جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 87 5 - اعتماد مرقاب السياق في جو النَّسَق: وذلك بوضع يد البصيرة على خيوط المعاني المنسوجة من بداية أعالي السياق إلى نهاية مجاري الأنساق، إذ لابد في تلقي المثل من التعويل على سياقه، والنظر في أنساقه، فما تلقى المَثَلَ حق تلقيه من اقتصر في النظر عليه، وأصبح يدور في فهمه منه وإليه ! والمثل جزء من السورؤة التي يرد فيها، والاعتبار بالنسق والسياق يمثل نظرة علويةً فوقية تبصر الشيء الأعالي، ومعلوم أن زاوية النظر من المرتفعات؛ ليست كزاوية النظر بالموازات والمواجهة والتقابل، فالأولى نظرة عمودية، والثانية أفقية، لذلك لا يستويان. فرب إهمال للنظر الفوقي الكلي يلحق الفساد بالمعنى الجزئي، لأن الجزء ينبغي النظر إليه في إطار الكل، وقد أحسن الشاعر حين حام ببراعته حول هذه الحقيقة، ولامس حدودها، فقال: إذا نظرتَ إلى الجزئيِّ ت صل ح ه *** فارقبه من مَرقب الكل يِّ في النَّظَر . فإنَّ نفعَ ـك شخصا واح ـدا ربَما *** يكون منه عموم الناس في الضَّرَر. فالحق؛ أنَّ طرائق البيان ودلالاته في القرآن متنوعة، ومن آليات تلقي تلك الدلالات أن يعتبر المتلقي بالنظرية السياق يَّة، ويسري بفهمه في ثنايا الأنساق التعبيرية، فيولي وجه الفهم شَطرَها، ويعول عليها في حسن استجابته للمعاني وتلقيه إيَّاها في إطار بلاغة المثل القرآني. والسياق يشمل النسق عندما توسع دائرته، وي فتَح مجال ه، بحيث إذا ما نظرنا إلى المثل حددنا سياقه الخاص، وأمَّا أنساقه التعبيرية التي تجسد السورة بكليتها فالمثل حينئذ عينة منها، بل جوهرةٌ فيها. ولكننا حين تناول النسق الذي هو النسج التعبيري المعين لكل سورة على حدةٍ، نستطيع أن نع دَّ سياق الشامل للسورة مرادفا لنسقها كله، والنسق في هذه الحالة لا يعدو أن يكون أكبر نوع من أنواع السياق. و"السياق قد يضاف إلى مجموعة من الآيات التي تدور حول غرض أساسي واحد، كما أنه قد يقتصر على آية واحدة، ويضاف إليها، وقد يكون له امتداد في السورة كلها، بعد أن
عدد الصفحات ٩٧جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 88 يمتد إلى ما يسبقه ويلحقه، وقد يطلق على القرآن بأجمعه، ويضاف إليه، بمعنى أن هناك سياق آية، وسياق النص، وسياق السورة، والسياق القرآني، فهذه دوائر متداخلة متكافلة حول إيضاح المعنى" (127.) وقد أبدع عبد الله دراز أيما إبداع في ذلك وها هو يقول "إنك لتقرأ السورة الطويلة المنجمة يحسبها الجاهل أضغاثاً من المعاني ح شيت حشواً، وأوزاعاً من المباني جمعت عفواً، فإذا هي لو تدبرت بنية متماسكة قد بنيت من المقاصد الكلية على أسس وأصول، وأقيم على كل أصل منها شعب وفصول، وامتد من كل شعبة منها فروع تقصر أو تطول، فلا تزال تنتقل بين أجزائها كما تنتقل بين حجرات وأفنية في بناء واحد قد وضع رسمه مرة واحدة .. ولماذا نقول إن هذه المعاني تتسق في السورة كما تنتسق الحجرات في البنيان؟ لا بل إنها لتلتحم فيها كما تلتحم الأعضاء في جسم الإنسان .. ومن وراء ذلك كله يسري في جملة السورة اتجاه معين، وتؤدي بمجموعها غرضاً خاصاً، كما يأخذ الجسم قواماً واحداً، ويتعاون بجملته على أداء غرض واحد، مع اختلاف وظائفه العضوية" (128.) وسيد قطب مثل دراز في هذا المجال فقد خاض غمار التجربة التفسيرية تأليفا، ولمسها لمس اليد وتحقق بها، وكشف الستار عن وجه هذه الحقيقة النيرة قائلا: "يلحظ من يعيش في ظلال القرآن أن لكل سورة من سوره شخصية متميزة، شخصية لها روح يعيش معها القلب كما لو كان يعيش مع روح حي مميز الملامح والسمات والأنفاس، ولها موضوع رئيسي أو عدة موضوعات رئيسية مشدودة إلى محور خاص .. وهذا طابع عام في سور القرآن جميعاً، ولا يشذ عن هذه القاعدة طوال السور كهذه السورة" (128.) وقديما اوجب ابن قيم الجوزية على كل ناظرفي القرآن فضلا عن المفسر له والمتبحر فيه أن يراعي السياق وإلا وقع في أغاليط لها أول وليس لها آخر فقال: " السياق يرشد إلى تبيين المجمل وتعيين المحتمل والقطع بعدم احتمال غير المراد وتخصيص العام وتقييد المطلق وتنوع الدلالة. 127- "دلالة السياقمنهج مأمول لتفسير القرآن الكريم" ص88. 128- عبد الله درازالنبأ العظيم" ص154 - 155. 128- 1 سيد قطب إبراهيم حسين الشاربي (ت1385هـ "في ظلال القرآن" دار الشروق - بيروت- القاهرة، ط 17، سنة 1412هـ، ج1/27-28 .
عدد الصفحات ٩٨جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 88 وهذا من أعظم القرائن الدالة على مراد المتكلم فمن أهمله غلط في نظره وغالط في مناظرته، فانظر إلى قوله تعالى: {ذق إنك أنت العزيز الكريم} [48] كيف تجد سياقه يدل على أنه الذليل الحقير" (130.) ذلك لأن سياق التهكم هو الذي دل على عكس الوصفين المذكورين، العزيز الكريم، فالمذكور ليس كذلك، كيف وهو يعذب في النار وتسلط عليه أنواع العقوبات والنكال، فهو إذن الذليل الحقير لا العزيز الكريم، لأنك كنت في الدنيا تحسب نفسك كذلك، فهذا أنت الآن، وهذه هي عزتك وهذا هو كرمك وتكريمك، فما عليك إلا أن تذق يا صاحب الغرور. إنَّ من المحطات الأسلوبية في تحلي ل الجمل والنصوص النظر إلى مداخل الآيات ومخارجها، لاسيما المداخل، أي الآيات التي تأتي قبل الآية المراد النظر فيها، لانَّ تناسق القرآن وحسن ترتيبه يفضي بالمتأمل إلى المقصود الصحيح، والفهم الرجيح، واللطائف الجميلة، ولأن أي آية تعدُّ بمنزلة الباب الذي منه تمر إلى أختها، فهي ليست مقطعة الأوصال فيما بينها، بل لا تبصر ها الألباب إلا وحدَةً ك ل يَّة متناسقة متلاحمة. لهذا كان ابن القيم لا سيما في معرض الاختلاف في معاني بعض الآيات يرشد إلى الاعتبار بما تقدم من الآيات لفهم الآية التي يدور حول معناها الدقيق نزاع العلماء فتراه يقول ناصحا: " وتأمل الآية بما قبلها وافهم المراد منها تجد الأمر كما ذكرت لك" (131 .) من هنا كانت الألفاظ العصرية الدالة على الأسلوبية والتعمق في الفهم، وتحليل النصوص أكثر وضوحا. بيد أن ذلك لم يكن لعني أنَّ المتقدمين لم يكن لهم ألفاظ تدل على الاهتمام الكبير بمسائل النص وفهمه والغوص في أعماقه؛ كلاَّ؛ لقد كان ذلك لهم، وغاية ما في الأمر أنهم لم يكونوا ليخوضوا في الجوانب البيانية البحتة إلا ليجعلوها مطية إلى الأحكام إذ غلب عليهم نشر الرسالة وتوضيح الدين وتبيين معالمه، لمريده ومنكر ه وجاه ل ه، لاسيما وقد دأبوا على عدم الإغراق في التأويل صونا لجناب الشريعة على مبدأ قاعدة "سد الذرائع"، هذا من جهة، 130- محمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية "بدائع الفوائد" دار الكتاب العربي، بيروت، لبنان، بدون، ج4/8-10. 131- المصدر السابق نفسه، ج1/188.
عدد الصفحات ٩٩جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 100 ومن جهة ثانية، فقد وردت عندهم ألفاظٌ أخرى تحاكي ألفاظ المعاصرين من أهل الدراسات اللِّسانية، ولست أعني المصطلح فذلك شانٌ آخر، وإنَّما مرادي الكلمات العامة التي تجري في عرفهم، إذ لكل أهل مدرسة ألفاظٌ غالبة وكلمات جارية وعبارات نموذجية ي عرفون بها، حتى وإن لم تكن مصطلحا، أو هيَّ لمَّا تبلغ حد الاصطلاح، ككلمة "الحفر" في النصوص، و"خلايا" النص، و"جينات" النص ونحو ذلك، مما كثير منه مأخوذ من علم دراسة الأحياء والكائنات، اعتمادا على أن النص وحدة متفاعلة وجمل متكاملة تشكل معاني حيَّةً، وما دامت حيَّة فإنَّها لا محالة تلد كلَّما خالطها ماء الفهم الدقيق والنظر النافذ في أحشاء المضمون، لتضع لنا جيشا من الفوائد المكنونة، وتخرج نفائس من الكنوز المدفونة في بطن النص. فمن تلك الكلمات المعهودة عند القدماء كلمة "الغوص" على المعاني، "دلالة الإشارة"، و"دلالة الإيماء"، الاستنباط، وغيرها، هذا من جهة ثانية، ومن جهة ثالثة، فإنَّ بعض الألفاظ الحديثة كانت موجودة وإن قل استعمالها كلفظ "الاستخراج" و"التفجير" وأمثالهما، فهذا ابن القيم يورد لفظ التفجير والشَق النصوص لدى مقارنته بين صحابيين كريمين أحدهما للسماع والرواية ، والثاني للدراية والرعاية والعناية بمعاني المرويات؛ فيقول: "علم ابن عباس كالبحر وفقهه واستنباطه وفهمه في القرآن بالموضع الذي فاق به الناس، وقد سمع كما سمعوا و حفظ القرآن كما حفظوا، ولكن أرضه كانت من أطيب الأراضي وأقبلها للزرع، فبذر فيها النصوص فأنبتت من كل زوج كريمذَل كَ فَضْل اللهَّ ي ؤْت يه مَنْ يَشَاء وَاللهَّ ذ و الْفَضْل الْعَظ يم }[21]،وأين تقع فتاوى ابن عباس وتفسيره واستنباطه من فتاوى أبي هريرة وتفسيره ؟ وأبو هريرة أحفظ منه بل هو حافظ الأمة على الإطلاق يؤدي الحديث كما سمعه ويدرسه بالليل درسا، فكانت همته مصروفة إلى الحفظ، وبَلَّغَ ما حفظه كما سمعه، وهمة ابن عباس مصروفة إلى التفقه والاستنباط وتفجير النصوص وشق الأنهار منها واستخراج كنوزها"(132.) 132- محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية (ت751هـ) "الوابل الصيب من الكلم الطيب سيد إبراهيم، دار الحديث – القاهرة، ط 3،1888م، ص58 .
عدد الصفحات ١٠٠جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 101 ثانيا الآليات الخارجية المُسبَقَة: 1 – الثروة العلمية واللغوية وهي تلك الثروة العلمية التفسيرية ذات المزايا، التي تمكن الناظر من التبصر المتكرر في الخبايا، والنظر المتعدد الزوايا. بيد أنه لا يشترط للتلقي أن ي حَ صِّ لَ المرء آلية الاجتهاد المطلق لكونها أقرب إلى العدم منها إلى الوجود، وهي آلية لا يحققها في الأزمان إلاَّ القليل، فيكفي أن كل متلقٍ يجتهد بحسبه، وإذا تظافرت الجهود، فقد حصل كثير من المقصود، ولكننا يجب أن نقول إن التلقي العام يستطيعه كلُّ أحد، والله قد يسَّر القرآن للذكر وقال: {فَهَلْ م نْ م دَّك رٍ [ }القمر17] التلقي التفسيري الذي يتجشم فيه المتلقي عناء الشرح والبيان، واستخراج درر المعاني وياقوتها، وجواهر الأسرار ونعوتها، فذلك الذي تلزمه العدة ويتحتم عليه الإعداد، وحمل الزاد، ليكون وهو بصدد التحليل شبعان ريان من علوم القرآن، حتى ي حسن الفهم وي جيد الاستنباط. ولكن المرء إذا كان باحثا وتوفرت له ملكة الفتش والتنقيب، والنظر والتقليب، والرجوع إلى المصادر والمدوفات، فهو حينئذ يستطيع استدراك ما فات، مما ينق ص ه من تلك الثروات العلمية التي يحتاجها المتلقي احتياجا شديدا. إن الم تَ حَ تِّ مَ على الناظر أن يستعمل آلة التدبر في ظل اللغة والعلم، إذ المرء لا يفكر إلا من خلال المعلومات، ولا يتدبر سوى في إطار الكلمات، فينبغي أن ي حَصِّلَ عدة النظر من زاد لغوي ومشحون فكري وتنوع علمي واستعداد نفسي وفهم ثاقب، كي يتلقى أسرار القرآن في ضوء مقاصده، حتى لا يفسره بمعانٍ خارجة عنه، بل يولي وجه الصواب محققا المعاني المتَّص لَة ب حقيقته، والنابعة من طبيعته، والملتح مة مع سياقه وعادته، و ذلك بما يتلاءم مع روحه وفحواه، لا بمجرد إسقاط شروح اللغويين على معناه، حتى لكأَنَّ المعاني تسجن داخل القوالب الجافَّة الميِّتة، بالإضافة إلى وجوب إتقان صنعة النظر واحترافيته، وتمام البحث، وتعدد الأدوات، وتنوع زوايا النظر حتى ي درَ ك المراد وت تَّ بَ عَ الإيحاءات وت لتَ قَ طَ النُّ كت واللطائف، ثم لا يكون المقصود مجرد تخريج الاحتمالات اللغوية، وأوجه الإعراب الاختلافية ، "فمن تدبر القرآن ، و تدبر ما قبل الآية و ما بعدها ، و عرف مقصود القرآن ؛ تبين له المراد ، و عرف الهدي و الرسالة ، وعرف السداد من الانحراف
عدد الصفحات ١٠١جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 102 والاعوجاج"(133). والواقع، أنَّ المتدبر يحتاج إلى التمعن ليصل إلى التلقي الصحيح لمعاني القرآن، ويحسن فهمها على وجهها، بدقيق النظر وإنعامه، وتحليله على وجه مقارب لتمامه، ولا تشترط فيه آلية الاجتهاد لأجل ذلك، فقد يقول القرآن مثلهم كمثل كذا، فهنا المتلقي لا ي حلل المثل حتى يفرق بين الصورتين و يتصور كلا منهما على حدة، وبعد ذلك يمكنه القياس والاعتبار واستنباط الفوائد التي يمن بها الله تعالى عليه، وهذه هي الطريقة في قراءته والسبيل في تدبره والغوص على معانيه، واستخراج درره وجواهره وخوافيه، وبالتالي فالقول الآنف الذكر في القرآن "مَثَل ه كَمَثَل كَذَا؛ تَشْب يهٌ ل لْمَثَل الْع لْم يِّ ب الْمَثَل الْع لْم يِّ لأ َنَّه ه وَ الَّذ ي ب تَوَسُّط ه يَحْص ل الْق يَاس فَإ نَّ الْم عْتَب رَ ي نْظَر ف ي أَحَد ه مَا فَيَتَمَثَّل ف ي ع لْم ه وَيَنْظ ر ف ي الآْخَر فَيَتَمَثَّل ف ي ع لْم ه ث مَّ يَعْتَب ر أَحَدَ الْمَثَلَيْن ب الآْخَر فَيَج د ه مَا سَوَاءً فَيَعْلَم أَنَّه مَا سَوَاءٌ ف ي أَنْف س ه مَ ا لا سْت وَائ ه مَا ف ي الْع لْم وَلاَ ي مْك ن اعْت بَار أَحَد ه مَا ب الآْخَر ف ي نَفْس ه حَتَّى يَتَمَثَّلَ ك لٌّ م نْه مَا ف ي الْع لْم فَإ نَّ الْح كْمَ عَلَى الشَّيْء فَرْعٌ عَلَى تَصَوُّر ه "( 134.) ومن جملة العلم الجالب للتصور الصائب ؛ الموازنة بين الأنظار لإدراك صحيحها، والتأمل فيما قيل عن الآية من تفاسير لبلوغ رَجيحها، وإيجاد نوافذ للتوغل إلى باطن النص بالغوص والإبحار، ومحاولة إيجاد مداخل من مجموع الشروح تهدي الناظر إلى طرق خفية في استخراج اللطائف والنكت والأسرار. 2 – معاشرةأنواع النصوص: إنَّ الع شرة شيء زائد على التدبر، وأمر يفوق ما يتبادر من دقة التفكر، لكونها تفض ل ه بالمراس والتجربة، وإنَّ في التجارب من الفهم والإدراك ما لا يبل غ ه الفكر المجرد، والامر كما قلت يوما: ألق كتـابك عني هات تجـربَةً ** ففي التجارب علمٌ ليسَ في الكت ب . علمٌ حقيقٌ يكيكَ اليومَ معض لَةً ** وفي غَــدٍ لـه نفــعٌ ليــسَ بالكذب . والع شرة هاهنا هي توفيق إلهي يبارك الفهم ويرفعه ويزكيه، إذ من الآليات المعنوية في هذا التوفيق الرباني للمتفهم حتى يحسن تلقي الخطاب القرآني عموما والمثل على وجه الخصوص؛ أن يجعله مخالطا لنصوص القرآن حفظا وتدبرا بحيث يعاشرها معاشرة المحب 133- أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني "مجموع الفتاوى" ت:عبد الرحمن بن محمد بن قاسم، ج15/84. 134- المرجعالسَّابق نفسه، ج14/57.
عدد الصفحات ١٠٢جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 103 المتيَّم، والنشوان المرتل المترنم، ويعيش معها بلسانه ول بِّه، وبجَنانه وقلبه، ويتفيَّأ ظلال الآيات البينات، والمعاني الرائقات البديعة. لاسيما إذا عاشر نوعا من النصوص وطائفة معينة منها، فهذه أمثال القرآن، لو عاش معها المحلل إياها، المتأمل في معناها، ولازم ذلك مدة مستحسنة لخرج بما لا يخرج به غيره، ولأفاد فأجاد بما يفوق ذلك المتدبر للقرآن بصفة عامة، إذ الاقتصار على باقة من زهور المعاني في آيات الذكر الحكيم أمكن للناظر أن يحكمها ويتوفر على فهمها بالاجتهاد والمثابرة، وهذا بخلاف ما لو ارتمى في بحر القرآن كله فأنى له أن يصل إلى ش طآنه، بله أن يغوص في لججه وأعماقه. ومن تمام ذلك ومكملاته مخالطة نصوص أهل الجاهلية؛ حتى يظهر للناظر الفرق بين كلام البلغاء وكلام الله عز وجل في بيانه القرآني؛ وتفتح للمتلقي آلية من آليات الفهم الزائد، والإدراك الراشد، في ميدان المقارنة التي ترفع منسوبه من التصور واليقين؛ لأنَّ مخالطَة نصوص الجاهليين نثرا وشعرا وهم معيار البلاغة البشرية لا يكون كغيره، فيمتلك رويدا رويدا ملكة البيان السليقية، وتلك هي قضية الاقتراب من السليقة بالكسب، وربما هي الوجه الثاني لقضية الطبع والصَّنعة عند الأدباء والنقاد. ومثاله قول أهل الحديث من خالط السُّنة حتى جرت في عروقه استطاع أن يعرف صحيح الحديث من ضعيفه بمجرَّد قراءته، وتلك هيَ حقيقة الذوق العلمي القائم على الممارسة وسعة الاطلاع المعرفي. وهو ما يبعد كلَّ ما قيل عن الانطباعيَّة، لأنَّ مقام السَّليقة عند الأوَّلين كمقام الصنعة عند المتأخرين. فالذوق الطبيعي للفاكهة أقرب إلى الذوق التجريبي العلمي لفواكه الكلام ونصوصه. فالمعاشرة وطول المراس وتمام الحذق والتبصر، والعيش في رحاب القرآن نظرا وتدبُّرا، فهما وتعقُّلا؛ مع التسلح بأدوات التحليل، ولاسيما في باب المثل والتمثيل؛ كل ذلك هو منتهى ما يصل إليه المقاصديِّ النَّاقد المتذوِّق. 3 – التقوى وطهر النفس: يجب أن يعلم أن نص القرآن ليس كباقي النصوص التي تحلل بمجرد استعمال الأدوات اللازمة للفهم؛ كلا؛ إنه روح سامية طاهرة تسري إلى يوم الدين؛ بحيث لا تخالطها العقول المتلطخة والأفهام ذات القلوب المتسخة بالمعصية والفسوق، هو الروح التي لا تلامسها إلا
عدد الصفحات ١٠٣جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 104 أيادي المعارف الإيمانية الصافية، والمدارك الفيحاء العالية؛ مهما أوتي المتعرض لفهم كلام الله سبحانه ما أوتي من وسائل التحليل وأدواته، واستجماع شروطه وأركانه؛ فإنه إن كان ذا قلب غير سليم وخلق ليس بمستقيم، فلن يأتي منه في القرآن فهم قويم. ذلك أن الله تعالى حصر فهم معاني القرآن ولاسيما الأمثال في صاحب العلم والتعقل فقال جل ثناؤه43] ليس من أهل العلم والبصيرة فلا يطمع في تعقل الأمثال وفهم ما فيها من العلوم والأسرار، لان المقام مقام بصيرة وليس مجرد بصر، من جهةٍ، ومن جهة أخرى فالوصف بالعلم في القرآن الحكيم، لا يكون إلاَّ لمن كان مؤمنا عاملا، والذي لا يعمل بهدى الله ولا يتبع النور المنزل على رسوله لا يمكنه أن يخرج من ميدان البَيان والبَ يِّ نات بطائل. أمَّا كفار قريش ومشركو العرب لدى زمن النبوة فقد هالهم بيان القرآن ولكنهم لم يفهموا بيناته، ولم يدركوا ما أدركه الصحابة من تأويلاته وخوافيه، لأنهم كانوا به كافرين والقرآن العزيز لا يعطي درره للمعرضين . لهذا لا تجد لأكبر الخبراء في الدراسات اللغوية من الغربيين أو الدراسات اللسانية للحداثيين استفادة علمية، أو استخراجا لنكت بلاغية من كتاب الله سبحانه، على رغم امتداد التاريخ الإسلامي في الزمن الطويل، إنه الحرمان من التوفيق في هذا المجال، حتى لا تعبث بكتاب الله المتعال فهوم ملوثة. أما الذي يأتي البيوت من أبوابها إيمانا وتطهرا، فواجد هو باب الفهم مفتوحا على مصراعيه، سواء أوغل في التدبر أو لم يستطع الغوص فسبح على الضفاف. إنَّ العاميَّ الأمي لا يخرج من سماع القرآن فضلا عن قراءته صفر اليدين؛ فهو على الأقل يستفيد التذاذات صوتية، وراحَةً نفسية، وارتفاعا في مشاعر الإيمان. وصدق الشاعر إذ قال: بقـدر حَـظ ـ كَ مـن فـنِّ التـَّـدَبُّـر خ ــذ ** أســــرارَه سَطعَـــتْ ل طـــفـاً وتيسـيــرا . حَتَّى العـوام أتـ ـوا فَهْــما وطَـمـأنـَـةً ** إذا تَلَــــوه ؛ بـقَــــــدرٍ ، ليـــسَ تـقـتيـــرا . بل إنَّ طــاع ــنَ س ــنٍّ مـا إذا سَـم ـعَ ** القــ ــرآنَ ي ـتـلـى شَـعَـرْ بالـرَّوح تكـبيـرا. منـه تَج ـيْ أخْــذَة الـت ـَدلـيه تغــم ـر نا ** بالحـــَقِّ بالس ـ ــعْــد بالإيمــان تـعـمــيـرا. (135.) 135- عيسات قدور سعد "أعولي يا جراح" ديوانٌ، غير منشور، ص 106 .
عدد الصفحات ١٠٤جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 105 ولئن قيل إن عز وجل يقول في شأن من يعلم الهدى ويمشي مع الضلال { على علم [23] فالجواب: إنه لم يقل عالم ولم يثبت له اسم الفاعل ولا الصفة المشبَّهة، وفرق بين الأمرين. فإن المصدر لا يصف بالعلم إلا من عمل به، وإلا فأيُّ علمٍ هذا الذي لا ي ور ث صاحبه الخشية والتقى، وقد قال تعالى28] عاريا من الخشية لم يكن عالما، وكان مجرد جامع معلومات، وحامل أفكار، بل هو حمار كما دل عليه المثل القرآني البديع في قوله تعالى كَمَثَل الْح مَار يَحْم ل أَسْفَارًا 5.] إن العلم الحقيقي هو الذي يحمل الأمانة، و" حملها يبدأ بالإدراك والفهم والفقه، وينتهي بالعمل لتحقيق مدلولها في عالم الضمير وعالم الواقع" (136.) والحق؛أن الأمر كما قال ابن القيم بعيد ذكره بعض أسرار المثل الذي ضربه الله تعالى للكلمة الطيبة، حيث كتب قائلا: "هذا بعض ما تضمنه هذا المثل العظيم الجليل من الأسرار والحكم، ولعلها قطرة من بحر بحسب أذهاننا الواقفة وقلوبنا الم خط ئة وعلومنا القاصرة وأعمالنا التي توجب التوبة والاستغفار وإلا فلو طهرت منا القلوب وصفت الأذهان وزكت النفوس وخلصت الأعمال وتجردت الهمم للتقي عن الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم لشاهدنا من معاني كلام الله عز وجل وأسراره وحكمه ما تضمحل عنده العلوم وتتلاشى عنده معارف الحق وبهذا يعرف قدر علوم الصحابة ومعارفهم رضي الله عنهم وإن التفاوت الذي بين علومهم وعلوم من بعدهم كالتفاوت الذي بينهم في الفضل والله أعلم حيث يجعل مواقع فضله ومن يختص برحمته" (137.) لذلك فالصحابي إذا قرأ القرآن وجد في نفسه من المشاعر والفهوم والأحاسيس ما لم يجده أكبر علماء الدنيا في الأدب والفكر و الثقافة ، ولو كان أعظم اللغويين ، وأفهم البلاغيين، 136- سيد قطب إبراهيم حسين الشاربي (ت1385هـ "في ظلال القرآن" دار الشروق - بيروت- القاهرة، ط 17، سنة 1412هـ، ج6/3567 . 137- شمس الدين محمد بن أبي بكر الزرعى الدمشقي المعروف بابن قيم الجوزى (ت751هـ) "الأمثال في القرآن" ت أبي حذيفة إبراهيم بن محمد، مكتبة الصحابة بطنطا، مصر، ط 1،1406هـ1886م، ص38-40 .
عدد الصفحات ١٠٥جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 106 وأشدهم تبحرا. ثم هاك مثالا حيا ترى من خلاله كيف يتدرج الفهم عبر الأزمان ويزيد فيه أهل النظر بواسطة تلك الآليات المذكورة آنفا في عملية التلقي؛ ويضيفون إليه في كل عصر معاني جديدة، ولطائف مفيدة رائعة. ونحن إذ نضرب لك ذلك – ولو بشيء من الطول لأجل اقتضاء المقام-؛ إنَّما ندلُّك على التحليل القائم على تعدد زوايا النظر، والاعتبار بتتبع الأقوال في شرح الأمثال، حتى يخلص المتلقي إلى عديد من الأسرار والدقائق والإفادات، لاسيما إذا هو حقق النظر في الأمثال المتعاقبة لكونها تسهل عليه المقصود بتتابعها وتستحثه على إعمال المقارنة لي حَصِّل النكت والأسرار. إنَّ التعدد في النظر وزواياه ومعاودته وتكراره شيء أساسي، يساعد المتدبر في بلوغ مقصوده، إذ طبيعة القرآن تستدعي وجوب التعدد المذكور، وتكرار النظر، ولقد أحسن عبد الله دراز في التعبير عن ذلك حيث يقول: "هذه عجيبة أخرى تجدها في القرآن ولا تجدها فيما سواه. ذلك أن الناس إذا عمدوا إلى تحديد أغراضهم لم تتسع لتأويل. وإذا أجملوها ذهبوا إلا الإبهام أو الإلباس. أو إلى اللغو الذي لا يفيد. ولا يكاد يجتمع لهم هذان الطرفان في كلام واحد. وتقرأ القطعة من القرآن فنجد في ألفاظها من الشفوف، والمَ لاسة والإحكام والخلو من كل غريب عن الغرض ما يتسابق به مغزاها إلى نفسها دون كد خاطر ولا استعادة حديث؛ فكأنك لا تسمع كلامًا ولغاتٍ بل ترى صورًا وحقائق ماثلة. وهكذا يخيل إليك أنك قد أحطت به خ برًا ووقفت على معناه محدودًا؛ هذا ولو رجعت إليه كرة أخرى لرأيتك منه بإزاء معنى جديد غير الذي سبق إلى فهمك أول مرة، وكذلك.. حتى ترى للجملة الواحدة أو الكلمة الواحدة وجوهًا عدة. كلها صحيح أو محتمل للصحة، كأنما هي فص من الماس يعطيك كل ضلع منه شعاعًا، فإذا نظرت إلى أضلاعه جملة بهرتك بألوان الطيف كلها، فلا تدري ماذا تأخذ عينك وماذا تدع. ولعلك لو وكلت النظر فيها إلى غيرك رأى منها أكثر مما رأيت. وهكذا نجد كتابًا مفتوحًا مع الزمان يأخذ كل منه ما يسر له؛ بل ترى محيطًا مترامي
عدد الصفحات ١٠٦جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 107 الأطراف لا تحده عقول الأفراد ولا الأجيال" (138 .) فلقدتنوعت الأنظار في كثير من الأمثال، ونحن نضرب المثل على وجه الخصوص بالأمثال التي جاءت متعاقبة متواكبة ، ونذكر قول ابن تيمية ومحمد محمد أبي موسى والبوطي ونطلعك على تعقيبنا الخاص ، لتبصر كيف أنَّ المعاني ازدانت واستعلنت عبر الزمن. والحقيقة أنَّ الأمثال المتعاقبة جاءت بهذه الكيفية الترتيبية المتوالية كيما يجلي كل مثل في موضعه الحقيقةَ التي لا يجليها الآخر، ويوضح كل واحد الحالة التي لا يتناولها قرينه، فتغدو الأمثال مشاهد واضحة الصور محددة النوع معينة المجال، بحيث توحي بالفوارق بينها وتستحث الذهن للمقارنة بينها، وفي الوقت نفسه تساعده على استجلاء الفوارق بأمرين: الأول: كونها موضوعة بجانب بعضها بعضٍ ليست بينها عدد كبير من الآيات، أو أنها متعاقبة بلا فاصل، مما يمكن الناظر من تبين مميزاتها وخصوصية كل مثل في موضوعه وصورته. الثاني: كونها تصور المشاهد المتعاكسة أو المتقاربة التي تصور الكافر مثلا، لكن كل مثل يعالج يوضح حالة معينة من أحوال هذا الكافر وأعماله. من هنا؛ انظر إلى لفظة كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق وَالَّذ ينَ كَفَر وا أَعْمَال ه مْ كَسَرَابٍ ب ق يعَةٍ ... أَوْ كَظ ل مَاتٍ ف ي بَحْرٍ ل جِّيٍّ ... } والسر في هذا هو المغايرة وليس مجردالتنويع، فإن كل مثل يختص بتبيين حالة من الحالات، وصنف من أصناف الناس، ففي قوله تعالى أو كصيب تمثيل للمنافق المتردد الذي لم يستقر لا في ضوء ولا في ظلمَة، بخلاف الأول الذي عمي وصم ولم يرجع إلى النور بتاتا، ولهذا قال الله عنهثابت على نفاقه قدر اشترى 138- محمد بن عبد الله دراز (ت1377هـ) "النبأ العظيم نظرات جديدة في القرآن الكريم" اعتنى به : أحمد مصطفى فضلية، قدم له : أ. د. عبد العظيم إبراهيم المطعني، دار القلم، مصر،1426هـ2005م، ص151-152.
عدد الصفحات ١٠٧جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 108 الضلالة بالهدى وهو قانع بالبيع، راضي بالصفقة، أمَّا الثاني فهو متردد حائر لهم مشوا فيه وإذا أظلم عليهم قاموا ظاهرا، ولم يخلص إلى النور فيكون مع المؤمنين، فهو يتردد بين هذين الحالين، بيد انه لا ينفعه إيمانٌ مشكوكٌ فيه، لأنَّ اليقين الواجب في الإيمان لا يحتمل الشك، وأما كيف يكون منافقا وقد أثبت السياق بذكر الضياء أنه كان مؤمنا، فالجواب أنه كذلك، فقد ثبت أن بعض من آمنوا صاروا كافرين بعد ذلك لأن سماحة الإسلام وبشاشة الإيمان ل م تخالط شغاف قلوبهم، فأدركهم الحور بعد الكور، وأصبحوا في ريبهم يترددون. لذلك يعطون نورا في الآخرة ثم ينطفئ لأن الجزاء من جنس العمل فهم كانوا في الدنيا لا يعملون لله وإنما لوجه الناس وابتغاء ثنائهم، لأجل ذلك قال ابن عباس " ليس أحد من المسلمين إلا يعطي نوراً يوم القيامة، فأما المنافق فيطفأ نوره، وأما المؤمن فيشفق مما رأى من إطفاء نور المنافق، فهو يقول8]" (138). وفي هذا الصدد جاء الحديث النبوي في صحيح البخاري، فعن عَنْ أَب ي سَع يدٍ رَض يَ عَنْه ، قَالَ: سَم عْت النَّب يَّ صَلَّى الله عَلَيْه وَسَلَّمَ يَق ول : «يَكْش ف رَبُّنَا عَنْ سَاق ه ، فَيَسْج د لَه ك ل م ؤْم نٍ وَم ؤْم نَةٍ، فَيَبْقَى ك لُّ مَنْ كَانَ يَسْج د ف ي الدُّنْيَا ر يَاءً وَس مْعَةً، فَيَذْهَب ل يَسْج دَ، فَيَع ود ظَهْر ه طَبَقًا وَاح دًا »140)، وهؤلاء هم المنافقون، وفي حديث آخر طويل لابن مسعود رضي عنه؛ نذكر منه موضع الشاهد فقط؛ وفيه أنَّه يوم القيامة: «يَمْث ل لكل قوم آلهَت ه م التي كانوا يعبدونها فيتبعونها حتى توردهم النار ، فيبقى المؤمنون والمنافقون ، فيخر المؤمنون سجدا، وتدمج أصلاب المنافقين ، فتكون عظما واحدا ، كأنها صياصي البقر (141) ، ويخرون على أقفيتهم»142)، قال الحافظ ابن حجرهَذَا إ سْنَادٌ صَح يحٌ م تَّص لٌ ر جَال ه ث قَاتٌ " (143.) 138- أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني (ت 728هـ) "مجموع الفتاوى ت:عبد الرحمن بن محمد بن قاسم ، ج14/331. 140- محمد بن إسماعيل أبو عبد الله البخاري الجعفي "صحيح البخاري" ت: محمد زهير بن ناصر الناصر، دار طوق النجاة، ط 1،1422هـ،كتاب التفسير، بَاب : {42]4818/ج6/ص158. 141- صياصي قر ون، ولعلك من هنا تدرك العلاقة بين هذا الذي يحصل لهم من انط باق ظهورهم وتصلبها كقرون البقر، وبين ذكر حالهم في سورة البقرة. 142- أحمد بن علي بن محمد بن أحمد بن حجر العسقلاني، أبو الفضل (ت852هـ) "المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية" ت: مجموعة من العلماء، تنسيق: د. سعد بن ناصر بن عبد العزيز الشثري، دار العاصمة، دار الغيث، السعودية، ط 1، سنة1418هـ، ج18/482.
عدد الصفحات ١٠٨جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 108 والحديث "قد ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة وأبي سعيد وهو ثابت من وجوه أخر عن النبي صلى الله عليه وسلم" (144)، وهو وارد بألفاظ متقاربة، وقد ف سِّرَ به قوله تعالى42 .] من هنا يرى ابن تيمية أن المثلين في سورة البقرة عنأهل النفاق يشمل كل واحد منهما حالة من حالاتهم؛ فالثاني للمترددين منهم، والأول للذين آمنوا ثم كفروا، فهو يستدل قائلا: "ولهذا قال18] وقال السدي: لا يرجعون إلى الإسلام، يعني في الباطن، وإلا فهم يظهرونه، وهذا المثل إنما يكون في الدنيا، وهذا المثل مضروب لبعضهم وهم الذين آمنوا ثم كفروا. وأما الذين لم يزالوا منافقين فضرب لهم المثل الآخر، وهو قوله وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ 18]، وهذا أصح القولين، فإن المفسرين اختلفوا: هل المثلان مضروبان لهم كلهم، أو هذا المثل لبعضهم؟ على قولين. والثاني هو الصواب؛ لأنه قال كَصَيِّبٍ يشبهون المثلين لم يذكر والمقصود تفهيم المؤمنين حالهم، ويدل على ذلك أنه قال في المثل الأول ع مْيٌ ب الْكاف ر ينَ يَكَاد الْبَرْق يَخْطَف أَبْصَارَه مْ ك لَّمَا أَضَاء لَه م مَّشَوْاْ ف يه وَإ ذَا أَظْلَمَ عَلَيْه مْ قَام واْ وَلَوْ شَاء الله لَذَهَبَ ب سَمْع ه مْ وَأَبْصَار ه مْ إ نَّ اللهَّ عَلَى ك لِّ شَيْءٍ قَد يرٌ 18،20]. فبين في المثل الثاني أنهم يسمعون ويبصرون ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم، وفي الأول كانوا يبصرون ثم صاروا في ظلمات لا يبصرون، صم بكم عمي. وفي الثاني إذا أضاء لهم البرق مشوا فيه وإذا أظلم عليهم قاموا، فلهم حالان: حال ضياء، وحال ظلام، والأولون بقوا في الظلمة. فالأول حال من كان في ضوء فصار في ظلمة، والثاني حال من لم يستقر لا في ضوء 143- المصدر السابق نفسه 144- أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني (ت728هـ) "الإيمان" ت: محمد ناصر الدين الألباني، نشر المكتب الإسلامي، عمان، الأردن، ط 5،1416هـ1886م، ص 216.
عدد الصفحات ١٠٩جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 110 و في ظلمة، بل تختلف عليه الأحوال التي توجب مقامه واسترابته"(145.) والذي يؤيد هذا الفهم أنَّ القرآن بين هذا الريب في طائفة المنافقين، كما قال الله تعالى عنهم "في الحديث عن غزوة تبوك وأحوال المأمورين بالنفير فيها، فبعد أن عاتب الله تعالى رسوله في إذنه للمتخلفين أخبره أنه لا يستأذنه المؤمنون الصادقون في أن يتخلفوا عن الجهاد بأموالهم وأنفسهم وإنما يستأذنه } في الإيمان بالله ورسوله ووعده ووعيده،45]حيارى مترددون لا يدرون أين يتجهون، وهي حالة المزعزع العقيدة" (146.) ثم إنَّ المقارنة بين مثلي سورة البقرة، وبين ما يشبههما في السور الأخرى كسورة النور يؤيد النظرة ويعطي لها كثيرا من الاعتبار ويشهد لها بالصواب ويزيدها من التجلي، وهو ما عمله ابن تيمية حينما جعل المقارنة دليله، فقال: "يبين هذا أنه سبحانه ضرب للكفار أيضاً مثلين بحرف إ ذَا جَاءه لَمْ يَج دْه شَيْئًا وَوَجَدَ اللهََّ ع ندَه فَوَفَّاه ح سَابَه وَاللهَّ سَر يع الْح سَاب أَوْ كَظ ل مَاتٍ ف ي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاه مَوْجٌ مِّن فَوْق ه مَوْجٌ مِّن فَوْق ه سَحَابٌ ظ ل مَاتٌ بَعْض هَا فَوْقَ بَعْضٍ إ ذَا أَخْرَجَ يَدَه لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَن لَّمْ يَجْعَل اللهَّ لَه ن ورًا فَمَا لَه م ن نُّورٍ38،40] الذي يحسب صاحبه أنه على حق وهو على باطل، كمن زين له سوء عمله فرآه حسنا، فإنه لا يعلم ولا يعلم أنه لا يعلم؛ فلهذا مثل بسراب بقيعة، والثاني مثل الكفر الذي لا يعتقد صاحبه شيئاً، بل هو في ظلمات بعضها فوق بعض، من عظم جهله لم يكن معه اعتقاد أنه على حق، بل لم يزل جاهلاً ضالاً في ظلمات متراكمة. وأيضاً، فقد يكون المنافق والكافر تارة متصفاً بهذا الوصف وتارة متصفًا بهذا الوصف، فيكون التقسيم في المثلين لتنوع الأشخاص ولتنوع أحوالهم، وبكل حال فليس ما ضرب له هذا المثل هو مماثل لما ضرب له هذا المثل؛ لاختلاف المثلين صورة ومعنى؛ ولهذا لم يضرب للإيمان إلا مثل واحد، لأن الحق واحد فضرب مثله بالنور 145- أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني (ت 728هـ) "الإيمان" ت: محمد ناصر الدين الألباني، نشر المكتب الإسلامي، عمان، الأردن، ط 5،1416هـ1886م، ص217-218. 146 - جابر بن موسى بن عبد القادر بن جابر أبو بكر الجزائري "أيسر التفاسير لكلامالعلي الكبير" مكتبة العلوم والحكم، المدينة المنورة، المملكة العربية السعودية، ط 5، سنة1424هـ2003م، ج2/373-374.
عدد الصفحات ١١٠جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 111 ن ور السَّمَاوَات وَالأَْرْض مَثَل ن ور ه كَم شْكَاةٍ 35 ] بضوءحقيقة له، كالسراب بالقيعة أو بالظلمات المتراكمة، وكذلك المنافق يضرب له المثل بمن أبصر ثم عمى، أو هو مضطرب يسمع ويبصر ما لا ينتفع به. فتبين أن من المنافقين من كان آمن ثم كفر باطناً، وهذا مما استفاض به النقل عند أهل العلم بالحديث والتفسير والسير، أنه كان رجال قد آمنوا ثم نافقوا" (147.) فهذا إذن؛ هو وجه المقارنة بين المثلين في سورة البقرة وسورة النور بين الأمثال الواردة فيهما كما سبق. بيد أنَّ الأستاذ محمد محمد أبو موسى ظهر له وجه إضافي في التفريق بين مثلي المنافقين في آيتي البقرة، يقول: "اختلف المثلان في سورة البقرة وقد ضرب لجماعة واحدة هم الذين اشتروا الضلالة بالهدى،ويبدو أن المثل الأول تصوير لضلالة أهل الضلالة حين لا يخوضون صراعا مع الحق وأهله، يعني تصويرا لضلالهم في أنف س هم من غير أن تحتشد هذه النفوس لمواجهة الحق، والمثل الثاني تصوير لضلالتهم وقد خاضوا المواجهة مع أهل الحق، وهذه الحركة وتلك الأحداث وهذا الصراع القائم بينهم وبين الطَّبيعة «الصَيِّب، والظُّلمات، والرَّعد، والبَرق الذي يَخط ف أبصارَه م »رمزٌ لهذا الصراع الذي يخوضونه مع أهل الحق، ولا تجد شيئا من هذا في المثل الأوَّل، وإنَّما تج د رج لا يستوقد نارا ث مَّ تنطَفئ ويبقى في ظ ل ماته، من غير أن يكون حوله رعدٌ وبرقٌ يخط ف أبصاره، ومن غير أن يَنخل عَ قلبَه من هول المخافة فيضَعَ أصابعه في أ ذ ن ه" (148.) ويؤيد هذا التوجيه لمعنى الآيات، ما ينطبق على المترددين من المنافقين بانهم هم حقا الذين ي خوضون صراعا معيَّنا مع اهل الحق، وقد وضحهم وفضحهم القرآن، والمتأمل لسورة التوبة يجد صدق ذلك في سياق الحديث عن غزوة العسرة وهي غزوة تبوك، وما عمله المنافقون فيها من اتخاذ مسجد ضرار للكيد للمسلمين بل لقتل الرسول صلى الله عليه وسلم، فأي محاربة للحق فوق هذه، ق ال تعالى 147- أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني (ت728هـ) "الإيمان" ت: محمد ناصر الدين الألباني، نشر المكتب الإسلامي، عمان، الأردن، ط 5،1416هـ1886م، ص 218-218. 148- محمد محمد أبو موسى "دراسة في البلاغة والشعر" نشر مكتبة وهبة القاهرة، ط 1،1411هـ1881م، ص83.
عدد الصفحات ١١١جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 112 وَتَفْر يقًا بَيْنَ الْم ؤْم ن ينَ وَإ رْصَادًا ل مَنْ حَارَبَ اللهََّ وَرَس ولَه 107] انتظارا وتَرَقُّبًا، والآيات تتكلم عنهم وتعنيهم وتبين أنهم مترددون وأصحاب ريب الواقع؛ أنهم يفعلون العظائم، ويحضرون الولائم، ثم يكرون بالشتائم، و م نَ الْم ؤْم ن ينَ ف ي الصَّدَقَات 78] المسلمين فيترصدون مجيئه، وهم مع ذلك كما قال الحق جل شأنه "م نْك رًا عَلَى الْم نَاف ق ينَ ف ي م وَالاَت ه م الْك فَّارَ ف ي الْبَاط ن ، وَه مْ ف ي نَفْس الأَْمْر لاَ مَعَه مْ وَلاَ مَعَ الْم ؤْم ن ينَ بَيْنَ ذَل كَ لاَ إ لَى هَؤ لاء وَلا إ لَى هَؤ لاء وَمَنْ ي ضْل ل اللهَّ فَلَنْ تَج دَ لَه سَب ي لنِّسَاء : 143] {14] لَيْس وا ف ي الْحَق يقَة لاَ م نْك مْ أَيُّهَا الْم ؤْم ن ونَ، وَلاَ م نَ الَّذ ينَ تَوَلَّوْه مْ وَه م الْيَه ود " (148 .) وإذن؛ فلا منافاة بين حمل المثل الأول من مثلي المنافقين في سورة البقرة على من آمن ثم نافق، وفي الوقت ذاته لم يشتد في حرب المسلمين واقتصر بضلالته على نفسه، وحمل المثل الثاني على الشاكين المترددين من أهل النفاق الذين هم مع ذلك من عتاة ا لكائدين للإسلام وأهله، يخوضون ضده حربا خفية تارة ومعلنة تارة، كأنها كتلك الحال التي صورها القرآن عنهم لقسوة قلوبهم يواصلون طريقهم وَ إ ذَا أَظْلَمَ عَلَيْه مْ قَام وا يزالون ينتظرون إضاءات وفرصا يقتنصونها لضرب والحرب، ولكن الله محيطٌ بهم، لهذا ناسب بعد ذكر الرعد والبرق والصواعق قال سبحانه18] فهم لن يَتَ فَ لَّ توا منه، ثم هو قادرٌ عليهم، ولكنه لحكمته يمهلهم إلى حين، ولهذا ختم المثل بذكر مشيئته وبيان قدرته فقال عزَّ م ن قائل ك لِّ شَيْءٍ قَد يرٌ 20 .] وقد وجهمحمد رمضان البوطي المثل الثاني من سورة البقرة، توجيها يلتقي من وجه من الوجوه بما قرره الأستاذ محمد محمد أبو موسى من أن المثل تصوير للصراع بين الحق والمبطلين من أهل النفاق، يقول البوطي: 148- إسماعيل بن عمر بن كثير، أبو الفداء القرشي البصري ثم الدمشقي (ت774هـ) "تفسير القرآن العظيم" ت: سامي بن محمد سلامة، دار طيبة للنشر والتوزيع، ط 2، 1420هـ1888م، ج8/51-52.
عدد الصفحات ١١٢