المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

جماليات المثل في القرآن الكريم دراسة أسلوبية

سعد قدور عيسات

صفحة ٨ من ٢٤

جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 113 "إنهم متلبسون في ظاهرهم بالإسلام الذي هو كصي ب من المطر، ولكنهم في قلق شديد من تبعاته ووظائفه وأحكامه، وعلى طمع من التعل ق بمنافعه وخيراته الدنيوية، فهم لا يزالون كذلك: يسرعون للاستفادة من ثماره كلما لاحت لهم، وينكمشون أو يتوارون من تبعاته ووظائفه وزواجره كلما أقبلت تواجههم! والتمثيل هنا مسوق في تفصيل صوره وأجزائه مساق وصف قصصي كما ترى، وهو من خصائص أمثلة القرآن" (150.) فهذا كما ترى تصوير للصراع فيآخر المطاف بين الحقائق وأهلها والنفاق وأصحابه. وممَّا يوحي به القرآن في علاقاته الأسلوبية المنسَّقَة، وأنساقه التعبيرية المدقَّقة، ممَّا يلتقي مع التحليلات البيانية السابقة؛ أنَّه جعل مثل جماعة المنافقين من الذين اشتروا الضلالة بالهدى؛ شخصا فردا، ومثَّلَّ ه م برج لٍ واحدٍ، على أنَّ من يقتصرون في ضلالهم على أنفس هم ولا يخوضون صراعا مع الحق وأهله، إنمَّا هم قلَّة قليلة، ويعدُّون في هذه الطائفة الواحد بعد الواحد، أمَّا الغالبية السَّاحقة منهم فهم الذين يحاربون المؤمنين، وي واجهون الحق، ويتحركون لوقف انتشار الهدى بالكيد والتَّآمر؛ لذلك ذكرهم بالجمع وصورهم مجتمعين، فتأمَّل: « يجعلون .. أصابعهم .. آذانهم .. أبصارهم .. مشوا .. عليهم .. قاموا .. بسمعهم أبصارهم»إنَّهم أكثر من في هذه الطائفة المحاربة في الخفاء، فإذا سنحت لها الفرصة تستعلن، ثم تعود لما كانت عليه، وهكذا دوالَيك، فهذه الأ كثرية التي كانت واقع الحال، فصورها القرآن كما وكيفا وحقيقة. إنها علاقات أسلوبية ينبغي أن لا تهمل، وإنَّ دورها في البيان لأصيل، لاسيما حين تأتي وتتابع، فهي هنا تجلِّي صورةَ المثل الأوَّل الذي ذكر من آمن ثم نافق، فتأمَّل كيف أنه لإيمانه السابق بقي فيه تأثير منه وإن كان لا يشعر به؛ وهو أنَّه جعله يقتصر بضلالته على نفسه، ولهذا المزية قدم القرآن ذكره، لكنه بين انه لا يرجع ولا يؤوب إلى الهدى عمي فهم لا يرجعون 150- مح مد سَعيد رَمضان البوطي "من روائع القرآن- تأملات علمية وأدبية في كتاب الله عز وجل" نشر مؤسسة الرسالة، بيروت، 1420هـ1888م، ص184-185.

عدد الصفحات ١١٣

جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 114 الذي أثر فيه إيمانه السابق حتى في عهده الجديد عهد النفاق فصار لا ينخرط في الحرب الدائرة بين المنافقين والمسلمين؛ فهؤلاء من باب أولى أن لا يرجعوا إلى حياض التقى ومشارب الحق. ولقد صدق علماء الاجتماع في بيان هذه الحقيقة لمَّا وصفوا اليهود فقالوا إنَّهم كما قال القرآنلَتَج دَنَّ أَشَدَّ النَّاس عَدَاوَةً ل لَّذ ينَ آمَن وا الْيَه ودَ وَالَّذ ينَ أَشْرَك وا [ }82]. ومع ذلك لوح ظَ أَنَّ مَن خالط المسلمين منهم، أو عاش بينَه م؛ مهما اشتد في عداوته يكون كأولئك اليهود الذين احتفظوا بحقدهم الكباَّر وعداوتهم البالغة فلم يختلطوا بأبناء الإسلام، حتى إنَّك لترى الفرق ظاهرا بينهم، مهما كانوا جميعا أشد الناس عداوة للذين آمنوا كما أخبر القرآن، فكيف بحال من كان مؤمنا ثم نافق لا شك أَنَّه أولى تأَثُّرا حتى إن بقي على ضلاله، ولم يبرح كفره، لأنَّ إيمانه السابق له أثرٌ عليه مهما قل وند رَ، ومهما أخطأته العيون والبصائر؛ فَعَين الله لا ت خْط ئ ه. ورغم إنَّ هذا الصنف قليل إلاَّ أنَّ الله تعالى جلاه وبينَّه، وحذر منه وعيَّنه، وضرب فيه من أمثاله. ثم تأمَّل لما ضرب المثل للمنافقين بقوله البرق، وفي هذا الترتيب الدقيق تلحظ أنَّه تدرج في ذكر الضوء فبدا بما لا ضوء فيه وهو الظلمات، ث م الرعد ثم البرق لأنه أكثر إضاءة بالقياس إلى الرعد، لذلك أسندَ إليه الخطفَ فيما بعد فقال تعالى الإضاءة. ثم تأمل كيف ذكر هاهنا الإضاءة وحدها، وذكر في المثل الأول الإضاءة ومعها النور فقال عز م ن قائل[ }17]. فهذا الصنف قد كان لهم نورٌ يوما ما، وهو ما فسرته الأحاديث الصحيحة التي ذكرنا بعضها من قبل، وأمَّ الصنف الثاني الأكبر عددا والأكثر ضلالَةً فليس لهم من النور شيء ولو مجرَّدَّ لفظه !

عدد الصفحات ١١٤

جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 115 الفصل الثالث: تناصِيَّة المثل والقصَّة.

عدد الصفحات ١١٥

جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 116 إذا كان من عينات المفهوم التناصي؛ الاستدعاء القصدي - في أغلب الأحيان- لنصوص سابقة يكتبها الك اتب من بني البشر ، وا لاستدعاء اللاقصدي في أحيانٍ أخرى ، فإنَّ هذا الاستدعاء في التعبير القرآني هو من نوع آخر جميل، ي جسِّد بنوعيته المخصوصة صورة من صور التشابهات القرآنية اللفظية التي تعلو باللغة إلى ذروة من البلاغة العالية، ونوع من التكرار الإيجابي المتضمن لعديد اللطائف الأسلوبية والأسرار البيانية، هذا من جهة. ومن جهة أ خرى؛ فإنَّ تلك الاستدعاءات في نص الكاتب هي من نتاج غيره من الك تَّاب، في حين استدعاءات القرآن ليست إلاَّ منه وإليه، سواء في جانب الألفاظ أو المعاني أو الأساليب، مما يعكس قضية إعجازه الماثل، وتفرُّده الهائل الذي فارق فيه ك ل يَّةً جميعَ طرائق الكتابة والبيان لدى البلغاء والأب يْ نَ اء من الناس. تعريف التناص Intertextuality)): هوتولد نص واحد من نصوص متعددة" (151.) وقد يسمىالتناصية، وهي: "أن يتقاطع في النص مؤدى مأخوذا من نصوص أ خرى" (152.) وبعبارة أدق وأشمل، هي "كل ما يجعل النص في علاقة ظاهرة أو ضمنية مع نصوص أخرى" (153.) إن التناص معدودٌ " من المصطلحات الوافدة عن الغرب والتي بدأت تنتشر في الأدب العربي الحديث .. وقد ظهر هذا المصطلح لأول مرة على يد الباحثة البلغارية جوليا 151- أحمد محمد عطا"التَّنَاص الق رآني ف ي ش عْـر جَمـال الدِّيـن بن ن باتَة الم صري" بحث مقدم إلى المؤتمر الدولي الرابع لكلية الألسن جامعة المنيا، إبريل 2007 م، ص3. 152- مارك أنجينو "التناصية" بحث منشور ضمن كتاب دراسات في النص والتناصية" وهو مجموعة بحوث ومقالات لطائفة من النقاد، ترجمها وقدم لها وعلق عليها د. محمد خير البقاعي، نشر مركز الإنماء الحضاري، حلب، سورية، ط 1، سنة1888م، ص60 . 153- عبد القادر بقشى "التناص في الخطاب النقدي والبلاغي–دراسة نظرية وتطبيقية-" نشر مطبعة إفريقيا الشرق، الدار البيضاء، المغرب، سنة: 2007م، ص21.

عدد الصفحات ١١٦

جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 117 كريستيفاJulia Kristeva) سنة1866/1867م في دراستها التي ن شرت في مجلتي "تيل كيل" Tel Quel” و "كرتيك Critique” في فرنسا وأ عيد نشرها في كتابيها "سيميوتيك" Semeiatike” و"نص الرواية Text du Rخman” وفي مقدمتها لكتاب "شعرية ديستوفيسكي" الذي ألفه الشكلاني الروسي ميخائيل باختين" (154). فالتناص تحتاج معرفته إلى مقارنة بين النص المبحوث والنصوص التي يمكن أن تكون جيناتها قد انتقلت إليه بطريقة ما سواء كانت شعورية، وهنا أكثر ما يكون التناص موجودا ومقصودا، أو بطريقة لا شعورية يستدعيها اللاوعي عند إثارة الذهن إياها من الذاكرة لاسيما لدى الكتاب المتمكنين الذين استوت فيهم الملكة الأدبية ، والمقدرة الكتابية ، فَ ه م يسوقون عباراتهم وإنَّ فيها لمخايل من موروث شاسع قرأوه ونخلوه، ثم في الكتابة حولوه من بنيته الخام كألفاظ المعاجم إلى حيث الاستعمال التام، بتوظيفه في نصوص تحوي سطورا من المعاني تجود بها القرائح وتستبق فيها الأقلام، ممَّا لا ينفك عنه إنسان أو كاتب أو متكلم، بيد أنه ينقل المعلومات بشيئين: الأول: طريقته الخاصة، وتلك هي أسلوبه الكتابي الفريد الذي يجسد شخصيته هو وحده، ويجعله متميزا عن سواه، سواء أجاد البيان أم لم يجده. إنَّ التناص لا يكون إلاَّ في أصول المعاني ما لم يكن نقلا أو اقتب اسا، أمَّا النص الجديد فملامحه وصورته يستحيل أن تكرر عند غيره على مدى الزمن، فكل فكرة مرسومة لها صورتها الخاصة التي لا تعاد أبدا بنفسها أو تعاد مئة بالمئة مرة ثانية بألفاظ أخرى، فذلك لا يكون إلاَّ إذا أعيد النص نفسه، حتى إنَّ ضمَّ كلمتين ينتج منهما معنى لا ينت ج مرة ثانية إذا ما اختلفت كلمة واحدة فضلا عن الاثنين، وهذا أمر قاطع. وإذا كان كذلك فالتناص لا يعنى تكرر المعاني إلاَّ إن تكررت النصوص نفس ها، وحينئذٍ أين النص الجديد، ومادام هذا النص على جدته كائنٌ في الواقع مدوَّنٌ على الصفحات؛ فمن الممتنع أن تكرر المعاني نفسها إنما تكرر أ صولها فقط، حتى إنَّ الكاتب أيَّ كاتبٍ لو أراد 154- أحمد محمد عطا"التَّنَاص الق رآني ف ي ش عْـر جَمـال الدِّيـن بن ن باتَة الم صري" بحث مقدم إلى المؤتمر الدولي الرابع لكلية الألسن جامعة المنيا، إبريل 2007 م، ص3.

عدد الصفحات ١١٧

جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 118 سرقة أيَّ معنى سابق بوضعه في نصه الخاص لما استطاع، فالتدقيق يقتضي أن ت قَيَّدَ السرقة كما يقيد التناص بأصول المعاني الخاصَّة حسب ، لهذا لا يصح أن يكون التناص إلاَّ استعادة أصول تلك المعاني المتعددة الموجودة في نصوص سابقة لتكوين معنًى مغايرٍ في نصٍّ جديد. أمَّا المعاني العامة التي تتوارد عليها الخواطر الإنسانية فليس يصح فيها وصف السرقة البتة، كما أثبتَ ابن الأثير في "المثل السائر " ( 155) وتب عَهالقلقشندي حين قال بالعبارة نفسها: "ومثل ذلك لا يطلق على الآخر فيه اسم السرقة من الأول" (156)، وبالتالي لا يصح فيها التناص. لذلك فالنصوص مهما تداخلت أو تشابهت أو عالجت موضوعا واحدا؛ فإنَّها تبقى منفردةً بما يفصلها عن مثيلاتها، فلكل نص ملامحه وصورته، وجيناته المكونة إياه، وخلاياه اللصيقة بماهيته، المشكلة لهويَّته المعيَّنة، ذلك على نحو ما يجده الباحث في الخليَّة الوراثيَّة في علم دراسة الأحياء والكائنات، إذ النص ما هو إلاَّ مولودٌ حيٌّ ناتج عن القريحة، فهو وإن تشابه مع ص نو ه كتشابه الإنسان مع أخيه في صفاته البشريَّة العضويَّة، بيد أنَّه مختلف عنه بملامح تجعله غير متداخل شكلا مع فلان من الناس، وهذا في النص الواحد فضلا عن الأسلوب(157). الثاني أنَّ م ستَ وحي الكلام من نصوص غيره، هو لا بد أن ي طوِّرَ ا لمعلومات التي بينه وبينها شتى التقاطعات، لأ ن التطلعات النفسية والفكرية يحتاج نثرها على ب ساط التعبير وأرضية التصوير؛ تداخلا واستحضارا واستعادة لما حوته الواعية الإنسانية من نصوص كثيرة، وثقافة متعددة، تخرج كل حين بقدر معتبر حسب نفحات العقل وحاجة الموضوع، فربما أوفت البيان وبلغت المقصود، وربما لم تكن كذلك فوقفت دون الغاية. 155- نصر الله بن محمد بن محمد بن عبد الكريم الشيباني، الجزري، أبو الفتح، ضياء الدين، المعروف بابن الأثير الكاتب (ت: 637هـ) "المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر" ت: محمد محي الدين عبد الحميد، نشر المكتبة العصرية، بيروت، سنة: 1420هـ، ج2/324. 156- أحمد بن علي بن أحمد الفزاري القلقشندي ثم القاهري (ت: 821هـ) "صبح الأعشى في صناعة الإنشا" ت د.يوسف علي طويل، دار الفكر، دمشق، سورية، ط 1، سنة1887م، ج2/323. 157- ي نظر لزوما؛ محمد محمد أبو موسى "دراسة في البلاغة والشعر" نشر مكتبة وهبة القاهرة، ط 1، 1411هـ1881م، الصفحات الست تحت عنوان: "الصورة في التراث البلاغي" من 68 إلى74.

عدد الصفحات ١١٨

جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 118 من هنا كان للتناصنظرات كثيرة وتعريفات متعددة فمنهم من هو عنده تمثل النص لنصوص سابقة ، ومن ق اصدٍ به استرجاع نصوص سابقة بطريقة مختلفة، أو إنه تداخل المضامين الفكرية والتعالق الكائن بين المعاني الموروثة والنص الجديد، أو هو نصوص متعددة يخرج منها نص واحد يلقي بضلاله عليها جميعا، فكأنه نص ظاهر فيه مجموعة نصوص خفية، ومكتسبات قبلية تستعلن في بنية كلامية مغايرة بيد أنها تأخذ من سابقاتها الملامح والشارات، وتتصف بما للسابقات من السمات والعلامات ، فتسترجعها في شكل ومضات وبوارق، لكنها لا تلغي كلية ما بينها وبينها من فوارق، فنص قصير تنظر من خلاله إلى نصوص كثيرة من التعابير؛ كمثل ثقب صغير تنظر منه إلى مساحة كبيرة ومناظر متنوعة من الوجود، فإذا كان هذا في الوجود المكاني بألحاظه، فكذلك الشأن في وجود المعاني بألفاظه (158). بيد أنَّ الذي نقصده هنا في العنوان السابق الذي سميناه "تناصية المثل والقصة"؛ هو العالقات الكائنة بين القصة القرآنية والمثل القرآني، وذلك في وجوه متعددة ومناحي مختلفة تشكل نقاط اتفاق، ت شارك الواحدة منهما طريق الأخرى في بعض السير البياني قبل أن 158- وقد عرف التناص جملة من الكتاب العرب، نذكر بعضهم فيما يأتي: "يقول د عبد النبي اصطيف عن التناص (وينطلق مصطلح التناص أساساً من مقولة بسيطة جداً هي أننا قراء قبل أن نغدو كتاباً ... إن الكتاب عندما ينشئون النصوص الخاصة بهم ينطلقون في إنشائهم لها من النصوص التي سبق لهم أنْ تمثلوها فيما انصرم من أيام حياتهم ، وهذه النصوص تتجاور وتصطرع وتتزاوج وتتفاعل فيما بينها ويتقي البعض منها الآخر في نفوسهم ثم في نصوصهم الجديدة فيما بعد ) مجلة راية مؤته - جامعة مؤته - المجلد الثاني - العدد الثاني - رجب 1414 هـ كانون الأول1883. أما د سمر روحي الفيصل فيقول ( هو وسيلة من وسائل التعبير وهو في أبسط تعريفاته ( اعتماد نص على نص آخر أو على أكثر من نص) ملحق الأسبوع الأدبي العدد 61/ الخميس18 تشرين الثاني1883. أما د. أحمد الزعبي فيقولالتناص في أبسط صوره، يعني أن يتضمن نص أدبي ما نصوصاً أو أفكاراً أخرى سابقة عليه عن طريق الاقتباس أو التضمين أو التلميح أوالإشارة ) التناص نظرياً وتطبيقياً ص 8 مكتبةالكتاني - إربد - الأردن - 1885. والدكتور عبد الملك مرتاض يعرفه قائلاً عن فكره التناص ( وهي في مبدئها تعني تفاعل نص مع نص آخر على سبيل التأثر أو التأثير إما بصورة مباشرة ( استشهاد بنص - تضمين نص - إلخ) أوبصورة غير مباشرة (تضمين جملة ما، أو تركيبة لفظية مشابهة للجملة بالاتفاق أو بالاختلاف..)ص 33 - مقامات السيوطي- دمشق - اتحاد الكتاب العرب – 1886" ي نظر في هذه التعريفات جميع ها أحمد جاسم الحسين "حوار حول مفهوم التناص مع د. خليل الموسى " مناقشة لمقال د. خليل الموسى عن التناص والإجناسية في الشعر" !!"، مجلة الموقف الأدبي، نشر اتحاد الكتاب العرب، دمشق، سورية، سنة: 1887م،العدد: 317 و318 .

عدد الصفحات ١١٩

جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 120 تفترقا، وقبل أن تتوزع الطرق فتمضي كل واحدة لسبيلها الخاص إنَّها السمات التي تمثل الالتقاء التصويري في البنية المعمارية التي تجسد حقيقة كل منهما على نحو فيه تداخل واشتراك، وتفارق وافتكاك، ب حيث يؤديان دورا من أدوار التعبير، وطورا من أطوار التصوير معاضدة ومساندة، ثم يؤدي كل منهما دوره الخصوصي في نصيته التي لا يمثلها غيره بانفرادية تامة ومحايدة. وهما رغم ما فيهما من أوجه اختلاف لاختلاف طبيعتيهما واستقلال كل من أسلوب القصة والمثل بشخصيته الفر يدة، إلاَّ أنهما يلتقيان في الإطار الكلي الجامع، وهو البيان السامي الرائع، في القرآن الكريم، فما يفترقان حين يفترقان إلا ليلتقيان عند الغاية الإعجازية البيانية التي ليس بعدها مطمح لمتَجَشِّم، ولا ملمح لمتوسم أو مبين. تجليات جمالية التناص في تعالقاته: إنَّ الجمالية التناصية بين المثل والقصة تظهر في جملة من التعالقات نبيُّنها فيما يأتي: 1 - التعالق التشخيصي التصويري يقوم المثل القرآني على التصوير والتشخيص في جماله البارع، وتقابله في ذلك القصة القرآنية، كونها تسرد أحداثا، وتصور أشخاصا، وتجري في أنساقٍ تعبيرية فخمة يطبعها البهاء، ويرافقها التلوين الصوتي المشرق، والنسج اللغوي المتوازي المستوي الذي يتدفق منسوبه، ويرقرق مسكوبه على نص القصة الجميل برمتها. إنَّ القصة تشترك مع المثل في كونهما من كبريات دعائم البيان الفخم، والتصوير العال، حتى جعلها بع ضهم إحدى السبع الأساسيات التي يقوم عليها الخطاب القرآني، وذلك في تفسير قَوْله تَعَالَى لْق رْآنَ الْعَظ يمَ عنها "أَنَّهَا الأَْمْر ، وَالنَّهْي ، وَالْب شْرَى ، وَالنِّ ذَارَة ، وَضَرْب الأَْمْثَال ، وَإ عْدَاد النِّعَم ، وَنَبَأ الأْ مَم " ( 158.) فإن سألت عن القصص أين موقعها فواجدها أنت مباشرة في نبإ الأمم، وهل هذه الأنباء إ 158- محمد بن عبد الله أبو بكر بن العربي المعافري الاشبيلي المالكي (ت543هـ) "أحكام القرآن" ت: محمد عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط 3،1424 هـ2003م، ج3/112 .

عدد الصفحات ١٢٠

جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 121 هي إنَّ المثلَ يشترك مع القصة في التفصيل الشيق، والحديث الماتع الدقيق عن الطوائف الثلاث من مؤمنين وكافرين ومنافقين، وكل له سماته، وكل له مميزاته، وبالمقابل كل من القصة والمثل له أسلوبه، و له من حصة البياني القرآني نصيبه، يقول الزمخشري: "ولضرب العرب الأمثال وإستحضار العلماء المثل والنظائر؛ شأن ليس بالخفي في إبراز خبيات المعاني، ورفع الأستار عن الحقائق ، حتى تريك المتخيل في صورة المحقق ، والمتوهم في معرض المتيقن، والغائب كأنه مشاهد" (160). 2 – التعالق التكاملي والحقُّ؛ أنَّ المثل يكمل القصة وتكمله، فيمشيان على توافق وتعاضد في مسيرة البيان القرآني، وانظر إلى التكامل بين القصة والمثل في سورة الكهف -على سبيل المثال- تجد الحقيقة كما هي، إنَّ الله تعالى يمهد فيها بتقرير بياني للحقائق ثم يعطي نموذجا قصصيا يجليها، فيذكر أصحاب الكهف الذين حاربهم أهل الزينة والجاه والسلطان؛ آية على ذلك، ثم يذكر ما يستفاد من قصة أولئك الفتية المؤمنين الذين كانوا مستضعفين في الأرض، فيقول بعد نهايتها وَاصْب رْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذ ينَ يَدْع ونَ رَبَّه مْ ب الْغَدَاة وَالْعَش يِّ ي ر يد ونَ وَجْهَه وَلاَ تَعْد عَيْنَاكَ عَنْه مْ ت ر يد ز ينَةَ الْحَيَاة الدُّنْيَا وَلاَ ت ط عْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَه عَنْ ذ كْر نَا وَاتَّبَعَ هَوَ اه وَ كَانَ أَمْر ه ف ر طًا [ }28] الفيافي والقفار، وكأنَّ القصة تمهد نفس النبي صلى الله عليه وسلم ليصبر على ما سوف يلقاه ويؤمر به من مفارقة موطنه مكة، والهجرة إلى المدينة، ويذكره بحال أهل النار ونعيم أهل الجنة، وأن الأمر حقيقته مجرد لحظات على وجه الأرض وخطوات عابرة في دار الدنيا ليلقى كل أحد جزاءه، ثم يأمره بأن يضرب للناس المثل بصاحب الجنتين، الذي غرته الحياة الفانية الدنيوية والنعمة الظاهرية الزخرفية فتمادى في ضلاله، وصاحبه ينصحه وهو لا يستجيب، كما ينصح الرسول صلى الله عليه وسلم قومه المغترين بزيف القوة والمال والمكانة وهم لا يرعوون،وَاضْر بْ لَه مْ مَثَلاً رَج لَيْن جَعَلْنَا لأ َحَد ه مَا جَنَّتَيْن 160- محمود بن عمر، جار الله الزمخشري الخوارزمي، أبو القاسم "الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل" ت: عبد الرزاق المهدي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان، بدون، ج1/108.

عدد الصفحات ١٢١

جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 122 32] فكانت العاقبة ندما إثر وبال، وسوء مصير وتبدل حال، وذهب كل بما فيه ولم يبق لصاحب الجنتين شيء يذكر، ولا نعمةٌ تظهر، وصار من النادمين، وغدا من المحرومين المتحسرينوَأ ح يطَ ب ثَمَر ه فَأَصْبَحَ ي قَلِّب كَفَّيْه عَلَى مَا أَنْفَقَ ف يهَا وَه يَ خَاو يَةٌ عَلَى ع ر وش هَا وَيَق ول يَالَيْتَن ي لَمْ أ شْر كْ ب رَبِّي أَحَدًا ( 42) وَلَمْ تَك نْ لَه ف ئَةٌ يَنْص ر ونَه م نْ د ون اللهَّ وَمَا كَانَ م نْتَص رًا ( 43) ه نَال كَ الْوَلاَيَة لله َّ الْحَقِّ ه وَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ ع قْبًا [ }42-43-44] وبعد كل هذا البيان من ذكر قصة أصحاب الكهف، ثم ضرب المثل القصصي بصاحب الجنتين، يأتي القرآن ليرتقي إلى ربوة أخرى من ربوات البيان فيضرب المثل عن هذه الحياة الدنيا المحطمة في الأخير، المهشمة في نهاية المصيروَاضْر بْ لَه مْ مَثَلَ الْحَيَاة الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاه م نَ السَّمَاء فَاخْتَلَطَ ب ه نَبَات الأَْرْض فَ أَصْبَحَ هَش يمًا تَذْر وه الرِّيَاح وَكَانَ اللهَّ عَلَى ك لِّ شَيْءٍ م قْتَد رًا [ }45.] فتأمل كيف تتساند القصص قوة وتكاملا مع الأمثال؛ لتجلية القضايا والمسائل والأحوال، علميا وعمليا، ود ينا وواقعا. فقصة أهل الكهف مثال للخير والهدى، وقصة صاحب الجنتين مثال للشر والردى، ثم جاء المثل مباشرة لتصوير حقيقة الدنيا فكان بيانا جامعا. إنَّها المعاني الذهنية هي التي تفصلها القصة وتجسدها على الوجه اللائق، ثم تأتي الأمثال لتضرب لها صورا تقربها إلى الأذهان ، وتأتي القصة لتسرد حقائقَ واقعيةً ينظر منها المتلقي إلى عرض تاريخي بياني له القوة الكاملة على التشخيص الذي يحيي مشاهد الحياة من جديد في نفس المتلقي، ليتذكر ويعتبر، وتعقبها الأمثال لإكمال أي حاجة تبقى في النفس من تساؤل أو اشتباه. 3 - التعالق الجمالي الأسلوبي يتعالق المثل والقصة في كونهما جميعا أسلوبين للبيان أوَّلا؛ و طريقين تصويريين في التعبير ثانيا، وتلكَ هيَ ال جماليَّة بك لِّ ملامحها في أسلوب القرآن تمثيلا وقص ًا خلافا لكتَّاب الق صص والرِّوايات !

عدد الصفحات ١٢٢

جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 123 إنَّ القصة سردٌ تعبيري يقودك، والمثل تصوير يش دُّك، ثم تفرغ منه بسرعة، ولا جرم أن هذين النوعين في القرآن يجعلان النفس البشرية، في مد وجزرٍ وأريحية كل واحد يفضي بها إلى ترك السَّآمة، ومواصلة التلاوة، والنهل من معين البيان. والجمال قضية أساسية يراعيها القرآن في أساليبه، سواءً في القصة أو المثل، أو في غيرهما، ويظهر الأسلوب الجمالي أكثر ما يظهر في التحليل الدقيق للنصوص، ونحن نضرب لك المثال الحي على ذلك بقوله تعالى عن الذين حمٍّلوا التوراة أنَّهمكمثل الحمار يحمل أسفارا لا يبعد واقعا أبدا أن يحمل الحمار الأسفار بل لقد حمل أسفار العلماء ونقلوا عليه الكثير من ك ت بهم في العصور السَّالفة، والواقعية هي أحدى الجماليات العريقة في البيان. وانظر إلى النكتة البديعة في الفرق بينَ {السِّفر} و"الكتاب"؛ فكلمة {أسفارا التي اختارها القرآن تحمل إيحاءً شعوريا يضخ في النَّفس إحساسا بالكثرة لما في {أسفارا من ألف المدِّ الطويلة التي تفسح للهواء ال متجمع في الصَّدر أن ينطلق خارجا؛ بخلاف كلمة "ك تبا" التي ينحبس معها النَّفَس فلا يجري ولا يجد موجبا لوجوده أصلا فضلا عن جريانه ، لاسيما وهي خاليَةٌ من المجانسة لكلمة الحمار التي آخرها ألف و راءٌ تٌحدثَان مع لفظة أسفارا رنَّةً متقاربةً لا تجد ها في التعبير بالكتب، فلو قال بعد ذلك التدفق الوصفي البياني "كمثل الحمار يحمل كتبا أو الكتب" لأحسست أنَّ الماء قد جفَّ أو أنَّك كنتَ تشرب فأ خذَت الم غْرَفَة ( 161 ) من يد ك ، وربَّما شعرت أنَّك كنتَ بحاجةٍ شديدةٍ إلى الماء و أنتَ تشر ب منه فانقطع عنك فجأةً ولمَّا ترتوي، ف تولَّ دت الحسرة لديك، فإذا بك وقد انتبهت أنَّك كنتَ في منام، وهكذا أيضا الكلام. ولأنَّ أسفارا فيها سواكن من بعد حركات و واحدها سفرٌ بتوسُّط السكون على الفاء بي ن السين والراء المتحركتين ، ففي ذلك مجانسةٌ للمعنى المراد فالذين حملوا التوراة هم يحملون وكأنَّ هم لا يحملون ، فكأنَّهم يتحرَّكون و هم في الحقيقة ساكنون لا شيء يحرك ضمائرهم لموعظة أو تطبيق علم أو استفادة حكمةٍ و ازدياد إيمان ؛ و كل حركةٍ إذن يعقبها سكون كما أنَّ كل حمل من حاملي التوراة يعقبه عدم الحمل مثلما يعقب الحركةَ سكون ، ولأنَّ أسفارا 161- وهي المقدَحة الت ي يقدح بها ويعرف بواسطتها ، و العامَّة تسَمِّيها الغ رَّاف بضمِّ الغين المعجمَ ة ولا وجهَ لها هكذا بالتَّذكير.

عدد الصفحات ١٢٣

جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 124 أسهل في النطق من توالي الحركات في كتب وكتبا ، ولأنَّ أسفارا جمع سفر خاوية الوسط بسكون الفاء بينَ متحركين على جانبيه وهو يجانس المقصود من الآية ويوائم السِّياق إذ من حملوا التوراة يظهرون بمظهر العامر الممتلئ الجوانب ولكنَّهم في الحقيقة خاوون فارغون، بواطنهم خاوية، ودواخل هم فارغة، ولو اعتبرتَ بهذا الوجه الم بتَكَر من التحليل الإعجازي لاطَّ لَعتَ منَ القرآن على عجائب، و أيضا فهذا ي ناسب ورود كلمة أسفارا في سورة الجمعة لكونها يوم ا يه بُّ فيه الناس ويجتمعون، و يأتون إلى الخطب ة فيستمعون، وتمتلئ بهم المساجد، أمَّا الذين ح مِّلوا التوراة فحالهم جمود الإرادة التي محلها القلب المحرك للإنسان وفراغ الجوهر من الإيمان وخواء الجوف من خَ شية الدَيَّان ، مع النظر إلى السياق والموضوع الذي وردَ فيه واسم السورة التي جاء فيها. وبالمقابل للمثل تأمل كيف تكون القصة متعالقة معه في جمالياته الأسلوبية، وهذا "القرآن الكريم مليء بالأساليب البلاغية التي تنبئ عن مدى الرقي في طرح المواضيع ، وعن ما بها من بلاغة نادرة ، ولنتتبع عبارات هذه الآية الكريمة ، فنجد الصلاة والسَّلام مدة قد دخل على يوسف، فقال: "يا يوسف" ووصفه بالمبالغة في الصدق بقوله بصدد اغتنام آثاره واقتباس أنواره ؛ فهو من باب "براعة الاستهلال"، وأحسن الابتداءات ما ناسب المقصود، وانظر أيها القارئ إلى الرقة وعذوبة الأسلوب في مناداته، وكيف أن عدم ذكر أداة النداء قد أشعرت بسمو عاطفةٍ ونبل خلقٍ. ناهيك عن وصفه بالصديق، قال: { [46]. وحيث عاين علو رتبته عليهالسلام في الفضل عبر عن ذلك بـ "الإفتاء" ولم يقل كما قال هو وصاحبه في السجن{ : [36] ولننظر إلى الدقة في نقل الصورة وطرحه لمبتغاه فقال : {أَفْت نَا} مع أنه المستفتي وحده ؛ وذلك إشعار بأن الرؤيا ليست له بل لغيره" (162). والواقع؛ أنَّ القصَّ ة يغلب عليها الطَّابع الوعظي وهو الطَّابع الذي يأتي م وضحا لعمليَّة الإقناع؛ حيث يكون المخاطب قد وعى الأمر لكنَّه يحتاج إلى جذبٍ عاطفي يأخ ذ منه الع برَة 162- علي الطاهر عبد السلام "الاعجاز البلاغي في قصة يوسف عليه السلام، بدون، ص86.

عدد الصفحات ١٢٤

جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 125 الدَّافعَةَ إلى الامتثال و التَّطبيق، فتخد م القصَّة هاهنا جانب التلطيف الح سِّي والترقيق القلبي لكي يستجيبَ المرء لدعوة الحق التي خوطبَ بها ، ثم يأتي المثل ل يعطي صورة لما تم عرضه سواء في الشرح التقريري القرآني، أو في البيان القصصي. فمنطقيا إذن أن تأتيَ الأمثال في أعقاب القَصَص، أو بعد الشرح والتوضيح القرآني لقضية أو تبيين حال، وهو ما ظهَرَ في القرآن جليَّا في سورة البقرة ؛ فالله تعالى لمَّا بيَّن حال المؤمنين و الكافرين والمنافقين و أوضَحَ صفاتهم ضربَ للمنافقين مث لا ليقتنعوا بعد أن يزدادوا فهما؛ و ليرعووا عن باطلهم التَّلاعبي العفين بعدَ أن يَص لَه م البيان الم بين ؛ ذلكَ قبل أن يبدأَ في سرد ما يخد م المقام ويناسب الموضوع من قصَّة موسى عليه السَّلام، وهذه جمالية دقيقة في الترتيب البياني الذي يجعل الأسلوب مشرقا أيما إشراق، عاكسا بهاءً وحسن تنظيم يجلي الصور والحقائق بطريقة شفيفة لا مجال فيه للالوان الداكنة، أو التعبيرات التي لا تفتح النفس على المباهج. وذلك الترتيب الجميل تأخذ فيه الأمثال موقعا مناسبا، لأنَّ المثلَ يطغى فيه جانب الإقناع أكثر من الموعظة ، ومعلومٌ أن الوعظَ يفعل فعله ويأتي بثماره لمَّا ي وجَّه لمن قد اقتنع ليستكملَ مسيرة البرهنة ف يقضي على ما بقيَ من تردد من جهة، و لي حَرِّكَ الوجدانَ الرَّاك دَ ويشحنَ العزيمة المت خاذلة عن السير في طريق الحقِّ وا لالتزام به، لتمضي بصاحبها فيه حتَّى وإن كانَ قد اقتنع به و استقرَّت مفاهيمه في ل بِّه، وتعاليمه في قلبه. لذلكَ كانَت القصص أدنى إلى التذكير و أخذ العبرة ، وكانَ المثَل أ دنى إلى التعليم وأخذ الفكرة، وإن كان كلاهما يرمي ـ بسرعة أو ببطء حسب الأشخاص ـ إلى إيقاظ الشعور الإيماني في النفوس، ولأجل هذا جعل آياته في الكون وفي الخلق ميدانا لضرب الأمثال ، كقوله تعالى{ : يَأْك ل النَّاس وَالأَْنْعَ ام حَتَّى إ ذَا أَخَذَت الأَْرْض ز خْر فَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْل هَا أَنَّه مْ قَاد ر ونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْر نَا لَيْلاً أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَص يدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ ب الأَْمْس كَذَل كَ ن فَصِّل الآَْيَات ل قَوْمٍ يَتَفَكَّر ونَ24]ليس يخفى أنَّ الآيات مجعولةٌ واقعيا وقرآني ًا للاستبصار والاعتبار، وقد شرح العلماء ذلك وأفاضوا.

عدد الصفحات ١٢٥

جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 126 ثمإنَّ الإنسان عقلٌ وعاطفة ؛ فإذا كانت القصَّة أكثَر نهوضا بالعاطفة ؛ فالمثل أكثَر ما ينهض بالعقل، لأنَّه مقايسة وأسلوبٌ من البيان بالمشاكلة، وضربٌ من الإقناع عندَ المجادَلة؛ من هنا ذكر ربُّ العالمين ا لمثل بإزاء الجدل فقال تعالىوَلَقَدْ صَرَّفْنَا ف ي هَذَا الْق رْآَن ل لنَّاس م نْ ك لِّ مَثَلٍ وَكَانَ الإْ نْسَان أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً 54] . وبدهيٌّ أن القياس هو عمليَّةٌ عقليَّةٌ بالدَّرَجَة الأولى ، لذلكَ لمَّا اختار بعض المشركينَ الذين كانوا يعبدون الملائكة آلهتهم على النبي عيسى صلى الله عليه وسلَّم لسوء تصوُّرهم العقلي و فضَّلوها عليه مع أنَّه لم يدَّع الألوهيَّة حتَّى يص حَّ القياس !؛ ردَّ الله قياسهم الباطلَ ـ بما فيه دليل تفضيل الأنبياء على الملائكة ـ بقوله: {وَلَمَّا ض ر بَ ابْن مَرْيَمَ مَثَلاً إ ذَا قَوْم كَ م نْه يَص دُّونَ * وَقَال وا أَآَل هَت نَا خَيْرٌ أَمْ ه وَ مَا ضَرَب وه لَكَ إ لاَّ جَدَلاً بَلْ ه مْ قَوْمٌ خَص م ونَ * إ نْ ه وَ إ لاَّ عَبْدٌ أَنْعَ مْنَا عَلَيْه وَجَعَلْنَاه مَثَلاً ل بَن ي إ سْرَا ئ يلَ57 – 58 – 58 . ] فالمثلإذن؛ يوجه العقل، وأمَّا القصة فإنَّها توَجِّه "العواطف القوية الصادقة نحو عقائد الدين الإسلامي ومبادئه، ونحو التضحية بالنفس والنفيس في سبيل كل ما هو حق، وكل ما هو خير، وكل ما هو جميل، ولعل هذه العواطف هي التي تدفع إلى النشاط للدعوة، كما تجعل الإنسان يستعذب الألم ويتحمل الأذى في سبيلها، ومن هنا يكون التوجيه نحو القيم الجديدة والإيمان بها ، ثم الدفاع عنها ، والعمل على حثِّ الناس على الإيما ن بها إيماناً لا تزعزعه الحوادث، وأيضاً تكوين عواطف قوية وصادقة ضد ما هو قبيح وذميم من الأشياء والعادات والأعمال" (163.) وهكذا تتساوق الأمثال والقصص في خدمة العقل والعاطفة، فهذه تملأ ها، وذاك يقنع العقل، لأنَّ المثل ما كان من أساليب الإقناع إلاَّ لكونه يقرِّب المعاني الممثَّلَ له ا بأشياء محسوسة تجلِّي الصُّورة وتظهر حقائق القضايا واضحَةً في أذهان المخاطَبين أوَّلا؛ وهذا ركن التَّصوير ؛ ثمَّ يضَع عينَ بصيرَتكَ ـثانيا ـ على محاسن الأمر الم مثَّل له بإبراز محاسنه ومزاياه؛ أو على قبح ه وفساده بإبراز مساوئه وخزاياه، و هذا ركن التَّصديق وتظهَر فيه مطابقة المثال لما ع رض من مسألةٍ أو قضيَّةٍ أو مقال. ومع ذلكَ كلِّه فهو يلتقي مع القصَّة كثيرا لما يحتوي من بيان المصير و إلقاء الضوء على 163- علي الطاهر عبد السلام "الاعجاز البلاغي في قصة يوسف عليه السلام، بدون، ص58.

عدد الصفحات ١٢٦

جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 127 العاقبة ؛ ليؤسسللمخاطَب الجمع بينَ أسلوبين هما: الترغيب والتَّرهيب . وكما قال عيسى بن عبد الله الس عدي ؛ إنَّ ضروب إقناع المشركين بتوحيد الله في القرآن "الاستدلال على الت وحيد بضرب الأمثال في المعاني ؛ وهي عبارة عن براهين وحجج تفيد توضيحًا للمعنى أو دلالةً على الحكم عن طريق تصوير المعقول في صورة المحسوس، أو تصوير أحد المحسوسين في صورة أظهرهما، واعتبار أحدهما بالآخر . وهي أق وى في الن فس، وأبلغ في الإقناع ؛ لقو ة الت شبيه، وقربه من الحس ، واقترا ن دلالته بالترغيب والترهيب" (164). 4 - التعالق بالإيجاز القصة في القرآن تروى بطرائق متعددة تناسب السياق، وتركز على مشاهد معينة بين رواية قرآنية وأخرى، ومن سورة إلى سورة مغايرة، وفي كل الحالات يأتي فيها الإيجاز بالغ الدقة، وآية ذلك صورة يوسف عليه الصلاة والسلام، وهي التي سردت سردا وطوت فترة من الزمان والأحداث والوقائع في صفحات، فكانت بذلك كالمثل في كونه بالغ الدقة والإيجاز لأن تلك السمة الأسلوبية هي الخاصيَّة السارية في القرآن كله. إنَّ المثل كاللقطات م ن قصة، وكالحادثة من سيرة، والمساحة من موقع، والحال من أحوال، فتراه ي جَ سِّ د لك رَ بوة تكاد تبصرها بعينيك، ويصور لك صيبا فيه رعد وبرق وصواعق، فترسمها في مخي لتك، إنه كأنه القصة تماما، بيد أ نه عنها فر يد، وفي خصوصياته متميز. لأجل ذلك ضرب الله تعالى منه لكل حالة ولكل معنى ولكل قضية ولكل تصرف، ولكل اعتقاد، ما ينبئ عنه في صورة تقترب إلى الأذهان وتسكب عباراتها الرقراقة في الحس والشعور، بحيث أنى التفت وجدت منه مثلا، كأن الدنيا كلها مجموعة بين ناظريك، فإذا أردت أن تنظر إلى الجبال نظرتها، وإذا أردت أن تبصر الوديان والمنخفضات أبصرتها، وإذا التفت إلى الماء كان أمامك، وإذا استدرت إلى الحجر والصفوان كان قدامك، فالسماء 164- عيسى بن عبد الله الس عدي"آثار المثل الأعلى - دراسة عقدية" بدون؛ ص 35.

عدد الصفحات ١٢٧

جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 128 بين ناظريك والأرض مبسوطة بين يديك، والجنان والثمر، والنخل والشجر، والبيداء المقفرة، والسواحل النَّظرة، والألوان بأنواعها، والأحوال بأجوائها، كلها في مكان واحد، مهما تريد أن تشاهد رأيت، ومهما أن تقتنيَ اقتنيت. إنَّ المثل ساحة جَمعت كل ما تشتهيه الأنفس من تعبير بالتصوير عن الدين والدنيا والآخرة، لكنَّ الشَّأن كله في هذه النفوس التي خانتها الإرادة، ولم تطلب من غير الظاهر استزادة، فبقيت على السطوح، لا إيغال ولا تقدم، بل ربما تقهقرٌ وتهدُّم، وانحسار الإيمان، من الزوايا والأركان. تلك هي النفوس التي لم تذق أسرار القرآن في بيانه، ولم تدرك حلاوة المعنى في عملية استبطانه، وبقيت رابضة لدى بحاره في شطآنه، فكيف لها أن ترى –كما قلت راجزاً -: م ن ساحة الأمثال ما تريد *** أو تلمحن مغزًى به ت شيد . أنَّى لها الشَّوق الذي يميد *** وعقلها على العمى شهيـد! فمن لم يرى من الأمثال مضربا لكل شيء فقد شهد على عقله بالعماء، وعلى بصيرته بظلمةٍ ظلماء ليس فيها ضياء ولا نور. من هنا كان المثل أخا القصة، هي تفرش له قصة عجيبة جميلة سمحة، وهو يأخذ من كل ذلك لمحة بعدَ لمحة، ونفحة وأي نفحة. 5 - التعالق التشاكلي وهو نوعان تشكال اتفاقي وتشاكل ضدي. أ ) التشاكل الاتفاقي: إنَّ القصة توافق المثل في كونها هي أيضا أمثال، بيد أنَّها من نوع آخر، يقول الزمخشري: "قد سميت القصة الرائعة الملتقاة بالاستحسان والاستغراب : مثلاً ، تشبيهاً لها ببعض الأمثال المسيرة ، لكونها مستحسنة مستغربة" (165.) 165- محمود بن عمر، جار الله الزمخشري الخوارزمي، أبو القاسم "الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل" ت: عبد الرزاق المهدي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان، بدون، ج3/172.

عدد الصفحات ١٢٨