف 52]، ونحوهما من الأوصاف ) (1) . وتبنى هذا التفسير مدرسة حملت لواءه ودافعت عنه ، ظهرت أول ما ظهرت بدايًت القرن الرابع عشر الهجري (2) . وهذا اللون التفسيري عظيم النفع ، جم الفوائد ، فمن أبرز محاسنه ( أن أسلوبه سهل ليس بالحديث المتكلَّف الذي يرقى عن مدارك العامة ، ولا الأسلوب الذ ي يمجّ ه ويأنفه الخاصة ، ويهتم بالقضايً التي تهم المجتمع ، وتجلب انتباه سائر الفئات والأجناس إليه ، ثم الولوج من هذا لبثّ مبادئ الإسلام الصحيحة ، والتعرّ ف على مختلف الطبقات من الملوك والوزراء والأمراء والعلماء والموظفين والفلاحين، و الاتصال بكل الفئات، وتوجيه كلٍ منها حسب فلكها ومدارها إلى الوجهة الإسلامية الصحيحة) (3) . ومن فوائده أيضًا التركيز على المسائل التربوية القرآنية، وإبراز هدايًتها للناس، و لولا ما أُ خذ على أصحابه من تسييد للعقل وتحكيمه في مسائل ما كان له أن يلج (1)تفسير المنار1/22 بتصرف (2) من أبرز رجالات هذه المدرسة المؤسس الأول : محمد جمال الدين الأفغاني ، وتلميذه محمد عبده ، وتلاميذه من بعده كمحمد مصطفى المراغي ، و محمد رشيد رضا .. وغيرهم كثير ، ويسمون أيضاً بأصحاب المدرسة العقلي ة الحديثة. (3) اتجاهات التجديد د/ الرومي2/555 بتصرف وتلخيص

عدد الصفحات ١٩٤

- 114 - فيها أصلاً ، لدرجة أنهم - لتغليب العقل لديهم - أنكروا أحاديث متفقاً على صحتها لمجرد أنها لا تتوافق مع مذهبهم العقلي لكان مذهبًا رائجًا، وذا مكانة وقبول لدى الناس، وإقبال عليه. المسألة الثانية : مقترحات الإفادة القصوى في هذا المجال . من خلال ما سبق يتضح لنا أهمية هذا المجال التفسيري ، وإبراز هدايًت القر آن من خلاله إلا أنه ينبغي أن يقف فيه العقل البشري موقفه، ويلج ما أباح الشرع له أن يلج فيه . وأقترح للإفادة من هذا اللون التفسيري ما يلي: - (أ) تشجيع الدراسات القرآنية التي تركّ ز على تشخيص الأدوية القرآنية ال ناجعة لمشاكل الأسرة المسلمة، وبخاصة في عصر الا نفتاح الحالي، والذي أصبح فيه أفراد الأسرة الواحدة والبيت الواحد لا يرى بعضهم بعضاً إلا قليلاً ، وإن جلسوا في البيت في وقت واحد فإن كل واحد منهم يجلس أو يخلو مع صديقه الحميم (التقنية العصرية بمختلف ألوانها من هواتف ذكية وأيب اد وانترنت ومواقع ووسائل التواصل الاجتماعية...وغيرها) وصار في عالم آخر غير العالم الذي حوله، ولو أن الأب أو الأم نادت ابنها أو ابنتها لم تجد مجيبًا – إلا من رحم ربك - فضلاً عن انعدام التعاون فيما بينهم على البر والتقوى ... ونحو ذلك. (ب) التركيز على مشاكل ال شباب وإيجاد الحلول القرآنية لها ، مع إبراز الأساليب والطرق التي تجذبهم إلى ساحة القرآن ومعارفه في عصر طغت فيه التقنيات الحديثة بمختلف ألوانها حتى اشتغلوا بها عن كل شيء حتى طعامهم وشرابهم - إلا من رحم ربي - وقليل ماهم .

عدد الصفحات ١٩٥

- 115 - (ج) توسيع دائرة البحث القرآني في هذا المجال لتشمل كل طبقات المجتمع ، وربطهم بكتاب الله تعالى قراءة وفهمً ا وتطبيقً ا، والله أعلم. المبحث الثا : عرض بعض التجارب العملية في التربية القرآنية . الإنسان توّاق بطبعه إلى الجديد في كل شؤونه ، إذ به تسعد النفس سعادة بالغة ، وتقبل على هذا الجديد إقبالاً شديداً ، ومن هذا المنطلق حدثت نفسي أن أجّدد بعض الشيء في مجال تخصصي من المحاضرات وأساليب الشرح ، وتكليف طلابي باستنباط الدروس القرآنية العملية لتطبيقها، وكذلك تكليفهم ببعض الأبحاث القرآنية وتقييمهم ... ونحو ذلك . وكذلك أعرض هنا بعض التجارب التربوية ال تي رأيتها نافعة بإذن الله ت عالى في مجال تربية الأبناء والأهل... وسيكون ذلك من خلال هذين المطلبين: - اللملطللب الأول : من تجاربي الخاصة في التربية القرآنية مع طلابي قمت بالفعل ببعض التجارب التربوية مع طلابي بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالريًض، في مج ال البحث العلمي في مقرريْ "التفسير التحليلي" و"عل وم القرآن الكريم" مما كان له عظيم الأثر والفائدة على الطلاب حتى بعد تخرجهم وهنا أسوقها كما يلي: التجربة الأولى : نظام الحلقات، واستنباط الدروس التربوية من الآيات. تتخلص هذه التجربة التربوية أنني قمت بتوزيع الطلاب في قاعة الدرس في مقرر "التفسير" وقسمتهم إلى مجموعات على هيئة حلقات، كل مجموعة مكونة من ع شرة طلاب (أو على حسب عدد الطلاب في القاعة)، والحادي عشر رئيسهم، ودورُهُ أن يجهّ ز الكراسي قبل بدء المحاضرة على هيئة حلقة، وأن يوزّ ع الأدوار على الطلاب

عدد الصفحات ١٩٦

- 116 - العشرة، أقوم بطرح الدرس على الطلاب في هيئة أسئلة سبق إعداها، كل مجموعة تختص بسؤال مكون من عدة نقاط، وبعد توزيع جميع الأسئلة على جميع المجموعات، أتركهم يفتشون عن إجابة لهذه النقاط فيما بين أيديهم من أوراق المقرر لمدة عشر دقائق، ثم أسمع منهم الإجابة، وأصوب ما صائبً ا، وأصحح ما كان غير ذلك، وأشرح ما كان غامضًا، وهكذا مع كل مجموعة... ثم بعد انتهائهم بعد الإجابة أعود فأطلب من كل طالب أن يستنبط من الآيات درسَين نظريلَين ، وآخري ن عمليلَين - وهذا هو الهدف الأسمى والأهم في هذا النظام الجديد - وأقصد بالنظرية: الفوائد العامة المستفادة من الآيًت، والعملية: الفوائد التي استنبطها الطالب ليطبقها على نفسه، وليتغير بها في سلوكه وشخصه، وليربي نفسه في قاعة الدرس تربية قرآنية بحتة، ثم أعود مرة أخرى في نفس المحاضرة بإلقاء عدد من الأسئلة أيضًا ثم الاستماع إلى الإجابة عنها ... حسبما سمح الوقت، وهكذا. وقد رأيت آثارًا عظيمة، وفوائد جليلة في هذه الطريقة، ومن أهمها ما يلي:- أولاً: أن الطالب يستنبط دروسًا نظرية وعملية ليطبقها على نفسه، ويقوّ م بها سلوكه، وأصبعه في ذلك بسؤاله عما طبقه، ومما سعدت به في هذا الجانب: أن بعض الطلاب أخبرني أنه كان قب ل ذلك يستمع إلى الأغاني والموسيقى لكنه بعد هذه الطر يقة العملية في شرح التفسير لم يعد يسمعها. وطالب آخر: أخبرني أنه ما كان يصلي الفجر في المسجد مع الجماعة الأولى، فصار بعد هذه الطريقة يحضر ويصلّي مبكرًا وصار يوقظ أباه وإخوانه، بل وأخبرني أنه ربما تأخر المؤذن فيقوم هو بأداء الأذان ثم الصلاة، ولله الحمد والمنة.

عدد الصفحات ١٩٧

- 115 - ثانيًا أن الطالب يقوم بنفسه باستخراج الإجابة على الأسئلة، ويحاول فهم المطلوب منه، فيخرج عما اعتاده من تلقي المعلومة جاهزة، واكتفائه بالسماع من أساتذته دون المشاركة معهم في الشرح أو إعداد الدرس. ثالثًا: من الفوائد التي يكتسبها الطالب من هذه الطريقة تعامل الطالب المباشر مع كتب التراث، ومحاولة فهم أسلوبها، واستخراج المعلومة منها مباشرة قبل تدخل الأستاذ، وهذا أيضًا يكسر المألوف لدى كثير من الطلاب في الاعتماد على المذكرات المهمشة، التي تهدم أكثر مما تبني، وتضر أكثر مما تنفع ، والله من وراء القصد ، وهو الهادي إلى سواء السبيل. رابعًا: ومن تمام التجربة أن كلفتهم بعد ذلك بإعداد بحث يتعلق بالمقرر كله، والآيًت المشروحة واستنباط الدروس المستفادة منها، كل طالب يستنبط ثلاثين درسًا، عشرة نظرية، وعشرين عملية قام الطالب بأ دائها بنفسه، أو قام ببعضها، ويعاهدني أنه سيقوم بالبعض الآخر، وكان لذلك أيضًا عظيم الأثر على أخلاق الطلاب وسلوكهم في الغالب، ولله الحمد والمنة. الثانية: تجربة القصص القرآ . وتتلخص هذه التجربة التي أجريتها مع طلاب المستوى الرابع بكلية أصول الدين - جامعة الإمام ، حين كلفتهم بكتابة بحث في مقرر " علوم القرآن الكريم عن "عظات القصص القرآ وعبره" فقط دون سرد الأحداث ، وقمت بتقسيم الطلاب إلى مجموعات ، كل مجموعة مكونة من عشرين طالباً يتناولون قصة حددتها لهم حسب الترتيب المصحفي، والمطلوب استخراج العظات والع بر التي يمكن استنباطها من القصة. واشترطت على الطلاب في هذه التجربة عدة شروط منها :-

عدد الصفحات ١٩٨

- 115 - (1) أن يقتصر البحث على العظات والعبر فقط دون التعرض لشيء من أحداث القصة. (2) التركيز على العظات والعبر التي يمكن الإفادة منها في وقتنا الحاضر ، أو ترتبط به ارتباطاً وثيقاً . (3) أن تكون الفوائد المذكورة من استنباط ا لطالب شخصياً دون مراجع بنسبة 51% على الأقل (4) أن يكون البحث مكتوباً بخط اليد دون الحاسوب لئلا يلجأ الطالب إلى موقع من المواقع وينسخ منه. (5) ألا يزيد على خمس ورقات ولا يقل عن ثلاث ، حتى يتسنى لي م راجع ته وتقييمه. وبحمد الله تعالى آتى هذا المنهج التربوي من خلال هذه التجربة أُكُله ، فوق ما كنت أتوقع ، والحمد لله أولاً وآخراً. الثالثة : تجربة تصحيح بعض الأخطاء الشائعة في تفسير القصص القرآ . تهدف هذه التجربة إلى التنبيه على الأخطاء الشائعة في التربية القرآنية حينما تعتمد على الاسرائيليات، أو التفسير الملفق المروي عن بني إسرائيل، وتتركز فوائد ه ذه التجربة فيما يلي : - الأول: التنبيه على بعض الأخطاء الشائعة في كتب التفسير ، والتي ذُكرت وتذكر على أنها قرينة للآية ومما تُفسر به ولا شيء سواها ، وللأسف ذكرتهْا أمهات كتب التفسير على أنها مما تُفسر به الآية أو الآيًت الكريمة أو مما يُذكر في سبب نزولها ، وليس الأمر كذلك ، وهذا مثل الذي يذكرونه في تفسير قوله تعالى :﴿ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﴾

عدد الصفحات ١٩٩

- 111 - [:55]. (1) ،وقوله تعالى :﴿ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﴾ [:5] (2) ،وكالذي يذكرونه في تفسير بعض آيًت سورة "ص" (3) ..وغيرها كث . وقمت بهذه التجربة مع طلاب السنوات الأخيرة بكلية أصول الدين – جامعة الأزهر الشريف بطنطا، الذين كانوا قاب قوسين أو أدنى من التخرج، وبعد أيًم صار كل واحد منهم منبرًا من المنابر يعلم الناس ما تعلمه صحيحًا كان أو خطأ، وك نت (1) دأب كثير من المفسرين كالطبري 14/351) وابنأبي حاتم (6/1545) والثعل5/51) والواحدي في الوسيط (2 /513) والزمخشري 2/212).. وغيرهم، على ذكر قصة ثعلبة بن حاطب أو ابن أبي حاطب-على اختلاف الروايًت- في سبب نزول هذه الآيًت ، ويُ قصرون معاني النص القرآني ويفسرونه تبعاً لهذه القصة مع أنها باطلة لا تصح بحال ، علّق عليها ابن حجر في تخريج أحاديث الكشاف بأنها ضعيفة جداً ، ووصف ثعلبة نقلاً عن ابن اسحاق بأنه "قمر البدريين" ، فكيف يُلفق له ذلك وهو أنصاري شهد بدراً ، وذكرها الهيثمي في المجمع (5/32) وعزاه للطبراني وقال : وفيه علي بن يزيد الألهاني وهو متروك ، وقال الألباني في الضعيفة (14/111) وقال "ضعيف جداً والصواب : أن الآيًت وردت في شأن جماعة من المنافقين ، كغالب حال سورة "التوبة" وسباق الآيًت ولحاقها و ضمائر الجمع فيها تؤكد ذلك ، وفي هذا الصدد يقول القرطبي ( 5/211 )"قلت : وثعلبة بدري أنصاري وممن شهد الله له ورسوله صلى الله عليه وسلم بالإيمان ، فما روي عنه غير صحيح" والله أعلم. (2) قصة المسكين واليتيم والأسير المنسوبة لسيدنا علي بن أبي طالب والمشهورة في هذا الشأن ترويها كتب التفسير على أنها سبب نزول الآيًت الكريمة أو مما تُ فسر به ، مع أنها باطلة لا أصل لها ، وفي ذلك يقول الحكيم الترمذي في نوادر الأصول (1/244) ( ومن الحديث الذي ينكره قلوب المحقق ما رُوي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في قوله "يوفون بالنذر" ) ..ثم ذكر القصة ، وذكره ابن الجوزي في الموضوعات (صـ 312) وقال ( وهذا حديث لا يُشك في وضعه) ، والشوكاني ذكره كذلك في (الفوائد المجموعة من الأحاديث الموضوعة) صـ 355 وذكر قول الحكيم الترمذي المذكو ر آنفاً . والصواب : تفسير الآيًت بخلاف هذه القصة ، والله أعلم. (3) وفي هذ الصدد كتبت بحثاً عن سورة "ص" وأسميته بـ(التحفة السنية في تفسير سورة "ص" المكية ) وبينت فيه كل ما ورد في آيًت السورة من أباطيل ورددت عليها ، وبينت التفسير الصح يح ، وكان هذا البحث أيضاً مما أجازته لجنة التحكيم العلمي للترقية ، والحمد لله رب العالمين.

عدد الصفحات ٢٠٠

- 211 - أنا وهم– ومثلنا كثير - لا نعرف عن تفسير معظم آيًت السورة وسبب نزولها إلا هذا القصص المخرّق الملفّق والذي لا يثبت بحال. وكانت هذه التجربة جدّ نافعة ، عظيمة الأثر على صاحبها وطلابه ، وتصحيح وتغيير ثقافتهم ومعرفتهم عن الآيًت الكريمة .. والحمد لله رب العالمين . المطلب الثا : من تجاربي في التربية القرآنية مع أهل بيتي ما أعظم وأهنا أن يعيش المسلم مع القرآن والتربية به وعليه، في نفسه وأهله وبيته؛ فهو دستور رب العالمين للخلق أجمعين، ولإيماننا العمي ق بذلك نسعى جاهدين أن نربط الأمة بكتابها ومنهاج ربها، والأهل في المقام الأول من ذلك، وبخاصة أنهم مسؤولون منا، وأمانة في أعناقنا، فكنت أحاول بين الفيبنة والفينة اغتنام الفرص السانحة لتعليمهم وتربيتهم بالقرآن الكريم، وسأذكر بعضًا من المواقف التي حدثت لي معهم، وكان لها بفضل الله تعالى عظيم الأثر على سلوكهم وتعاملاتهم في الداخل والخارج، وسأعرض بعض المواقف الإيمانية ثم الخلقية فيما يلي: - أولاً: ما يتعلق بالتربية الإيمانية . الموقف الأول: تربية الأمة وتعويدها على الاستشفاء بالقرآن. لا شك أن الإنسان في الحياة ابن أغيار، متقلب الأحوال والأطوار، فالواحد منا يمسي صحيحًا ثم يصبح مريضًا، ويمسي سعيدًا ويصبح غير ذلك... وهكذا يتقلّب الدهر، وتتبدل الأيًم، تصديقًا لقوله تعالى:﴿ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ﴾ [141]، ومن ثمّ فإننا وأبناؤنا تنتابنا هذه الأعراض والأحوال، ومن فضل الله تعالى علينا أن جعل في ديننا أَشْفية، وأدوية ربانية قرآنية إن انتاب الواحدَ منا

عدد الصفحات ٢٠١

- 211 - شيء من الأمراض والأعراض، فاستعمل هذه الأشفية بيقين صم، وثقة في ربه عظيمة، راجيًا الشفاء، شفاه الله، وحقّق له ما يرجو، ورفع عنه ما يكره. وبالفعل تعاملت مع أبنائي (1) بهذا المنهجالإيماني، فإن مرض أحدهم بأمر خفيف مشتهر ك (نزلات البرد، والانفلونزا، والنزلات المعوية...ونحوها) أحضر كوباً من ماء زمزم – وهي بفضل الله تعالى لا تنقطع من البيت أبدًا، وهذا هو الشفاء الأول- وأقرأ عليه مما منّ الله تعالى به من آيًت الشفاء كالفاتحة وأوائل البقر ة وآية الكرسي وخواتيم البقرة، والمعوذات ... ونحوها، مع بعض أدعية النبي  الصحيحة الواردة هذا الشأن- وهذا هو الشفاء الثا - ثم أُحلّ ه بملعقة أو ملاعق من عسل النحل – وهذا هو الشفاء الثالث- ثم أناوله للمريض، وأكرر له ذلك كلما احتاج، فبفضل من الله تعالى يبرأ وكأن لم تكن به علة، وهذا أجرّ به بنفسي من سنوات، والحمد لله مفعوله أكيد وأقوى من المضادات الحيوية بالدنيا كلها، مع ما في أشفية القرآن من الخلو والبراءة التامة من الآثار الجانبية، والأضرار الفعلية المترتبة على تعاطيها، وبخاصة إذا كانت مستديمة، وأفعل ذلك مع نفسي وزوجي، نسأل الله تعالى أن يعافينا وإيًكم من كل مكروه وسوء. (1 )أكرمني الله تعالى بثلاثة من الأبناء أولهم: بالصف الثالث الابتدائي، وتبلغ الثامنة من عمرها، وثانيهم: بالصف الأول الابتدائي، ويبلغ من العمر ستًا، والصغرى لما تلتحق بعد، ولا تزال في ربيعها الثالث، وله تعالى الفضل والمنة، ونسأله المزيد، ولا أقصد بسَوْق هذه المواقف ادعاء التقوى والطاعة، فقد سبقني إلى حسن التربية القرآنية الإسلامية كثيرون، ولكنه فقط من باب قوله تعالى: ﴿ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﴾[11] ، أو لعل أحدًا من الناس يجد فيها شيئًا من الهدى فيقتدي، ورائدنا في ذلك ما ورد في وصف عباد الرحمن : ﴿ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﴾[54]، والله من وراء القصد، وهو الهادي إلى سواء السبيل

عدد الصفحات ٢٠٢

- 212 - وذلك تحقيقًا لقوله تعالى في الشفاء الأول ﴿ ﮡ ﮢ ﮣ ﴾ [ عمران 15]، ولا شك أن ماء زمزم من أظهر آيًت المسجد الحرام، وهو طعام طُعم، وشفاء سُقم، كما هو مشهور عنه. وقال تعالى في الشفاء الثاني : ﴿ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫﮬ ﴾[:52] ، وقال تعالى في الشفاء الثالث متحدثاً عن النحل ﴿ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﴾ [61]. وعدّ الإمام ابن القيم أن عدم الاستشفاء بالقرآن نوعًا من أنواع الهجر، المشار إليها في قوله تعالى: ﴿ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﴾ [31]، فقالهَ جْ ر القرآن أنواع ، أحدها: هجر سماعه والإيمان به والإصغاء إليه، والثا : هجر العمل به ، والوقوف عند حلاله وحرامه ، وإن قرأه وآمن به ، والثالث: هجر تحكيمه والتحاكم إليه في أصول الدين وفروعه، واعتقاد أنه لا يفيد اليقين، وأن أدلته لفظية لا تحصّ ل العلم، والرابع: هجر تدبره وتفهمه ومعرفة ما أراد المتكلم به منه ، والخامس: هجر الاستشفاء والتداوي به في جميع أمراض القلب وأدوائها، فيطلب شفاء دائه من غيره ويهجر التداوي به، وكل هذا داخل في قوله: ﴿ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﴾ [31]،وإن كان بعض الهجر أهون من بعض...) (1) ،نسأل الله تعالى أن يعافينا وإيًكم من كل نوع من أنواع الهجر والعصيان، اللهم آمين. (1 )الفوائد للإمام ابن القيم ص52.

عدد الصفحات ٢٠٣

- 213 - الموقف الثا : الأمر بالصلاة الصلاة عماد الدين، وهي أول ما يُسأل العبد عنه يوم القيامة، فإن صلحت صلح سائر العمل، وما بعدها هين بإذن الله تعالى، وإن فسدت - عياذًا بالله- فسد سائر العمل... بهذه الكلمات نهمس في آذان الأبناء عند الآذان بين الفينة والفيبنة، ويجد الواحد منا معاناة شديدة في اصطحاب الأبناء معه إلى المسجد عند كل صلاة – ولعلك أيها القارئ الكريم تشاركني هذه المعاناة - ومحاولة إقناهم للقيام إلى الصلاة فور سماع الآذان؛ نظرًا لما جدّ في عصرنا من وسائل التسلية واللعب والترفيه، وانتشار الإنترنت، والهواتف الذكية، والتقنيات الحديثة بمختلف أنواعها وشتى صورها، فالله المستعان، فأستعين به تعالى في دفع الأبناء للصلاة وحضّ هم وسؤالهم عنها بين الحين والآخر، وملهمنا في ذلك قول الله تعالى: ﴿ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﴾[132] ، فكلما أصابني الضيق والضجر لعدم استجابة الأبناء لأداء الصلاة فرضًا فرضًا، أذكّ ر نفسي بهذه الآية الكريمة، فأجدها تنزل على قلبي بردًا وسلامًا، ولله الحمد والمنة. وفي هذه الآية يقول الشيخ السعدي - رحمه الله - :( حُ ثَّ أهلك على الصلاة، وأَ زع جْ هم إليها من فرض ونفل، والأمر بالشيء أمر بجميع ما لا يتم إلا به، فيكون أمرً ا بتعليمهم ما يُ صل ح الصلاة ويفسدها ويكملها، وقوله:﴿وَاصْطَبر ْ عَ لَيْهَ ﴾ أي: على الصلاة بإقامتها، بحدودها وأركانها وآدابها وخشوعها، فإن ذلك مُ ش قٌّ على النفس، ولكن ينبغي إكراهها وجهادها على ذلك، والصبر معها دائمً ا، فإن العبد إذا أقام صلاته على الوجه المأمور به، كان لما سواها من دينه أحفظ وأقوم، وإذا ضيعها كان

عدد الصفحات ٢٠٤

- 214 - لما سواها أضيع، ثم ضمن تعالى لرسوله الرزق، وأن لا يشغله الاهتمام به عن إقامة دينه، فقال: ﴿نحَْ نُ نـَرْزُقُكَ ﴾ أي: رزقك علينا قد تكفلنا به، كما تكفلنا بأرزاق الخلائق كلهم، فكيف بمن قام بأمرنا، واشتغل بذكرنا؟! ور زْ ق الله عام للمتقي وغيره، فينبغي الاهتمام بما يجلب السعادة الأبدية، وهو: التقوى..) (1) ،لذا خُتمت الآية بقوله ﴿والعاقبة للتقوى﴾ والمراد: العاقبة الحسنى للمتقين، الذين يتقون ر بهم بفعل الطاعات واجتناب المنهيات، اللهم اجعلنا منهم أجمعين. هذا وإ ألحظ على الآية الكريمة أمرين:- أولهما: التعبير فيها بالاصطبار دون الصبر في قوله "واصطبر عليها" وذلك لأن الاصطبار هو شدة الصبر على الأمر الشاق، و صيغة "الافتعال" تَ ر د لإفادة قوة الفعل،وللدلالة على هذه القوة مع إفادة الاستعلاء عُ دّ ى الاصطبار بـــــ"على" (2). ثانيهما المجيء بالحديث عن الرزق والتكفرل به بعد الأمر بالصلاة والاصطبار عليها فيه دليل (على أن غاية العبادة إصلاح العابدين، ولا يعود على الله من ها شيء؛ فهو ليس بمحتاج، والناس يحتاجون إليه) (3) ، كما أن فيه دليلاً على أن استمداد القوة الحقيقية من الصلاة والطاعة والذكر، والله أعلم. (1) تفسير السعدي ص515. (2 )التحرير والتنوير16/142 بتصرف (3) زهرة التفاس 1 /4514.

عدد الصفحات ٢٠٥

- 215 - الموقف الثالث: لفت الأنظار إلى نِعَم رب العالمين. أنعم الله تعالى علينا بنعم كثيرة، وخيرات وفيرة، وأسبغ علينا ن عَمه ظاهرة وباطنة، ومن ن عَمه علينا أن نوَّع صنوف الطعام والشراب، وعدّد ألوان الفاكهة التي نتفكّه بها بين الحين والآخر، فهداني الله تعالى أن أنتهز فرصة وجودي مع الأبناء أث ناء تناول الفاكهة ونحوها، وأبتدأ بتحريك قلوبهم ومشاعرهم نحو ربهم وخالقهم مُولي النعم سبحانه، وذلك بطرح الأسئلة عليهم للفت انتباههم لهذه النعم، فأسألهم: * أرأيتم جمال هذه الفاكهة؟ * أرأيتم حُلو مذاقها، وطيب طعمها؟ * أرأيتم اختلاف ألوانها وأشكالها وطعومها مع أنها تخرج من تربة واحدة، وتُسقى بماء واحد؟ * أرأيتم إبداع شكلها؟ ودقة تنظيم وتصفيف الرم ان والموز ونحوهما؟... * فمن رزقنا ذلك كله؟ ومن أنعم علينا بهذه النعم كلها؟ فيجيبون: إنه الله رب العالمين. فأُكمل: نعم إنه الله الذي خلقنا، ورزقنا، وتكفل بجميع أمورنا وحياتنا. فأسأل مرة أخرى: ما واجبنا تجاه هذا الخالق الرازق؟ وأُجيب قائلاً: واجبنا أن نعبد ه، ونوحده، ونشكره، ونؤدي له الصلاة في وقتها، ونطيعه في جميع أوامره، ونبتعد عن جميع نواهيه سبحانه وتعالى. فأسأل مرة أخرى: مَنْ منكما يأتيني بآية ذُكرت فيها فاكهة بعينها من محفوظه؟ فيفكرون ثم يجيبون بفضل الله تعالى، وهذا لا شك له أعظم الأثر الإيماني لدى الأبناء؛ حيث يُربون منذ نعومة أظفارهم على التوحيد الخالص لله رب العالمين، ويَكلون فضل

عدد الصفحات ٢٠٦

- 216 - كل نعمة إلى مسديها وموليها سبحانه وتعالى، تحقيقًا لقوله تعا﴿ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﴾[11]. الموقف الرابع: المحاسبة في الآخرة على القليل والكثير من الأعمال. كلما همَّ أحد من الأبناء بشيء من الذنب أو فعل ما لا يليق، ذكّرناه - وبخاصة الأم- بقول الله تعالى ﴿ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﴾[6-5 ]، والآيًت لا تحتاج إلى شرح أو تعليق، وبخاصة أنها من أوائل ما يحفظه الأبناء من القرآن لكونها من قصار السور، ونحذرهم أن من فعل حسنة أي حسنة صغيرة أو كبيرة حوسب عليها، وجوزي خيرًا. ومن فـَعَل سيئة ما صغيرة أو كبيرة حوسب عليها، وجوز ي بالشر والعقاب في النار عياذًا بالله تعالى، والحمد لله رب العالمين يستجيب الأبناء ولكن بعد محاولات، وصولات وجولات، والتذكير مرات ومرات.

عدد الصفحات ٢٠٧

- 215 - الموقف الخامس: التعويد على الصدقة إيمانً بالخُل ف عند الله تعالى. شاركت عام 1433ه بالمؤتمر الأول للهيئة العالمية للتدبر، والذي أقيم في الدوحة بقطر ببحث عن "تدبر القرآن – المصطلح والموانع والوسائل " والتقيت هناك بكوكبة عظيمة من العلماء الأجلاء الذين يعنون بالتدبر دراسة وتطبيقًا، وأفدت منهم ولله الحمد، وحدثني أحدهم: أنه بدأ طريقه التدبري بآية من كتاب الله تتحدث عن الصدقة في السر والعلن، وهي قوله تعالى: ﴿ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﴾[21]، وأمثالها في القرآن، وقال لي: بدأت أُحدّ ث نفسي: لماذا لا أكون من أهل هذه الآية؟ لماذا لا أكون ممن يتاجرون مع الله فأكسب الربح الوفير، والتجارة التي لا تعرف البوار ولا الكساد أب دًا أبدًا ؟... ثم قال لي بدأت بالفعل بتجهيز مبلغ يومي في حافظتي، أنفق جزءًا منه سرًا وآخر علانية، فأخلف عليّ بذلك خيرًا عميمًا، وكلما نسيت ذكرني أهلي، وبالأخص ابنتي الصغيرة قائلة : هل أخرجت صدقة اليوم يً أبي أو لا ؟ وظل الأمر كذلك إلى أن قرأتُ قوله تعالى في شأن الصدقة أيضًا ولكن على نطاق أوسع: ﴿ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﴾ [254]، فقلت: سأكون من أهل هذه الآية أيضًا وأُجهّ ز أربع صدقات أتصدق بالأولى في الليل والثانية في النهار، والثالثة بالسر، والرابعة في العلن... ولما فعلت ذلك وواظبت عليه أغدق الله عليّ من أوسع أبواب رزقه، ووفير عطائه تصديقًا

عدد الصفحات ٢٠٨

- 215 - لقوله تعا ﴿ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﴾[31]، ونظرًا لكثرة العطاء والأعمال قد أنسى هذه الصدقات يومًا ما ففكرت في أمر يذكرني كلما نسيت، فاشتريت صندوقًا خشبيًا صغيرًا، ووضعته في مكان مرئي لي في البيت علي الثلاجة أو في الاستقبال... ونحو ذلك، وكلما رأيته ومررتُ عليه، تذكرت ما تعوّدت عليه من الصدقات الأربع، فأضع فيه ما لم أستطع الوفاء به في يومي، وكان وجود هذا الصندوق في البيت خيرًا وبركة؛ حيث عوَّد الأبناء والزوجة أن يشاركوني هذا الأجر، والتطب يق العملي لكلام الله تعالى... والذي استفدته أن من هذا الموقف: أن أُعجبت بفكرته، وقمت بتطبيقها، فاشتريت (صندوقًا خشبيًا صغيرًا) وجعلته في مكان بارز بالبيت يراه الجميع بصفة دائمة، بعد أن جلست مع أهلي وأولادي، وقصصت عليهم قصة هذا الرجل، وماذا صنع ! ففرحوا با لأمر، وشجعوني عليه وعلى تطبيقه، وبدأت بالفعل أمامهم بالتطبيق العملي للآيًت وإخراج الصدقات، وأتبعت ذلك بالحديث عن فضل الصدقة ، وعظيم فوائدها في الدنيا والآخرة، وأجر المتصدق في الدارين، فكان الواحد منهم يدخر شيئًا من مصروفه الشخصي، ويسقطه في الصندوق، وادَّخر ت الزوجة هي الأخرى شي ئًا ثم تضعه في الصندوق، وتعودوا على ذلك بين الفينة والفينة، ولا يزال الأمر قائمًا حتى الآن، والحمد لله رب العالمين. ومن بركة هذا الفكرة أيضًا: أن طرحتُها في درس من دروسي المسائية على المصلين في المسجد المجاور، والذي أصلي فيه، فلله الحمد لاقى قبولاً و رواجًا لم أكن أتوقعه، وبدأنا بالفعل بتوزيع الصناديق على الراغبين في بيوتهم، وأخبرتهم أن لا يح تقروا من المعروف شيئًا ولو قليلاً، فالقليل مع مرور الأيًم يكبر ويزيد، ولله الحمد في الأولى والآخرة، وهو الجواد الكريم.

عدد الصفحات ٢٠٩