- 155 - هذا وإن خطة البحث كما يلي - المبحث الأول : مفهوم التربية القرآنية، ومتعلقاته. وفيه مطلبان: الـمـطلـب الأول : المراد بـــ" التربية القرآنية" في اللغة والاصطلاح. المطلب الثاني : مقترحات وضوابط في التربية القرآنية. والمبحث الثا : من تجاربي الخاصة في التربية القرآنية. وفيه مطلبان : الـمـطلـب الأول : من تجاربي في التربية القرآنية مع طلابي. المطلب الثاني : من تجاربي في التربية القرآنية مع أهل بيتي، ثم الخاتمة، وبها النتائج والتوصيات. منهج البحث وخطواته : سيسلك البحث "المنهج النقدي" وذلك برصد بعض الظواهر التربوية ثمّ نقدها نقداً بنّاء ، وعرضها على المنهج العلمي القويم ، ثم طرح بعض الحلول والمقترحات والتجارب كطريقة لإحياء التربية بالقرآن، والعودة إلى منهج السلف، هذا وت تسم خطوات معالجتي لهذا الموضوع بما يلي : - أولاً : عرضت بعضًا من المسائل المتعلقة بالتربية القرآنية وتعريفها، والضوابط التي ينبغي أن تُضبط بها بشيء من الاختصار طلبًا لتركيز الفائدة، وعموم النفع بإذن الله تعالى.
عدد الصفحات ١٧٨- 155 - ثانيًا ثنَّيت البحث با قتراح بعض المقترحات والتجارب التربوية التي قمت بها بالفعل مع الطلاب على اختلاف مستويًتهم، والأبناء في بيتي، والتي كان لها عظيم النفع على الصعيدين، وسقتُها هنا لعل الله تعالى أن ينفع بها أحدًا من المسلمين، كما أرجو به النفع والقبول عند رب العالمين سبحانه. ثالثًا : بالنسبة لتوثيق المراجع في هوامش الصفحات كنت أذكر معلومات المصدر كاملة، حينما يُذكر في أول مرة، وإذا تكرر ذكره ثانية أكتفي باسمه فقط أو مع مؤلفه وذكْر الجزء والصفحة. رابعًا : قمت بتخريج الأحاديث الواردة في البحث وتتبعها من مصادرها الأصيلة – قدر المستطاع - مع عزو كل قول إلى قائله، فإن من بركة العلم نسبته إلى قائليه. ... وبعد فإن كنت وُفّقت في عرض هذا الموضوع وخدمته خدمة علمية تليق بجلال القرآن الكريم وعظمته فلسان حالي ومقالي يرددان :﴿ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﴾[55]. وإن كانت الأخرى – وأسأل الله أن لا تكو ن – فدعائي :﴿ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﴾[256] ، وآخر دعوان أن الحمد لله رب العالمين. بقلم د/ عبدالله موسي محمد أبو المجد
عدد الصفحات ١٧٩- 151 - المبحث الأول : مفهوم التربية القرآنية، ومتعلقاته أول ما يُعنى به كل باحث في مطلع كلامه أن يوضّح المراد من بحثه ، ويحدّ د ما يتعلق به من جزئيات وتفاصيل ، حتى تتضح معالمه كلها للناظرين والمطالعين (1 ) لذا فإن معالم ومطالب هذا المبحث متعددة نظرًا لأن العنوان يشتمل على كلم " التربية القرآنية" وسيقف البحث مع كل كلمة على حدة، مجلّ يًا كلاً منهما في اللغة والاصطلاح كما يلي : المطلب الأول : المراد بللل"التربية القرآنية"في اللغة والاصطلاح أولاً : التعريف اللغوي للفظ "التربية". من خلال النظر في معاجم العربية نجد أن لفظ "التربية" مشتق من الثلاثي "رَبَبَ"، أو "رَباَ" وهاصن المادصن يدوران في اللغة حول عدة معان:- أولها: اللمُل ك. من أول معاني هذه "الملك والامتلاك" يقال: فلان ربر هذا الشيء، أي: مُ لْ كه له، والله تعالى رَ بر كلّ شيء، أي: مالكه، وله الرر بوبية على جميع الخلق، لا شريك له، وهو ربر الأرباب، ومالك الملوك والأملاك ، و لا يقال الرَّ بر في غير الله إلا بالإضافة، فيقال: هو رَ بر الدَّ ابة، و رَ بر الدَّ ار، وفلان رَ بر البيت... و الرَّ بر يُ طلق على المالك، والسَّ يّ د، والـمُ دَ بّ ر، والـمُ رَ بيّ ، والقَ يّ م، والـمُ نع م(2)... ونحوه (1) اعتاد كثير من الباحثين في مثل هذا الموطن أن يضعوا الفاصلة المنقوطة (؛) متعللّ ين بأنها توضع بلتين، الثانية علة للأولى ، وهذا خطأ شائع لأن الثانية في هذا الموضع وأشباهه ليست جملة ، إنما هي ش بْه جملة ، بُ دئت بحرف علة ، وكذلك لا تُوضع قبل كل جملة بُدئت بـــــ "لام العلة" والله أعلم ( يراجع : الأخطاء اللغوية الشائعة في الأوساط الثقافية أ/ محمود عبد الرازق جمعة ص311 .) (2) يراجع صج اللغة وصحاح العربية لإسماعيل بن حماد الجوهري ، 1/131،تح أحمد عبد الغفور عطار، ط دار العلم للملايين - بيروت 1415 ه ، و لسان العرب لأبي الفضل جمال الدين محمد بن مكرم بن منظور المصري ( ت 177هـ ) ، 1 /311 ط دار صادر، بيروت"ربب"..
عدد الصفحات ١٨٠- 151 - ثانيها: القيام على الشيء وحفظه وإصلاح شأنه من معاني مادة "ربب" في العربية أيضًا: القيام على الشيء وحفظه وإصلاح شأنه. يقال: رَبَّ ولَدَه يـَرُبرهُ رَباًّ، ورَبـَّبَه تـَرْب يبا ، بمعنى رَباَّ ه، ور ب يبةُ الرجل : ابنة امرأته من غيره، لأ َنَّهُ يـَقُومُ به َا غَال بًا تـَبـَعًا لأ ُمّ هَا، والرَّب يبَةُ: الحَ اض نَ ةُ ، وسمُيت بذلك لأَنها تُصْل حُ الشيءَ، وتـَقُوم ب ه ، وتجَْمَ عُه، والرَبيبَةُ أيضاً: واحدةُ الرَبائ ب من ال غَنَم التي يُ ربّ يها الناس في البيوت لألبانها، والرباَّنّ يرون م نَ الرَّبّ ، بم َعْنىَ التربية ، كَانُوا يـُ رَبرونَ المُتـَعَلّ مينَ ب صغار العُلوم قبلَ كبار ها، والرَّباَّني ر: الْعَالم ُ الرَّاس خُ في ال ع لم وَالدّ ين ، أَو الَّذ ي يَطْلُب ب علْم ه وجهَ الله تعالى. وفي الحديث "هل لك ن عْ مة تـَ رُ بهر ا؟..."(1)، أي: تحْفَظُها وتُراع يها وتـُرَبّ يها، كَمَا يـُرَبيّ الرَّجُلُ ولدَه (2) . ثالثها: الزيادة والنماء ومن أظهر معاني مادة "رَباَ" أيضًا: الزيًدة والنماء، يقال: رَبَّب النّ عْمةَ يـَ رُبهرا رَباًّ : نمََّاها،وزادَها،وأَتمََّها، وأَصْلَحَها، وَيـُقَالُ : رَبـَّيـْتُهُ وَتـَرَبـَّيـْتُهُ، إ ذَا غَ ذَوْتُهُ ، و نمََا وَزَكَا وَزَادَ ، ومنه قوله تعالى ﴿ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰﯱ ﯲﯳﯴ﴾[5]،أي:زَادَتْ وَنمََتْ، وانـْ تـَفَخَتْ وَعَلَتْ (3). (1) صحيح: رواه مسلم في صحيحه ك (البر والصلة والآداب) ب (فضل الحب في الله) ح2565) يراجع الصحيح 4/1155. (2) لسان العرب 1 /413،المصباح المنير في غريب الشرح الكبير لأحمد بن محمد بن علي الفيومي ص 214، ط المكتبة العلمية - بيروت ، وصج العروس 2/465 "ربب. (3) لسان العرب 1 /413، صج العروس15/356 "ربب"و"هز
عدد الصفحات ١٨١- 151 - رابعها: الإقامة واللزوم يقال: أَرَبَّت الإ بلُ بم َكَان كَذَا: لَز مَتْه وأَقامَتْ ب ه ، فَه يَ إ ب ل مَرابر، لَواز مُ ، وأَرَبَّت الناقةُ ب وَلَد هَا: لَز مَتْه وأَحَبـَّتْه، م ن أَرَبَّ بالمكان وأَلَبَّ إ ذا أَقامَ ب ه و لَز مَه؛ وَكُلر لاز م شيءٍ مُر بٌّ ، وأَرَبَّ فُلاَن با لْمَكَان ، وأَلَبَّ، إ رْباباً، وإ لباباً إ ذا أقامَ ب ه ، فـَلَمْ يـَبـْرَحْه (1). خامسها: الجمع والكثرة من المعاني أيضًا: الجمْع والعدد الكثير، ومن ذلك قولهم: فلاَن مَرَبٌّ، أَ ي مجَْمَع يـَرُبّ النَّاس و يجَْمَعهم ، ومكان مَرَبٌّ، أَي يجَْمع النَّاس، والأَر بَّ ة: الجَ ماعاتُ؛ واحدتها: رَبَّة . وَقَالَ عزّ وجلّ:﴿ﮭ ﮮ ﮯ ﮰﮱ ﯓ ﯔ﴾[آل عمرَان146]. قَالَ الفرّاء: الرّ بّ يـروُن: الأُلوف ، وَقَالَ الزّجاج: ربّ يّون، ب كَسْر الرَّاء وَض مّهَا، وهم الجماعةُ الكَث يرة(2). والخلاصة أنه من خلال النظر في هذه المعاني اللغوية السابقة نجد أن مادتي "ربب" و "ربا" تتسعان لتشمل هذه المعاني كلها وأكثر، لكني اقتصرت على أبرزها، ويُعدر المعنى الثاني: "القيام على الشيء وحفظه وإصلاح شأنه" أقرب هذه المعاني المذكورة لما نحن بصدد الحديث عنه، ويقترب منه كذلك المعنى الثالث: " الزيادة والنماء" فمن ربىّ شيئًا قام على إصلاح شؤونه وإصلاح أمره، وتعهّده بالرعاية والحفظ حالاً بعد حال، حتى ينمو ويزداد، ويصل إلى درجة الكمال، أو يقترب منها، وبقية المعاني لا تبعد كثيرًا عن المراد، والله أعلم. (1) تهذيب اللغة لأبى منصور محمد بن أحمد الأزهري، 15/121 "ربب"، تح أ / محمد عوض ط دار إحياء التراث العربي، بيروت 1007م (2) يراجعتهذيب اللغة 15 /121، لسان العرب 1 /413، ومعاني القرآن لأبي زكريً يحيى بن زيًد الفراء (101هـ) 1/235،تح أ/ أحمد يوسف النجاتي وآخرين ،ط الدار المصرية للتأليف والترجمة ، ومعاني القرآن وإعرابه لأبي إسحاق بن إبراهيم بن السَّري الشهير بالزجاج ( ت 177هـ 1/465، تح د/ عبد الجليل شلبي ، ط دار الحديث بالقاهرة 7991م
عدد الصفحات ١٨٢- 152 - ثانيًا : التعريف الاصطلاحي على الرغم من كون المعنى الاصطلاحي لكلمة التربية يعتمد كثيراً على المعنى اللغوي إلا أنه يختلف من عصرٍ إلى عصر ، ومن مكانٍ إلى آخر ، وما ذلك إلا لأن العملية التربوية كثيراً ما تتأثر بالعوامل والتغيرات الزمانية والمكانية والاجتماعية التي تؤثر بصورةٍ مباشرة أو غير مباشرة على شخصية الإنسان في مختلف جوانبها على اعتبار أن كل نشاط، أو مجهود، أو عمل يقوم به الإنسان يؤثر بطبيعة الحال في تكوينه ، أو طباعه، أو تعامله، أو تكيفه مع البيئة التي يعيش فيها ويتفاعل مع من فيها وما فيها، إما سلبً ا أو إيجاباً (1.) وعلى ضوء ذلك فقد اختلفت رؤى العلماء في تعريفها: فعرفها البيضاوي بأنها: (تبليغ الشيء إلى كماله شيئاً فشيئاً ) (2)، وعرفها الراغب بقوله الرَّبر في الأصل: التربية، وهو إنشاء الشيء حالا فحالا إلى حدّ التمام) (3) . أمالفظ "التربية" في اصطلاح التر بويين فقد عُ رّف بتعريفات كثيرة بينها تقارب وتباعد، وليس هذا مقام تتبع تلك التعريفات، بل أكتفي بما أراه يوضح المقصود، ويوفي بالغرض، حيث عرفها بعضهم بأنها: (1 )التربية الإسلامية – المصطلح والمفهوم أ.د/صالح عراد أستاذ التربية الإسلامية بكلية المعلمين بأبها، ص 25 بتصرف (2) أنوار التنزيل وأسرار التأويل ، لناصر الدين عبد الله بن عمر البيضاوي (ت 655هـ 1/25، تحمحمد عبد الرحمن المرعشلي ، ط دار إحياء التراث العربي – بيروت، 1415هـ. (3) المفردات في غريب القرآن ، لأبي القاسم الحسين بن محمد الراغب الأصفهانى ( ت 512هـ ص336" رب" ، تح صفوان عدنان الداودي، ط دار القلم، الدار الشامية – دمشق، 1412ه
عدد الصفحات ١٨٣- 153 - تنشئة الفرد وإعداده على نحو متكامل في جميع الجوانب العقدية والعبادية والخلقية، والعقلية والصحية، وتنظيم سلوكه وعواطفه في إطار كلي يستند إلى شريعة الإسلام، من خلال الطرق والإجراءات التي تقبلها الشريعة (1.) ومن خلال التأمل في هذهالأصول اللغوية والاصطلاحية العامة، نجد أن التربية تتكون من عناصر: أولها: المحافظة على فطرة الناشئ ورعايتها. ثانيها: تنمية مواهبه و استعداداته كلها، وهي كثيرة متنوعة. ثالثها: توجيه هذه الفطرة، وهذه المواهب كلها نحو صلاحها، وكمالها اللائق بها. رابعها: التدرر ج في هذه العملية، وهو ما أشار إليه البيضاوي بقوله: " ... شيئًا فشيئً ا"، والراغب بقوله: " حالاً فحالاً ..". ثم يُ ستخلص من هذا نتائج أساسية في فهم التربية:- أولاها: أن التربية عملية هادفة، لها أغراضها وأهدافها وغايتها. النتيجة الثانية: أن المربي الحق على الإطلاق هو الله الخالق: خالق الفطرة وواهب المواهب، وهو الذي سنن سننً ا لنموها وتدرجها وتفاعلها، كما أنه شرع شرعا لتحقيق كمالها، وصلاحها وسعادتها. النتيجة الثالثة: أن التربية تقتضي خططً ا متدرجة تسير فيها الأعمال ال تربوية، والتعليمية وفق ترتيب منظم صاعد، ينتقل مع الناشيء من طور إلى طور، ومن مرحلة إلى مرحلة إلى مرحلة. (1 )نحو تربية إسلامية راشدة من حتى البلوغ، د/ محمد بن شاكر الشريف ص 13، ط الأو1425ه
عدد الصفحات ١٨٤- 154 - النتيجة الرابعة أن عمل المربى صل، وصبع لخلق الله وإيجاده، كما أنه صبع لشرع الله ودينه.(1 ) هذا بالنسبة للفظة الأولى "التربية" أما بالنسبة للفظة الثانية وهي"القرآن" فأعرف بها في عجالة سريعة فيما يلي: - أولاً: التعريف اللغوي للفظ "القرآن". اختلفت وجهة نظر العلماء في أصل الاشتقاق اللغوي للفظ "القرآن" ولكني لا أسترسل في خلافهم بل أقتصر على ما أراه راجحًا، ويميل إليه أكثر العلماء، وهو أنه: وصف مهموز على وزن "فُعلان" مشتق من القَرْء بمعنى الجمع ، ومنه قرأتُ الماء في الحوض إذا جمعتُه ، لأنه يجمعُ ثمرات الكتب السابقة(2 )أوأنه مصدر مهموز بوزن الغُفران ، مشتق من قرأ بمعنى تلا ، سمُي به المقروء تسمية للمفعول بالمصدر (3) . ورجّحت هذا الرأي على غيره لأن المعاجم اللغوية تكاد تكون مجمعة على أن لفظ "القرآن" مشتق من "قرأ" المهموز لا من "قرن" أو غيره ، فمثلاً يقول صاحب اللسان تحت مادة "قلرأ": (… قرأت الشئ قرآناً : جمعته، وضممت بعضه إلى بعض، ومنه قولهم: ما قَرأَتْ هذه الناقة سلىً قط، وما قَرأَتْ جنيناً قط ، أي لم تضم رحمها على ولد قط ...ثم استدل بقول عمرو بن كلثوم: (1) أصول التربية الإسلامية وأساليبها في البيت والمدرسة والمجتمع ، أ/عبد الرحمن النحلاوي ، ص 15، طدار الفكر 1425هـ. (2) يراجعمعاني القرآن وإعرابه لأبي إسحاق بن إبراهيم بن السَّري الشهير بالزجاج ( ت 311هـ1/315، تح د/ عبد الجليل شلبي ، ط دار الحديث بالقاهرة 1115م، و مباحث في علوم القرآن : د/ صبحي الصالح ص 11 ط21 لدار العلم للملايين . بيروت– 1115م (3) يراجعالإتقان في علوم القرآن للإمام جلال الدين السيوطي (ت 111هـ1 /65بتصرف، ط دار عالم المعرفة ، بيروت، ومباحث في علوم القرآن : د/ صبحي الصالح ص 11 .
عدد الصفحات ١٨٥- 155 - .………………هجــان اللون لم تقـرأ جنينـــًا) (1 ) ويؤيد هذا الرأي أيضاً قوله تعا: ﴿ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﴾ [:15،15]،أي (إن علينا أن نجمعه في صدرك ثم تقرأه " فإذا قرأنه" أي إذا أنزلناه عليك ، " فاتبع قرآنه" فاستمع له وأنصت) (2). ووجه الاستدلال بهذه الآية : أنه ورد لفظ "قرآن " فيها مرتين بمعنى الق راءة (3)، وذلك مما يؤكد أنه من "قرأ " لا من "قرن " أو غيره، وعليه فلفظ "قرآن " أصله مشتق ومهموز(4)، والله تعالى أعلم . ثانيًا : التعريف الاصطلاحي. ما سبق كان بالنسبة للتعريف اللغوي، أما بالنسبة للاصطلاح فأقول: (1) يراجع لسان العرب لأبي الفضل جمال الدين محمد بن مكرم بن منظور المصري ( ت 511هـ1/125، ط دار صادر، بيروت، و القاموس المحيط للإمام مجد الدين محمد بن يعقوب الفيروزأبادي 1 /24، ط دار الجيل بيروت، وصج العروس من جواهر القاموس لمحمد مرتضى الزبيدي (ت 1215هـ1 /111،ط الأولى 1316هـوغيرها "قرأ". هذا وإن قوله ( هجان … الخ ) هو الشطر الثاني لبيت أوله : ذرَاعَيْ عَيْطَلٍ أَدْماء ب كْر .. ه جَان .. ( و العطيل ) : الطويلة العنق من النوق ( و الأدماء ) : البيضاء ( و البكر ) : الناقة التي حملت بطناً واحداً ، (و الهجان ) : الأبيض الخالص البياض ( لم تقرأ جنيناً ) : أي لم تضم في رحمها ولداً . والمعنى : أنه يصف ذراعي محبوبته ويقول هما ممتلئان لحماً كذراعي ناقة طويلة العنق لم تلد بعد ، فهي ناقة سمينة، لم تحمل ولداً قط بيضاء اللون (شرح المعلقات السبع لأبي الحسين الزّوْزني ص 121 ط مكتبةالمتنبي). (2) فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير للإمام محمد بن علي الشوكاني (ت 1251 ) 5/453 بتصرف ، تح / سيد إبراهيم ، ط الثالثة لدار الحديث، القاهرة 1115م (3) محاضرات في علوم القرآن ، أ.د / إبراهيم عبد الحميد سلامة ص 5، ط مكتب فوزي الشيمي بطنطا . (4) ولمزيد من تأييد هذا الرأي يُنظر : مباحث في علوم القرآن د/ صبحي الصالح ص 11 ،21 .
عدد الصفحات ١٨٦- 156 - لقد عرّف العلماء"القرآن " بتعاريف كثيرة نختار منها ما اتفق عليه الأصوليو ن والفقهاء، وعلماء العربية ، وغيرهم حيث عرّفوه بأنه هو : " كلام الله تعالى، المنزّل على محمد ، المنقول بالتواتر، المتعبّد بتلاوته"(1). وهذا التعريف أشهر من أن يُعلق عليه، وأوضح من أن أعرّ ج ولو بكلمة واحدة، وأدلف الآن إلى تعريف مصطلح التربية القرآنية بضميمة الكلمتين بعضهما إلى بعض، وأخلُص بتعريف أراه وافيًا للمقصود، موفيًا بالغرض فأقول مستأنسًا بما سبق: مصطلح التربية القرآنية يعني: تنشئة الفرد وإعداده على نحو متكامل في جميع أموره العقدية والتعبدية والخلقية، والعقلية و النفسية و الصحية، وتنظيم سلوكه وعواطفه على وفق ما أمر الله تعالى به في كتابه الكريم. وهذا التعريف أراه وافيًا بالمرجو من التربية القرآنية، فالفرد المسلم ينبغي أن ينشأ على وفق ما ورد في كتاب الله تعالى، عقيدة وعبادة وخلقًا وسلوكًا وعاطفة ... ومما لا شك فيه أن السنة شارحة للكتاب، وموضحة لما غمُض منه، ومفصّلة لما أُجمل فيه، ومخصصة لما عُمم فيه... وهكذا، وعلى هذا فلا يمكن أن يُفصل أحدهما عن الآخر، وصدق الله حين قال: ﴿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ﰎ ﴾[64] ، وقال أيضًا: ﴿ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ﴾ [44]، فحينما نقول: "التربية القرآنية" فإنما يدخل ضمنها وتحت عباءتها " التربية النبوية" أيضًا، والله أعلم. (1) مناهل العرفان في علوم القرآن للشيخ / محمد عبد العظيم الزرقا 1 /11، ط عيسى الحلبي بالقاهرة .
عدد الصفحات ١٨٧- 155 - لكن ينبغي أن يُظهر العلماء هذه المعالم القرآنية التربوية بصورة عصرية سهلة، تتلقفها النفوس، وتتلهف عليها القلوب، وبخاصة هذا العصر الذي كثرت فيه الأقوال والنظريًت والفلسفات والآراء... المخالفة لشرع الله تعالى، بل والملحدة أحي اناً، فصارت النفوس الآن متعطشة لهذه التربية القرآنية بجميع ألوانها ومعالمها، نسأل الله تعالى أن يوفقنا لذلك، وأن نخدم كتابه بما يوضح معالمه ظاهرة جلية. المطلب الثا : مقتر حات وضوابط في التربية القرآنية بعد هذا التطواف السريع بالقارئ الكريم فيما يتعلق بالتعريف، أدلف الآن إلى بعض المقترحات والضوابط التي أرى أنها لا بد منها حتى تؤتي التربية القرآنية أكلها وثمارها المرجوة منها بإذن الله تعالى، والتي أقصرها فيما يلي: - الضابط الأول : إخلاص النية لله تعالى . إذا كان إخلاص النية وصلاح ها أمراً مطلوباً في جميع الأعمال والأقوال التي يقوم بها المسلم ، انطلاقاً من قوله تعالى ﴿ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﴾ [البينة:5].وقوله تعالى:﴿ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﴾ [/216]، وقوله (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى ...) (1) فمما شك فيه أن صلاح النية أشد طلباً بالنسبة للتربية القرآنية ، وذلك لأنها قد يلاقي فيها الفرد كثيرًا من المشقات والصعوبات، الداخلية والخارجية، الفردية والجماعية، البيئية والأسرية، فهي تحتاج إلى إخلاص وصدق نية، ومجاهدة ومثابرة، (1) صحيح : والحديث بتمامه رواه البخاري -وغيره - في صحيحه ك (بدء الوحي) ب(كيف كان بدء الوحي) ح( 1 ) يراجع : الصحيح 1/6.
عدد الصفحات ١٨٨- 155 - والله تعالى هو الموفق والمع﴿ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﴾ [/61]، نسأل الله تعالى أن يجعلنا منهم أجمعين. الضابط الثا : استشعار الحاجة الماسة للتربية القرآنية. لا بد أن تستشعر الأمة كلها الحاجة الماسة الآن إلى حسن وعظيم نفع العودة إلى التربية القرآنية، وبخاصة بعد أن جرّبت الأمة كثيرًا من النظريًت والفلسفات الغريـــبة والبعيدة عن القرآن، شرقية كانت أو غربية، وبعد أن ظلت ترزح تحت نير هذه النظريًت والفلسفات ردحًا من الزمان آن لها الآن أن تعود إلى منهاج ربها سبحانه وتعالى، الذي رسمه لعباده في كتابه لأنه هداية لها في جميع الميادين، تصديقًا لقوله تعالى ﴿ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﴾[1]، فالله تعالى (يخبر هناعن شرف الق رآن وجلالته ، وأنه يهدي للتي هي أعدل وأعلى من العقائد والأعمال والأخلاق، فمن اهتدى بما يدعو إليه القرآن كان أكمل الناس وأقومهم في جميع أم وره ) (1)، بل إنه سبحانه لما تكفل هنا بالهداية التامة لمن يتبع سبيله، وينهج نهج هذا الكتاب الكريم في التربية وغيرها، وفي المقابل توعَّد من يتنكب صراط هذا الكتاب، ويتبع غير سبيل المؤمنين، من حضارات غربية زائفة، ونظريًت وفلسفات وافدة، وتوجيهات تربوية جارفة.. . فإن له معيشية ضنكًا، كما ينطق بذلك صريح قوله تعالى: ﴿ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ (1) تفسير السعدي ص454 بتصرف
عدد الصفحات ١٨٩- 151 - ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﴾[123-126]، قوله" فمن اتبع هداي" أي: رسو لي وكتابي "فلا يضل ولا يشقى " قال ابن عباس رضي الله عنهما : من قرأ القرآن واتبع ما فيه هداه الله من الضلالة، ووقاه سوء الحساب، ولقد ضمن الله لمن اتبع القرآن أن لا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة، ثم قرأ هذه الآية. و عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: المعيشة الضنك: أن تضيق عليه أبواب الخير فلا يهتدى لشيء منها، وله معيشة حرام يركض فيها (1). الضابط الثالث: تغيير واقع الأمة في تعاملها مع القرآن الناظر في حال أمتنا اليوم مع القرآن الكريم يجد أمراً عجباً ، حيث يلحظ أن كثيراً من أفراد أمتنا اتخذوا القرآن غرضاً للتبر ك ، أو ابتغاء الأجر والثواب فجعلوه في بيوتهم وحوانيتهم وسياراتهم لجلب البركة والخيرات ، ودفع الشرور والمضرات ، بل علّقوه في رقاب صبيانهم لدفع الأذى عنهم ، وفي بعض رقاب بناتهم لجلْ ب الخطّ اب والأزواج ... وافتتحوا به مجالسهم وأحفالهم لأجل هذه الأغراض أو ما يق ترب منها. وجلر هم – إلا من رحم ربي – أبعد ما يكون عن التفكّ ر في الآيًت والوقوف معها ومعرفة تفسيرها ، ومن ثم تطبيقها وتنفيذها . ( فإذا انتقلنا إلى مراكز وحلقات تعليم القرآن الكريم، رأينا أن الطريقة التي يُ علَّم بها يصعب معها استحضار التدبر والتذكر ، إن لم ي كن مستحيلاً .. فالجهد ك له ينصب على حفظ الحروف و ضوابط الشكل من أحكام التجويد و المخارج ، وكأننا نعيش (1) زاد المسير في علم التفس لابن الجوزي 3/151.
عدد الصفحات ١٩٠- 111 - المنهج التربوي المعكوس ... فالإنسان في الدنيا كلها يقرأ ليتعلم ، أما نحن فنتعلم لنقرأ! لأن الهمّ كله ينصرف إلى حسن الأداء و إتقان الشكل، وقد لا يعيب الناس عليه عدم إدراك المعنى قدر عيبهم عدم إتقان اللفظ . ونحن هنا لا نهوّن من أهمية ضبط الشكل ، وحُسن الإخراج ، وسلامة المشافهة، ولكننا ندعو إلى إعادة النظر في الطريقة حتى نصل إلى مرحلة التأمل والتدبر التي ينبغي أن تترافق مع القراءة ..)(1.) وهذا بلا شك لم يكن وليد اليوم ، بل هو حصاد موروثات قديمة من التعامل الخطأ مع القرآن امتدت لعدة قرون سابقة، ابتعد فيها المسلمون شيئً ا فشيئً ا عنه وعن دوره في التوجيه والتأثير وقيادة الحياة، فحُصر دوره في كونه مصدراً للتبرك، والأجر والثواب فقط، وأُ طلق مصطلح "أهل القرآن " على حفّ اظ حروفه فقط، وأصبح المقصد من تعلّ م القرآن وتعليمه هو تعلّ م أحكام تلاوته ومخارج حروفه والاقتصار على ذ لك(2) دون التطلّع إلى ما سواه مما هو أعظم أثراً وأكثر نفعاً بإذن الله تعا الضابط الرابع: مواكبة العصر في التربية القرآنية بما يحقق النفع. وحتى يتحقق لنا هذا الضابط أرى أنه ينبغي محاولة الالتزام وتحقيق ما يلي:- أولاً: العودة بالأمة إلى منهج السلف الصالح في التعامل مع القرآن ، وذلك أن السلف الصالح أخذوا القرآن علماً وعملاً ، فكانوا يحفظونه عشراً عشراً ، ولا يجاوزون عشراً إلى غيرها إلا بعد حفظها وفهمها وتطبيق ما فيها من أوامر ، والانتهاء عما تحتويه من نواهٍ ، وقول أبي عبد الرحمن السلمي في هذا الشأن محفوظ مشهور . (1) كيف نتعامل مع القرآن للشيخ محمد الغزالي ص 12 بتصرف ، من مقدمة د/عمر عبيد حسنة لهذا الكتاب (2) اتجاهات التفسير في القرآن الرابع عشر د/ فهد الرومي 1/15 بتصرف
عدد الصفحات ١٩١- 111 - فما المانع أن نطبّق هذا المنهج في مدارسنا ومساجدنا وحلقاتنا ، ودور تحفيظ القرآن لدينا ؟! نعم هناك بعض العقبات قد تعترضنا ، كالوقت والمعلّمين المؤهّلين والطلاب المستعدين ... لكن الله تعالى يذلل كل صعب ما خلُصت النوايً ، وتضافرت الجهود ، وتصافت القلوب ، وتلاقت الآراء على ما فيه الخير للعباد والبلاد. ثانياً : هذا المنهج يستلزم إعادة صياغة التفسير بتنقيته من جميع الشوائب من الإسرائيليات والضعيف والحشو اللغوي والإعرابي... والاقتصار فيه على أر جح الأقوال، وتقديمه بصورة سهلة سلسلة تفهمها عقول الناشئة وغيرهم ، مع التطبيق عشراً عشراً لمن هم فوق ذلك ، مع متابعتهم وتحفيزهم ماديًً ومعنويًً نحو المواصلة، ولعل من حسن حظ جيل اليوم من الناشئة وغيرهم أن قام كرسي الملك عبدالله ل لقر آن الكريم بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بإعداد موسوعة قيمة ج دّ طيبة نافعة في هذا المجال، وهي موسوعة "بهجة القرآء في تفسير القرآن وتدبّره على منهج السلف" وهي ج دّ طيبة نافعة بأسلوبها الجيّد الجديد الشيّق، وإني لأحمد الله تعالى أن منّ عليّ وجعلني واحدًا من فريق إعداد هذه الموسوعة التي طُبع منها الجزء الأول، وتتوالى بقية الأجزاء إلى ختام القرآن الكريم بإذن الله تعالى. ثالثاً : إقامة دورات تدربية للمعلمين في هذه الدور للتدريب على هذا المنهج وهضمه ، و كيفية التعامل به، ومن ثم تطبيقه وتنفيذه ، كل في حلق ته . رابعاً : تكثيف الجهود الدعوية بمختلف أنواعها من خطب ومحاضرات وندوات ولقاءات علمية ومؤتمرات ، ومختلف وسائلها من اللقاء المباشر أو الإلكتروني السمعي والمرئي ، وعبر قنوات التواصل الاجتماعي ..ونحوها لبيان أهمية توجّه الأمّة نحو المنهج التربوي القرآني مع ح سن العودة إلي هذا المنهج السلفي المبارك ، والأخذ على أيدي
عدد الصفحات ١٩٢- 112 - أبنائهم للانتفاع بهذا النهج الجديد ، فمن المعلوم بداهة أن آخر هذه الأمة لن يُصلَح إلا بما صلح به أولها . خامساً : توزيع حفظ وفهم أجزاء القرآن الكريم على المرحلة الابتدائية لينهي طلابه ا القرآن حفظاً وفهماً - ولو الغريب فقط - بنهايتها ، ثم يبدأون رحلة جديدة لل مراجعة في المرحلة المتوسطة (الإعدادية) ويكملون رحلتهم في الثانوية ، ثم تربط سنوات الجامعة والتخرج فيها باكتمال مراجعة حفظ وفهم القرآن الكريم ، وحتى نضمن عدم انس لاخ الأبناء من القرآن بعد التخرج أقتر ح أيضًا ربط بعض الوظائف والترقّ ي فيها بحفظ القرآن الكريم وتفسيره، ولا شك أن دور الأسرة في ذ لك كله في غاية الأهمية و الفائدة. الضابط الخامس : التركيز على إبراز التفسير الاجتماعي التربوي. وفي هذا الضابط مسألتان : المسألة الأولى: المقصود بالتفسير الاجتماعي التربوي، ولمحة موجزة عنه. يُقصد بالتفسير الاجتماعي في أبسط تعاريفه أنه : هو التفسير الذي يُ عنى بإصلاح المجتمع وتشخيص عيوبه ومشاكله ثم علاجها على ضوء القرآن الكريم ، مع التركيز على كون القرآن نازل للهداية والرحمة (1) . ولا شك أن هذا التفسير سيركّ ز على تجلية الآيًت القرآنية التي تتعل ق بالأسرة والمجتمع والتربية ونحوها، ويسقط الآيًت على الواقع، مُشخّ صًا الداء، وواصفًا الدواء القرآني الناجع بإذن الله تعالى، مع التركيز على هدايًت القرآن في هذا الجانب وإظهارها للناس بصورة سهلة سلسة. وعن هذا التفسير يقول صاحب المنار : (1) اتجاهات التجديد د/ محمد شريف ص231.
عدد الصفحات ١٩٣