جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 65 صاحبه سليقيَّ البيان صحيح الذوق، قد انطبعت في قلبه الفصاحة الحقة وسرت في كيانه، بخلاف مريض اللسان من أهل زماننا. من هنا يتبين لك أمران: الأول: أنَّ ما يقولونه من كون نقد الأوائل للكلام كنقد النابغة لحسان في سوق عكاظ وح كمه للخنساء في القصة المشهورة، أنَّ هذا وأمثاله لا يعدو أن يكون ذوقية غير علمية ولا مؤسسةٍ، وأنه مجرد ذاتية واعتباط، يتبيَّن لك أَنَّ هذا القول هو أساس هذه الأغلاط. واعتبر بالنص القرآني إذ جاء يقول في مطلع سورة مكية هي سورة القصص الْك تَاب الْم ب ين مثل ( الحكيم ) ، ( العزيز ) ، (المجيد )، لأن الإبانة متناسبة مع صفة الكتاب، كونها بليغة الدلالة على الظهور والنصاعة، أما لو قيل: (الكتاب الحكيم) فمن أين لهم أن يعرفوا حكمته . أو العزيز فمن أين لهم أن يعرفوا عزه ولأنكروا ذلك رأسا ، فقيل لهم : ( الكتاب المبين ) وهم لفصاحتهم لا يستطيعون إنكار إبانته" (88)، لأَنالإبانة كانت شيئا مركوزا في نفوسهم، فكيف يقال إنَّ تقويمهم، لا بل تقويم أحد أكابر بلغائهم لنص شعري عثر فيه على هاناتٍ بيانية من شاعر؛ إن نقده مجرد نقد ذوقي اعتباطي، ليس له أساس علمي يقوم عليه، في الوقت الذي كان ذلك التقويم منه ليس لإخلال النص بالفصاحة بل لإخلاله بالبلاغة، لا بل لضعفه نوعا ما فيها مقارنة مع نص أبلغ في الشاعرية منه، وهو نص الخنساء، كيف ذلك كله والنابغة قد علل تعليلا علميا دقيقا لما أخذه عليه من نقدات!! غاية ما في الأمر أنه لم يتسنى لهم في تلك الفترة أن يدونوا ما يرونه ويسلكونه في ضوابط وقواعد، يقول الرافعي عن معاني القرآن والعرب الذين تلقَّوها؛ إنَّها "احتوت من الكمال الفني ما كان إحساساً صرفاً في نفوس أهله، يشعرون به وجداناً، ولا يقدرون على إظهاره بياناً" (80.) 88- محمد مطني "سورة القصص دراسة تحليلية" بدون؛ ج1/120. 80- مصطفى صادق بن عبد الرزاق بن سعيد بن أحمد بن عبد القادر الرافعي(ت: 1356هـ) "إعجاز القرآن والبلاغة النبوية" دار الكتاب العربي، بيروت، لبنان، ط 8،1425هـ2005م، ص132.
عدد الصفحات ٦٥جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 66 فعدم قدرتهم على إظهاره سبَب هاأنهم كانوا لا يزالون يعيشون لعهدهم مرحلة الحضارة الشفهية التي انبثقت عنها حضارة الأقلام بمجيء القرآن، فإنه أولَّ ما نزل أمر قائ ب اسْم رَبِّكَ الَّذ ي خَلَقَ ( 1) خَلَقَ الإْ نْسَانَ م نْ عَلَقٍ 2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَْكْرَم 3) الَّذ ي عَلَّمَ ب الْقَلَم1-2-3-4 .] وذلك لما "أنْشده حسان بن ثابتٍ الأْنْصَار ي : لنا الجفنات الغر يلمعن ف ي الضُّحَى *** وأسيافنا يقطـرن مـن نجــدةٍ دَمً ــا. ولدنَ ـا بنـي الـعـنـقــاء وَابْ ـن محـرقٍ *** فَأكْرم ب نَا خــالاً وَأكْ ــرم ب نَا ابنَ ـما. فَقَالَ لَه النَّاب غَة: أَنْت شَاع ر وَلَك نَّك أقللت جفانك وأسيافك ... وإ نَّك قلت الجفنات فقللت الْعدَد وَلَو قلت الجفان لَكَانَ أَكثر ، كما قللت جفانك حين الإطعام" (81]) وَقلت: يلمعن بالضحى وَلَو قلت يبرقن بالدجى لَكَانَ أبلغ ف ي المديح لأ َن الضَّيْف ف ي اللَّيْل أَكثر. وَقلت: يقطرن من نجدة دَمًا فدللت على قلَّة الْقَتْل وَلَو قلت يجرين لَكَانَ أَكثر لانصباب الدَّم. وفخرت ب من ولدت وَلم تفتخر ب من ولدك. فَقَامَ حسان منكسراً م نْقَط عًا" ( 82.) فقولهأقللت جفانك وأسيافك، هذا انتقاد من الناحية الصرفية المؤثرة على المعنى إذ اختار الشاعر جمع القلة على جمع الكثرة، فالجفنات أقل من العشرة والأسياف كذلك، بخلاف السيوف والجفان، ولم ينتقده في النحو لأنَّ القوم سليق يُّ و اللِّ سان لا يخطئون فيه، فاقتصاره على الصرف لتعلقه البياني كان فخما دقيقا. وفي قوله: افتخرت بمن ولدت ولم تفتخر بمن ولدك؛ انتقاد على الموضوع فهو لم يقل له لا تفتخر بولدك ولكنه انتقد عليه اقتصاره على الفخر بهم، ودله على أنَّ الفخر بالآباء أولى من الفخر بما أنجبت النساء من حلائلك، فلو جمع بين الفخرَ ين لما كان منتقدا على رأي النابغة إلاَّ حيث يقدم الفخر بالولد على الآباء، فالترتيب في الفخر هو البدء بهم قبل ذريتهم، وهذا انتقاد على ما نقص من الموضوع، فتأمل أهل عصرنا كيف ينتقد القصيدة ولا ينبه 81- الحسن بن عبد الله، أبو علي القيسي (ت: ق6 هـ) "إيضاح شواهد الإيضاح" دراسة وتحقيق: د. محمد بن حمود الدعجاني، دار الغرب الإسلامي، بيروت، لبنان، ط 1،1408هـ1887م، ج2/785. 82- عبد القادر بن عمر البغدادي (ت1083هـ) "خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب" تحقيق وشرح: عبد السلام محمد هارون، نشر مكتبة الخانجي، القاهرة، مصر، ط 4،1418هـ1887م، ج8/110-111 و113.
عدد الصفحات ٦٦جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 67 على ما ينقصها من مكملات موضوعها، واعتبر كما قد انتقد عليه نسبة اللمعان إلى وقت الليل في الدجى، والبروق إلى وقت النهار في الضحى، وكان العكس هو الصواب، فإنَّ الشيء الذي يبرق واقعيا يكون في الليل بعد حلول الظلام، ولمعانه إنما هو حين وهج الشمس في عز الضحى، وارتفاع أشعة النهار، وهذه ناحية نقدية دلالية حيث أنكر عليه الدلالة المعكوسة، التي يلزم عنها ضعف المعنى وضآلته، فإنَّ قلة الجفان في الليل تدل على نقصان عدد الضيوف، ولأن الضيف في الليل لا يجد أين يذهب بخلاف الضحى فيستطيع تدبير شأنه بأمر من الأمور، لذلك لو قال: جفان لدل على كثرتهم وأبان عن منزلتهم العالية في مقام الجود والكرم ولصار مدحا فائقا يجلي معدن القوم ومكانهم من البذل والعطاء والقيام بشؤون من يرد عليهم تواردا كثيرا من الضيوف والنزلاء. فدل على أنَّ الدلالة المعكوسة؛ تحصل في النفس بعض الجفاف ونوعا من اليبوسة، ولا تلتقي بالمعنى الصحيح، والنابغة يؤصل لنا هاهنا قاعدة من قواعد النقد وهي أن التشبيه ينبغي ان يكون على حسب ما هو عليه المشبه به في الواقع، إذ المتلقي يسمع النص ويعقد في نفسهلا المشابهة بين الشيء المعلوم لديه والشيء المشبه به فإن وجد تنافرا ضعف إحساسه، وارتخت مفاصل النص أمام ناظريه، فخفتت قوة البيت وضعف أثره، وهذه هي طريقة القرآن، بخلاف تشبيه خيال بخيال، فإنه لا يحدث الأثر الفعال في النفس ويبلغ منها غايته. كما انتقده في قوله: وأسيافنا يقطرن، ولم يقل يجرين، والجري أكثر من القطر، وأدل على كثرة القتل، وانصباب الدم، والإثخان في العدو وما يلزم عن ذلك من القوة العظيمة والإقدام الكبير والشجاعة المثلى، وهذا نقد دلالي أصيل شريف، فقد عاب عليه ترك المبالغة، التي تلائم الواقع وإن لم تلائم المألوف من اعتاد الشعراء التعبير به، فهذه ناحية نقدية دقيقة، حبذا لو انتبه لها المعاصرون، في ساحات الشعر ومهرجانات النقد التي لا نرى فيها ما يبلغ صاعَ النابغة ولا نصيفَه ، فأين هذا إذن؛ من الانتقادات العصرية الهلامية التي تحوم على الأشياء غن هي حوَّمَت، ثم ت ظل كذلك ولا تقع عليها إلا قليلا، دون أن تَ ح طُّ على م حَ لِّ صَ ةٍ أو ن تاج، فأين إذن؛ الاعتباطية من التأصيل، والذوقية من المعيارية والتحصيل.
عدد الصفحات ٦٧جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 68 ثم قال النابغة: "يا ابن أخي، أنت لا تحسن أن تقول [ : فإنك كالليـل الـذي هـو مدركـي *** وإن خلت أن المنتأى عنك واسع (83). خطاطيف ح جْنٌ في ح بالٍ متينةٍ *** تَم ــدُّ بـــهـا أَيــدٍ إليـــك نــــواز ع ( 84.) فخنس حسان لقوله (85). وهذا البيت قد ذكره عبد القاهر الجرجاني كاملا مرة، وكرر صدره سبع مرات، في كتابه "أسرار البلاغة" وكان من جملة ما اعتمد عليه لدى تعرضه للفرق بين التشبيه والتمثيل والاستعارة، وهي الأصول التي قال عنها إنَّها: "أصولٌ كبيرة، كأنَّ ج لَّ محاسن الكلام إن لم نقل: ك لَّها متفر عة عنها، وراجعة إليها، وكأنها أقطابٌ تدور عليها المعاني في م تصرَّفَاتها، وأقطارٌ ت حيط بها من جهاتها" (86.) فتأمل كيف استند حسان على مجرد الكناية والاستعارة، بينما ذهب النابغة إلى التمثيل، بحيث اعتمد فَن ي ًا على التشبيه في تشكيل الصورة التراكمية. وجمع فيه بين "المقصودين من الظهور والمبالغة، وأما الظهور فلأن علم الناس بأن الليل لا بد من إدراكه له؛ أظهر من علمهم بأن النعمان لا بد من إدراكه له، وأما المبالغة فإن تشبيهه بالليل الذي لا يصد دونه حائل؛ أعظم وأفخم وأبلغ في المدح" (87. ) ثم إنَّه رضي البحر الذي اختاره حسان بن ثابت لينسج عليه شعره الفخريَ ذاك، وهو ما تراه في سكوته عنه وعدم انتقاده أوَّلا، ولأنَّه -ثانيا- تحداه بشعرٍ من بحر الطويل نفسه حتى تكون الحجة على وجهها، ممَّ ا يدل على النقد الفائق الذي أتى به النابغة. وقد قال الصولي: "فَانْظ ر إ لَى هَذَا النَّقْد الْجَل يل الَّذ ي يدل عَلَيْه نقاء كَلاَم النَّاب غَة وديباجة 83- المنتأى : موضع البعد و هو اسم مكان من انتأى عنهأي بعد: يخاطب النابغة الذبياني النعمان بن المنذر و يشبهه في حال سخطه بالليل في أنه يعم كل موطن و ذلك لسعة ملك النعمان و بسطة نفوذه فلا يفلت منه أحد. 84- يقول: أنا في قبضتك متى شئت قدرت علي كأني في خطاطيف تجذبني إليك ولا أقدر على الهرب منك، والمنتأى المفتعل من النائي والحجن: الموجعة. والنوازع: الجواذب. والضغن: الحقد. 85- أبو الفرج الأصفهاني "الأغاني" دار الفكر، بيروت، ط2، ت: سمير جابر، ج11/08. 86- عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد، أبو بكر الفارسي الأصل، الجرجاني الدار (ت: 471هـ) "أسرار البلاغة" قرأه وعلق عليه: محمود محمد شاكر، نشر مطبعة المدني بالقاهرة، دار المدني بجدة، السعودية، بدون، ص27. 87- عبد الله بن محمد بن سعيد بن سنان الخفاجي الحلبي، أبو محمد (ت466هـ) "سر الفصاحة دار الكتب العلمية، ط 1،1402هـ1882م، ص247.
عدد الصفحات ٦٨جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 68 شعره88.) فإذا كان نقد النابغة ونقد الجاهليين الأوائل الفحول؛ اعتباطيا حسب؛ لا قيمة له ولا اعتبار؛ فكيف حكموا –بلسان الحال والمقال- على أنفسهم بالعجز؛ وشهدوا للقرآن بالتفوق، وإذا كان تمييزهم للغة وبصرهم بجيدها من ضعيفها، وبليغها من ركيكها، وأحكامهم على نصوص البيان ليس بذاك المستوى؛ فأَيُّ معنى لتحدي القرآن إيَّاه م حينئذ! أيتحدى القرآن أناسا اعتباطيين لا نقد لهم ولا خبرة في الشيء الذي قام فيه التحدي!! وهاهم أولاء الصحابة الكرام لاسيما الذين عايشوا عهد النبوة وزمان التنزيل، أتراهم اعتباطيين في الفهم النقدي وهم فقهاء التَّأويل المتخرجون من مدرسة محمد صلى الله عليه وسلم، وقد أوضح ابن القيم لدى تناوله مسألة أصولية وفهم عبد الله بن مسعود إياها فهما ثاقبا يدل على رسوخه؛ فقال: وهذا " م مَّا ي بَيِّن أَنَّ أ ص ولَ الْف قْه سَج يَّةٌ ل لْقَوْم ، وَطَب يعَةٌ لاَ يَتَكَلَّف ونَهَا، كَمَا أَنَّ الْعَرَب يَّةَ وَالْمَعَ ان يَ وَالْبَيَانَ وَتَوَاب عَهَا لَه مْ كَذَل كَ، فَمَنْ بَعْدَه مْ فَإ نَّمَا ي جْه د نَفْسَه ل يَتَعَلَّقَ ب غ بَار ه مْ وَأَنَّى لَه ؟! " (88 .) الثاني أنَّ المثال السابق في جملة "متلاطم عملاق" وما بيَّنا فيه من ضعف، لو كتب كاتب من أهل زماننا على شاكلته نصا فيه ألوان من هذا الضعف الخفي، ثم جاء من ينتقده فيه، وينسب شيئا من الركاكة إليه؛ لرأيته يستشيط غضبا، ويملأ الدنيا صخبا، وتتأجج النار في عينيه، فيثور ويهتاج، وليس له في مقام البلاغة قدرة على أدنى احتجاج، يظن أنَّ كثرة الكلام تغطي على الحقائق، وهبها فعلت؛ أيكون ذلك مغنيه شيئا عن واقع الحال المزري الذي هو فيه، وماذا ينفع القباحة إن ألقي عليها جرابٌ يراه بعض الناس جميلا! والواجب أن نعود إلى أنفسنا نداويها من أمراضها؛ فإنه لا وقت بعد هذا للانتظار، ولا مكان للتسويف فضلا عن الإعراض وقد استفحل الدَّاء العضال. فمن أين نبدأ إذن؛ ذلك هو السؤال الحاسم في مسيرتنا العابرة على الأرض؟ لا جرم أن تتسارع الأقلام والكتب والبحوث والدراسات لتحاول استكمال مشروع عبد 88- المصدر السابق نفسه، ج8/111. 88- محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية (ت751هـ) "زاد المعاد في هدي خير العباد" نشر مؤسسة الرسالة، بيروت، مكتبة المنار الإسلامية، الكويت، ط 27، سنة1415هـ1884م، ج5/532.
عدد الصفحات ٦٩جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 70 القاهر الجرجاني تجعله منطلقا لها في هذا الميدان؛ وتحتك بفجاجه الركبان، وتضرب في مناخه بجناحها؛ الع قبان؛ نحو السماء والرقي والاستنارة. لقد "كان عبد القاهر وهو يضع بلاغة هذا اللسان الشريف يمهد الطريق إلى ع لمٍ آخر هو علم الإعجاز. ويبدو أنه امتهد الطريق فحسب ثم وقف حيال الباب ولم يطرقه الطرقات التي تفضي إلى باحاته الغريبة والعجيبة والخارقة والت ي لا نزال نحوم حولها ولا نَر د ع بابَها"(100)،إنَّنا نركض خلفها ونعاني غيابها، ونطفو بسطحها ولا نَ ص ل ل بابَها. بيد أن الاستعمال الصحيح للقراءة العصرية لأي سورة قرآنية في حدود الرأي المأثور، باستقراء كوامن النص وبواطنه المعنوية؛ يمكن الدارس من حصد نتائج علميَّةً مهمَّة، ويعطي للنص القرآني آفاقا جديدة في التَّفسير (101.) وهكذا تكون الأسلوبية ينبوع فهمٍ ووسيلة تحليل تساعد العقول في التحرك "نحو هذا الباب الزاخر بالبلاغة العالية والتي لا تزال في أكمامها" (102.) الأنماط المستهدفة في تلقي المثل القرآني يستهدف المثل في القرآن ثلاثة أنماط من الناس، فهو يتناول المؤمنين، والمنافقين، وأمَّا الكفرة والمشركون فيتناولهم معا في صنف الكفار، فقد ع ل مَ باستقراء لآيات الذكر الحكيم، أنَّه يعبر عن المشركين بلفظ الكافرين كما تراه كثيرا في الأمثال التي تصور حال الذين يدعون مع الله غيره، ويشركون به سبحانه، فلا يقول "ومَ ثَ ل الذين أشركوا"، وإنما يقول عز من قائليٌ فَه مْ لاَ يَعْق ل ونَ 171]، فهذه هي عادة القرآن وقاعدته في التعبير عن المشركين أنه يذكرهم باسم الكافرين، إلاَّ ما استثني، يقول ابن عاشور: "وأريد بالكفار في قوله المشركون، وهذا اصطلاح القرآن في إطلاق لفظ الكف ار" (103)، والقاعدة: أنَّ "كل شرك 100- محمد محمد أبو موسى "دراسة في البلاغة والشعر"، ص38. 101- ي نظر؛محمد مطني "سورة القصص دراسة تحليلية" بدون؛ ج1/120. 102- محمد محمد أبو موسى "دراسة في البلاغة والشعر، ص38. 103- محمد الطاهر بن عاشور "التحرير والتنوير" دار سحنون للنشر والتوزيع - تونس - 1887 م، ج6/241.
عدد الصفحات ٧٠جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 71 كفر، وليس كل كفر شرك فأما المنافقون فقد علم أنه يذكرهم دوما بلازمة تدل عليهم وهي أمره إياهم بالتفكر، ذلك أنهم معدوموا القابلية للاستماع، فالذي يحصل هذه القابلية ليس إلاَّ عملية التفكر، لأن بها ت فتَ ح س ب ل الأخذ الكلامي والعطاء البياني معهم، وتكون لهم المحاورة سبيلا إلى الهداية وطريقا نحو الرشاد. وهاهنا طائفة مدعوة إلى التذكر، وطائفة مدعوة إلى التفكر، فأما المدعوة للتذكرة فهي طائفة المؤمنين وربما وردت في حق الكافرين أو وردت عامة لجميع الناس بلا استثناء، وأمَّا المدعوة للتفكر فهي طائفة المنافقين، لأنهم لا حق لهم حتى يرجعون إليه بالتذكر ولا برهان لديهم يعودون إليه بعد نسيان، فهم أصحاب الأبواب الموصدة في وجه الحقائق، والقابلية للتلقي معدومة عندهم، والذي يوجدها إنما هو التفكر والنظر والتحليل، لذلك ناسب أن يأمرهم القرآن بالتفكر حتى تتحقق فيهم القابلية لتلقي العلم والموعظة، وبالتالي يحصل لهم الاعتبار والاستذكار ويصيرون من أهل الاستقامة والهدى، والطائفة الثالثة هي طائفة العالمين. وفيما يأتي بيان هذه الطوائف الثلاث: 1 )الطائفة المأمورة بالتذكر: لقد بين الله تعالى ضمنيا أن أول عبرة تأخذها من الأمثال هي التذكرة قبل التعليم، وهذا منطقي وواقعي إذ قبل أن أعطيك مماثلا للفكرة التي أدعوك إليها يجب أن اشرحها لك حتى تتبينها وتعلمها ثم بعد ذلك أعطي لك مثالها كي تستيقن وتستبين وتتذكر، فناسب ذلك أن أول ما بينه الله تعالى ف ي القرآن الكريم من مغزى ضرب الأمثال هو التذكرة في قوله {وَيَضْر ب اللهَّ الأَْمْثَالَ ل لنَّ اس لَعَلَّه مْ يَتَذَكَّر ونَ [ }25]، ثم قال تعالى بعد سور وآيات: { ل لنَّاس وَمَا يَعْق ل هَا إ لاَّ الْعَ ال م ونَ [ }43] والتفكر مما يوحي بأن أصل أصول المثل هو أخذ الاطمئنان قبل أخذ البيان والاطمئنان هو أعلى البيان وفيه تحصل التذكرة والموعظة ويتجلى الاعتبار بعد تجلي الاستبصار.
عدد الصفحات ٧١جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 72 2 )الطائفة المأمورة بالتفكر يقول الله جل جلاله: {وَت لْكَ الأَْمْثَال نَضْر ب هَا ل لنَّاس لَعَلَّه مْ يَتَفَكَّر ونَ [ }21 ]إنبعد العلم يكون التفكر لانك تفكر في شيء معلوم حتى تستجمع بالتفكر كلا من العلم والتذكرة ولكن بشرط القابلية المذكورة في أول ما ذكر في تلقي الأمثال ومغزاها وفوائدها. ولقد كان من مراعاة جو السورة أن ذكر الله تعالى قضية التفكر سورة الحشر، والحشر يوم آتٍ وزمانٌ مستقبليٌّ لا نراه في الدنيا وإنَّما ننتقل بالفكر وحده إليه ونجول فيه لا غير، فناسب أن يَ ذكره في هذا المقام لكونه به أليق، وبسياقه أعلق، وبمكانه ألصق وأحرى. 3 )طائفةالعالمين: يقول الله تعالى: {وَت لْكَ الأَْمْثَال نَضْر ب هَا ل لنَّاس وَمَا يَعْق ل هَا إ لاَّ الْعَال م ونَ 43]. إنَّ الله تعالى هاهنا ذكر أن الأمثال لا يعقلها إلا العالمون، إشارة إلى انَّ العبرة كامنة فيها كمونا، وأنه لا يفهمها مَن كان مجنونا، فلا بد من العلم لدرايتها وتعقلها، فليس ذكر العنكبوت بها بالذي يزري بمقامها ويهون من فائدتها، كلا، بل ذلك شأن غير العالم، ممن أوتي من جهله، وقلَّة عقله، ومع هذه الإشارة التي سبق بها إلى اذهانه م، ورماها تلميحا في وجدانهم؛ إلاَّ أن القوم لم يدركوا، وازدروا التمثيل بمثل تلك الحشرات من العناكيب فجنحوا إلى التهوين والازدراء، حتى جاءهم التصريح بأن الله لا يستحي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها في الدنو والقلَّة، ما دامت العبر عالية عزيرة والفوائد راقية كثيرة، بيد أنهم ر غم ذلك لم يعوا ولم ي رعووا ففاتهم الاستدراك، بعد أن فاتهم الإدراك، ووقعوا بجهالتهم في أخطر شراك. لكن المؤمنين فهموا وتعلموا، وكانوا من الفالحين، لهذا كان حظهم أن الأمثال تعيدهم إلى هذا الفهم وذاك العلم إذا نسوا أو غفلوا عن طريق التذكر كما تعيد الكافر الجاحد للحق والمتغاضي عن الحقيقة إلى عين الصواب، فتذكره به بعد أن تكاثف عليه ضباب
عدد الصفحات ٧٢جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 73 الإعراض، ولهذا قال تعالى في سورة إبراهيم وهي مكيةالأَْمْثَالَ ل لنَّاس لَعَلَّه مْ يَتَذَكَّر ونَ[25.] وهكذا "نلاحظ أن تصوير الأمثال؛ ي عَ بِّ ر عن هذه الفئات الثلاث، فئة مؤمنة ملتزمة بمنهج الله، وفئة كافرة ترفض منهج الله سبحانه، وفئة ثالثة [ منافقة، تظهر الإيمان وتبطن الكفر. وقد عني تصوير الأمثال بهذه الفئات، فرسم لكل فئة ملامحها، وخصائصها، ووضع أمام عينيها ثوابها وعقابها والغرض من هذا التصوير هو الهداية والإصلاح، وتبشير المؤمنين، وتحذير الكافرين والمنافقين ويمتد التصوير الفني وي تواصل في السياق القرآني، ليرسم «النماذج»لهذه الفئات الثلاث. نموذج المؤمن بصفاته وأخلاقه وسلوكه، ونموذج الكافر بصفاته وملامحه وفساده وحيرته وعناده، ونموذج المنافق في تأرجحه أو ترد ده حيث لا يثبت على مبدأ أو هدف. ثم يتواصل تصوير الأمثال القرآنية في الأنس اق التعبيرية المختلفة، للمقارنة بين أهل الإيمان وأهل الكفر، مستعيرا الفوارق بين النور والظلام، والحياة والموت، والكلمة الطي بة والخبيثة، والبلد الطي ب، والأرض الميتة، وبذلك تتواصل الصور القرآنية ضمن العلاقات التصويرية والفكرية والتعبيرية، مع الصور القرآنية الواردة في التعبير عن المعاني الذهنية" (104.) والحقُّ؛ أنَّ ذلك من مزايا القرآن الكريم، فهو يصنف الناس بحسب قبولهم للهدى والنور، وابتعادهم عن الردى والشرور، والكفر والفجور، فمن مؤمن تقي، ومن كافر شقي، ومن منافقٍ غَير نقي ! والتعبير القرآني يجلي حقيقة كل صنف ونوعيته، ويوضح منزلته في الصلاح أو درجته في الخطور ة، ويتكلم عن جميع أحوال هؤلاء الأشخاص وأغراضهم ومقاصدهم، ويبين آثارهم في الحياة وبعد الممات، ويكشف الغطاء عن مصير أعمالهم ونتائج فعالهم في الدنيا والآخرة، كل ذلك في صور بديعة ترفض الغموض رأسا، وتبني حقيقتها على الوضوح 104- عبد السلام أحمد الراغب "وظيفة الصورة الفنية في القرآن" نشر فصلت للدراسات والترجمة والنشر، حلب، سورية، ط 1،1422هـ2001م، ص161.
عدد الصفحات ٧٣جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 74 أساسا، بحيث تعطيك الفنية في القول، والفنية في الرسم، وتأخذ بالألباب إلى عين الحقيقة اسما ووَسمًا. وهذا ما يحدوني إلى أن أقول فهذا التفنن في القـول صدقا *** وفن يَّــةٌ ر كِّبَـت فـي الصُّـــور. ليَطفَــحَ تعبيــرها بالخيـــال *** ي ضِّي بالجمــال ويعلي النَّظر. يصنِّف نَاسًــا بحَسب التقَّـى *** أميـنٌ، خَؤونٌ، ومن قـد كَفَـر. في ظه ــر أعماله ـم في المـآل *** يجلِّـي المصيـر بنــور الأثَـر. وي رْه ب ه ــم رَهَــبًا عـــالـــيـا *** يرغِّب ه ــم م ن ج ـــهـاتٍ أ خَــر. ويمنحه ـم ر شـــده واع ـــظا *** وي مس ـك من زل في المنحَـدر! وهذه الأنماط المستهدفة في الأمثال القرآنية تنتظمها بيانيا الأمور الآتية: "1 - ملامح من التوجيه والإرشادللمؤمنين. 2 - عبادة الكافرين لآلهة مدعاة 3 - أعمال الكافرين تذهب يوم الحساب طرائق قددا 4 - الفوارق بين المؤمنين والكافرين 5 - الشرك وظلم المشركين لأنف س هم 6 - النفاق ومواصفات المنافقين وفعالهم 7 - إخلاد المكذبين بآيات الله إلى الأرض واتباع هم الأهواء105.) 105- سميح عاطف الزين "الأمثال والم ثْل والتمثيل والمَث لات في القرآن الكريم" دار الكتاب اللبناني، بيروت، دارالكتاب المصري، القاهرة، ط 2،1421هـ2000م، ص 273 .
عدد الصفحات ٧٤جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 75 الاختيار الأسلوبي للمثل: المثل القرآني له مطلعٌ ومنتهى، وبداية وختام، والفواص ل فيه تأتي ملتحمة مع السياق، مرتبطة بالأسلوب المناسب ليحدث الانسجام والاتساق، ويتواءم الفضاء الكلامي مع جوه المختار، فلا فضاء أهل جهنم تكون فيه الأشجار الظليلة الوارفة و النهر العذب، والمناخ الساحلي الرطب، ولا فضاء أهل الجنة يكون بذكر الصحراء القاحلة والأزهار الذابلة والشمس المحرقة الشديدة، بل جميع الب نَ ى اللفظية محكمة مع المعاني أقوى إحكام وأفضله، متماشية مع التصوير لدى أنساقه التعبيرية في أبدعٍ نسجٍ وأجمله. إنَّ "طبيعة الاختيار في القرآن الكريم إنما تأتي بحسب حاجة السياق أو النظم لا بحسب مطلبٍ شكلي مسبق ي فرض على السياق (قد يكون متوافقاً صوتاً ودلالةً معه) بدايةً ، إلا أنه يبقى مفروضاً حتى بعد انعدام التوافق ؛ لتغير السياق كما في القافية في البناء الشعري والسجع في البناء النثري ( الفني )، ولعل هذا أكبر عيب يوجهه النقد الصوتي إلى قصيدة الشعر العمودي والنثر الفني ( المسجوع ) لأن المؤلف يكون هنا أمام اختي ارٍ مشروطٍ ؛ لذلك قيل قديماً : "فواصل القرآن تابعة للمعاني وأما الأسجاع فالمعاني تابعةٌ لها" ، ولعل هذا أبرز سمةٍ أسلوبية اختص بها القرآن في أنه لم يكن مختاراً لما ي عدُّ الأفصح أو حتى المشتهر من أساليب العرب؛ وإنما كان حر اً حري ةً كاملة في اختياراته الأسلوبية الأمر الذي لم يعطه التفرد الشكلي فقط وإنما حاز التفرد المعنوي" (106 .) تعريف الأسلوب لغة: قال "ابْن الأَعرابي: ي قَال للسِّكَّة م نَ النخل أ سْل وبٌ وأ سْك وبٌ، فإ ذا كَانَ ذَل كَ م نْ غَيْر النَّخْل ، ق يلَ لَه أ نْبوبٌ وم دادٌ" ( 107.) اصطلاحا هو "طريقة اختيار الألفاظ وتأليفها للتعبير بها عن المعاني قصد الإيضاح والتأثير"(108.) 106- عامر مهدي صالح "لمسات بيانية من تفاسير سورة الضحى مقال منشور على موقع: lsooot.com3www. 107- محمد بن مكرم بن على، أبو الفضل، جمال الدين ابن منظور الأنصاري الرويفعى الإفريقى (ت711هـ) "لسان العرب" دار صادر – بيروت، ط 3،1414هـ، ج1/471 . 108- أحمد الشايب "الأسلوب نشر مكتبة النهضة المصرية، ط 12، سنة2003م، ص40.
عدد الصفحات ٧٥جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 76 أنواع الاختيارات الأسلوبية في المثل إنَّ "الأسلوب معانٍ مرتبة قبل أن يكون ألفاظًا منسقة" (108)،وقد اتخذ القرآن أساليب متنوعة تجسد باجتماعها أسلوبه العام، فنوع فيها، وأبدع في طرائق استعمالها، فكان منها ما يمثل الاختيار الأسلوبي الخارجي الذي يعوِّل على مساحة المعاني ودرجة كثافتها، ومقدار علو بنائها، فمن أمثال طويلة مرتفعة شاهقة، ومن أمثال قصيرة رائقة كالحصن المتين تخرج منه الحقائق ولا تدخل إليه الأباطيل، هذا من الناحية الخارجية. ومن الناحية الداخلية فذلك ما ي مَ ثِّ ل نوعية البناء وأحجاره اللفظية، وهندسته التركيبية، وشكله الدلالي وألوانه الصوتية، ونحن نحاول بيان ذلك فيما يأتي: 1 /من ناحية الاختيار الخارجي إنَّ الأسلوب يتنوع بين الكم والكيف، ولكل مثل الكيفية التعبيرية والطريقة التصويرية التي تناسبه، أمَّا ناحية الكم فمن مثل مبسوط طويل، ومن مثل مقبوض قصير، فهذا تحدوه السرعة تتخللها الكثافة والقوة، كمن يضرب قساوة الفهم ليكسرها فيستجمع كل قوته لينهي أمرها ويفجر ينابيعها مرة واحدة، وذاك يتمهل ويتلطف في المعاني وينبسط كمن يضرب ص خورَ البلادة عدة ضربات متوالية لتتكَسَّرَ عبر دفعات كلامية متواصلة لا مرة واحدة كشأن المثل القصير. فالأول: أسلوب التمهل واللطافة (110): وهو كالعارض الذي يجعل الفهم يتأنى في سرعته الفهمية، حتى يفهم أنَّ هاهنا ما يجب الالتفات له، والنظر بعين البصيرة إليه، لكونه موضوعا يحتاجا انضباطا في التصور، والتقاطا لمعاني تلزم الفهم ليحصل له التنوُّر والإشراق. 108- المرجع السابق نفسه 110- قد يتبادر لك أن هذا هو نفسه أسلوب الترغيب، والصواب ليس في جميع الأحوال كما يتبادر، والواقع ليس منحصرا فيما قد ي تَصَوَّر، قبل أن ي حَرَّر، وتأمل ترى ب ثاقب فهمك فرق ما بينهما.
عدد الصفحات ٧٦جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 77 وهو يتجسد في الأمثال الطويلة التي تنبسط وتشرح، وتمضي في تحليقها بالمتلقي وتسرح، حتى يعي ويستنير، ويؤول إلى التذكر والتفكير والاتعاظ. يقول الله سبحانه [73] فيدعو المتلقي إلى أن يرعي سمعه وينتبه، فالخطب جلل والنداء عظيم لأمر مهم، ثم يقرر بكل يقين وبأداة التَّأكيد لفظ "لن" الدالة على القطيعة في الأمر إمكانا وزمانا، ويأتي بها لكونها تفيد نفي احتمال المحاولة، فهم عاجزون ولو حاولوا، ثم يرفع وتيرة النفي فيقول أن الآلهة لا تتحرك إلاَّ أنه يفرض لها واقعا حركيا، ومجالا إدراكيا، ويقضي عليها بالعجز بر غم الاجتماع والتعاون والاتحاد، ثم يشرع في التفصيل لزيادة البيان شيئاب منهم، فتكفي اللام النافية في الدلالة القصوى على المراد، فيقول يستنقذوه"، ثم ينبه المتلقي إلى أن هذا التوضيح لحال الآلهة يدل على أنَّ الداعين إياها والمتعلقين بها مع كونها بهذا الحال المزري هم مثلها في الحال، ويقدم ذكرهم عليها فيقول { بتوضيحه في غيره، ذلك الغير الذي يتعلق به ويطلب منه المعنونة والاقتدار، فإذا كان المتعلق به ضعيفا فكيف بالمتعلق، إنها الاستلزام الذي يراه الداعي في مرآة المدعو، فالختام هو أن كلاهما في منزلة منحطة، أحداهما دل عليها البيان، والثانية عرف بها الاستلزام؛ فتكون النتيجة [73] . فالمثل كما ترى فيه تطويل وتفصيل، وأسلوب جدلي وتحليل، ودرجات من المعاني المنطقية المتسلسلة، تأخذ بيد المتلقي إلى ارتقائها في كل مرحلة صعودا، عبر دفعات مرتبة من البيان الخالص، يتخطى فيها الفهم كل واحدة بانتظام، ويتجاوز عتباتها واحدةً واحدةً، وينظم إلى موكبها ويبلغ معها العلياء، ولا يفارقها أو يتعجل في سيره معها إلى غاية الانتهاء. ولقد صور الآلهة متعاونة ثم راكنة إلى الضعف المطلق، والعجز المكين، ثم هي تجري
عدد الصفحات ٧٧جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 78 وراء ذباب في صورة مضحكة ولكنها لا تظفر به ولا تقدر عليه ولا تسترجع شيئا أخذه منها، مع أنه دلل وحلل وفصل، ووضع درجات وتمهل، وجعل الفرضيات قبل أن يتجاوز أي درجة ويرحل، فهاهنا كما ترى؛ جمعٌ وم مازجة بين أسلوبين عظيمين قلما يمكن للبلغاء أن يحسنوا الممازجة بينها وسوقهما في سياق أدبي خطابي، هما: الأسلوب الجدلي القاهر، والأسلوب الهزلي الساخر، ثم هما معا يمثلان الأسلوب الأدبي الخطابي الساحر، فأنى لمخلوق أن يبلغ شأوهما. إذ إنَّ الأسلوب الساخر عويص جدا لمن يعرف حقيقته، وكما يقول محمود شاكر؛ فإنَّ "السخرية من أشق ضروب الكتابة، وليس ي غني فيها أن يشتري الم تَشَهِّي قَلَما بقرش، ووَرَقا بقرشين، فإذا هو كاتبٌ ساخر !، وإذا صَلَح هذا لمن يشتهي، في زماننا؛ أن ي عَدَّ كاتبا أو مترجما، فإنَّه لا يصل ح البَتَّة لمن يريد أن يكون كاتبا ساخرا" (111.) فكيف إذا كان أسلوب السخرية فيه كل المنطقية والواقعية والتحليل، وكل البيان والفرضيات والتفصيل، والرد على ما يمكن أن يَع نَّ في خيال المعارض فيقوم القرآن بدحضه؛ قبل أن يدلي المعترض باعتراضه ، وهو إلى ذلك أسلوب في غاية الأدب والجلالة، وحسن المخاطبة والجمال. الثاني: أسلوب السرعة والكثافة (112): بحيث يطوى المشهد التمثيلي طيا ويقتصر فيه على الأهم فالأهم من الصورة وربما عرض صورة واحدة لا يعدوها، كأنَّ ضرب المثل هنا في وجوه العقول كضربة ضوء في وجه الفهم. ويتجسد هذا الأسلوب في نوع الأمثال القصيرة التي تطوي القضية كحال طي الأرض من الراكب المجد المتعجل في سيره، بحيث لا تتجاوز السطر والسطران حتى تفرغ من الحديث وتترك بصماتها القوية على الفهوم، وآثارها الجلية على العقول بمتانة ورزانةٍ ومَضاء. 111- محمود محمد شاكر"نمط صعب ونمط مخيف" دار المدني، ط1،1416هـ1886م، ص381. 112- ولا يقعن بخلدك أن هذا هو أسلوب الترهيب، كلا، فليسهو كذلك بالضرورة، فبينهما فوارق كثيرة، وتأمَّل تجد الأمر كما قلت لك.
عدد الصفحات ٧٨جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 78 وكما أن من أساليب العرب الاختصار والإيجاز في التعبير، كذلك المثل يكون بالاختصار والإيجاز في التصوير، إذ كأنه يقول للمتلقي إنه يكفيك هذا المشهد الخاطف لو كنت ذا عقل، فيريك مقطعا من المقاطع، ويجعله طابعا من الطوابع الكلامية التي تجسد المراد في أبدع منظر وأوجزه، بذكر ومضاتٍ سريعة تمثل عين الحقيقة ودقة الانتقاء في مادة اللوحة المعروضة وصورتها أمام البصائر؛ إذ ربَّ ن ظرةٍ واحدة تفعل في الخواطر ما لا تستطيع فعلَه ألف كلمة، بحيث تنفض الصورة المخاطب نفضا وترجه رجا وتزلزله زلزالا في لمح من لمحات عيون البيان، فتقطع بقوتها الجبَّارة شبهة المنحرف كضربة سيف تنفذ في أعماقه فتفصل ضلاله عن قلبه دَفعةً واحدة، وتهزه هزا عنيفا مخيفا تتناثر به شبهاته أرضا في سرعة واضحة، لتدعه خاوي الو فاض من أيِّ حجة أو بينة، وتذهب عنه العذر إلى غير عودَةٍ أو رجوع. ومن ذلك قول جل ثناؤهوَالَّذ ينَ يَدْع ونَ م نْ د ون ه لاَ يَسْتَج يب ونَ لَه مْ ب شَيْءٍ إ لاَّ كَبَاس ط كَفَّيْه إ لَى الْمَاء ل يَبْل غَ فَاه وَمَا ه وَ ب بَال غ ه [ }14.] إنها الحقيقة الصارمة التي لا مجال لتنصل الكافر منها إلا بأن يقلع رأسا عن وبالها، وينسحبَ هاربا من أشباحها، كيما يخرج إلى شمس الهداية بدل مكوثه تحت ظلال الباطل، ووسائله العاطلة، فتأمل السرعة في المثل والسرعة في التصوير. ونحن نضرب لك لبيان الكثافة في الصور والمعاني رغم قصر المثل بتناولنا مثلا آخر حتى تتنوع جوانب البيان ونواحيه، يقول جل ذكرهمَثَل الَّذ ينَ اتَّخَذ وا م نْ د ون اللهَّ أَوْل يَاءَ كَمَثَل الْعَنْكَب وت اتَّخَذَتْ بَيْتً ا وَإ نَّ أَوْهَنَ الْب ي وت لَبَيْت الْعَنْكَب وت لَوْ كَان وا يَعْلَم ونَ [ } 41]لك هو الواقع المرير بسلبياته الحقيرة، فبيت العنكبوت يعدُّ شراكا تقع الفرائس فيه، فكذلك البيت العقائدي الذي يأوي إليه الكافر والطريق الذي يسير فيه حقيقته أنَّه مصيدة، وليس طريق نجاةٍ وهدى. وإذا كان الحال كذلك فالأحرى أن يقلع الكافر عن عقيدته التي تمثل هلاكا للمدعوين إليها، والأولى أن يخرج منها قبل أن يجني فيها وباله ووبال الناس، ويحمل وزره وأوزار غَير ه، لاسيما وهو متعلق بالخيوط لا بحبال، وبروابط واهية وبيوت خاوية كبيت العنكبوت
عدد الصفحات ٧٩جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 80 لا يصد ريحا ولا يمنع مطرا ولا يقي برادا ولا يدفع حرا، فهو بيت وكأنه عراء، وهو بيت مسطح، لا جدر له ولا أبواب، ولا أرضية ولا سقفا، فأيُّ بيتٍ هو إذن! فأين أبواب الأولياء ليقرعها المشرك، وأين جدرهم التي قد يستند إليها، والسكينة التي يجدها فيها، كل ذلك معدوم غير موجود، ولكن المشركين لا يعلمون. فتأمل هذا المثل رغم قصره إلاَّ أنَّ فيه من كثافة المعاني شيء كثير، مع أننا اقتصرنا هاهنا على بعضها، وسنبين في الباب التطبيقي من هذه الرسالة؛ البقية التي أتيح لنا عرفانها فيما نحاول ونظن. ثم إنَّ هذا الأسلوب المتين في ضرب الأمثا ل لا يخلو على قصره من التعليق على المثل في آخر المطاف بما يتناسب والصورة المعروضة الموجزة، فانظر إلى أسلوب التوصيف حين يقول الله تعالىوَمَثَل الَّذ ينَ كَفَر وا كَمَثَل الَّذ ي يَنْع ق ب مَا لاَ يَسْمَع إ لاَّ د عَاءً وَن دَاءً } وتأمَّل بَعده أسلوبالتعريف الذي يمثل التعقيب على الصورة، وكأنه تعريفٌ بها، أو عنوان لها وضع من تحتها، أو وسمٌ ج عل في نهايتها على شكل تعليق من التعليقات أو ختمٍ من الأختام، فيقول تعالى متمِّماص مٌّ ب كْمٌ ع مْيٌ فَه مْ لاَ يَعْق ل ونَ [ }171] التعقيب النقضي، التي تنسف بجلائها وقوتها ما عليه القوم. بيد أنَّ هناك فورية التعقيب التوجيهي كما في قوله تعالى ضَرَبَ لَك مْ مَثَلاً م نْ أَنْف س ك مْ هَلْ لَك مْ م نْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَان ك مْ م نْ ش رَكَاءَ ف ي مَا رَزَقْنَاك مْ فَأَنْت مْ ف يه سَوَاءٌ تَ خَاف ونَه مْ كَخ يفَت ك مْ أَنْف سَك مْ }كَذَل كَ ن فَصِّل الآْيَات ل قَوْمٍ يَعْق ل ونَ [ }28] أي اعقلوا هذه الأمثال وتدبروها فإنها توجهكم نحو الصَّواب، وتدلكم عليه 2 /من ناحية الاختيار الداخلي الأول: الا ختيار ال لفظي: هو إيثار الكلمة لأجل المعنى الكامن فيها، والصوت الظاهر على سطحها، ويدخل ضمنه: أ ) الاختيار الفواصلي: هو نفسه اختيار الألفاظ لكنه يأتي ترتيبيا في الأخير ليربط بين الآيات لا بين الجمل، فرب آية فيها جملة وأخرى فيها عدة جمل، حتى يحدث الانسجام
عدد الصفحات ٨٠