جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 81 البديع الذي يلتقي مع بعضه بعضا من كل وجه ويستدعيه المقام من جميع النواحي، بحيث لا يكون مجيء الفاصلة لغرض السجع، كلا، بل مجيئها يتحتم بفرض السياق لها، وإيجاب المعاني لكينونتها. إنَّ بين الحرية التحري تناغم بلغ أقصى غايَةً عندما تمثَّل في طبيعة العلاقة بين كون الفاصلة م تَحَرَّاةً من غير اضطرار، وكون التعبير القرآني لم ينفصل أبدا عن حريَّة الاختيار، إذ تأتي الفاصلة آخذَةً مكانَها الطبيعي الذي ينبغي لها أن تتموقَعَ فيه التموق ع المناسب، بحيث توضَع في الموضع الذي يكون به أكثَر جمالها وأعلى إيحائها ، فتش ر ق ملَوِّحَةً بأوفَر الدلالات البيانيَّة الرائعة السَّاطعة في موكب التعبير ا لحر. ب ) الاختيار الصوتي: تشمل بالضرورة الألفاظ ومنها الفواصل، فالألفاظ تعني أي لفظ كان ربما جاء في بداية المثل أو في وسطه، وأما الفواصل فهي مختصة بالخواتيم. إنَّ اللفظة تخت ار، في جملة ما ت ختار من أجله؛ مراعاةً لجمالها الصوتي، وهذه المراعاة نبه عليها ابن القيم ممثلا لذلك بقوله: "لفظ السماوات يلج في السمع بغير استئذان لنصاعته وعذوبته ولفظ الأراضي لا يأذن له السمع إلا على كره ولهذا تفادوا من جمعه إذا أرادوه بثلاثة ألفاظ تدل على التعدد كما قال تعالى وآرض"(113.) بيد أنَّ اختيار اللفظ للغرض الصوتي لا يكون على حساب المعاني ، بل نسجه اللغوي يوافق بين الأمرين، دون أَيِّ تعارض، فهو نسجٌ قد حقق الجمع بين مقومات البيان ودعائم الجمال بشكل متناسق كلِّيَّا؛ صوتا ودلالة وتركيبا. لهذا فطبيعة الاختيار الصوتي في القرآن تتجاوز اللفظة إلى صوت النص بأكمله، وصوت الموضوع برمته، لذلك لا ي قصد بالصوت مجرد النغم الفخم المركوز في الكلمة المختارة، بل نريد جملة المقطوعات الصوتية المؤلفة بترتيب محكم، وتركيب متناسق يلتقي مع المعاني ويجسد وحدة متلاحمة من الصوت واللفظ والدلالة، فالنغمات كالموضوع له 113- محمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية "بدائع الفوائد" دار الكتاب العربي، بيروت، لبنان، بدون، ج1/115.
عدد الصفحات ٨١جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 82 منطلق وختام، وهي كالنص والكلام، تشغل الحيِّز نفسه والمساحة ذاتَهاالتي يشغلها النص فتسير المعاني وبإزائها الأصوات التي ننظر إليها نظرة فوقيه علوية فنراها من بداية الموضوع إلى نهايته تمثل أسلوبا صوتيا فريدا كالأسلوب التعبيري التام، فنجد ها مجموعة من النغمات المتآلفة كتآلف الألفاظ فيما بينها، وقطعا من الرنَّات المتحالفة كتحالف الجمل والتراكيب، مما يجعلها شيئا قائما ضمن النص مبسوطا ببسطه، بالغا أقصى درجة تصلها الدلالة فتتماوج الأصوات معها في رواقٍ واحد. الثاني: الاختيار التركيبي: أي مجموعة الأصوات المتناسقة المتراكبة لا في الحروف المجتمعة في كلمة بل في البنية الصوتية للكلمة المتعاقبة مع ما بعدها أو ما قبلها من كلمات تعاقبا يقتضي ترتيبا مقصودا يجري وفق دلالة يراعيها ومعنى يؤديه. الثالث: الاختيار الدلالي: ويتمثل في انتقاء المعاني التي يجعل اللفظ يتضمنها وكيفية إحاطة البنية الكلامية بها، بسلوك طريق تعبيري بديع يحقق مقصود الدلالة الكبرى، التي تجمع معنى الجمل بتحقيق دلالة الجملة الواحدة، وبلوغ المراد في إنشائها على أتمه وجه وأبلغه باتخاذ سبيل إيثار الكلمات المناسبة التي تجسد المعنى المقصود في كلٍّ منها. ذلك أنَّ "ل ك لِّ حَق يقَةٍ مَثَلاً ، م نْهَا مَا يَقْرَب وَم نْهَا مَا يَبْع د " (114)، بيد أن القرآن أبدع من جهة الوجود بتحقيق أحسن الأمثال معنى وأفضلها لفظا، كما أبدع من جهة العدم باختيار المعاني والألفاظ المنافية للمعارض العقل ي أو البياني فكان - كما يقول ابن العربي - أن "ركَّبَ م نْ الأَْمْثَال مَا يَحْم ل ه اللَّفْظ وَيَقْرَب ، وَلاَ ي عَار ض ه شَيْءٌ" ( 115.) وهناك أساليب ثانوية تدخل ضمن إطار الأسلوب الجامع، وذلك كقولهم أسلوب الاستفهام وأسلوب النداء وأسلوب التهكم وأسلوب التشبيه وأسلوب المجاز، وغير ذلك مما هو جزء من الكل، إذ الشخصية الأسلوبية في القرآن الكريم لها مواصفاتها الخاصة الفريدة، وهي تجمع في رحابها كل هذه الأساليب الصغيرة ومميزاتها، كأنها بالنسبة للأسلوب الساري في 114- محمد بن عبد الله أبو بكر بن العربي المعافري الاشبيلي المالكي (ت543هـ "أحكام القرآن" ت: محمد عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط 3،1424هـ2003م، ج1/143. 115- المرجع السَّابق نفسه
عدد الصفحات ٨٢جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 83 جميع القرآن أدوات وآليات تمثل عيِّناتٍ من حقيقته، أووحدات أسلوبية محدودة من ماهيته، وإن كان البلغاء كذلك يستعملون هذه الأساليب، ولكن أين هم من وضعها في حق موضعها، وأين هم من حسن اختيار الألفاظ المجسدة لحقيقتها، وأين هم من طريقة تركيبها، ومقام ذكرها وتحديد سياقها، وحسن تعيين موقعها من الموضوع. فمن ذلك التشبيه مع الاستثناء كقوله تعالىإ نْ ه مْ إ لاَّ كَالأَْنْعَام [44] تعالى مشبها الكلمة الطبية بالشجرة الطيبة عمال الإضراب لرفع درجة الذمبَلْ ه مْ أَضَلُّ سَب يلاً [ }44]ته الجزئية في قوله تعالى [18] الحال الدقيق؛ يرى فيه الناظر لوصف أولئك في ذلك الجو المخيف؛ كأنَّما أصابعهم على طولها قد ولجت آذانهم، من قوة ضغط الأصبع داخلها، وفرط الهول، وصعوبة الموقف، وشدة الهروب من أصوات الرعد المرعبة. وهذا لكي يبلغ الفهم والشعور كلاهما أقصى إحساس المخاطب، وأعلى قمة عقله، ويرتفقان في النفاذ إلى أعماق نفسه، وقرارة و جدانه وسويداء قلبه. والمجاز العقلي في إسناد العصف إلى اليوم الذي هو مجرد زمان، دون الريح التي هي ، حين قال تعالى ف ي يَوْمٍ عَاص فٍ [ }18] وأنها استغرقت اليوم بأكمله حتى كأنَّ اليوم برمته يعصف عصفا، فيزرع خوفا وهلعا بالغين في القوة والشراسة، وقوله تعالى حَتَّى إ ذَا أَخَذَت الأَْرْض ز خْر فَهَا وَازَّيَّنَتْ } [24] ويزينون أنفسهم، ففي إسناد فعل التزين إلى الأرض التي هي مفعول وليست فاعلا من جهة، وهي مجرد مكان من جهة ثانية؛ بلاغة في بيان الحال، وتوصيف الجمال، وتحقيق الإيجاز، والحقيقة أَنَّ الله تعالى هو الذي زَيَّنَها بما أنبته فوقها، وكساها به من ألوان يطغى عليها البهاء والاخضرار، من كلأ وعشب وأزهار، وحدائق ذات بهجة.
عدد الصفحات ٨٣جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 84 والحق؛ أنَّ هذه لمحات سريعة من الأساليب ذكرناها على وجه التقريب حتى تتبين الصورة بجلاء دون عناء لدى المتَوَسِّم. والآن نشرع في ذكر عناوين صغيرةً نوضح بها الموضوع أكثر، ويكون لها أخصر وأوفر؛ فمن ذلك: أسلوب الاستفهام والتنبيه: ومنه قول الله تبارك وتعالى: {وقوله{تكون له جنة منبهاته الإدراكية شغالَةً حاضرة. أسلوب السخرية والتسفيه: كما في قوله جل شأنه: { يسمعإلى الماء ليبلغ فاه فهذه كلها تصاوير يأنف المرء أن تكون مجسدة فيه، أو يغدو ممثلا لها، لأنها تدل على تفاهته وفهاهته، إذ كيف ينعق الناعق بما لا ي جيب قولا ولا يرد صدى !، أو يتعلق بآلهة تركض وراء ذباب أخذ منها شيئا فلم تقدر على استرجاعه، ثم هي آلهة! وكيف يكون في زمرة البلهاء فيبسط كفيه إلى الماء ويوسع بين أصابعه ليمر من بينها ويبلغ فاه، إنه التهكم البالغ، والسخرية العظمى من عقول المشركين وأفعالهم. أسلوب التخويف والتوجيه: كقوله تعالى: {، و{و{ عاصفو{ وذلك لإشعار المخاطب بفداحة الخطب وعظم الجناية وهول ما فعل، وخيبته فيما يروم، ليوجههم بالضرورة إلى تحقيق الواقع المضاد لما هم فيه، والانتقال إلى العيش في دنيا
عدد الصفحات ٨٤جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 85 التوحيد والعبادة، إذ ما بعد الحق إلاَّ الضلال المبير، وما قبل الضلال إلاَّ الحق المنير المستقيم، فالأحرى بهم أن يهربوا من هذا الحال الفظيع الذي يخوفهم، ويرعب أفئدتهم. أسلوب التنفير والتحقير: ويجسده قوله سبحانه: { العنكبوت اتخذت بيتا ، إنها الصور المزرية بحالهم، والتجسيم الدقيق لضعفهم ووبالهم، والسخرية من فعالهم، مما ينبغي عليهم تغييرها، والتماس طريق ا لهدي لإعادة صور أنفسهم في واقع الحياة تحت ظلال منهج الله. أسلوب الترجية والتذكير: كقوله تعالى: { كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرارإنه التصوير الهادئ الذي يخاطب العقول ليضيء لها الطريق، ويدلها إلى المأوى الطيب حتى تأوي إلى ركنٍ شديد، ويقول تعالى: {أفلا تأخذون العبرة وتستبدلون الخير بالذي هو أدنى، فتفيئون إلى عالم الطمأنينة والسكون، وتنجون من مصير مشئوم يتهددكم في كل لحظة، ويقول تعالى: {إنه لا شيء منها تأخذونه فالجأوا إلى الحقيقة الأصيلة في رحاب التقوى بدلا من هذه الأوهام الزائفة التي تطوف بكم ثم تندمون، ولا تجدون بأيديكم حيلة ولا تقدرون مقتدرا{أنزل من السماء ماءً فسالت أودية بقدرها }ة؛ ألا حَصِّلوا الانتفاع ودعوكم من سقط المتاع، فإنما هو بلغة ثم يذهب د فعة أفلا ت وعَظون. إنه الزبد ومجموع أزباد؛ فكيف تتمسكون به حتى يلهيكم عن يوم المعاد، وعن طاعة رب العباد، ثم هو لا في الدنيا ينفع، ولا في الآخرة يشفع، فهلا تعقلون. وهكذا تترى المواعظ القرآنية في الأمثال الكريمة حدَّ إفاضة المشاعر بالح ن وِّ والرفق والإشفاق.
عدد الصفحات ٨٥جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 86 وهاهنا ينبغي التنبيه على شيئين متلازمين في القرآن حتى وإن غلب أحدهما الآخر طو ومحلا، وهما قضية الترهيب والترغيب، أو التخويف والترجية، وذلك أنَّ في القرآن الكريم كليات أسلوبية هي عادة القرآن في أساليبه، فمنها هذا الذي نروم بيانه، وإليك فيه كلام الشاطبي حين قال: "وإذا ورد في القرآن الترغيب قارنه الترهيب في لواحقه أو سوابقه أو قرائنه، وبالعكس، وكذلك الترجية مع التخويف ... وقد يغلب أحد الطرفين بحسب المواطن ومقتضيات الأحوال: فيرد التخويف ويتسع مجاله، لكنه لا يخلو من الترجية، كما في سورة الأنعام؛ فإنها جاءت مقررة للحق، ومنكرة على من كفر بالله، واخترع من تلقاء نفسه ما لا سلطان له عليه، وصد عن سبيله، وأنكر ما لا ينكر، ولد فيه وخاصم، وهذا المعنى يقتضي تأكيد التخويف، وإطالة التأنيب والتعنيف؛ فكثرت مقدماته ولواحقه، ولم يخل مع ذلك من طرف الترجية لأنهم بذلك مدعوون إلى الحق .. ومواطن الاغترار يطلب فيها التخويف أكثر من طلب الترجية؛ لأن درء المفاسد آكد. وتَ ر د الترجية أيضًا ويتسع مجالها، وذلك في مواطن القنوط ومظنته ... ولما كان جانب الإخلال من العباد أغلب؛ كان جانب التخويف أغلب، وذلك في مظانه الخاصة لا على الإطلاق؛ فإنه إذا لم يكن هنالك مظنة هذا ولا هذا أتى الأمر معتدلاً " (116.) أسلوب المقارنة والتنظير من ذلك قوله جل جلاله: { { فهم أوجه المقارنة وأخذ العبرة من الفوارق التصويرية التي بين المثلين ثم هناك مقارنة في المثل الواحد بين صورتين متناقضتين، فهؤلاء شركاء متشاكسون يقابلهم ذاك الذي جعله القرآن رجلا سلما لرجل، وافهم أنت أوجه المقارنة افتراقا، حتى تستشعر رحمة الله في التوحيد، والعذاب والهم والشقاء في الشرك والتنديد. ثم هناك مقارنة بشكل مختلف عن المقارنتين السابقتين، فهناك الشرح داخل المثل وحال 116- إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الغرناطي الشهير بالشاطبي (ت780هـ "الموافقات" ت: أبو عبيدة مشهور بن حسن آل سلمان، دار ابن عفان، ط 1،1417هـ1887م، ج4 /167-170-171-172.
عدد الصفحات ٨٦جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 87 الممثل له مذكور في المثل نفسه، سواء في الصورتين اللتين تندرج كل واحدة منهما ضمن مثل على حدة، أو تندرجان في مثل واحد يجمعهما، وأما هنا فالشرح خارج المثل وحال الممثل له كائن قبل المثل مبيَّنٌ في الآيات التي سَبَقته، ثم يأتي التمثي ل القرآني ليصور تلك الحال على وجهٍ يجمع فيه بين صورتين متناقضتين اسحثاثا لفهم المتلقي حتى يعي ويدرك أوجه المقارنة ويستفيد، فيقول تعالى بعد بيان حال الكفار والمؤمنين مَثَل الْفَر يقَيْن كَالأَْعْمَى وَالأَْصَمِّ وَالْبَص ير وَالسَّم يع هَلْ يَسْتَو يَ ان مَثَلاً أَفَلاَ تَذَكَّر ونَ [ }24] البيان قبل المثل وخارجه ناسب أن يدعوك إلى المقارنة ثم النطق بالحكم الذي يترتب على النتيجة المقارنة فقال وفي هذا الاستحثاث وذكر المثل على هذا الوجه وبتلك الطريقة نمط آخر في التعبير، يجذب النفس البشرية إلى الإيمان، بما يعدد لها من ألوان البيان، ذاك الذي يبلغ منها مبلغ التأثير والتنوير والاستحسان. وإضافَةً؛ فإنَّ هذا الأسلوب يدخل فيه أسلوب المقابلة التي تقتضي اللف والنشر، لا سيما في ميدان الجدال، فقد "شبه حال فريق الكفار في عدم الانتفاع بالنظر في دلائل وحدانية الله الواضحة من مخلوقاته بحال الأعمى، وشبهوا في عدم الانتفاع بأدلة القرآن بحال من هو أصم. وشبه حال فريق المؤمنين في ضد ذلك بحال من كان سليم البصر ، سليم السمع فهو في هدى ويقين من مدركاته. وترتيب الحالين المشبه بهما في الذكر على ترتيب ذكر الفريقين فيما تقدم ينبئ بالمراد من كل فريق على طريقة النشر المرتب، والترتيب في اللف والنشر هو الأصل والغالب. وقد علم أن المشبهين بالأعمى والأصم هم الفريق المقول فيهم السمع وما كانوا يبصرون 20.] والواو في قوله عمى عطف أحد المشبهين على الآخر، وكذلك الواو في قوله وأما الواو في قوله ي لعطف التشبيه الثاني على الأول، وهو النشر بعد اللف؛ فهي لعطف أحد الفريقين على الآخر ، والعطف بها للتقسيم والقرينة واضحة" (117). 117- محمد الطاهر بن عاشور "التحرير والتنوير" دار سحنون للنشر والتوزيع - تونس - 1887 م، ج21/41.
عدد الصفحات ٨٧جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 88 ذلكأنَّ وضوحها جسدته قرينة المقام، التي تعيد كل مذكور إلى ما يناسبه، حتى في طريقة اللف والنشر المعكوس، فضلا عن المرتب. ويمكننا من وحي الأسلوبية أن ندرج تحت أسلوب المقارنة ما نسميه أسلوب التقابل الدلالي بين صورة وصورة، بل حتى بين معنى ومعنى، سواء كان التقابل بالتوافق، أو بالتضاد، كما هو الحال هنا. أسلوب المزج بين خطاب الواحد وخطاب الكثير: وذلك كقوله تعالىفَمَثَل ه كَمَثَل الْكَلْب إ نْ تَحْم لْ عَلَيْه يَلْهَثْ أَوْ تَتْر كْه يَلْهَثْ ذَل كَ مَثَل الْقَوْم الَّذ ينَ كَذَّب وا ب آيَات نَا [ }الأعراف: 176] كَمَنْ ه وَ خَال دٌ ف ي النَّار وَس ق وا مَاءً حَم يمًا [ }15]فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَه ذَهَبَ ب ن ور ه مْ } [17] الفرد، ذهب الله بنورهم، أي بنور أولئك المنافقين الذين اشتروا الضلالة بالهدى، فانتقل من الخطاب عن الواحد إلى الخطاب عن الجماعة. إنَّ التمثيل في القرآن دائما للجماعة بالجماعة، كقوله تعالى هنا جماعة من الناس يسكنونها، فذكر المحل واستعاض به عن المحلول فيه على جهة المجاز المرسل، أو ي ضرب للجماعة بالفرد كقوله عز وجل وَمَثَل الَّذ ينَ كَفَر وا كَمَثَل الَّذ ي يَنْع ق }مثال أنها للناس وليست للواحد، وبذلك تتجانس أساليب المثل مع مقاصده وأهدافه، إذ ما كان للمجموع كان متناولا الفرد، وما كان للفرد قد لا يتناول المجموع، فتأمل. إنَّ هذا من بدائع الأساليب التي استعملها القرآن بفنية رائعة، من ذلك أيضا قوله عز وجل: {مَثَل الْجَنَّة الَّت ي و ع دَ الْم تَّق ونَ تَجْر ي م نْ تَحْت هَا الأَْنْهَار أ ك ل هَا دَائ مٌ وَظ لُّهَا ت لْكَ ع قْبَى الَّذ ينَ اتَّقَوْا وَع قْبَى الْكَاف ر ينَ النَّار [ }35] مَثَل الْجَنَّة الَّت ي و ع دَ الْم تَّق ونَ ف يهَا أَنْهَارٌ م نْ مَ اءٍ غَيْر آس نٍ وَأَنْهَارٌ م نْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْم ه وَأَنْهَارٌ م نْ خَمْرٍ لَذَّةٍ ل لشَّار ب ينَ وَأَنْهَارٌ م نْ عَسَلٍ م صَف ًى وَلَه مْ ف يهَا م نْ ك لِّ الثَّمَرَات وَمَغْف رَةٌ م نْ رَبِّه مْ كَمَنْ ه وَ خَال دٌ ف ي النَّار وَس ق وا مَاءً حَم يمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَه مْ [ }15].
عدد الصفحات ٨٨جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 88 ففي المثل الأول رغب في الجنة ونبه إلى أن العاقبة الحسنة للذين اتقوا، محذرا من النار التي هي عاقبة الكفار، ولم يذكر فيها شيئا آخر، أما في المثل الثاني فلما بسط في تفصيل الجنة وأفيائها وما فيها دعا إلى جواب استفهام ضمني هو قولهأي أهذا كمن هو خالد في النار. ثم انتقل من الواحد إلى الجماعة فقال: { الجنة مائها ولبنها ليتمتع بأكله وشربه المتقون وتمتلئ به بطونه أشار إلى الصورة المعاكسة لهذه الصورة الضمنية التي يستلزمها الفهم من امتلاء البطن واتساع الأمعاء التي تحوي كل ما تشتهيه النفس من مآكل ومشارب، لما كان هذا مستشعرا يتمثله خيال المتلقي استنتاجا؛ ذكر المقابل لهذه الصورة عند أهل النار فقال من التفهيم والتجلية للمخاطب الشيء الزائد، والبيان الكثير الرائد، والتأثير الكبير. إنَّ كل الأساليب الماضية التي ذكرناها إنَّما هي تنوعات الأسلوبية في البيان تحيط بلب المخاطب وعقله، وتملأ نفس وعينيه، وتؤثر على ضميره، وتتحكم في قراره، وتأخذ بيده نحو الاقتناع، وتحصيل الانتفاع والهداية، وتبلغ له الموعظة وتدفعه إلى التفكير كي يؤوب ويسترشد، وتذكره ليتذكر، وتندمه ليتحسر فيقلع عن الحسرات ويستبدل سيئاته بالحسنات، وتخوفه ليرتاع، ثم لا يبتاع الضلالة بالهدى، ولا العذاب بالمغفرة، وتستحثه فينشط لتحصيل القوة والمقدرة، حتى يخرج من واقعك الكئيب، ومناخه الجاف، وجوه القائض؛ إلى حيث الماء النمير والروض النضير والبهجة والسرور، والهدى والنور والر شاد، فيستعد ليوم المعاد ويعد خير الزاد صلاحا وتقوى، ليكون من الفائزينفَمَنْ ز حْز حَ عَن النَّار وَأ دْخ لَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاة ا لدُّنْيَا إ لاَّ مَتَاع الْغ ر ور [ }185 .]
عدد الصفحات ٨٩جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 80 آليات تلقي المثل القرآني إنَّ آليات التلقي كثيرة ومتعددة، ولكن يجمعها ما يدل عليه النَّص اقتضاءً واستلزاما، وإيماءً وإعلاما ، تحت قانون المقامات المتنوعة التي يدور فيها جوِّ النَّص ، وفلك معانيه وبواعثه وموضوعه ابتداء وغايَة. إنَّ الآليات المذكورة يمكن أن تكون محصورة في نوعين؛ داخلية مرافقة لعملية التَّفَهُّم والنَّظر، وخارجية م سبَقة لكونها تتقدم في الوجود على الآليات المرافقة اللاحقة، ونحن وإن كانت الآليات الخارجية مقدمة لكونها أو ل خطوة في طريق إدراك معاني الأمثال وفقه أسرارها واستخراج دررها وخوافيها ؛ إلاَّ أننا نبدأ بذكر الآليات المرافقة لكونها محددة مضبوطة، بخلاف الآليات ال م سبَقَة المتراحبة التي وإن كانت مشروطة ؛ إلا أنَّها عزيزة المنال، وهي في الوقت نفسه سهلة على من سهلها عليه الله العظيم ذو الجلال. أولا: الآليات الداخلية المرافقة: وهي تلك الوسائل المهيئة للنفس كي تتلقى المثل القرآني حين قراءته ، وترافق عملية النظر وإجالة البصر بين ثناياه، والتغلغل بالفكر في طواياه، ف تمهد أرضية القلب حتى يستطيع أن يضع معاني المثل عليها، ويرتبها بعقلها وفق تصور مفهوميٍّ صائب جميل. 1 - بنائية الفهم على أرض المقام: لا بد من النظر إلى المقام والاستبصار فيه ليحص لَ التلقي الصحيح للمثل، ويتوفر الاستقبال المليح لمعانيه الجليلة. والمقام نوعان: الأوَّل: مقام الحدث المعيَّن في إطار النَّص الواسع والحوادث المتتابعة في ساحته، فإنه لا مجال للقول بوجود نص مغلق في القرآن، لكونه نسيجا لغويا متشابكا، إلا إذا قٌصد بالمغلق البنية الواحدة في كل سورة على حدة، فحينذاك يمكن أن نقول بذلك -على تجوز وتحرز-؛ لأنَّ كل سورة في القرآن لها شخصية فريدة متميزة عن باقي السور.
عدد الصفحات ٩٠جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 81 وقد ع رِّفَ بأنَّه جملة العناصر غير اللغوي ة المكو نة للموقف الكلامي " (118)،ويطلق عليه صلاح فضل مصطلح "السياق الخارجي" (118.) الثاني: مقام تتخلله أنسجة لغوية تصوغ سياقا معينا في إطار خاص ببضعة جمل لإدراك معاني التَّركيب المحدد بمعنى ما، كالإلحاح في المثل القرآني في قوله تعالى كرمادٍ اشتدت به الريح في يوم عاصف إظهار التشتت والتبدد والتلاشي، وتصوير الأعمال في حالة مهولة من الضياع، لذلك قال { وهو رماد خفيفٌ لا وزن له ولا ثقل. فهذا ما لا جذور له، ويقابل ه تلك الشجرة في المثل القرآني عن الكلمة الطيبة، من فوق الأرض ما لها من قرار للمجهول تهويلا، ثم بين أن اجتثاثها كان القلب ولا رسوخ لها في الأعماق، فكأنها منتصبة على وجه البسيطة دون تمكن ولا أساس، وبرغم ذلك كلهلاقتلاع التام الكامل حتى لا يبقى من الشجرة شيء مهما كان قليلا، من الهوان، وفي نفي القرار عنها أي الاستقرار إشعارٌ بالهيام والانفلات، وعدم المكوث والثبات، إنها قريبة الشبه بالرماد الذي لم يبق منه شيء وتفرقت أجزاؤه في ساحة الفناء، واللافت هنا أن كلا المثلين يغيب فيهما العامل، ويقع التمثيل على الأعمال وحدها، ففي الأول واللتان هما في النهاية مما تجنيه أيدي الكافرين وألسنت ه م. 2 - الاعتماد اللساني على حقل القرآن: ويعني الوضع القرآني للألفاظ، إذ هناك الوضع اللغوي ولكنه رغم الاحتياج الشديد إليه إلاَّ أنه لا يكفي في معرفة كنه المعنى المستقر في الكلمة، لأنَّ القرآن أبدع في تضمين الكلمات 118- محمود حسن الجاسم "أسباب التعدد في التحليل النحوي" منشور على موقع: www.ahlalhdeeth.net 118- صلاح فضل: منالوجهة الإحصائية في الدراسة الأسلوبية، مجلة فصول طبع الهيئة المصرية العامة 1883م، ج4/ ع:1/ص130 .
عدد الصفحات ٩١جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 82 من معانيَ أخريات لدى استعماله لها وعلم اللغة هو من أهم العلوم التي يجب المعرفة بها في التفسير، ذلك أنه لا تخلو آية من مبحثٍ لغوي. وعن أبي الزناد قال: قال ابـن عـبـاس: "التفسير على أربعة أوجه: وجه تعرفه العرب من كلامها، وتفسير لا ي عذر أحد بجهالته، وتفسير يعلمه العلماء، وتفسير لا يعلمه إلا الله ـ تعالى ذكره" (120.) قال أبو جعفر: "وهذا الوجه الرابع الذي ذكره ابن عباس: م نْ أن أحدًالاَ ي عذر بجهالته، معنى غير الإبانة عن و جوه مَطالب تأويله. وإنما هو خبرٌ عن أن من تأويله ما لاَ يجوز لأحد الجهل به" (121.) بيدَ أنَّ الاقتصار على اللغة وحدها لا يكفي، لهذا فالجنوح " إلى تفسير القرآن بظاهر العربية، من غير استظهار بالسماع والنقل فيما يتعلق بغرائب القرآن وغيرها؛ م وق عٌ في الخطأ، فمن لم ي حك م ظاهر التفسير وبادر إلى استنباط المعاني بمجرد فهم العربية كثر غلطه، ودخل في زمرة من قال برأيه المذموم. واعتماد اللغة فقط دون غيرها من المصادر، هو أحد أسباب الخطأ الذي يقع في التفسير، كما حكى ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية" (122.) فيجب على المتلقي أن يكون "متجاوزا حدود ما تفيده اللفظة من معنى مقرر عند أصحاب المعاجم، واصلا بها إلى معاني أخرى أضافها إليها الاستعمال القرآن ي لها وتوظيف ه إيَّاها حين نقلها في بديع نقله، من حقلها اللُّغوي إلى حقله" (123.) 120- محمد بن جرير، أبي جعفر الطبري (ت310 هـ) "جامع البيان في تأويل القرآن" ت: أحمد محمد شاكر، نشر مؤسسة الرسالة، ط 1،1420هـ2000م، ج1/75. 121- المرجع السَّابق نفسه؛ ج1/75-76. 122- مساعد بن سليمان بن ناصر الطيار "مقالات في علوم القرآن وأصول التفسير" دار المحدث، الرياض، السعودية، ط1،1425هـ، ص226. 123- عيسات قدور سعد "المعجم الوجيز في ألفاظ الإعجاز اللُّغوي في الكتاب العزيز"، غير منشور.
عدد الصفحات ٩٢جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 83 3 – التدبر الفاحص عن وجوه البيان: وهو الملاحظة الدقيقة الفاحصة، وشدة الانتباه الذي يرعاه العقل البصير، ويوجهه في دقائق التَّأملات والتفكير، وهو عكس الفحص العارض الذي لا يجدي كثيرا. وبتلك النظرات الفاحصة يستطيع المتلقي التوقف بفهمه عند محطات نَص يَّة لا يتوقف عندها سائر الناس، فهو يستخرج بلاغتها، ويتنبه لدقائق بيانها، ولا يفوته منها مجاز عقلي ولا مرسل، ولا تغيب عنه نكتة في حيز المثل، والنكت وإن كانت لا تتاح كلها لربانية هذا الكتاب الإلهي العظيم الذي لا يحيط به سواه، إلاَّ أنَّ صاحب النظر الفاحص لا بد أن يظفر بنصيب من المطلوب. ومثال ذلك أنَّ الملاحظ لقولهيج د أَنه أسند العصف إلى اليوم بدل الريح في روعةٍ مجازية بليغة تملأ البيان، هذا من جهة، ومن جهة أخرى هو يصور لك شيئا ضعيفا جدا وهو الرماد في مقابلة ريحٍ عملاقَةٍ تجتثه، ويقابله عكسيا المثل القرآني في سورة البقرة حيث يمثل لك حبة لا خطر لها كيف يضاعفها الله حتى تصير صدقة المنفق بمثلها في سبيل الله كأمثال الجبال، والصورتان متعاكستان، فهذه في الجزاء الحسن والمثوبة، والأخرى في الوبال والنكال وسوء العاقبة. ولذلك تجد الأمثال القرآنية تتوارد على تصوير الخيبة التي تحقيق بالكافرين كما يحيق المكر السيئ بأهله، وبيانها بدقة شديدة، وتوضيحها في سائر أنحائها المختلفة وزواياها المتعددة، فالكافر الذي أطاع الشيطان حينما قال له اكفر فكفر لم يجني سوى قوله لهإني بريء منكن هذا هو ما يستحقه، وليدخل النار جزاءَ ظلمه مع صاحبه الوفي! وهكذا الكافر في سورة النور لم يجد إلا السراب، والمنافق في سورة البقرة ذهب الله بنوره وتركه في الظلمات، والشجرة الخبيثة نهايتها الاجتثاث واله وي والسقوط على الأرض في مشهد من الكآبة والبؤس، وصاحب الأعمال التي ظنها تنفعه لم تكن سوى رمادٍ لوحت به الريح العاصفة وبقي يعاني من الماء الصديد الذي يتجرعه في قبره ولا يكاد يسيغه كأنها منازعة شديدة بينه وبين من يسقيه الماء الصديد ولكنه يستسلم فيمضي الصديد
عدد الصفحات ٩٣جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 84 في أحشائه رغما عنه ولا يكاد يسيغه وينفذ فيه وهو في برزخه الأليم، ومع هذا فمن ورائه في الزمن الذي سيأتي بعد الحياة البرزخيَّة من أنه كان من الجبابرة المتعنتين إلاَّ أنه يقاسي الأمرين، يقاسي في قبره ومع ذلك خلفه الجحيم التي سوف يدركها وتدركه، إنها الخيبة15) م نْ وَرَائ ه جَهَنَّ م وَي سْقَى م نْ مَاءٍ صَد يدٍ ( 16) يَتَجَرَّع ه وَلاَ يَكَاد ي س يغ ه وَيَأْت يه الْمَوْت م نْ ك ل مَكَانٍ وَمَا ه وَ ب مَيِّتٍ وَم نْ وَرَائ ه عَذَا بٌ غَل يظٌ15-16-17]. وبالإضافة للمرارتين بل للعذابين، هناك عذابٌ ثالث يقع عليه عند نزع الروح، فياتيه الموت وتجتمع أسباب الموت المخيفة وتحدق به من كل جانب فتملا سمعه وبصرهن وتحيط بمداركه كلها ولكنه لا يموت، ولكن ليس بعد أيها الجبار العنيد، وحينما تدرك النهاية في هذه الدار ستلقى جزاء منتظرا هائلا في ب رزخك الموعود، لقد جاءت الخيبة و أتى العذاب. وتأمل في أن السياق بعدما صَوَّرَ حالة هذا الخائب وهو في قرارة السوء والجزاء، ذكر المثل فقال تعالى انقطع عنه النصير والشافع والمعين، لا يتذكر إلا بعض أعماله التي عمل فيها خيرا فيرنوا إليها ببصره ويتذكرها في هذا الموقف العصيب، فيريد ان يستشفع بها أو يتخفف فلا يجدها إلا رمادا وهي مع كونها كذلك، إلاَّ أنَّها قد بدَّدتها الريح فأنى له أن يدركها أو يقدر عليها { والريح إنما ألقتها إلى مكان بعيد، فإنها كانت ريحا عاصفة هوجاء، وهذا ما يتلاقى مع خاتمة المثل اتِّصاف. هذه هي الخيبات التي صورتها الأمثال والنهايات التي جسدتها في صورٌ من مشهدٍ حي، كمشهد الذي يكون عمله كتراب قليل ضئيل فلا يسقط عليه دلو من ماء بل يصيبه وابل من مطر غزير فيتركه صلدا، ويذره كالمرآة ليس عليها شيء، وكالسيف الصقيل البارق اللامع لا نفاذ للماء فيه، فلا يقدر على اجتناء شيء مما بذره فوق ذلك الصفوان الصلد الذي يستحيل أن ي نبت، وتربته قد ذهبت إلى حيث الضياع، فأنَّى له إرجاع ها كي يستثمر فيها ولو
عدد الصفحات ٩٤جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 85 حبةً صغيرة كحبة المؤمن التي أنبتت سبع سنابل، كيف وقد سقط على تربتها القليلة تلك وابل وأيُّ وابل، فجرفها هي وتربتها ولم ينفعه منهما نافع. هذا هو العمل الكاذب، والمآل الخائب الذي يصوره القرآن في الأمثال أبدع تصوير. هي نهاية كأنها في العموم نهاية واحدة، ومع ذلك جاء التعبير عن كلٍّ منها على ح دًةٍ؛ وبدقة فائقة، لا مكان فيها لتكرار، أعطى فيها البيان القرآني لكل حال ما يناسبها من الأمثال. من هنا يلتقي المثل مع القصة القرآنية في طريقة التصوير، فمن الأمثال ما افترق عن سائر الأمثال كما افترقت سورة يوسف عليه الصلاة والسلام عن سائر الصور، ومنها ما توارد على قصة معينة كقصة موسى صلى الله عليه وسلم، فذكرت بطرائق متنوعة، وأساليب مختلفة، وفي كل حالة جاء الأسلوب الذي يناسبها ويوافق مقامها. والشأن نفسه في الأمثال فمنها ما توارد على موضوع واحدٍ فصور نهاية التبدد والخيبة والضياع للأعمال في حد ذاتها من جهة، وللعاملين من جهة أخرى. ومع ذلك لا مكان للتكرار الذي يبدو للناس أكثر ما يبدو في القصة، ففي كل مرة ذكر فيها مثل أو جاءت قصة أو طرفٌ منها إلاَّ وهناك فوائد زائدة، ونكت أ خرى تراها متواجدة، ولطائفٌ هامدة لا يستثيرها فتبدو إلاَّ النظر الفاحص الدقيق، وإحاطة رب العالمين له بالتوفيق والتسديد. وفي هذا الصدد يقول الباقلاني: "قد تأملنا ما يتصرف إليه وجوه الخطاب، من الآيات الطويلة والقصيرة، فرأينا الإعجاز في جميعها على حد واحد لا يختلف. وكذلك قد يتفاوت كلام الناس عند إعادة ذكر القصة الواحدة تفاوتا بينا، ويختلف اختلافا كبيرا. ونظرنا القرآن فيما يعاد ذكره من القصة الواحدة فرأيناه غير مختلف ولا متفاوت بل هو على نهاية البلاغة وغاية البراعة. فعلمنا بذلك أنه مما لا يقدر عليه البشر، لأن الذي يقدرون عليه قد بينا فيه التفاوت الكثير،
عدد الصفحات ٩٥جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 86 عند التكرار وعند تباين الوجوه، واختلاف الأسباب التى يتضمن124.) وإنها لأسرار بيانية ومعانٍ قرآنية لا تخطر على بال، والموفق ربُّ العزة والجلال سبحانه وتعالى. 4 - رد المعاني بعضها على بعض وكما أن في الأسلوبية رد المعاني بعضها على بعض سواء تعلقت بالكلمة أو الجملة وصولا إلى النصوص، وانطلاقا من أصغر وحدات البيان وبداية من جزئية معنى بلوغا إلى الكل، وانتهاء إلى سلسلة الكلام المتحدة حلقاتها؛ فكذلك نبه ابن العربي من قديم على سلوك هذه السبيل في الفهم والدراية وتحقيق البيان، وهو المتوفى سنة 543 للهجرة؛ فقد كان يملي على تلامذته نصائح في ذلك فكان منها أن قال: "وإنما أردنا أن نريكم نوعاً من التفسير، ونشرع لكم سبيلاً في فن من فنون التأويل، ونوضح لكم عن مشكل من التوحيد، ونعقد عندكم وصلاً من ربط المعاني بعضها إلى بعض، ونخلع لكم قشراً من الظواهر عن لباب الباطن" (125.) وبين بعد ذلك أن هذه السبيل ليست وجها فقط من وجوه البيان ولا هي أمر ثانوي ليس له كبير قيمة، كلا؛ بل أفاض موضحا أنه قانون مدستر، ودستور مسطَّر، قائلا: "وقد مهدنا لكم في سبيل هذه الآية في أمالي "أنوار الفجر" وكتاب "المشكلين" ما تستدلون به على أساليب كثيرة من الكلام في علوم القرآن. ووراء هذا وجوه من التأويل في الظاهر، ومعان في الباطن، هذا وسط منها في الحالين، فخذوها دستوراً، واتخذوها قانوناً" (126.) بيد أنَّ هذه التوصيات ذهبت عبثا، وتوقفت عند أربابها الأوائل، ولو اتخذت نبراسا، واعتمدَت أساسا، لواصل من بعدهم الحفر في النصوص وليبنوا من جديد علم البلاغة الذي اشرأبت إليه الأعناق اليوم، ولما تكد ترى منه إلا مخايل. 124- محمد بن الطيب، أبو بكر الباقلاني (ت: 403هـ"إعجاز القرآن" ت: السيد أحمد صقر، دار المعارف، مصر، ط 5، 1887م، ص38. 125- محمد بن عبد الله أبو بكر بن العربي المعافري الاشبيلي المالكي (ت543هـ) "قَانون التَّأويْل" دراسة وتحقيق محم د الس ليماني، نشر دار القبلة للثقافة الإسلا ميَّة، جَد ة، مؤسَسَة ع لوم القرآن، بيروت، ط 1،1406 هـ- 1886م، ص480. 126- المصدر نفسه، ص478.
عدد الصفحات ٩٦