جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 128 وإنَّ ها أيضا أصول كالمثل تماما فتبنى عليها القياسات والاعتبارات، يقول ابن تيمية في معرض حديثه عن الأمثال: "ونظير ذلك ذكر القصص، فإنها كلها أمثالٌ هى أصول قياسٍ واعتبار، ولا يمكن هناك تعديد ما يعتبر بها، لأن كل إنسان له فى حالة منها نصيب، فيقال فيها لَقَدْ كَانَ ف ي قَصَص ه مْ ع بْرَةٌ لأِّ وْ ل ي الأَلْبَاب [ }111]فَاعْتَب ر وا يَا أ ول ي الأَْبْصَار 2]قَدْ كَانَ لَك مْ آيَةٌ ف ي ف ئَتَيْن الْتَقَتَا إ نَّ ف ي ذَل كَ لَع بْرَةً لأَّ وْل ي الأَبْصَ ار13]، والاعتبار هو القياس بعينه، كما قال ابن عباس لما سئل عن دية الأصابع فقال: هى سواء، واعتبروا ذلك بالأسنان، أى : قيسوها بها، فإن الأسنان مستوية الدية مع اختلاف المنافع، فكذلك الأصابع، ويقال : اعتبرت الدراهم بالصَّنْجَة إذا قدرتها بها" (166). وذلك أنَّ كلا ً منهما ي قاس عليه ، فضرب القصَّة إنَّما هي ضرب مثل، لكن بطريقةٍ غير مباشرةٍ قصصيَّة ، وبالتَّالي نخل ص إلى أنَّ القرآن هو المجمع الربَّاني لأمثال المعاني ، فالمعاني هي محلُّ الأحكام والعبر دونَ الألفاظ ، بيد أنَّ من براعة التعبير القرآني جعل ه المثل اللغوي ذا عبرة وحكمٍ مفيدَين، إذ لم يورده دائما إلاَّ في سياق الاعتبار، كما هو الشَّأن في القصة القرآنية؛ فرقَّاه بذلك من وجهٍ خفي بأمثال المعاني، فلم يكن إذن في كتاب الله من الأمثال سوى ما تفيد عبرة وحكما وحكمَةً وعلما وموعظة وترغيبا وترهيبا ، على نحو الق صَّة التي لمَّا جمعها الله تعالى نصبَ حرف القاف فقال : {} بفتحته إلى الفتح الآتي من تقصي الأمور المفضي إلى جَني الع بر ، وذلك مفقودٌ في كسر القاف لو قال الق صص فجَرَّها ! وصدق أحمد شوقي حينَ قال : ولو آبتْ ثواك ــل كــلِّ قَ ـرْنٍ ** وجَدْنَ الشمسَ لم تَثْكَل ش عاعا . ولكن تضرب الأمثال رشداً ** ومنهاجــاً لمــن شــــاءَ اتِّباعا . وتأمل كيف أن الله تعالى بين بأنه ن زل أحسن القصص، وفي الأمثال بين أنه ضرب للناس من كل مثل، فهناك بيان الحسن، لأن القصص كثيرة جدا، ولا يحيط بعددها إلا رب 166- ابن تيمية " مجموع الفتاوى"، ج14/58.
عدد الصفحات ١٢٩جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 130 العالمين الذي يحيط بكل شيء، بل التاريخ أجمَع ه من فجره إلى منتهاه إنما هو تجسيد حي لقصة الإنسانية في دهرها كله على ما اقتضاه تقدير الله عز وجل، لكنه سبحانه قص على عباده في كتابه الخالد أحسن القصص بفنية قرآنية ليس هناك م ا يضاهيها في الوجود ، والأمثال بالمقابل تجمع كل التصويرات الأصولية والمعاني الكليَّة والعبر الأساسية فتحيط بكل الحدود. ولما كانت الشريعة قد جاءت بمنهاج متكامل وتفصيل دقيق للقضايا والأحكام، وكانت شاملة لكل الناس تعم الخلق أجمعين، وتوضح لهم المحجة بلا استثناء، وعلى أحسن وجهٍ وأفضله، وأزكى بيانٍ وأشمله، لما كانت كذلك صار المثل مواز لها تمام الموازاة فهو يعطي للناس الصورة المثلى للشريعة الإسلامية برمتها، وفي كافة جوانبها ومناحيها، ويصور لك التوحيد لرب العبيد، ويجلي لك شرع الله تعالى وحدوده كما ورد في سورة النور حين ضرب المثل لهدايته بعد أن ذكر ح د القذف ونهى عن الزنى وتلكم عن آ داب السترة والحجاب والاستئذان، ورغب في الزواج ودل على الاستعفاف لمن لم يجد حتى يغنيه الله من فضله، وبين طائفة صالحة من الأحكام التطبيقية المتعلقة بالعمل بشرع الله سبحانه؛ بعد ذلك ضرب المثل لما سبق ذكره بقوله م صْبَاحٌ35]، وهكذا كل ما أتى به الإسلام من تنزيل يخضع له القلب واليد واللسان، أعطى الله تعالى الإنسان منه المثل لكي يجلو البيان من ناحية التقرير، كما يجلو من ناح يَة التصوير. ثم تأتي القصة لتكون للْذان التي تريد الخير والاعتبار سردا متماوجا متَّسقا، قد يحمل المثل في طياته ويمضي، وقد ينتهي دونه، ويمهد الطريق إليه. ب ) التشاكل الضدي: تحمل القصة عنصر التشويق والإثارة، وتبين أنَّ المعاني الدعوية التي جاءت بها الشريعة تتأهل لأن تطبق على أرض الواقع وأنها ليست خيالا لم يمكن تحقيقه، فتجسد بذلك منهج حياة تطبيقي لمن يريد الاهتداء فيجد في أشخاص القدوة والاحتذاء، لاسيما بالصالحين والأنبياء، ويأخذ العبرة من الهالكين من ذوي الاستكبار والجهل والعناد ممن يحيق بهم مكرهم ويؤولون إلى البوار، إذ النفس مجبولة على التأسي بغيرها، والاعتبار بما يحدث من حولها.
عدد الصفحات ١٣٠جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 131 فعنصر الإثارة والتشويق يكون في القصة ظاهرا ظهورا لا يكون في المثل شيء يكافئه أو يساويه، وإن كان في بعض الأمثال القصصية ما يقاربه ويدانيه، كقصة صاحب الجنتين وقصة الذي آتاه الله آياته فانسلخ منها. ثم إنَّ القصص لمَّا كانت لا تحد بعدد، وكانت من مصادر أخذ العبر قال تعالى نَق صُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَص ب مَا أَوْحَيْنَا إ لَيْكَ هَذَا الْق رْآَنَ وَإ نْ ك نْتَ م نْ قَبْل ه لَم نَ الْغَاف ل ينَ [3]فاقتصر على الأحسن جمعا لشتات العبر في ك لِّ قصَّةٍ وجدت و يمكن أن توجد، وهذا فنٌّ من البلاغة في الاختصار الكلِّي للطَّريق وصولا بالمخاطب إلى المقصود من أقرب مأخَذٍ وأسهل مضرَبٍ و أسرَع وجه ، فالمعتمد ليس هو الكثرة القصصيَّة إنَّما ما تشتمل عليه من فوائد ، من هنا كان الحسن في بعضها بل في واح دَتها مغنيا عن كثرتها، لذلك قيلَ إنَّ سورة يوسف التي هي أحسن القصص جمع الله فيها ك لَّ العبر التي تستفاد من فتن الدين والدنيا. في حين أنَّ المولى جلَّ جلاله لمَّا أتى إلى المَثَل قال ا ل لنَّاس ف ي هَذَا الْق رْآَن م نْ ك لِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَر النَّاس إ لاَّ ك ف ورًا 88 .] فلم يقتصر كشأن القصص على أحسن امثال، بل ضرب للناس من ك لِّ مثل، وإمعانا في إبلاغ هذا المعنى المكوِّن لنظرية المثل في القرآن؛ آثر الله اختيار لفظين دالَّين على هذا المعنى الكلِّ ي أحد ه ما يد لُّ على الكثرة وثانيهما يد لُّ على الشُّمول. فالأوَّل: قوله : {صَرَّفنا} و معنى الصرفتوجيه الشيء إلى ناحية وإبعاده عن ناحية أخرى، والتصريف نسبه إلى نفسه لتقييده بالتصرف الإلهي المنبثق عن حكمةٍ . بيدَّ أنَّ الميزان التفعيلي لكلمة فيحمل في مضمونه كثافة معنوية توحي بعدم ترك شيء إلا وكان منه مثل، هذا من جهة، ومن جهة ثانية الكلمة بما تحويه من عمق دلالي وشساعةٍ بيانية؛ هي بمكانة الم قَ دِّ م للجملة التي بعدها، والممهد لكلمة الثاني: قولهوالكلية تعني الشمول والإحاطة دون مغادرة شيء صغيرا كان أو كبيرا.
عدد الصفحات ١٣١جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 132 إن اللَّفظ مفيدٌ من ناحية الكيف إذ التصريف يحتاج إلى كيفيَّة، وإلى صياغة دقيقة للمعاني وطر ق توظيفها في الألفاظ ، وهو الأمر الذي يعجز عنه البلغاء من عباد الله ، لذلك ناسب ذكر الآية بعد قوله تعالى متحدِّيا إيَّ اهم بل جميع الإنس والجن قائلا{ : وَالْج نُّ عَلَى أَنْ يَأْت وا ب م ثْل هَذَا الْق رْآَن لاَ يَأْت ونَ ب م ثْل ه وَلَوْ كَا نَ بَعْض ه مْ ل بَعْضٍ ظَه يرًا } [88 . ] وقال: {هذا القرآن } و لم يقل القرآن لأنَّ ذكر لفظ الإشارة {هذا} أمكن في المعنى و أحسن في البيان ، لدلالتها على الشَّأن العظيم للمشار إليه و هو القرآن كمثل قوله تعالى وَرَاوَدَتْه الَّت ي ه وَ ف ي بَيْ ت هَا عَنْ نَفْس ه 23] أَحْسَن إ نَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغ بَيْنَه مْ 53] " التي " أمكن و أدَلُّ و أحسَن. أمَّا لفظة " صرَّفنا " فمرَّة قال تعالىي هَذَا الْق رْآَن ل لنَّاس م نْ ك لِّ مَثَلٍ وَكَانَ الإْ نْسَان أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً 54]53 من سورة الإسراء قال تعالىوله: {: { القرآن}. وبلاغة ذلكأنَّه قدم المرسل عليه على الرسالة، لأنها في الأصل ما جاءت إ لا لأجله كيما تهديه لأقوم طريق، وأهدى سبيل. وفي قوله تعالى: {للناس} ولم يقل للمؤمنين دليل على أنَّ الأمثال م ضروبة للجميع مؤمنهم وكافرهم، وبالتالي فهي كاملة في ذاتها كما وكيفا، شاملة فيمن توجَّه إليهم، وهاهنا لفتة؛ هيَ أنَّ الأدَب ينبغي أن يشترك في ه جميع النَّاس لا خاصَّتهم ، وأنتَ ترى الأمَّة العربيَّة والإسلاميَّة اليوم، كان من أسباب سقوطها حضاريا ومدنيا تخلف ها الأدبي ، وصيرورته أدبا أرستقراطيا لا شعبيا ، فهو موجه لطبقة خاصَّة و ليس شاملا للشَّعب كله (167. ) وهذا اللَّفظ يجسِّد ناح يَةَ الكيف كما جسد الذي قبله ناحية الكم لبيان أنَّ الأمثال القرآنيَّة تامَّة في نظريَّ تها إذ النظريَّة لا تكتمل و تلتئم أجزاؤها حتَّى يتحقق فيها الأمران ، فالكمُّ يمثِّل الجسد و الكيف يمثِّل الروح، والروح مقدَّمة و أعلى شأنا من الجَسَد، لذلك ترى الله س بحانه قد قدَّم ذكرَ الكيف على ذكر الكم اهتماما بشأنه معبِّرا عن ك لٍّ بلفظٍ دقيق بليغ يد لُّ عليه . 167- أحمد أمين "التجديد في الأدب"، مجلة الرسالة، سنة1833م ، العدد السابع،ص 6.
عدد الصفحات ١٣٢جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 133 فلمَّا أعجز القرآن الثقلين أن يأتوا بمثله و لو تعاونوا وتظاهروا؛ أشار تعالى إلى آية ذلك وبرهان ه، وهي في المثل القرآني ؛ فالمثل وحده لن يستطيع الجن و الإنس أن يأتوا بتطبيقاته البالغة حدَّ النَّظر يَّة كما وكيفا بحيث لا تفوت ه م جزئيَّةٌ من جزئياته لأنَّ علمهم مهما كان فهو محدودٌ ، وصدق الله القائل في نفس السُّورَة التي تحَ دَّى الثقلين فيها قبل آيتين فقط من ذ كْر التحدِّي{ :م إلاَّ قلي85]. ثمإنَّ ال قصَّة في تشاكلها الضدي مع المثل، حين تؤدي هي دور الإقناع الخبري الذي لا دخلَ للعقل فيه صنعا وإنتاجا؛ يؤدي هو دور الإقناع العقلي بيانا واحتجاجا. إذ القصة تاريخ واقعي لا دخل للعقل في تكوينه بل في فهمه وتبيينه، بخلاف المثل القائم على ما يشاء الممثِّل من اختيار صور الأمثال ليضربها للمتلَقِّين، وقد صدق الرافعي حين قال: "العقل ينتج في كل العلوم فيصلحها إلا في التاريخ فإنه يفسده إذ لا تنتج فيه إلا المادة، وإذ حاجته إلى العقل المفسر منه لا إلى العقل المنتج فيه" (168.) التعالق الواقعي والمتخيل: في المثل كما في القصة مواطن فراغ هي سكتات مقصودة معهودة تركها القرآن وهي نوعان: النوع الأول: سكتات تركها التعبير ثقة منه بأنه قدم للمتلقي ما ي مَ كِّ ن ه من فهمها، فهي أشياء حقيقية بيد أن القرآن أشار إليها ليستخرجها العاقلون وأولو الألباب دون أن يوضحها بالنص، فهي من المعاني التي تعتمد على آلة الفكر في الاستنباط، وذلك كقوله تعالى قَال وا لَي وس ف وَأَخ وه أَحَبُّ إ لَى أَب ينَا م نَّا 8] فلان، بل نسبوه إلى يوسف، بمعنى أنه أخ له هو، مما يشي بكامل معنى الأخوة بينهما، ويستلزم في الوقت نفسه نقصان الأخوة بينه وبينهم، وأنه ليس أخ لهم أخوة كاملة من جميع جهاتها، فذلك شأنه مع يوسف لا معهم، وبالتالي فهو دليل على أنَّ أباهم كان متزوجا من امرأةٍ أخرى وهذان ولداها، فهما إذن؛ أخوين لهم من أبيهم فقط، لذلك بمجرد الضمير المتصل "الهاء" في قوله 168- مصطفى صادق بن عبد الرزاق بن سعيد بن أحمد بن عبد القادر الرافعي (ت: 1356هـ) "تحت راية القرآن" نشر المكتبة العصرية، صيدا، بيروت، ط 1،1423 هـ2002م، ص207 .
عدد الصفحات ١٣٣جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 134 لها ولدان هم إخوة لهؤلاء المتواطئين على أمرإبعاد يوسف عن أبيه يعقوب عليهما أفضل الصلاة وأتم التسليم. وفي المثل يقول الله تعالىلريح في يومٍ عاصف 18] وأسباب وجود هذه الأعمال الرمادية، إنَّما هو نياتهم النارية، وطويَّت هم الجهنم يَّة، فَذ كْر الرماد يستلزم الدلالة على مسكوت عنه هنا، وهو نوايا أصحاب هذه الأعمال، فإذا كانت رمادا فالنيات نيران، لأنَّ النار وحدَها التي يتولد عنها الرماد. إنَّ التمثيل بالغ الدقة في التصوير، إذ النار أشد سوءًا من الرماد لكونها حارقة بخلافه، وكونه أدنى منها ضرار، لأنَّ أسباب الباطل أشد من الباطل نفسه، والأعمال مهما اشتد سوؤ ها إلاَّ أَ نَّها لا تبلغ مبلغ النيات السيئة، لأنها إنما عنها تتولد، وهي بالقياس إليها كالم سَبَّب مع السَّبَب، وما كانت الأعمال بكل ما فيها من ضرر ولأواء، وخطر وبأساء ومفاسد؛ إلاَّ لأنَّ النية بعثت صاحبها على إحداثها، وعزمت على جوارحه لمقارفتها، فهي أشدُّ وأفسَد وأنكد . لذلك لم يقل أعمالهم كنار عظيمة أطفأتها الريح فلم تعد شيئا، كلا؛ بل ذكر المسَبَّب الذي هو التنيجة المترتبة عن السبب، وهو سوء النية، فذكر الرماد وترك المتلقي يتخيل عظم جرمهم الباطني المنطويَة عليه قلوبهم، من سوء الإرادة وخبث السريرة وجهنَّم يَّتها، وهذا استدلال بالأثر (= الرماد) على المؤثر (= النية الفاسدة) من باب الدلالة بالأولوية، إذ مادامت الأعمال رمادا؛ فالنيات أكثر سوادا، إنَّها غليانٌ صدري يثور ويمور ويلتهب، والخيال له المجال لأن يتصور عظم هذه النار الباطنية العالية، وذاك اللَّهيب المعنوي الفادح، وهذا ما يدفعني لأن أقول ولو حس نَت نواياهم لسادوا *** ولكـن أعلنـوا شـرا فبادوا. تَسَــوَّدَ فعله ـم لسَـواد قلبٍ *** ولولا النَّـار ما كان الرماد.
عدد الصفحات ١٣٤جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 135 والنوع الثاني سكتاتٌ وضعها القرآن بحيث لا تشعر بها غير أنها موجودة، هي بمكانة مناطق فارغة يشتغل عليها الخيال ليعمِّرَها بما يريد، فأنت حين تقرأ سورة يوسف عليه الصلاة والسلام مثلا، تجد هذه المواطن كثيرة متعددة، فالله تعالى يقول فَلَمَّا ذَهَب وا ب ه وَأَجْمَع وا أَنْ يَجْعَل وه ف ي غَيَابَت الْج بِّ وَأَوْحَيْنَا إ لَيْه لَت نَبِّئَنَّه مْ ب أَمْر ه مْ هَذَا وَه مْ لاَ يَشْع ر ونَ * وَجَاء وا أَبَاه مْ ع شَاءً يَبْك ونَ * قَال وا يَا أَبَانَا [ }15-16-17] في الجب، إلى حين حلول العشاء يمكن المتلقي أن يتخيل ما يريد مما يقترب من واقع الحال، كتفكيرهم في وضع الدم على القميص، وكونهم كانوا إلى تلك الساعة لا يزالون في تشويشهم وهلعهم كونهم لم يفعلوا شيئا مثل ذلك فيما سبق، حتى إنهم نسوا أن يقطعوا القميص ويمزقوه ليتم تصديقهم بأن الذئب أكل يوسف عليه الصلاة والسلام، وإلاَّ فالذئب يستحيل أن يأكل إنسانا دون تمزيق ثيابه. ثم يقول تعالىوَجَاء وا عَلَى قَم يص ه ب دَمٍ كَذ بٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَك مْ أَنْف س ك مْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَم يلٌ وَاللهَّ الْم سْتَعَان عَلَى مَا تَص ف ونَ ( 18) وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَل وا وَار دَه مْ فَأَدْلَى دَلْوَه } فمن تلك الليلة التي قال فيها يعقوب صلى الله عليه وسلم جاءت السيارة، فتستطيع أن تتخيل كيف قضى يوسف عليه الصلاة والسلام ليلته في البئر، وكيف كان حاله إلى أن جاء البدو الر حَّل يسقون كل ذلك زمن طويل طواه القرآن بسرعة وفتح مجال الخيال للمتأملين، ولذوي الإحساس من المشفقين، الذين يقولون يا لله ماذا كان حال الطفل وهو صغير في جوف بئر وقد غربت عليه الشمس وحل عليه الظلام وهو دون أكل أو طعام، فتذهب العواطف حينئذ كل مذهب وتعلو وتستثار. ثم يقول تعالى عن السيارة فَأَرْسَل وا وَار دَه مْ فَأَدْلَى دَلْوَه قَالَ يَاب شْرَى هَذَا غ لاَمٌ وَأَسَرُّوه ب ضَاعَةً وَاللهَّ عَل يمٌ ب مَا يَعْمَل ونَ ( 18) وَشَرَوْه ب ثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاه مَ مَعْد ودَةٍ وَكَان وا ف يه م نَ الزَّاه د ينَ } { طويلة عريضة من الجغرافيا والزمن على السواء، فمن وقت أن عثروا عليه في غيابات الج ب، إلى أن قطعوا تلك الرحلة الشاسعة حتى وصلوا أرض مصر فباعوه لعزيزها، في كل هذه المرحلة يستطيع المتلقي أن يتصور كيف عاملوا يوسف عليه الصلاة والسلام باللين لاسيما وقد قال واردهم
عدد الصفحات ١٣٥جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 136 حتى بلغوا به ذلك السوق الذي رآه فيه العزيز فاشتراه لمرأته، والمتلقي حر في ذلك لأن القرآن قد فتح له باب الخيال كي يتخيل ما يشاء وفق تصور لا يخرج عن حيثيات القصة ولا يخالف سبيلها أو يعارض ما يستوحى من أجوائها. ففي قوله تعالىالرعد: 14] وذكر الماء، وترك للمتلقي حرية التصور فالماء ماء حوض أو ماء بئر أو ماء نهر، والرجل واقف أو منحني، بيد أنَّ تعريف الماء بالألف واللام يشي بكثرته وامتداد رقعة ساحته، فكأنه النهر أو البحيرة الكبيرة، كما أن توهم الرجل أن يبلغ الماء فاه بمجرد بسط كفيه يشي بأنه واقف ينظر ما لا يكون!، وبذلك يصب ح ت صور الوقوف أولى، وأكثر التقاءً مع المراد الذي يتجسَّد في توضيح البعد الكبير بين الوسيلة التي يستعملها الرجل وبين الغاية التي يريد إدراكها، لأنَّ تصوره واقفا يجعل الأمر أبعد من تصوره منحنيا، وهذا أحرى بأن يلتقي مع المقصود الحقيقي للقرآن، وبيانه الشفيف، وتصويره العالي الدقيق. وفي قوله تعالى17] ظلمات هذه، إنه يمكن تأويلها بأي من أنواع الظلام المتعددة، ومجال الخيال مفسوح للناظر، كما يمكن تفسيرها بما أتى بعدها وهو قوله تعالىون 18] والتقدم في طريق الضلال، حتى إنَّ المنافقين لا يرجعون، بل مَن يرجع تكون سهام الاتهام بالرجعية له بالمرصاد !، فلا بد للواحد منهم أن يفكر في الرجوع وإلاَّ بقي في ضلاله، واستقر في بطن الظلمات التي تنادي بوباله ومغَبَّته، والمتلقي يتخيل ما يعيشه القوم من حيرة وظلمةٍ وتلدد. وفي قوله171] لحرف "ما" الموصولية التي تفيد العموم، فتشمل البقر والغنم والمعز والإبل، فتخيل ما تشاء من هذه الأنعام، فإنَّك على مجالٍ يصدق فيه أي صنف من عموميات المراد، وهاهنا قال { الصوت دون فهم مقاطع الحروف ومقاصد الكلمات؛ إنَّما هي كائنات لا عقل لها ولا
عدد الصفحات ١٣٦جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 137 بصيرة، فناسب أن يختم المثل بنفي العقل، ليحصل الانسجام، والاتساق في نظم الكلام، ويكون آخر المعنى امتدادا طبيعيا لأوَّله. وفي قوله ك لَّ ما ي مكن أن تحتويه تلك الجنة من أنواع الأشجار والثمار والجداول، ولك الحرية التامة فيما لا يخالف الواقع الكوني والقرآني؛ في ان تسرح بخيالك لتصور ما تكون عليه الجنة من ناحيتها الشكلية البرانية حتى أنك تجعل لها الأبواب والأسوار، وتبني فيها بفكرك دارا من الديار التي يسكنها صاحبها إذ عادة ما يكون السكن بجانب البستان، لاسيما إذا كان قائما فوق ربوة تحتاج إلى ارتقاء وعلو، ونزول وهبوط، فالمرء يبني بيته فيها ولا ي حوج نفسه للمشقة الزائدة المضاعفة في تكلف الطلوع والهبوط، خاصة وأنَّ له ذريةً ضعافا يخاف عليهم فيجعلهم بجانبه، ولا يذهب لجنته ويتركهم بل يجمع بين الأمرين ويقيم المنزل في مكان العمل، ويؤكد كل هذا أنَّ جنة كتلك من البهاء والجمال والروعة تحتاج من خادمها إلى لبثٍ ومكوث. وبجانب الجنة انظر إلى الحرث، إلى الفلاحة، في المثل الذي يقول الله تعالى فيه ريح أصابت حرثَ قومٍ ظلموا أنفسهم فأهلكته عمران: 117] خيالين، فهو حر في تصور ذلك الحرث وكيف هو وما هي صفاته ومساحته، وح رٌّ في تخيل الحالة التي صار عليها بعد أن أهلكته ريح فيها صرٌّ فأودت به وجعلته حطاما، ونكتة ذلك أن يلاءم هذا الإغفال في بيان ماهية الحرث ومآله؛ كل التصورات الإ نسانية التي تضيق وتتسع، وتصغر وتتراحب. وبالمقابل للخيال تجد الواقعية الدقيقة الماثلة، ففي قول الله تعالى:{ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاه م نَ السَّمَاء فَاخْتَلَطَ ب ه نَبَات الأَْرْض فَأَصْبَحَ هَش يمًا تَذْ ر وه الرِّيَاح وَكَانَ اللهَّ عَلَى ك لِّ شَيْءٍ م قْتَد رًا 45] وهكذا الحياة الدنيا إنَّما هي في جوهرها نكرةٌ لا تأخذ من الحياة حقيقتها الكاملة، إذ هي موطن عبور بل هيَ محلُّ اختلاط لا صفاء فيه إلاَّ مخايلَ باهتة سَرعان ما تزول. وفي قوله تعالى: {
عدد الصفحات ١٣٧جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 138 بها، فقد جعل نبات الأرض هو الذي يختلط بالماء وليس العكس، مع أنَّ الاختلاط صفة للماء لا للنَّبات، لإثبات أنَّ الناس هم سبب هذا الاختلاط، إذ الدنيا مجرَّد زمن وهي دهرٌ عابر والزَّمن لا فعلَ له، فتشبيهه بالماء لا يعني تغيير طبيعته لاسيما وهو الم شَبَّه هاهنا، فالمشبه به الذي هو الماء لا يعني أنَّه يشبه ه في كلِّ شيء حتى في كونه يوصف بالاختلاط ، فدرءً لهذا الإيهام، وصَونًا من التعبير القرآني لحقائق الأشياء حتَّى لا تتبَدَّل عن طبيعتها كما هيَ في الواقع؛ نَسَبَ الاختلاط لنبات الأرض كونه سببا في الاختلاط المذكور، وهذه لفتةٌ عظيمة، و إيحاءٌ شعوري علمي وفائدة جليلة؛ فالمتأمِّل في دقة كلام القرآن يجد الوسطيَّة العظمى فيما تتسابق فيه خيول العقول، ومعلوم أنَّ صريح المعقول هو دائما موافق لصحيح المنقول من نصوص القرآن والس نَّة، فقد قضى العقل منذ القدم بمذهبين اثنين أحدهما يرفض في النصوص الأدبيَّة الخيال لأنَّه تزوير لا يعكس حقيقة الواقع في مرآة التصوير بل يشوهه ويضفي عليه ويزيد فيه، وهو مذهب أفلاطون في واقعيَّته، والآخر يجنح إلى الخيال جنوحا لا يبالي بقلب للحقائق، وهو مذهب أرسطو في رومنسيَّته العتيقة على اعتبار أنَّ الرومنسيَّة هي مذهب الخيال، فلَمَّا جاءَ النَّص القرآني كانَ ف يصلا عَمَل ي ًا في هذا النزاع ، إذ وازن بين الواقعيَّة والرومنسيَّ ة جاعلا للخيال ميدانا فسيحا لكن بشرط ألاَّ يجنى على الواقع، فإ نه "كثيرا ما يحذف من المثل القرآني مقاطع من الصورة التمثيلية، اعتمادا على ذكاء أهل الاستنباط، إذ باستطاعتهم أن يتصوروا في أذهانهم كامل الصورة وي تمُّوا ما ح ذ فَ منها، وعلى هذا فقد تعرض الصورة الصورة التمثيلية من وسطها، أو من مشهد أخير فيها، وقد ي حذَف العكس، اعتمادا على أنَّ المثل قد ذ كرت فيه الصورة المماثلة لما ح ذف من الم مَثَّل له، فيد ل المعروض في ك لٍّ منهما على المحذوف من صاحبه" (168 .) فقد جعل لك القرآن الكريم بالمعروض هداية إلى المحذوف، ولم يترك المخاطَبَ في حيرة، بل فَ تَ حَ له طريقا من المذكور إلى ما تحت السطور. 168- فواز أحمد زمرلي "مقدمة تحقيق الأمثال في القرآن لابن قيم الجوزية" دار ابن حزم، ط1،1434هـ- 2013م، ص52.
عدد الصفحات ١٣٨جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 138 إنَّ تلك هي الملاءمة القرآنية بين الواقع والخيال في التصوير، سواء في الأمثال أو القصص، بيد أنَّ مساحة الخيال في القصة أوسع على الدوام، وقائم أحسن قيام. والحق؛ أَنَّها مقاربة عسرة على الناس عسرا، ومعادلة صعبة جدا، إنَّها مَركبٌ خطير شديد الوعورة لمن مارس البيان وعانى من وضع التصوير التعبيري في حاقِّ مواضعه، وإنَّه لصراطٌ أدقُّ من الشعرة و أحدُّ من السَّيف يجتاز ه القلم ومعه عقل صاحبه وفكره وحسُّه وعلمه وكل ما يملك من مهارات ليصل إلى جنَّة البيان الراقي الجميل، بيدَ أنَّ تلك هيَ جنَّة القرآن المبين فالواصل إليها لا جرم أنَّه يقف على بابها، ويضع قدميه على جزءٍ من ترابها، وحسبه ملامسة أسوارها، و قطف بعض ما خرج عن السُّور من ثمارها. التعالق العدولي (= الانزياحي): الانزياح (= L'Ecart) مفهوم لسانياتي في ثوب سميائي ، وهو مصطلح ي عَدُّ "من المصطلحات الشائعة في الدراسة الأسلوبية المعاصرة، كما ق دِّ مَ ت غالباً في العالم الغربي، وعلم قائم بذاته ، متوفر على "نظرية متجانسة ومتماسكة" كونها "تستند إلى اللسانيات، واللسانيات الأدبية" على اختلاف تياراتها المتباينة طوراً ، والمتشاكلة أطواراً أخرى" (170.) تعريف الانزياح لغة: يقال "نزح: نَزَحَ الشيء يَنْزَح نَزْحاً ون زوحاً: بَع دَ .. ونَزَحت الدار فَه يَ تَنْز ح ن ز وحاً إ ذا بَع دَتْ " (171). اصطلاحا هو "المروق عن المألوف في نسيج الأسلوب بخرق التقاليد المتواضع عليها بين مستعملي اللغة" (172.) وقد أشار عبد الملك مرتاضإلى أن البلاغيين عرفوا المصطلح باسم التقديم والتأخير 170- مولاي على بوخاتم "مصطلحات النقد العربي السيماءوي-الإشكالية والأصول والامتداد-" منشورات اتحاد الكتاب العرب، دمشق، سنة: 2005م، ص370. 171- محمد بن مكرم بن على، أبو الفضل، جمال الدين ابن منظور الأنصاري الرويفعى الإفريقى (ت: 711هـ) "لسان العرب" دار صادر – بيروت، ط 3،1414هـ، ج2/604 . 172 - عبد الملك مرتاض، شعرية القصيدة قصيدة القراءة، تحليل مركب القصيدة أشجان يمانية، دار المنتخب العربي، بيروت، لبنان، ط1،1881م،ص130، بواسطة المرجع السابق نفسه ص370.
عدد الصفحات ١٣٩جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 140 والاختصاص والحذف والالتفات" (173) . و"يمكن أن يكون عبد الس لام المسدي أول من استخدم المصطلح تحت اسم (الانزياح) ترجمةً عن اللفظ الفرنسي (Ecart) ليعني به تارة التجاوز وأخرى العدول174)، ولكنَّ لفظ الانزياح قد لا يدل على العدول والتجاوز، بل قد لا يدل على ما يلتقي مع المراد من أوجه البلاغة في التعبير، إذ أصل معناه في اللغة هو البعد، بيد أنَّه حتى لغةً ربَّما ع ن يَ به النفاد، تقول: "ارْحَلْ عَنِّي فَلَقَدْ نَزَحْتَني أَي أَنْفَدْتَ مَا ع نْد ي" ( 175)، وربما دل على القلة، يقول "الجوهري: ب ئْرٌ نَز وح قَ ل يلَة الماء " (176.) من هنا كان الأصوب أن توجد له تعبيرات أخرى مناسبة، ولقد عبَّر بعض الباحثين عن الانزياح بالبعد أو التبعيد، فكان الأولى أن يترجموا المصطلح الأجنبي ذاته بعبارة أخرى، لا أن يعمدوا إلى اللفظ المترجم "الانزياح" ليجدوا في اللغة أنه رديف البعد والابتعاد، فيضعوا مصطلح "البعد" و"التبعيد" للدلالة على المفهوم الأجنبي الأول، فهذا بناءٌ على البناء، والأصل العودة إلى المصطلح في لغته الأصلية ليترجم بلفظ يبنيه من يتأهل للبناء على أرضية خاصة خالية فينشئه عليها، لا أن يبني فوق بنايات الغير دون شعور، متوهما أنَّه يؤسس من جديد، والواقع أن ما شاده لم يكن سوى على سطح من السطوح لا على أرض خاوية من الأراضين! وقد بدا للدكتور صلاح فضل أن يسمي المصطلح بالانحراف، وهذا معنى في موضعه جميل، لكن لفظه لا يلتقي مع الذوق بسبيل (177)، فكان فيما أرى لفظ "الانثناء" أو "الانعطاف" بالأحرى، هو الأليق بالتسمية والأجدر بالاصطلاح، لولا أنَّ معناه قاصر بعض قصور يمكن غض النظر عنه لانتفاء المشاححة في الاصطلاحات، وذلك لأنه لا يدل 173- مولاي على بوخاتم "مصطلحات النقد العربي السيماءوي: الإشكالية والأصول والامتداد" منشورات اتحاد الكتاب العرب، دمشق، سنة: 2005م، ص370. 174- المرجع السابق نفسه، ص683. 175- المصدر السابق نفسه 176- المصدر السابق نفسه 177- يقول د. مولاي علي بوخاتم: إنَّ بعض النقاد سمى الانزياح باسم (الفارق) والانحراف والبعد والبعيد ثم الفجوة، والكلمات في أصولها اللغوية مختلفة لأن الفارق بون والانحراف زيغ والبعد جفاء والبعيد ناء والفجوة شرخ "؛ ي نظر؛ كتاب ه السابق: "مصطلحات النقد العربي السيماءوي" ص68 .
عدد الصفحات ١٤٠جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 141 كل الدلالة على "التقديم والتأخير" وعلى "الاختيار البلاغي بين كلمة وأخرى"، مما هو من صلب الانزياح وإحدى ركائزه، فكان مصطلح "العدول" أوسع ما يمكن أن يستقر عليه الرأي في الدلالة على المقصود، لولا إنه هو أيضا مصطلح عربي قديم لا يؤدي كل المؤدى في المصطلح الغربي الحديث، والقارئ العربي قد انطبعت بذهنه تصورات لا يمكن من خلالها أن يتصور على وجه التمام المصطلحات الغربية إذا هي وردت عليه في لفظ له عنده تصوره الخاص، الذي مهما انفك عنه فهو لا محالة يميل بفكره إليه، فيقع في ضبابية وتشويش، وهذا ما راعاه محمود السعران حين قال: "فنأيت عن اختيار المصطلح اللغوي العربي القديم ترجمةً لبعض المصطلح الإنجليزي –كما صَنَع جماعة- وآثرت حين لا أجد المقابل العربي الملائم، أن أستعمل المصطلح الأروبي، وذلك كي لا يختلط التصور العربي القديم بالتصور الأوربي الحديث" (178.) بيد أنَّ العدول أكثر ما يتجسد في معناه المضمون اللغوي العام لا المضمون المصطلحي الخاص، لذلك كان سهلا أن يؤدي معنى أكفضأ من مصطلح الانزياح، وأقدر منه على بيان المراد، وإلاَّ يكن كما زعمت تماما، فهذا لفظ "الانعطاف" أو "الانثناء" بالإصطلاح جدير. إنَّ المثل والقصة يتعالقان تعالقا انزياحيا وثيقا، فأنت ترى الانزياحات الماثلة في القرآن على اختلاف أنواعها متجسدةً فيهما على السواء، وكما ترى الكلام يخر ج عن مسار المألوف إلى وجهٍ آخر من البيان من طريق الكناية أو المجاز المرسل أو العقلي أو الحذف، ويعدل من ذكر كلمة إلى اختيار كلمة أخرى يعطيها الأولوية، ويعدل من ذكر ما حقه التقديم إلى ذكر ما حقه التأخير مراعاةً لمناسبة بلاغية كالاختصاص، فكذلك الشيء نفسه والأساليب ذاتها في القصة أو المثل أو ما شئت من آيات الذكر الحكيم. ففي قوله تعالى في قصة يوسف عليه الصلاة والسَّلام كَظ يمٌ 84] القربة بالماء،وشبه صبره في أمره وتركه الشكوى لغير الله برباط ربط على فم القربة حتى لا يخرج منها الماء،وهذا معنى الكظم، وفي قوله جل ذكره: { 178- محمود السعران "علم اللغة: مقدمة للقارئ العربي" دار النهضة العربية، بيروت، لبنان، بدون، ص6-7 .
عدد الصفحات ١٤١جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 142 أَرْضًا يَخْل لَك مْ وَجْه 8] وفي قوله عز وجل} [82] آم نَةً م طْمَئ نَّةً 112] بذكرها هي فقط لكونها محلا للمقصودين بالسؤال وضرب الأمثال من ساكنيها، وذلك تعالق انزياحي لطيف. إنَّ عدول التعبير من التقرير إلى التشبية المحذوف أحد طرفيه على سبيل الاستعارة، والعدول من التصريح إلى الكناية؛ في ذلك كله انزياحٌ يذهب بالفهم إلى ناحية مغايرة للتعبير العادي يكون فيها الجمال التصويري أوفر ما يكون، مما يثير الأذهان لتحيط بالمعاني فتتحرك وتترك السكون، وتتكيَّفَ مع ميلان المعاني وتتابع سيرها في طلوعها وهبوطها ومكان استدارتها، وتلحقها في سرعتها فتضع الفهوم خطواتها بالمواضع نفسها التي يخطو فيها التعبير القرآني تقدما وانعطافا، وميلا وانثناءً. وفي قوله جل شأنه عن صاحب الجنتين بعد أهلكهما الله تعالى ي قَلِّب كَفَّيْه عَلَى مَا أَنْفَقَ ف يهَا وَه يَ خَاو يَةٌ عَلَى ع ر وش هَا وَيَق ول يَالَيْتَن ي لَمْ أ شْر كْ ب رَبِّي أَحَدًا [42]ة عن الندم البالغ والحسرة العظيمة، فلم يشأ التعبير أن يصرح بذكر الندم أو الحسرة وإنَّما كنى عنهما بصورة بيانية يراها المتلقي تشخيصا باديا مجليا يغنيه عن لفظ الندم ولفظ الحسرة، بل يأتي له بهما ضمن دلالات الصورة، وبفنية أفخم من مجرد ذكرها وأبين في النفس وأوقع في الضمير وأكثر بروزا وأثرا، عدولا من الخطاب عن لون من التعبير إلى لون أزهر وأنور، وأوحى وأغزر، وَفقَ نظامٍ من التصوير يأخذ غير طريق المألوف، ليظهر المراد في أحسن من الكلام الاعتيادي المعروف، بل بانعطافٍ على وجه الخروج عن مذهب من البيان وأسلوبٍ من التبي ان إلى أسلوبٍ ساحر لا تدري كيف انعطف فكشَفَ وأتحف ؛ إلاَّ بعد علمك بمرونته، وبهجتك لانزياحيته. وفي قوله تعالى في المثل الذي ضربه عن الرجل الذي ترك هدى الله واتبع هواه
عدد الصفحات ١٤٢جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 143 عَلَيْه مْ نَبَأَ الَّذ ي آتَيْنَاه آيَات نَا فَانْسَلَخَ م نْهَا فَأَتْبَعَه الشَّيْطَان فَكَانَ م نَ الْغَاو ينَ ( 175) وَلَوْ ش ئْنَا لَرَفَعْنَاه ب هَا وَلَك نَّه أَخْلَدَ إ لَى الأَْرْض وَاتَّبَعَ هَوَاه فَمَثَل ه كَمَثَل الْكَلْب إ نْ تَحْم لْ عَلَيْ ه يَلْهَثْ أَوْ تَتْر كْه يَلْهَثْ 176]فقولهإلى الأرض واتباعه للشهوات الهابطة والملذات السفلية المتدن ية من زخرف الحياة وباطلها. وتأمل كيف عكس التعبير في قوله متبعا، في حين أن الشيطان في العادة هو الذي يتبع المفتونون خطواته، ولكن الواقع هو الذي جرى كما حكاه القرآن، فالرجل كان أصلا كامل القابلية للشرور ذاهبا نحوها، فما كان من الشيطان إلى أن زاده دفعا فإذا هو من الغاوين، إذ في الإنس شياطين كما في الجن، بل أشد، لذلك قدمهم الله تعالى في الذكر لعظم خطرهم حين قالنْس وَالْج نِّ ي وح ي بَعْض ه مْ إ لَى بَعْضٍ ز خْر فَ الْقَوْل غ ر ورًا 112] الواقعة بتقريرها، والسمو بالبلاغة وتحريرها فالانزياح قد يكون مساو للمجاز كما مر، وقد يكون أوسع منه كما مضى، وقد يكون أدنى منه وأقل؛ ففي قوله تعالىوَاللهَّ خَلَقَ ك لَّ دَابَّةٍ م نْ مَاءٍ فَم نْه مْ مَنْ يَمْش ي عَلَى بَطْن ه وَم نْه مْ مَنْ يَمْش ي عَلَى ر جْلَيْن وَم نْه مْ مَنْ يَمْش ي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْل ق اللهَّ مَا يَشَاء إ نَّ اللهََّ عَلَى ك لِّ شَ يْءٍ قَد يرٌ }[45]، وانزياح هنا أدنى من المجاز، فإنَّ "ما" التي لغير العاقل انزاح عنها التعبير، إلىمَ ن} التي للعاقل جاعلا هذه في مكان تلك، لغرض لأجل أن الخطاب متوجه لزمرة العاقلين (178). وفي المثل الذي ذكره الله تعالى عن الصحابة عليهم الرضوان؛ في التوراة والإنجيل، يقول جلَّ ثناؤه{ :28]لم يقل "به" أي بالزرع، بل عدل باللفظ، وبانزياحية لطيفة؛ إلى قصد جماعة العاقلين، لأنَّ الكلام إنما جاء من أجلهم فقال: {أي بالصَّحابة المذكورين في مطلع الآية، فهو يغيظ بهم جميع طوائف أهل الكفر، وذلك هو ما كان من واقع الحال. 178- عبد الملك مرتاض"السَّ بع المعلقات: تحليل انتروبولوجي- سميائي لشعرية نصوصها" دار البصائر، الجزائر، سنة 2012م، ص218.
عدد الصفحات ١٤٣جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 144 ومن المرامي الانزياحية البعيدة السَّديدة في قوله جل ذكره أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض مما يأكل الناس والأنعام24]أنه لم ينسب الاختلاط للماء، وذلك من بلاغته في الإسناد والتركيب، فانزاح بالتعبير لبيان أن الذي أحدث الاختلاط إنَّما هو نبات الأرض مما هو مأكول، كما أنَّ الذي اختلط بالدنيا هم أهلها وليست هي، لكونها مجرد محلٍ للحوادث لا أَثَرَ لها في الأفعال من اختلاط أو غيره، وهي لا تعدو أن تكون زمنا مخلوقا ودهرا جعله الله تعالى مصانا من أن يمتد إليه وصفٌ بسوء، لأنَّ نسبة السوء للمخلوق الذي لا فعل له فيما ع يبَ به يستلزم عَيبَ الخالق الذي جعل فيه ذاك الشيء الذي يعاب وي ذم، لذلك نه ى سبحانه في الحديث القدسي المتفق عليه؛ عن سب الدهر الذي هو الحياة وهو الدنيا، فعَنْ أَب ي ه رَيْرَةَ رَض يَ اللهَّ عَنْه ، قَالَ: قَالَ رَس ول اللهَّ صَلَّى الله عَلَيْه وَسَلَّمَ قَالَ اللهَّ عَزَّ وَجَلَّ: " ي ؤْذ ين ي ابْن آدَمَ يَس بُّ الدَّهْرَ وَأَنَا الدَّ هْر ، ب يَد ي الأَمْر أ قَلِّب اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ" ( 180). وجعل في التعبير القرآني هاهنا انزياحيةً جميلة تبعد المعنى من أن يقصد به نسبة الاختلاط إلى الماء، لأن نسبته له يعود بالنسبة إلى الدنيا التي م ثِّلَت به، ولو من طرفٍ خفي، وإشارة بعيدة، فجاء البيان متحاشيا ذلك تحاشيا دقيقا، يدل على إحكام المعاني إحكاما وثيقا عميقا متراميا ، فالانزياح هاهنا أوسع وأعم من المجاز بدرجة عالية ، لأنَّ ظاهرة الانزياح تتمثَّل في الطاقات الإيحائية للأسلوب بصفةٍ عامة. وحينئذ فقد جسَّدَ القرآن في هذه الانزياحية منهجا في التعبير البارع البديع، ورسَمَ للمتأمِّلين من أهل البيان ؛ الطريق الصحيح المليح الذي تحذو حذوه الأقلام على وجه المحاولة والاتباع، حتَّى تصيبَ و جهته البيانية فتسير خلفها، ول و لم تبلغ شأوَها الفائق إيَّاها بما لا يحصى أبدا من المراحل، ولا كنهه و مداه ولو اجتمعت لذلك أئمَّة البلاغة الفطاحل، فهم طوال الدهر باقون دائرين حول بحاره على السَّواحل! وهاك أنواعا من الانزياح الماثل، في خلال ذلك المثل القصصي الذي ضرب الله تعالى إذ قال جل ثناؤهوَاضْر بْ لَه مْ مَثَلاً رَج لَيْن جَعَلْنَا لأ َحَد ه مَا جَنَّتَيْن م نْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاه مَا ب نَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَه مَا زَرْعًا 32]فتأمل هذه الهيئة التي ذكر الله، فإن المرء لا يكاد 180- رواه البخاري برقم4826/ج6/133، ورواه مسلم برقم2246/ج4/1762.
عدد الصفحات ١٤٤