جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 48 صوابٌ في حدِّ ذاته، ومثال هذا ما قاله الرافعي عن القرآن وطريقة حجاجه البديعة المنصفة التي تعرض القول والقول الآخر، جاعلة المعا ضة الباطلة طريقا إلى بيان الحق الأصيل: "الحجة الصحيحة فإنها أبداً في حاجة ماسة إلى حجة أخرى تؤيدها أو تفسرها أو تحدها أو تمنع اللبس بينها وبين غيرها، فكل شيء فإنما صحته وتمامه في معارضته ونقده، إذ المعارضة نصف الحق وإن هي لم تكن حق ًا لأنها ت بينه وتجلوه وتقطع عنه الألسنة وتنفى عنه الظنة، ومن هنا يظهر لك السر المعجز الغريب البالغ منتهى الدقة في القرآن الكريم، فإن هذا الكتاب من دون الكتب السماوية والأرضية هو وحده الذي انفرد بتحد ي الخلق وإثبات هذا التحدي فيه، وبذلك قرر أسمى قواعد الحق الإنساني ووضع الأساس الدستوري الحر لإيجاد المعارضة وحمايتها، وأقام البرهان لمن آمنوا على من كفروا، وكان العجز عنه حجة دامغة معها من القوة كالذي مع الحجة الأخرى في إعجازه، فسما بالحجتين جميعاً" (71.) فها هو القرآن قد سما بالحجة البيانية المتعلقة بالألفاظ؛ تماما كسموه في الحجة البرهانية المتعلقة بالمعاني. من هنا؛ فإنَّ استنباط المعاني والصُّور البيانيَّة التي لم يقلها قائل كمثل ما سبق به المتنبي عامَّة الشعراء من إبداع صورٍ خيال يَّة تعبيريَّة لم يقلها أحدٌ قبلَه، ذلك كلُّه غير مطروحٍ في طريق كما زعم الجاحظ. وكما ترى في عالم الصناعات والاختراعات؛ فكلُّ فكرة تختلف عن فكرة، ويأتي هذا بما لم يخطر في بال ذلك، بل يأتي بما لم تأت به البشرية في جميع تاريخها، فيطور بفكرته عالم الصناعة بر مَّته، فكذلك الحال في صناعة الأفكار في ساح البيان. والحقيقة أنَّ أجزاء الفكرة -حتما- هي المطروحةٌ في طريق , لكنَّ تنسيقَها وترتيبَها والتَّأليف بينها على مستوى الفكر فحسب, وإقامتها تصحيحا وتنقيحا في حيِّز المعاني بصرف النَّظر عن الألفاظ هذا التَّأليف هو عمَلٌ خاصٌ ودقيق , تتصَرَّفُ فيه الأنظا بالتقليب والتنميق, وتصنعُه أيدي القريحة وليس مطروحا في طريق, فأجزاء الصو ة قد يلتقيها المرء 71- مصطفى صادق بن عبد الرزاق بن سعيد بن أحمد بن عبد القادر الرافعي (المتوفى1356هـ) "تحت راية القرآن نشر المكتبة العصرية، صيدا، بيروت، ط 1،1423 هـ2002م، ص241.
عدد الصفحات ٤٩جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 50 عند سيره في ساحة الأفكا معروضَةً جاهزة, أمَّا أن يجدها مؤلَّفة منسَّقَة على نظام معيَّنٍ و سم محدَّدٍ فهيَ الجائزة التي لا سبيل إلى أن يطمع بها إلاَّ أن يجتهد وينصَب, ويُعنِتَ الفكر ويَتعَب, لينال غرضَه قصدًا لا اتفاقا, وعمدا دون مصادَفَة. غير أنَّ قمة البيان آتية من القرآن، والذي ألمح في حروف سوره المقطعة، أنَّه مؤلف من مجرد حروف ولكن من ذا يستطيع أن يتكلم مثله، رغم أن الحروف موجودة في كل الطرق، فكأن القرآن يقول لنا في "ألم" ها هي الألف واللاَّ م والميم حالة بكل لسان ومرتحلة معه، بل جاثمة فيه، قائمة على رأسه؛ فمن يقدر أن يتناولها وهي في مكنته على شفتيه، أو يطلق العنان لها ليضرب كل حرف منها بجناحيه! وإذن؛ فالحروف كأجزاء المعاني؛ هي أيضا مطروحة في طريق، ولن تصل منها إلى المعاني إلا إذا ربطتها في كلمات ثم ربطت الكلمات في جملة ثم ربطت الجملة في جمل لتكون نصا، فأين الطريق حينئذ، إنها طرق لا طريق! وهكذا فالحروف أشياء مبثوثة يحملها كل لافظ، أمَّا المعاني فليست ألقاء مجردة يحوزها كل لاقط، بل القرآن ذكر الحروف ولم يذكر حتى الكلمات التي هي المعاني الصغرى إن صح التعبير، لأنه معلوم أن العرب على اختلاف لهجاتهم كانوا يعرفون كل الحروف العربية وينطقون بها، لكن مادتهم اللغوية من حيث الكلمات يزيد بعضهم على بعض فيها، ويتفاوتون في معرفة مفردات اللغة بوجه عام، ويجهل من كان في هذه القبيلة قدرا من مفردات القبيلة الأخرى، والعكس صحيح، فإذا كان هذا في المعاني الصغرى (= الألفاظ) كما أسلفت؛ فكيف بالمعاني الكبرى التي بيَّنت. وما الألفاظ بعدئذٍ "إلاَّ أداةٌ كالسيف؛ فالسيف على جودته لا يعمل إلاَّ أضعفَ العمل، فإذا أخذته أنت وجعلت تتدَرَّب به وت مرِّن ساعدَك عليه ، وعرفتَ كيفَ ت جيد الضريبة وت ص يب المقطع، كان له أقوى العمل، لأن السر في ساعد م نتَض يه وبَصَره وحيلَته لا في حدِّه وعار ضَ يه. واللغة لا تقوم بغير فكرة الإدراك وشموله وتراميه، وبالقدرة على الإبانة عنها باللفظ المتَّص ل الماضي الذي لا ينقَط ع دونها، وبس م وِّ الخيال وتراح ب ه واستطالت ه، رة الواحدة إدمان
عدد الصفحات ٥٠جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 51 الفيلسوف الصابر الثابت بين إدارتها وتطبيق ها وبسط ها وردِّها إلى أ صولٍ مقرَّرَةٍ في الحياة، ث مَ لا يزال يجمَع بينها وبينَ قرائن ها، وي حدِّد فرقَ ما بينَ القَر ينَين ما ظَهَرَ م ن ذلك وما استَتَر، ث مَّ ي صَحِّح النَّظَر في الأصل الذي يَر دُّ إليه أفكاره تصحيح الحكيم الم قَرِّر حتى لا يقع بينها التدابر والتنافر والفساد" (72.) وبالتالي؛ فالشأن كل الشأن في المعاني لذلك أَحْكَمَ القرآن المعاني ثم فصلها بعد ذلك في الألفاظ؛ فهو إذن؛ فائق المعنى، بحيث كما يَكْمُنُ إعجازُه في أساليبه ومبان يه؛ يَكمُنُ –بل الإعجاز أكثرَ تمَكُّنا- في معانيه. "وَكَوْن الْق رْآن أَنَّه م عْج زَةٌ لَيْسَ ه وَ م نْ ج هَة فَصَاحَت ه وَبَلاَغَت ه فَقَطْ، أَوْ نَظْم ه وَأ سْل وب ه فَقَطْ، وَلاَ م نْ ج هَة إ خْبَار ه ب الْغَيْب فَقَطْ...، بَلْ ه وَ آيَةٌ بَيِّنَةٌ م عْج زَةٌ م نْ و ج وهٍ م تَعَدِّدَةٍ: م نْ ج هَة اللَّفْظ ، وَم نْ ج هَة النَّظْم ، وَم نْ ج هَة الْبَلاَغَة ف ي دَلاَلَة اللَّفْظ عَلَى الْمَعْنَى، وَم نْ ج هَة مَعَان يه الَّت ي أَخْبَرَ ب هَا عَن اللهَّ تَعَالَى وَأَسْمَائ ه وَص فَات ه وَمَلاَئ كَت ه ...، وَم نْ ج هَة مَا بَيَّنَ ف يه م نَ الدَّلاَئ ل الْيَق ين يَّة ، وَالأَْقْي سَة الْعَقْل يَّة الَّت ي ه يَ الأَْمْثَال الْمَضْر وبَة ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: { هَذَا الْق رْآن م نْ ك لِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَر النَّاس إ لاَّ ك ف ورًا 88...]، نَفْس نَظْم الْق رْآن وَأ سْل وب ه عَج يبٌ بَد يعٌ لَيْسَ م نْ ج نْس أَسَال يب الْكَلاَم الْمَعْر وفَة ، وَلَمْ يَأْت أَحَدٌ ب نَظ ير هَذَا الأْ سْل وب ، فَإ نَّه لَيْسَ م نْ ج نْس الشِّعْر وَلاَ الرَّجَز وَلاَ الْخَطَابَة وَلاَ الرَّسَائ ل ، وَلاَ نَظْم ه نَ ظْم شَيْءٍ م نْ كَلاَم النَّاس عَر ب ه مْ وَعَجَم ه مْ...، وَمَنْ تَدَبَّرَ مَا صَنَّفَه جَم يع الْع قَ لاَء ف ي الْع ل وم الإْ لَه يَّة وَالْخ ل ق يَّة وَالسِّيَاس يَّة وَجَدَ بَيْنَه وَبَيْنَ مَا جَاءَ ف ي الْك ت ب الإْ لَه يَّة - التَّوْرَاة وَالإْ نْج يل وَالزَّ ب ور وَص ح ف الأَْنْب يَاء -؛ وَجَدَ بَيْنَ ذَل كَ وَبَيْنَ الْق رْآن م نَ التَّ فَاو ت أَعْظَمَ م مَّا بَيْنَ لَفْظ ه وَنَظْم ه ، وَبَيْنَ سَائ ر أَلْفَاظ الْعَرَب وَنَظْم ه مْ " (73). وهذا ما تلمحه في تقديم الله سبحانه وتعالى إحكام آيات القرآن على تفصيلها، يقول جل ذ كر هم نْ لَد نْ حَك يمٍ خَب يرٍ 1] يعطف بالواو دلالة على الترتيب القائم في واقع الحال 72- محمود محمد شاكر "جمهرة مقالات الأستاذ محمود محمد شاكرجمع وإعداد: د. عادل سليمان جمال، نشر مكتبة الخانجي، القاهرة، مصر، بدون، ج2/705. 73- تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (ت: 728هـ) "الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح" تعلي بن حسن - عبد العزيز بن إبراهيم - حمدان بن محمد، دار العاصمة، السعودية، ط 2،1418هـ1888م، ج5/433.
عدد الصفحات ٥١جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 52 بيد أنَّ ابنَ كثير يقول في تفسيره للْية السابقة؛ إنَّ آيات القرآن الكريم "محكمة في لفظها، مفصَّلة في معناها" (74). ولعله ذهب بتفكيره إلى أنَّ الألفاظ القرآنية دقيقة جامعة، تحوي من المعاني المفصلة شيئا كثيرا، وهذا نظرٌ –من حيث العموم- صائب (75)، لكنَّ زوايا النظر ليست واحدة؛ فأنت إلى نظرت من زاويةٍ أ خرى وجدت أنَّ الآية تد لُّ على ما أسلفنا بيانه من تقدم المعاني في الوجود على الألفاظ لذلك هي ت حكم أوَّلا ؛ ث مَّ يأتي تفصيل ها في ألفاظها التي تناسبها، كما يفصَّل الثوب على صاحبه، إذ لا يمكن أن يحكم اللفظ ويظهر ثم بعد ذلك يفصل المعنى عليه ، لأن اللفظ إذا وجد وظهر فالمعنى موجود معه تبعا، حاضر فيه لزوما، حيث لا ي تصور -حينئذٍ - الانفكاك بينهما. وأنت ترى الح كَمَ السَّائرة ما سم يَّت ح كما إلاَّ لشرف معانيها ودقة مضمونها وإشراق فكرتها، فالحكيم فيلسوف مفكِّرٌ قبل أن يكون فصيحا، أو بليغا صاحب بيان، لذلك قدَّم الله تعالى –ولله المثل الأعلى سبحانه- ذكرَ الحكمة على التفصيل، فقال الذي يقتضي الحكمة، وبعدها قال { فمن الأصوَب إذن؛ أن نقول: "آيات القرآن محكمةٌ في معناها، مفصَّلَةٌ في لفظها"، أحكمت وبعد ذلك فصلت على الألفاظ المناسبة التي تبين المراد بيانا شافيا، وتجانس المعنى الصحيح المليح مجانسة تامة، وتلائمه ملائمة كاملة شاملة، فيقع المعنى في اللفظ الجامع المانع الماتع، وحينئذ ندرك أنَّ قوله تعالى المعاني ثم النطق بها لفظا، وهذا لا يمكن في العكس حيث يتم صدور اللفظ ثم يأتي المعنى بعد ذلك ، فالبعدية هذه غير متصورة، لتبعية المعنى للفظ، من هنا تعلم أن المعنى يتبع اللفظ بعد وجود الألفاظ وصدورها ، لذلك كان طلبه في الألفاظ الظاهرة، هو الأصل في الشريعة الكريمة الطاهرة، والعدول عن الظواهر استثناءًا، وأن اللفظ يتبع المعنى قبل وجوده ونطقه 74- إسماعيل بن عمر بن كثير، أبو الفداء القرشي البصري ثم الدمشقي (ت774هـ) "تفسير القرآن العظيم" ت: سامي بن محمد سلامة، دار طيبة للنشر والتوزيع، ط 2،1420هـ/1888م، ج4/303. 75- وإن كان قوله تعالى، لا يساعد على هذا الفهم.
عدد الصفحات ٥٢جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 53 أو كتابته، من أجل أن يدركه ويحيطَ به، وحتى لا يظهر اللفظ وهو تارك لجزء من المعنى، والقاعدة أنَّ «ص وَرَ الألفاظ تابعة للحائق المعاني » وأيضا فالمعاني تتداخل بخلاف الألفاظ، لذلك تفصل الأولى فيما يناسبها من قوالب وصياغات، تحيط بمعاني الآيات القرآنية، وما تَتَ ضَمَّن ه من دلالات إعجازية، متماشية مع الحكمة الربانية الغامرة ، النافعة المنسجمة مع النفس الإنسانية الطاهرة ، التي لا تمل كلامه سبحانه، وبلاغته ورونقه بيانه، ورحم الله جامع القرآن؛ عثمان بن عفان، ورضيَ عنه، القائل: "لو طهرت نفوسنا ما شبعت من كلام الله" . وبعد فأنا أنقل لك من كلام أحد عباقرة الأدباء ما يصور تلك الحقيقة التي لها طرفان: الأول: أن البراعة في المعاني أكثر شأنا من براعة الألفاظ. الثاني: أنَّ المعاني تتَقدَّم على ألفاظها، فح سن اختيار اللفظة متوقف على ح سن اختيار معناها، فتأمَّل. يقول محمود شاكر عن حجَّة العرب الرافعي مجليا طريقة بيانه: "الرَّافعي كاتبٌ قد استولى على الأمَد في مادَّة الكتابَة ، فاللُّغَة عندَه مادَّةٌ للتَّعبير لا مادَّةٌ للح فظ والاستعمال ، فهو قد قرأَها قراءَة البصير ليرى الفروقَ الخَف يَّة بين اللَّفظ و م راد ف ه و ليعلَمَ حَقَّ اللَّفظ م نَ الع بارَة ، و حَقَّ ا لع بارَة م نَ الألفاظ ، فيظ نُّ بعض مَن لا ق درَةَ له أنَّ الرَّافع يَّ ي ريد الإغرابَ على النَّاس في كلامه ، و استجلاب الغريب م نَ اللُّغَة للتَّفاص ح ، وما به ذلك، وإنَّما هيَ المعاني...، المعاني عندَ الرَّافعي ه يَ التي لها حقُّ اختيار الألفاظ م ن ل غَت ه. وهولا يأخ ذ ألفاظَه م نَ المعاج م و إنَّما يأخ ذ ها م ن سَليقَت ه التي صَقَلَتْها المعاجم" ( 76 .) وإذَن فالمعنى المحكَم الجَيِّد الحَسَن التَّوظيف والاستعمال؛ هو الذي يختار ما ي ناس ب ه م ن الألفاظ في فَصَّلَ فيها . وإنَّ هذه الطَّريقَ ة لهي طريقَة كبار أدباء البيان، وإنَّها لأحد أ س س نظر يَّة القرآن في علم 76- محمود محمد شاكر "جمهرة مقالات الأستاذ محمود محمد شاكر" جمع وإعداد: د. عادل سليمان جمال، نشر مكتبة الخانجي، القاهرة، مصر، بدون، ج2/705.
عدد الصفحات ٥٣جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 54 اللسانمن هنا عَظ مَ إعجاز القرآن في المعاني بالقياس إلى الألفاظ. "فَالإْ عْجَاز ف ي مَعْنَاه أَعْظَم وَأَكْثَر م نَ الإْ عْجَاز ف ي لَفْظ ه ، وَجَم يع ع قَلاَء الأْ مَم عَاج ز ونَ عَن الإْ تْيَان ب م ثْل مَعَان يه أَعْظَمَ م نْ عَجْز الْعَرَب عَن الإْ تْيَان ب م ثْل لَفْظ ه ... وَلَيْسَ مَا ف ي التَّوْرَاة وَالإْ نْج يل م مَاث لاً ل مَعَان ي الْق رْآن ؛ لاَ ف ي الْحَق يقَة وَلاَ ف ي الْكَيْف يَّة وَ لاَ الْكَمِّيَّة ، بَلْ يَظْهَر التَّفَاو ت ل ك لِّ مَنْ تَدَبَّرَ الْق رْآنَ وَتَدَبَّرَ الْك ت بَ. وَهَذ ه الأْ م ور مَنْ ظَهَرَتْ لَه م نْ أَهْل الْع لْم وَالْمَعْر فَة ، ظَهَرَ لَه إ عْجَاز ه م نْ هَذَا الْوَجْه " (77.) تأصيل لخصائصالتمثيل: يمكننا القول إنَّ خصائص المثل دائرَةٌ في أصولٍ تكمن في ثلاثة أشياء هي الغايات التي يقصدها كل متكلم، سواءٌ قصدها جميعا أو قصد بعضها أو واحدا منها، وسواء أأصاب في تحقيقها أم أخفق وسقط دون الغرض. وأمَّا القرآن فقد أبدَعَ وأَشبَعَ وأَمتَع في هذه الغايات ك لِّها، ورامَ في كلِّ مثلٍ جميعَها، وهي: أوَّلا: الوضوح لقصد الإفهام. ثانياً: القوَّة لقصد التَّأثير. ثالثاً: الجمال لقصد الإمتاع والسرور(78.) فهذه ثلاث غايات تمثِّل ثلاثة مستويات، تجمعها بر مَّتها العناصر الآتية أ- الدقة في اختيار الألفاظ، وإيثار الكلمات الوصفية التي تزيد في جمال الأسلوب، والكلمات التي تدرك الآذان بسرعَةٍ رتابتها الصوتية، والابتعاد عن الكلمات المتنافرة الحروف. 77- تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (ت: 728هـ) "الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح" ت: علي بن حسن- عبد العزيز بن إبراهيم - حمدان بن محمد، دار العاصمة، السعودية، ط 2،1418هـ1888م، ج5/433. 78- أحمد الشايب "الأسلوب نشر مكتبة النهضة المصرية، ط 12، سنة2003م، ص185.
عدد الصفحات ٥٤جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 55 ب- حسن توظيف الألفاظ ووضعها في مواضعها سواء كانت شار حَة أو مقيِّدة أو مخيِّلة: كالنعت، والمضاف إليه، والحال، والتمييز، والاستثناء، لكونها من عوامل إيضاح المعني. ت- استعمال الكلمات المتقابلة المتضادة المعاني، بلا غلو ؛ إذ كانت مقابلة الأضداد مما يزيد في كل بيان خواصه. ث- توظيف الألفاظ الخاصة للمعاني الخاصة. ج- تركيب المعاني الممكنة التي يحسن تأليفها وتعاقبها وارتكاز بعضها على بعض وتسلسلها حتى يربط العقل بينها بسهولة، واستعمال الصور البيانية والمحسنات البديعية، واجتناب العبارات المتنافرة الكلمات. ح- التمهيد للمعنى، ومراعاة الرَّوابط بين الج مَل وصلا وفصلا، كحروف العلة والعطف. خ- الحساب الدقيق لمقدار الج مَل طولا وإيجازا في كل موضع، وحسن ترتيبها في نظام محكم وتأليف منسَّق. د- جعل التيار الصوتي والنغمة العامة للأسلوب تسري سريانا مطَّردا في المثل بكلِّيَّته، وفي النص برمَّته. وبعد ؛ فيمينا؛ إنَّ القرآن ولاسيما في باب الأمثال أعظم وأوسع وأعمق من أن نحدده بهذه الخصائص التقريبية الباهتة (78). أهداف المثل القرآني: لمَّ ا كانت الأمثال القرآنية بالمنزلة العليا والمرتبة العظيمة، كانت من جملة الحكمة التي يؤتيها الله تعالى للعبد المسلم، فقد روى الطبري بسنده عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { : وَمَنْ ي ؤْتَ الْح كْمَةَ فَقَدْ أ وت يَ خَيْرًا كَث يرًا [ } البقرة : 268 ] 78- ي نظر؛ المرجع السَّابق نفسه، م نَ ص 188 إلى202.
عدد الصفحات ٥٥جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 56 ناسخه ومنسوخه، ومحكمه ومتشابهه، ومقدمه ومؤخره، وحلاله وحرامه، وأمثاله"(80.) إن"ضرب الأمثال في القرآن يستفاد منه أمور: التذكير والوعظ والحث والزجر والاعتبار والتقرير وتقريب المراد للعقل وتصويره في صورة المحسوس بحيث يكون نسبته للعقل كنسبة المحسوس إلى الحس. وقد تأتي أمثال القرآن مشتملة على بيان تفاوت الأجر على المدح والذم وعلى الثواب والعقاب وعلي تفخيم الأمر أو تحقيره وعلى تحقيق أمر وإبطال أمر، والله أعلم" (81.) ولقد ذكر الجرجاني جملةً نافعة يافعة من فوائد المثل التي ترقى به إلى ذوة البيان، لاسيما إذا اجتمعت معها ذروة الإتقان؛ كما هو حاله في القرآن، حينئذٍ يكون نورا على نور، وفي هذا الصَّدَد يقول مفصلا حالاته بدقة وبعمق: "اعلم أن مما اتفق العقلاء عليه، أن التمثيل إذا جاءَ في أعقاب المعاني، أو بَرَزَتْ هي باختصار في مَعر ضه، ون ق لت عن ص وَرها الأصلية إلى صورته، كساها أ بَّهةً، وكَسَبها مَنْقَبةً، ورفع من أقدارها، وشَبَّ من نارها، وضاعف ق واها في تحريك النُّفوس لها، و دعا الق لوب إليها، واستثار لها من أقاصي الأفئدة صبابةً وكلَفاً، وقَسَر الطِّباع على أن ت عطيها محب ة وشَغَفاً" (82.) ثم شرع يفصِّل ستَّ حالاتٍ اختارها، مبينا أَنَّ المثل إن كان مدحا كان أبهى، وإن كان ذما ً كان أوجعَ، وإن كان ح جاجاً، كان ب رهانه أنور، وإن كان افتخاراً كان لسانه أَلَد ، وإن كان اعتذاراً، كان إلى القَب ول أقرب، وإن كان وعظاً، كان أشْفَى للصدر، ثمَّ قال بعبارةٍ جامعة: "وهكذا الح كْم إذا استقريتَ فن ونَ القول وضروبَه ، وتتب عت أبوابَه وش عوبه " (83.) لكن غيره كالزمخشري ذكر للمثل مزايًا وبين أهم يَّته باختصار لا يزيد عما قاله الجرجاني؛ واقتصر على مزيَّتين اثنتين هما؛ إبراز المعاني، وتبكيت الخصم، فبَيَّنَ أَنَّ للمثل 80- محمد بن جرير، أبي جعفر الطبري (ت310 هـ) "جامع البيان في تأويل القرآن" ت: أحمد محمد شاكر، نشر مؤسسة الرسالة، ط 1،1420هـ2000م، ج5/576. 81- ابن قيم الجوزية "بدائع الفوائد، ج4/8. 82- عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد، أبو بكر، الفارسي الأصل، الجرجاني الدار (ت: 471هـ) "أسرار البلاغة" قرأه وعلق عليه: محمود محمد شاكر، نشر مطبعة المدني بالقاهرة، دار المدني بجدة، السعودية، بدون، ص115-116. 83- المصدر السابق نفسه؛ ص116.
عدد الصفحات ٥٦جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 57 شأناًليس بالخفي، في إبراز خبي ات المعاني، ورفع الأستار عن الحقائق، حتى تريك المتخيل في صو رة المحقق، والمتوهم في معرض المتيقن، والغائب كأنه مشاهد، وفيه تبكيت للخصم الألد، وقمع ل سَورَة الجامح الأبي " (84.) وأنت إذا تدبرت كلام الزمخشري؛ رأيتَ أَنُّه ينظر في المثل إلى قضيتين جامعتين الأولى: بيان الحق، بحسن تقريره، وجودة عرضه وتصويره. الثانية: ردُّ الباطل، بقوة إفحامه، وقمعه وإلزامه ونقض دعاواه. والواقع؛ أنَّ هذه مقاصد جليلة ذكرها الأقدمون في أَهم يَّة المثل ومنزلته، بيد أنَّ الجامع لذلك كله هو أنَّ ضرب المثل لا يعدو الأقطاب الثلاثة المذكورة في القرآن، فهي لم تذكر اعتباطا، كلا، إنما وردت كمعالم تحديد وتسديد، وهي المقاصد العظمى المتمثلة –على الترتيب- في: 1 ) التفكر 2 ) العلم 3 ) التذكرة فهذه هي الأصول، أمَّا الحث والزجر والتقرير فهي فروع ناتجة عن تلك الأصول دائرة بينها جميعا سابحة في رحابها، وهي وسائل إلى الغايات الأصلية الثلاث السابقة، فتأمَّل. من هنا كانت فوائد المثل تدور حول كل ما جاءت شريعة الإسلام من أجله ؛ فهي تفيد في؛ بل تعمَل على: 1 - توضيح القضايا الغيبية وإبرازها، وتثبيت العقائد الإيمانية الصحيحة والدعوة إليها 2 - الحث على الإخلاص واجتناب الرياء ودفع الهوى، وتهذيب النفوس وتقويمها على شرع الله وحدوده، موعظة وتذكيرا، وزجرا وتبصيرا. 84- جارالزمخشري "الكشاف عن حقائق التنزيل" ، ج1/108.
عدد الصفحات ٥٧جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 58 3 – شخذ ذهن المخاطب، وإيقاظ فكره، وصقل عقله، وإ نماء شعوره، وذكية فؤاده، وترقيق عاطفته، ولفت نظره إلى المراد، وتسهيل خطاه إلى طريق الرشاد. 4 - صد المخالفين عن باطلهم وإقامة الحجة عليهم، وتنوير السبيل لهم، والتأثير عليهم، وتخويفهم من عذاب الله، وتذكيرهم بما ف ع ل بأشياعهم من قَبل في الأمم الخالية. 5 - رفع الهمم للعمل بالهدى والابتعاد عن الردى والشرور، وإتباع الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، وتعظيم سنته وتفضيل صحابته، والثبات على م لَّت ه. 6 - فتح أبواب البصيرة للذكرى والاعتبار، واستفادة العلم والأنوار، وإصلاح النيَّات، والترهيب من المساوئ، والترغيب في الخيرات. المثل الأعلى: تتمثل ميزة المثل الإلهي في أنَّ "الله سبحانه لا تضرب له الأمثال التي فيها مماثلة لخلقه فإن الله لا مثيل له، بل له المثل الأعلى، فلا يجوز أن ي شرَك هو والمخلوقات في قياس تمثيل، ولا في قياس شمول تستوي أفراده؛ ولكن يستعمل في حقه المثل الأعلى، وهو أن كل ما اتصف به المخلوق من كمال فالخالق أولى به، وكل ما ينزه عنه المخلوق من نقص فالخالق أولى بالتنزيه عنه، فإذا كان المخلوق منزها عن مماثلة المخلوق مع الموافقة في الاسم: فالخالق أولى أن ينزه عن مماثلة المخلوق، وإن حصلت موافقة في الاسم" (85.) 85- أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني (ت728هـ) "الرسالة التدمرية نشر المطبعة السلفية، القاهرة، مصر، ط 2، سنة 1387هـ1877م، ص18.
عدد الصفحات ٥٨جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 58 الفصل الثاني: جمالية تلقي المثل القرآني.
عدد الصفحات ٥٩جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 60 إنَّ أساليب العرب تنوعت وتعددت ، وكانت ألوانا زاهرةً في حلة من التعابير الجمالية التي زادت البيان حسنا ورونقا ، وزادت المعنى بهاء و روعة . كل ذلك زاده القرآن جمالا وأربى عليه، فإذا بالبلاغة قد أخذت بيدي بالنحو، وتجاوزت به إلى ذروة الإعجاز، من هنا قام الدرس النحوي البلاغي مرتبطا بالدرس القرآني، وتنوعت الدراسات، وكثرت التَّآليف والمصنَّفات، بحثا وتنقيبا عن قوانين العرب في كلامها نحوا، وقواعدهم في خطابهم بلاغةً ، فكان أن تحددت المفاهيم والأفكار، والاستنتاجات والأنظار، مجَسِّدَةً لنا علوما مستقلة بذاتها، قد جمع العلماء من شتاتها، و قاموا بسقي نباتها حتى عَج مَ ما لها من عود، وأصبح لها بين الناس وبين العلوم وجود. الجمالية والأسلوبيَّة: إنَّ الجمال شيء أصيل في القرآن، وتعبيراته ذات بهجة، لا ينكرٌ احدٌ ح سنها، بيد أنَّه يجب علينا إقامة البرهان الحي على ذلك باستخراج مكامن الحسن والدلالة على مواضع الجمال ببيانٍ علمي يكون معيارا للسَّائلين. ولمَّا كان دون ذلك مفاوز تنتهي قبلها الأعمار، و تذوب فيها السِّنين، فلا أقل من أن نحظى منها بطرف، وحسبك من القلادة ما أحاط بالعنق. والجمال في الحقيقة يشمل الإيحاء واللَّفظ والأسلوب، والشكل الصَّوتي المتَّسق مع البنية التركيبيَّة للجمل والصُّور والمشاهد والموضوعات، كما يشمل جمال موقع ورود الكلام من نص الخطاب القرآني خلال السورة بل حتَّى جماله المكاني بين دفتي المصحف الشريف، ولهذا النوع الأخير من الجمال دراسات دونها خرط القتاد، وحسب نا في هذه الرسالة أن نذكر منها بعضا، وإن كانت لا تؤدي من الكمال غرضا، بيد أنَّها تؤدي من الجمال المقدار المرجو الذي تسمح به هذه الورقات. تعريف الأسلوبيَّة (Stylistique): هيالإجراء الذي يضبط سطح النظام النسجي للكلام؛ إم ا في نص من النصوص، وإما في مجموعة من النصوص تشك ل أدباً ب ر مَّت ه ، في عصر من العصور ، و عبر لغة من
عدد الصفحات ٦٠جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 61 اللغات"(86.) والحديث عن الأسلوبية أي عن نظام نسج الكلام، وأسسه وتقنياته التي نروم تحليلها أسلوبيا لا نحويا؛ ليس لتبقى الأجزاء المحللة من فعل وفاعل والعلاقة بينهما والوصف والعطف والاستفهام؛ مفرقةً متناثرة؛ وإنَّما لنعيد في الأخير ربطها ربطا محكما وثيقا يعكس في مرآة البيان نسجَ النص - أو النصوص- ويجسد روحه جميعا. إنن ا إذْ نحاول تحليل نص وص المثل القرآني الجميل "في منظور مستوى النسج اللغوي ، فإنما لكي نراع ي هذه الأدوات البلاغية في إطار النص العام ؛ لا في جزئي اته التي تمز ق النص ، وتؤذي نظامه"(87). إنَّ غاية الأسلوبية هي الوصول إلى المعنى بكل إشراق اته وإيحاءاته، ومكنوناته ولطائفه، والغوص في أعماقه والتقاط درره وجواهره، ثم جعلها في عقد متكامل منظوم، يجلي الرؤية عليه بتمامه، "وإذا كانت الأسلوبية قد أفادت من الدراسات النقدية الحديثة، واعتمدت في كثير من نظرياتها على ما توصل إليه علم اللغة الحديث، فإنها في الوقت نفسه قد أعادت ما توصل إليه الدارسون في تراثنا البلاغي والنقدي القديم، مثل رصد الأساليب الإنشائية، والصور الفنية، وأساليب المجاز والتشخيص والتجسيم، في محاولة منها للوصول إلى المعنى" (88). لكن المعنى هنا هو مراد القرآن العظيم ما يحتويه من أسرار والمعاني، لذلكينبغي التأني مليَّ ا والتَّأَمُّل جيِّدا في الأسلوب القرآني من حيث دقة التركيب ودقة الصياغة، حتَّى لا ينت جَ سوء الفهم ، وخطأ الاستنباط والتخريج، ولا بد في الآن نفسه تكون السمات الأسلو بية واللغوية مستوعبةً طبيعته البلاغية، ذلك كما هو الحال من إحاطة أساليب القرآن بالإيحاءات المرجوة منه. إنَّ الإيحاء فرع عن أَيِّ أسلوب بصفة عامة؛ بحيث إذا تعطَّل شيء من الأسلوب و جد 86- عبد الملك مرتاض"السَّ بع المعلقات: تحليل انتروبولوجي- سميائي لشعرية نصوصها" دار البصائر، الجزائر، سنة 2012م، ص188. 87- المرجع السابق نفسه، ص188. 88- محمود عياد، "الأسلوبية الحديثة: محاولة تعريف"، مجلة فصول، المجلد اول، العدد الثاني، يناير 1881، ص128.
عدد الصفحات ٦١جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 62 ذلك التعطل في نقص الإيحاءات التي ينبغي أن تكون وأن يوجد مثلها في نص من النصوص، فالقرآن وحده هو الذي استطاع جعل الأصل كاملا و الفرع عنه ماثلا كمَّا وكيفا بروعة لا نهاية لها ، بخلاف كتابات البشر التي لم تحقق أبدا الكمال في هذه المعادلة العويصة، والتي عليها مدار البيان. لأننا لا نستطيع إخراج الدراسة الأسلوبيَّة من إطارها البلاغي، لاسيما أنَّ المقصود الأولي من نصوص التنزيل الحكيم التبليغ وإيصال الفهم وقطع الحجة، وإقامة الإعجاز، فالأمر أمر حسابٍ وآخرة، وهو ما يتجسد في مصطلح البلاغة دون الأسلوبية، من هنا كانت مشمولة به، دائرة فيه محدودةً بإطاره. إنَّ الغاية منَ البلاغة تأ دية المعنى الجميل واضحاً بعبارةٍ صحيحة فصيحة، لها في النفس أثرٌ ساحر، مع ملائمة كلِّ كلامٍ للموطن الذي يقال فيه ، والأشخاص الذين ي خاطَبون به. إنَّ البلاغة تقوم على عناصر هي؛ اللفظٌ والمعنًى ، وتأليفٌ للألفاظ يمنح ها قوةً وتأثيراً وحسناً، ثم دقةٌ في اختيار الكلمات والأساليب على حسب مواطن الكلام ومواقعه، وموضوعاته، وحال السامعين، والنزعة النفسية التي تتملكهم، وتسيطر على نفوسهم ، ومن أفضل تلك الأساليب أسلوب المثل، فهولا يبلى على كرٍّ الدهور ، وإنَّه لد رَّةٌ وسطَ التَّعبيرات وبينَ السُّطور . والحقُّ؛ أَ نَّ البحث في حقل اللِّسانيات بل حقولها متشعب الأطراف متفرع السبل كثير الجوانب، لا ي ل مُّ به الدَّارس حتى يجد نفسه قد طاف بأنواع من العلوم، و استعرض ألوانا من الدراسات والمقالات و البحوث والفهوم ، تلك التي تفضي في آخر أمرها إلى كشف مغاليق النصوص و سبر أغ وارها ، و تهدي في النهاية إلى الدخول في قلب إطارها ، بمحاولة فهم النص بعمق و جلاء ، و بكل ما يحويه من دلالة و إشارَةٍ و إيحاء ، سواء تعريجا على السياق و السباق و اللِّحاق ممَّا هو معروف بالمدرسة السياقية ، أو تعريجا على النسق مما هو منعوت بالمدرسة النَّسَقيَّة . ونحن إذ نذكر هاتين المدرستين فإنَّما نعوِّل في الاستفادة منهما عليهما جميعا دون استثناء، إذ الحكمة ضالة الباحث المخلص أنَّى وجدها فهو أحقُّ بها، ذلك بلا إهدار لجهود علمائنا السَّابقين، ولا قفزا على مصنَّفاتهم التي هي بمكانة الكنز الثَّمين، وهذا هو طريق
عدد الصفحات ٦٢جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 63 التطوروالتغيير والإبداع والتحديث، الذي لن يكون ـ مع ذلك ـ باستعادة التراث في كليته، أو الانتقاء منه، فلا الإعادة الكاملة مجدية، ولا الانتقاء مفيد، من هنا كان واجبا علينا وضع فلسفة معينة في التعامل مع التراث من زوايا مختلفة، وتخصصات متنوعة ، لاسيما إذا كان البحث بلاغيا لا يهتم بمعاني النصوص فحسب بل بجمالياتها أيضا ، بإعطاء الأحكام الدقيقة عن قيمتها الفنيَّة ، وم مَيِّزَاتها الأسلوبيَّة . عتبات تلقي المثل القرآني: الحق؛ أَنَّ النَّص فضاء له عتباته، وللقرآن طريقته الخاصة في تأثيث هذا الفضاء وتوزيع مكوِّناته وترتيب ها، والتجوُّل بالفكر داخل النَّص فهما وتدبرا؛ يصادف ك بعتباتٍ متعدِّدَة، مَن لم ينتَبه لها تعَثَّرَ بها، أو تخطَّاها دون شعور، من لم يميِّز بين أنواعها وطب ائعها أخطأَ أبواب النَّص وصار خارجه وإن كان قد دخلَه، ولكنَّه قبل الدُّخول إليه يجد العتبات البران يَّة التي تد لُّ على النَّص وتكون كالممرَّات التي تتجاوز ها خطى النظر الفاحص حتَّى تتعرَّف على محيطه، ومن ثَمَّ يتسَنَّى لها إدراك جوانبه، وتحليل قوالبه، وفهم نكته وأسراره. فمن النكت العظيمة أنَّ أول ما ضرب الله تعالى الأمثال للناس تكلم عن القابلية أوَّلا وذلك بتهيؤ النفس لسماع الكلام والاستجابة لمضمونه علها تفيد منه هداية وتنال به موعظة ورشادا، فقال تعالى17) ل لَّذينَ اسْتَجَاب وا ل رَبِّه م الْح سْنَى وَالَّذ ينَ لَمْ يَسْتَج يب وا لَه لَوْ أَنَّ لَه مْ مَا ف ي الأَْرْض جَم يعًا وَم ثْلَه مَعَه لاَفْتَدَوْا ب ه أ ولَئ كَ لَه مْ س و ء الْح سَاب وَمَأْوَاه مْ جَهَ نَّم وَب ئْسَ الْم هَاد [ } 17-18] التعبير ظاهر الدلالة على أن المثل يضرب لمن له القابلية للفهم والتعقل قبل أن يضرب لمن يعقل أو يكون من أهل الفهم، فرب فاهم يرغب عن الفهم فيصير عديم الإدراك بل يغدو هالكا، حتى ولو أن له كل فهوم الناس وكل مستويات النجابة والذكاء لم ينجه ذلك من فساد المذهب وسوء الذهاب، المنتج لسوء الحساب ومأوى العذاب وبئس المهاد، فكما أنه لم يمهد نفسه لريحان البينة كي يستنشقها سوف يمهد الله له لهيب النار ليعتنقها. فهذه إذن هي القابلية للشيء وهي درسٌ نفسي كشفه القرآن قبل علماء النفس المعاصرين وأهل البحث في علوم الحضارة كمالك بن نبي الذي برهن على نظرية أن المستعمر لا
عدد الصفحات ٦٣جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 64 يأتيك حتى يوجد في نفسك القابلية للاستعمار فهي مبدأ الاستعمار وأوله، والاستعمار الحقيقي إنما هو نتيجة لها، لأنها أحق منه. فالفهم إذن له عتبات تدريجية، يأتي القرآن فيها بالتمهيد المهيئ للنفس، والتطرية البيانية القَ بْل يَة التي تشرح العقل وتزرع فيه القابلية حتى يدرك ويستجيب، لأنَّ الفهم قبل حلوله، يستلزم انشراح النفس لقبوله. ولنأخذ جملةً تطبيقيَّة تكون لنا بريدا إلى التحليل، وطريقا إلى ما يحب أن يكون عليه الفهم ويبنى عليه صرح البلاغة. يقول القائل: "إنَّ المتنَفِّخ بالباطل أمام الحق، كالنَّ ملة واقفةٌ أمام بحر عملاق متلاطم"، فأيهما أبين وأفصح وأدل؛ عملاق متلاطم أو متلاطم عملاق؟ الجواب: إذا قلت متلاطما عملاقا، فالفهم ينتقل مع كلامك رويدا رويدا، فهذا البحر فهمناه، وإذن؛ ماذا بعد، إنه متلاطم، فهمنا ذلك، إنَّ أمواجه تعلو وترتفع، ثم هو عملاق، هنا رجعنا بفهمنا إلى أول كلمة وهي البحر فأضفنا إليها الشساعة والغزارة وكل ما يدل على عملاقية هذا البحر، ثم انتقل الفكر مرة أخرى ليضفي على الأمواج المتلاطمة تضخيما أكبر من صورتها الأولى في النفس، وبالتالي صار الفهم رائحا راجعا، ذاهبا عائدا، لا ليتقدم؛ ولكن ليتولى ثم يعود أدراجه، فيجد حينئذ البلاغة قد ذهبت عنه إبان رجعته فهي لا تنتظر أحدا، وما دامت العودة تلزمه ليفهم، كون ه لا يستطيع بدونها مواصلة الطريق في هذه الرحلة الفهمية، فأنى له أن يدرك البلاغة التي مضت وتركته، وربما لا يعرف من أين أخذت في رحاب البيان وإن جدَّ في إثرها. إنَّ هذا الرجوع المفروض عليه قد لا يشعر به من علق بأوحال الركاكة، لكن العربي الأصيل الريان من ثقافته وتراثه يحس بذلك ويعلمه، ويكرهه ويسأَم ه ، مدركا أَ نَّ ذلك دورانٌ في المحل بل دورة إلى الوراء. فهو يستشعرها ويمقتها، وتتخالج في نفسه فيلفظها كمن احتسى شرابا مرا وما إن وضعه في فيه حتى رماه. ذلك هو الإحساس المرهف الذي يدرك أدنى لحن ويشم أَ ضعفَ رائحة من ركاكة، كون
عدد الصفحات ٦٤