المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

جماليات المثل في القرآن الكريم دراسة أسلوبية

سعد قدور عيسات

صفحة ٣ من ٢٤

جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 33 في حق من ليس كذلك، فهذا تطلبه في القرآن من جنس تطلب الألفاظ العرفية، فهو نظر في دلالة اللفظ على المعنى لا نظر في صحة المعنى ودلالته على الحكم، وليس هو المراد بقولهوَلَقَدْ ضَرَبْنَا ل لنَّاس ف ي هَ ذَا الْق رْآن م ن ك لِّ مَثَلٍ } [58]نه يجلو عنك شبهة لفظية ومعنوية"(41.) وقد ظهر بهذا البيان أنَّ هذا المثل إنما هو لغوي، وليس مثلا تصويريا استدلاليا، كالتشبيهات التمثيلية، فتسميته مثلا لكونه يتمثل به لحادث المناسبة، وليس لأنه مشهد بياني ولوحات فنية تعبيرية فيها قياس واعتبار، فقوله تعالى الجارية في الأعراف كـ"ر بَّ أَخٍ لَك لم تَل ده أ مُّك"، و" أساءَ سَمعًا فأَساءَ جابَة"، وغيرها، ولكن مع ذلك فإن أجناسها موجودة في القرآن، إذ فيه لكل مناسبة جملة تعبر عنها وإن لم تكن بنفس ألفاظ الأمثال العربية والشعبية المعروفة، فهذه يمكن أن يضم منها النظير إلى النظير، وتكون منها باقات متناسقة متآلفة، ومجموعات متَّفقة متحالفة، كل باقة تدور حول معنى واحد، وكل مجموعة تتحد في المقاصد، فتجد بعد ذلك في القرآن لكل باقة ومجموعة مثلا أو أكثر يوافقها، بل يربو عليها مضمونا ويزيد في كل نوع منها بيانا وح سْ نً ا. فهذه "الأمثال اللغوية أنواع، موجود فى القرآن منها أجناسها، وهى م عْل نة ببلاغة لفظه ونظمه وبراعة بيانه اللفظي، والذين يتكلمون في علم البيان وإعجاز القرآن يتكلمون في مثل هذا" (42 .) إذ مجال بيان الإعجاز في هذا النوع من الأمثال كبير جدا، ورائع للغاية، وجدير بالبحث والدراسة لاسيما في ميدان المقارنة بينه وبين أمثال الناس المعروفة، كيما تظهر بلاغة القرآن، ويتجلى أكثر وأكثر تفوقه وتفرده، وهو ما سنبين منه بعد قليل بعض نتف، ولكنها ت حفٌ وأ ي ت حف. وقد يكون المعنى الواحد مما تتوارد عليه مجموعة من الأمثال كل يعبر عنه بطريقته سواء اشتهرت العبارة أو لا، بيد أن أكثر ما شهر هو ما جاء من قبيل حادثة من الحوادث استنتج 41- تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني (ت728هـ) "مجموع الفتاوى" ت:عبدالرحمن بن محمد بن قاسم، نشر مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة النبوية – السعودية، 1416هـ1885م، ج14/63-64. 42- المرجع السَّابق نفسه،ج14/63.

عدد الصفحات ٣٣

جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 34 المثل على إثرها، كقول قائل في واقعة ما قولا عاديا فيذهب مث وممَّا يجب في هذا النوع من الأمثال أن يذكر كما هو، وي نطَقَ به كما أتى، لأَنَّ هذه الأمثال: "تضرب على مَا جَاءَت عَن الْعَرَب وَ لاَ تغير صيغتها فَتَقول للرجل "الصَّيف ضيعت اللَّبن" فتكسر التَّاء لأ َنَّهَا ح كَايَة " (43.) والواقع، أنَّ القرآن الكريم حتَّى في هذا المجال البياني من مجالات القول عند العرب؛ أبدع أيَّما إبداع، فلئن اشتهر أهل التفسير والبلاغة بالمفاضلة بين قوله تعالى حياة ركيكة مستثقلة بجانب عبارة القرآن؛ فإنَّ من قبيل ذلك فيما نحن بصدده قولهم "على الخبير سقطت" ويقابلها قوله تعالى58 .] وقد ذكر ابن عاشور ذلك مبينا أن الله تعالى وصف نفسَه بـ{الرحمن} ووفرع على وصفه بـ {الرحمن} قوله{فسئل به خبيراً} للدلالة على أن في رحمته من العظمة والشمول ما لا تفي فيه العبارة فيعدل عن زيادة التوصيف إلى الحوالة على عليم بتصاريف رحمته م جرب لها م تلق أحاديثها ممن عَل مها وجر بها . وتنكير {خبيراً} للدلالة على الع موم ، فلا يظن خبيراً معيناً ، لأن النكرة إذا تعلقبها فعل الأمر اقتضت عموماً بدليل أي خبير سألته أعلمك . وهذا يجري مجرى المثل ولعله من مبتكرات القرآن نظير قول العرب: "على الخبير سقطتَ" يقولها العارف بالشيء إذا س ئ ل عنه. والمَثلان وإن تساويا في عدد الحروف المنطوق بها فالمثَل القرآني أفصح لسلامته من ثقل تلاقي القاف والطاء والتاء في "سقطت"، وهو أيضاً أشرف لسلامته من معنى السقوط ، وهو أبلغ معنى لما فيه من عموم كل خبير ، بخلاف قولهم : على الخبير سقطتَ ، لأنها إنما يقولها الواحد المعيَّن . وقريب من معنى هلا سألت بني ذبيان ما حسبي *** إذا الدخان تغشى الأشمط البرما. 43- الحسن بن عبد الله بن سهل بن سعيد بن يحيى بن مهران، أبو هلال العسكري (ت: نحو385هـ) "جمهرة الأمثال دار الفكر – بيروت، بدون، ج1/7.

عدد الصفحات ٣٤

جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 35 إلى قوله: يخبرك ذو عرضهم عني وعالمهم *** وليس جاهل شيء مثلَ مَن علما." (44.) وكقوله تعالى41] فصل بطريقة نهائية وم حكمة، وقوله جل ذكره 84] البشائر وانتهاء الكرب والانفصال عن وقت الشدَّة والدخول في عهد جديد وتبدل الحال، وذلك أن العير لما فصلتر يحَ ي وس فَ 84 ]فإذا بيعقوب وقد جاءه البشير وألقى عليه الثوب؛ يرتد بصيرا، ثم يجتمع بولده يوسف عليهما أزكى الصلاة وأتم التسليم؛ بعد فراقٍ دام أربعين سنة، وحقا فقد فصلت العير، وجاءت البشائر وترادف الخير، وانتهى البلاء، ومن الأمثال أيضا قوله سبحانه صْحَصَ الْحَق 51]يعنيأصبح واضحا جليا، ي ضرب لاس تعلان الحق الصراح في كل وقت وحين، وكقوله تعالى68] خلفية ما، وحاجةٌ في نفسه لا يريدها أن ت علم، وكقوله عز م ن قائل نَفْس ه77]ن تفاعيل بحر المتقارب، ويتمثل بها لمن أوذي ظلمً ا فلم يجد ب د ًا م ن كتم غيظ ه، وكقوله جل وع [16] قد ف ع ل، كقول الناس "يقتله ويمشي في جنازته"!، وكثيرا ما كنت أتمثل أنا ورفاقي بقوله تعالىوَقَالَ ن سْوَةٌ ف ي الْمَد ينَة [ }30]نضربه للشيء الذي فشى بعد إسرار، واستعلن رغم محاولة إخفائه، كخبر تظنه مكتتما فتجده أمامك وتسمعه من غيرك، فتعلم أن الأسرار لا بد أن تخرج إلى الناس شئت أم أبيت، وذلك أن عزيز مصر قاليوس ف أَعْر ضْ عَنْ هَذَا[ }28] عليه، ووصل إلى نساء المدينة فتعاودنه فيما بينهن، قائلاتامْرَأَت الْعَز يز ت رَاو د فَتَاهَا عَنْ نَفْس ه قَدْ شَغَفَهَا ح ب ًا [ }30]ك لُّ ح زْبٍ ب مَا لَدَيْه مْ فَر ح ونَ }53، وفي سورة الروم الآية32، إشارة إلى أن التفرق مذموم ويجب أن يخشاه كل أحد، وأنه واقعٌ بين المؤمنين كوقوعه بين 44- محمد الطاهر بن عاشور "التحرير والتنوير" دار سحنون للنشر والتوزيع، تونس، 1887م، ج81/61.

عدد الصفحات ٣٥

جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 36 الكفار، فالتفرقة قد تحصل بين أهل الإيمانٍ لأسباب كثيرة ، كما تحصل بين الكافرين من الروم المشركين ومن فيهم من أهل الكتاب، ثم هذا مثلٌ لاعتداد كل ذي رأي برأيه، وإعجاب كل ذي مذهب بمذهبه، فيظن أنه وحده على الحق، وأن حزبه هو الذي ينبغي أن يسود ويهيمن، فالحزبية شأنها خطير لكونها تسد على العاقل طرق التفكير المتحرر القاضي بالصواب حيثما وجد، ومن أي جهةٍ أقبل، وليس الحكم بالحق لمن دار في فلك الجماعة فقط، دون سواها، ومن الأمثال الشعبية في ذلك قولهم "مَن فَط نَ راح، ومن غَفَلَ طَلَعَ عليه الصَّباح"، ومن الأمثال العربية قولهم: "في ر كني، ويَعر كني"، وغيرها كثير. بيد أنَّ الفرق بين الأمثال السائرة والأمثال القرآن الظاهرة كبير، وهو ما نسلط عليه ضوءا فيما يأتي فنقول: إنَّ تعدد الفروق هاهنا كائنٌ لتعدد الاختلاف في ماهية النوعين، وتفاوتهما في الخصائص والمزايا، ونذكر من ذلك ما يتيسر: الأَوَّل: المثل الظاهر تصويري ي جَسِّد المعاني، والمثل السائر المرسل تعبيري لغوي خالٍ من الصور، لهذا، فالذي "جاء به القرآن هو ضرب الأمثال من جهة المعنى، وقد يعبر في اللغة بضرب المثل أو بالمثل المضروب عن نوع من الألفاظ، فيستفاد منه التعبير كما يستفاد من اللغة، لكن لا يستفاد منه الدليل على الحكم كأمثال القرآن" (45.) الثاني: إنَّ عبارات المثل السائر كما رأيت لا تدخل دخولا مباشرا في باب الأمثال، وبينهما فرقٌ كبير من ناح يَة التأثير النفسي، فالمثل القرآني قد يطول بخلاف غالب الأمثال السائرة فهي لكونها إشارات جاءت م ختَصَرَةً موجَزَة؛ يقول ابن الأثير "لمَّا كانت الأمثال كالرموز والإشارات .. صارت من أوجز الكلام وأكثره اختصارًا" (46)، واشتمال العبارة على معنى ورد في مثل لا يكفى لإطلاق لفظ المثل على تلك العبارة إلاَّ على سبيل التجوز. 45- أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني "مجموع الفتاوى" ت:عبد الرحمن بن محمد بن قاسم، ج14/63. 46- نصر الله بن محمد بن محمد بن عبدالكريم الشيباني، الجزري، أبو الفتح، ضياء الدين، المعروف بابن الأثير الكاتب (ت: 637هـ) "المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر" ت: محمد محي الدين عبد الحميد، نشر المكتبة العصرية، بيروت، سنة: 1420هـ، ج1/41-42.

عدد الصفحات ٣٦

جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 37 الثالث الصيغة الموروثة ركن أساسي في المثل، فهو يقع صلبا جامدا كما هو دون زيادة حرف ولا نقصانه، بل ولا تغيير حركة ولا تَبد يل ها، بخلاف التشبيه التمثيلي الذي تتنافس فيه القرائح. الرَّابع: المثل السائر وإن كان كبير الأهمية وذا دور شريف في ميدان البيان، إلاَّ أنَّ محاولة إلحاقه بالأمثال لدرجة أن يكون قسيما له؛ محاوَلَةٌ غير موفقة، فهو من جهة لا يرقى في فنيته البيانية إلى درجة المثل، وقد تكون حكمة مشهورة خيرٌ منه بكثير، لاسيما وأنَّه قد يأتي في كلمة عارضة لم يحسب لها صاحبها حسابا، ولم يطرق لها من أبواب البلاغة بابا؛ فإذا بها تذهب مثلا، ولأجل هذا كانت فيه روح الإشارة أكثر من روح البيان، يقول عنه ابن الأثير: إنَّه "كالرُّ موز والإشارات التي ي لَ وَّ ح بها على المعاني تلويحًا" (47.) فالأمثال السائرة إذَن؛ تشير، وكثير من إشاراتها متوجِّهَةٌ إلى حادثة م نَ الحوادث المتعلقة بها، فمن كان يعلم ها أدرك المقصود ومن لا فلا، وكثير منها ما هو مقصورٌ على مجتمع معين أو قوم من الأقوام فمن لم يكن منهم بقي يَزدَر د ريقه، ويملأ من الحيرَة إبريقه، بخلاف المثل القرآني فالصورة البيانية ماثلة فيه منتصبةٌ في ثناياه، فسواء كان الم ستمع أو الم خاطَب من هذا البلد أو ذاك فهو يرى منطوق العبارات يكشف له عن المعاني، فلا حيرة ولا وجوم، وهو حتى لو كان قليل الفهم فلابد أن يفهم المعنى الإجمالي على الأقل، ويأخذ من المغزى بطرف. الخامس: المثل السائر كثير العدد، تنهمر عليك منه أفواجٌ كالمطر، فلا تدري ما تأخذ منها وما تدع، أمَّ ا المثل القرآني فمحصور مزبور، له طريقة ومنهجية، وهو جامع مانع ماتع، يحيط بالقضايا الكلية في لب حقيقتها التجريديَّة، وفروع تفاصيلها المثالية، وهو نظرية شاملة في هذا الباب، فمعانيه هي السائلة الواب لَة المتفجِّرَة، أمَّا الآخر فألفاظه هي السَّائلة الماث لَ ة المتكررة. السَّادس: إنَّ المثل السائر لا يكمل بعضه بعضا بل قد يتعارض ويشتبه ، وحتى إن توافق فليس هناك منهجيَّةٌ لتَ كام ل ه، إنمَّا هو كلام ي رسَل وعبارةٌ تسير، فهذا يأخذ في ناحية، وهذه تأخذ في ناحية أخرى، وربما أَ خَ ذَ ت في السَّير خلفه فأبطأت عنه. 47- المرجع السَّابق نفس ه

عدد الصفحات ٣٧

جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 38 أمَّا المثل في القرآن فالواحد منه يكمل الصورة العليا من جميع جوانبها في ميدان الحقائق التي عليها الأشياء في أصل الوجود، يتضافر في رسم الحقيقة من أدناها حتى يأتي على أعلاها وَفقَ طريق محدد ومنهجٍ مسدد، وسبيل تأسيسي مقدر كلَّ تقدير، ومحسوبٍ أدقَّ حساب. إنَّ " الأمثال القرآنية الم صَوِّرة موز عة على مجموعات سياقية، متفاعلة، ومترابطة، ومتحدة، بحيث تتمي ز كل مجموعة منها، باتجاهها، أو روابطها الفكرية والتصويرية والتعبيرية، هذه الروابط أو العلاقات، توح د هذه المجموعة، وتربط بين أجزائها أو عناصرها، لتكو ن منها وحدة متفاعلة ومنسجمة، ضمن مجموعة الأمثال الكلي ة" (48.) إذا تبين هذا فاعلم أنَّ الأمثال الكامنة هي التي تحمل على الأمثال السائرة، وتستخرج من القرآن بما وافق مشهور كلام الناس، حتى وإن حاولوا بيان تفوق القرآن عليها معنى وتركيبا، صياغةً وأسلوبا، كما فعلناه معك فيما مضى عن قريب من هذه الرسالة، بيد أنَّ المثل القرآني لا ي حمل على كلام الناس وعلى أمثالهم، فهو فريد في ميدانه، عجيب في بيانه، وحمل ه لا يكون إلاَّ على المعاني العليا في حقيقتها المثالية المجَرَّة، تلك التي أحكمها الله تعالى إحكاما، وفصلها في الألفاظ انسجاما، ووضعها في حاق مواضعها مقاما، وليس بعدها لقائل أن يقول كلاما؛ لأنها جواهر غالية في كتابٍ عزيزٍ وَلاَ م نْ خَلْف ه تَنْز يلٌ م نْ حَك يمٍ حَم يدٍ 42] {ابٌ أ حْك مَتْ آيَات ه ث مَّ ف صِّلَتْ م نْ لَد نْ حَك يمٍ خَب يرٍ 1.] السَّابع إنَّ الأمثال نظم يَةٌ تصويرية، وأمَّا الأمثال الكامنة فهي حكم يَة تقريرية، وقد "حفل بها القرآن الكريم، وعرضها علينا قضايا مسلمة، محكوما بصحتها، يمكن اللجوء إليها، والاستشهاد والتمثيل بذكرها بفرض حال مناسبة مشابهة لها، وعرضت كتب التفسير نماذج لذلك]في قوله تعالى: ك لُّ نَفْسٍ ب ما كَسَبَتْ رَه ينَةٌ 38] الرَّس ول إ لاَّ الْبَلاغ 88]286( "]48.) لكنَّ المثل التصوير ي باقٍ على ما كان عليه من أنَّه معيار الصِّيَاغَة، وميزان البلاغة. 48- عبد السلام أحمد الراغب"وظيفة الصورة الفنية في القرآن"، ص611. 48- على أحمد عبد العال الطهطاوى "عون الحنان في شرح الأمثال في القرآن" دار الكتب العلمية، بيروت ، ط 1، 1425هـ2004م، ص174. بتصرف يسير جدا

عدد الصفحات ٣٨

جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 38 فالحقُّ أنَّ "الْمَعَان يَ الْك لِّيَّةَ تَعْر ض ل لذِّهْن م جْمَلَةً م بْهَمَةً فَيَصْع ب عَلَيْه أَنْ ي ح يطَ ب هَا وَيَ نْف ذَ ف يهَا فَيَسْتَخْر جَ س رَّهَا، وَالْمَثَل ه وَ الَّذ ي ي فَصِّل إ جْمَالَهَا وَي وَضِّح إ بْهَامَهَا، فَه وَ م يزَان الْبَلاَغَة وَق سْطَاس هَا، وَم شْكَاة الْه دَايَة وَن بْرَاس هَا" ( 50.) الثامن: إنَّ المثل القرآني إنشائيٌّ، أمَّا المثل المضروب للمناسبة المقتضيَة له كأمثال الميداني وغيره فهيَ أمثال يغل ب عليها الخبر، وغالبا ما تكون متولِّدَةً عن ق صَّة أو حاد ثَةٍ اقتضَتها، أو ظاهرَة اجتماع يَّة أو فرد يَّة أوجَبَتها كجحا وما قيلَ عنه من أمثال أو ه بنقَ ة وحماقته، أو سحبان وفصاحَته، و ق س بن ساعدَة الإيادي وخطابَته، وسائر من كان يضرب بهم المثل فيما ظهروا فيه على النَّاس وكانوا فيه وحداء دهرهم ، م مَّا شكَّلوا به ظاهرة فريدَة؛ محمودَة كانت أو مذمومة. الثالث: المثل الواقعي والمتخيل (الخرافي): إنَّ الأمثال القرآنية قد جسدت الواقعية إلى أبعد الحدود كونها اتخذت من الطبيعة ومشاهدها صورها المثلية لتضربها للناس بقصد تحقيق الهداية والذكرى، والتفكرة وأخذ العبرة، ومع واقعيتها إلاَّ أنها تركت في ثنايا التعبير محطات فراغ عولت فيها على خيال المتلقي ثقة منها بأنها أمدته بما يسدده فهمه ويوجه تفكيره إلى الصورة المقصودة، والمنظر المحدد، إذ وضعته أمام لب المشهد فهو يراه ويضيف ما ليس فيه مما يقتضيه التصور الصحيح ويستلزمه، بلاغة منها في الحذف والاختصار، على أنها قد تجعل المثل متخيلا لكنه أقرب للواقع كمثل الحمار الذي يح مل الأسفار فإن عامة العلماء في ذلك الزمان ولاسيما أحبار بني إسرائيل كانوا يحملون كتبهم على دوابهم، ومن تلك الدواب البغال والحمير، وأنت ربما استشعرت أن الإنسان يدب على أربع في صورة حمار لا يفقه شيئا والعلم الغزير فوق ظهر ولكنه لا ينتفع به إذ كان لا يعمل بعلمه، فأجزاء الصورة لو تخيلها العقل واستشعرها الخاطر تبدو غير واقعية بل هي حينئذٍ خيالية، ولكن المقصود هو تشبيه الصورة المركبة بالصورة المركبة المقابلة لها، وليس تشبيه أجزاء هذه بأجزاء تلك. وإذا أنت نظرت في قوله تعالىوع هذه الصورة 50- محمد رشيد بن علي رضا بن محمد شمس الدين بن محمد بهاءالدين بن منلا علي خليفة القلموني الحسيني (ت: 1354هـ) "تفسير القرآن الحكيم" المسمى "تفسير المنار" نشر الهيئة المصرية العامة للكتاب،1880م، ج1/188.

عدد الصفحات ٣٩

جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 40 وتضفي عليها شيئا من الخيال، بيد أنَّها في الواقع يمكن حصولها، فالمبالغة فيها غير مخالفة لمجريات الأحوال، وهي على كل حال توسع فكر المتلقي وتعل ن لتصوره بداية الامتداد ليستوع بَ و يتراحب، وتؤذنه بحلول حين الانطلاق ليمتد في تصوره ويستطيل، ويهف و عاليا ويسير إلى حيث المدى الواسع والفضاء الفكري الكبير. وبالمقابل؛ هناك ما يعرف بالمثل الخيال البحت أو الخرافي الصرف: وهو الذي "تنسب الأحاسيس الإنسانية فيه إلى غير الإنسان من حيوان أو طير أو غيرهما" (51.) هذا إذا كان من قبيل الأمثال السائرة المرسلة كقولهم: "أ ك لت يومَ أ ك لَ الثَّور الأبيض" (52.) وأمَّا إن كان من الأمثال الظاهرة القياسية ذات الصور البيانية؛ فنقول إنَّه المثل الذي يتركب من أشياء لا وجود لها، ولا حقيقة لصورتها. بيد أن الملاحظ هو خلوُّ القرآن منه تماما، وذلك لأسباب: 1 ) أنَّ كتاب الله يحمل رسالته للعالمين، فهو لا يساعد على الخرافة بوجه من الوجوه مهما كان ضئيلا، فالله تعالى لم يستعمل شيئا من هذا النوع من الأمثال البتَّة، وتلك هي الواقعية المثلى في التعبير القرآني، من جهة؛ 2 ) ولأنَّها حقيقة المواجهة والتحدي منجهة أخرى؛ إذ المثل الخرافي كثيرا ما لا يمكن نقده لأنَّ الصورة التي يضربها من نسج الخيال ولا يستطيع المتذوق أن يرى مدى مطابقتها للمثل، فكأَن الذي يلجأ إليها إنما ليهرب من مواجهة ناقديه بخلاف القرآن. 3 ) ولأنَّ المثل إذا جنح إلى الخرافة لم يكن في صالح الب يان، وربما صار لغزا لا يضيء العقل بل يظلم عليه سبل الفهم ويغمي عنه حقيقة المراد، وهذا عكس لحقيقة المثل برمَّتها، كما أنَّه باعتماد الخرافة لا يصلح للتدليل ولا يقوم بعملٍ برهاني يوجه الضلال ويعدِّل المسار بل يزد من الحيرة وينف خ ها، بإضافة إلى قلة خطره وضعف تأثيره بالتخريف، وهو ما يقلب أ سَّ بناء الإعجاز، لأنَّ الإعجاز يقوم على التَّأثير الذي "يشمل ك لَّ الأنواع الإعجازية، بل إنَّ التَّأثير في النُّفوس البشريَّة، وهدايتها لخير الدُّنيا والآخرة، وإقامَة 51- سميرة عدلي محمد رزق "وجوه البيان في أمثال القرآن" رسالة دكتوراه، بجامعة أم القرى، قسم الدراسات العليا العربية، فرع أدب، مكَّة الم كَرَّمَة، السعودية، 1407هـ1887م، ص33. 52- المرجع السابق نفسه

عدد الصفحات ٤٠

جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 41 الح جَّة عليها بالبيِّنات القاهرة، هو الغاية العظمى من الإعجاز القرآني بم ختلَف أنواعه"(53.) وأمَّا م ثال هذا المثل الخرافي؛ فكأن يقول قائل: مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل وابتغاء مرضاته كمثل شجرة فارعة تبلغ عنان السماء فيها مئات العناقيد وآلاف العراجين عنبا وتمرا، وما لا يحصى من الفواكه تفاحا وثمرا، تتدلى على مَن يسق يها حتى تصبح في يده! فأَيٌّ شيء هذا !! الرابع: المثل والحكمة: الذي يفرق بين الحكمة والمثل السائر هو ضابط سيران العبارة في الناس، فإن كانت الحكمة سائرة فهي مثل، وإن لم تكن سائرة فهي حكمةٌ مجرَّةٌ عن كونها مثلا، يقول أبو هلال العسكري: " كل ح كْمَة سائرة مثل. وَقد يَأْت ي الْقَائ ل ب مَا يحسن أَن يتَمَثَّل ب ه إ لاَّ أَنه لاَ يتَّفق أَن يسير فَلاَ يكون مثلا " (54.) الخصائص الأسلوبية للمثل القرآني: يتميز المثل في القرآن الكريم بعدة خصائص، منها: 1 – أن المثل يحملرسالة مع كونه موضوعا جماليا (55 .) 2 – يجمع المثل في القرآن بين حسن البيان لفظا وجودة المضمون معنى، ودقة التصوير مع إبراز العناصر المهمَّة من الصورة الجمالية. 3 – يجيء في أعقاب المعاني غالبا لتوضيحها: ففي مثل سورة البقرة عن المنافقين قال 53- عيسات قدور سعد "المعجم الوجيز في ألفاظ الإعجاز اللُّغوي في الكتاب العزيز"، غير منشور، ص21. 54- الحسن بن عبد الله بن سهل بن سعيد بن يحيى بن مهران، أبو هلال العسكري (ت: نحو 385هـ) "جمهرة الأمثال دار الفكر – بيروت، بدون، ج1/7. 55- ينظر :نظرية التلقي – مقدمة نظرية ، روبرت هولب، ترجمة : د .عز الدين اسماعيل، النادي الأدبي الثقافي، جدة، ط1، 1884،13.

عدد الصفحات ٤١

جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 42 تعالى{ بضرب المثل زيادة في الكشف وتتميما للبيان56.) 4 – العمومية والإطلاق: حيث أن الأمثال القرآنية "تتناول الأمور بصورة مجتمعة، دون أن تأخذ كل أمر على حدةٍ وبصورة إفرادية، ... كقوله تعالى الدنيا[45 ]هو تعبير عن الحياة الدنيا كلها، دون ذكر تفاصيلها وأجزائها، .. وهذا ما يضفي على المثل القرآني صفة الإطلاق، لأنَّ معانيه ومدلولاته لا تنحصر بالحالة التي يتناولها نص المثل، بل تتسع لتشمل جميع الحالات المماثلة لها في أَيِّ زمان ومكان و ج دَت فيه هذه الحالات، وحتى الأقوام أو الأشخاص الذين يذكرهم القرآن ويصف طرق تفكيرهم ليسوا إلا نماذج لأقوامٍ وأشخاص على شاكلتهم ومثالهم في هذه الحياة الدنيا" (57.) 5 – الظهور والإيجاز وذلك أنَّ "الشيء كلما كان أعم كان أعرف في العقل لكثرة مرور مفرداته في العقل، وخير الكلام ما قل ودل؛ فلهذا كانت الأمثال المضروبة في القرآن تحذف منها القضية الجلية لأن في ذكرها تطويلاً وع ي ا" (58.) لذلك فإن "اتسام المثل بالاختزال منحة بلا جدال مفاتيح كينونته الإشارية ـ الجمالية معاً فهو لا يدخل في تفصيلات من شأنها أن تضيع الفكرة الرئيسة، لذلك كان يقتصر على الحد الأدنى منها ليستقطب الثيمة بعمق، لكنه في الآن ذاته يوحي دون أن يصرح. وبهذا يكون المثل ذا طابع مزدوج، لأنه يجمع الغرابة والتعاقد في بوتقة واحدة. وإذا أردنا الإيضاح نقول: إن شدة الاختزال في المثل، جعلته ينفتح أولاً على باحة التأويل، إذ إن من المبادئ الرئيسة في هذا المجال إنه كلما ضاقت العبارة اتسع المعنى" (58.) 56- محمود بن عمر، جار الله الزمخشري الخوارزمي، أبو القاسم "الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل" ت: عبد الرزاق المهدي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان، بدون، ج1/108. 57- سميح عاطف الزين "الأمثال والم ثْل والتمثيل والمَث لات في القرآن الكريم"، ص41-42 . 58- أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني "مجموع الفتاوى" ت:عبد الرحمن بن محمد بن قاسم، ج14/58. 58- د. عشتار داود محمد "الإشارة الجمالية في المثل القرآني" منشورات اتحاد كتاب العرب، دمشق، سورية، سنة 2005م، ص38.

عدد الصفحات ٤٢

جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 43 6 – الموضوعية في التمثيل: حيث إن المثل في الكثير من الآيات يعقد مقارنة بين شيئين كقوله تعالى تَذَكَّر ونَ24]فتاهما!، لا جرم أنَّ كفة أهل الحق ترجح بالميزان فتطيش كفة أهل الباطل بمن فيها في قاع جهنَّم، الأَْخْسَر ونَ 22.] فالتعبير القرآني في رحاب المثل يتضمَّن "استحسان المقارنات بين الأشياء المتضادة للعبرة والاتعاظ" (60)، ومعلوم أن الأشياء تَتَبين بأضدادها، سواءٌ تعلق الأمر بتبيين الحسن وأصحابه، أو تبيين القبح وذويه. 7 – الترك والحذف: وهو"مماينبغي أن يتفطن له، فإن من أعظم كمال القرآن تركه في أمثاله المضروبة وأقيسته المنصوبة لذكر المقدمة الجلية الواضحة المعلومة، ثم إتباع ذلك بالأخبار عن النتيجة التي قد علم من أول الكلام أنها هي المقصود؛ بل إنما يكون ضرب المثل بذكر ما يستفاد ذكره وينتفع بمعرفته، فذلك هو البيان، وهو البرهان، وأما ما لا حاجة إلى ذكره فذكره عيٌّ" (61.) وبهذا يظهر لك خطأ قومٍ من البيانيين الجهال والمنطقيين الضُّلال (62) حيث قال بعض أولئك : الطريقة الكلامية البرهانية في أساليب البيان ليست في القرآن إلا قليلا، وقال الثانى: إنه ليس فى القرآن برهان تام، فهؤلاء من أجهل الخلق باللفظ والمعنى، فإنه ليس في القرآن إلا الطريقة البرهانية المستقيمة لمن عَقَل وتدبر . وأيضاً، فينبغ ي أن يعرف أن مضار ضرب المثل ونصب القياس على العموم والخصوص والسلب والإيجاب؛ فإنه ما من خبر إلا وهو إما عام أو خاص؛ سالب أو موجب، فالمعين خاص محصور، والجزئي أيضاً خاص غير محصور، والمطلق إما عام 60- جابر بن موسى بن عبد القادر بن جابر أبو بكر الجزائري"أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير" مكتبة العلوم والحكم، المدينة المنورة، المملكة العربية السعودية، ط 5، سنة1424هـ2003م، ج2/535. 61- أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني "مجموع الفتاوى" ت:عبد الرحمن بن محمد بن قاسم، ج14/61. 62- وأشباههم من كل معاصر موال،ومتاجر بثقافة الغرب مقابل لتراثه بالقذف والخسف والإهمال.

عدد الصفحات ٤٣

جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 44 وإمافي معنى الخاص . فينبغي لمن أراد معرفة هذا الباب أن يعرف صيغ النفي والعموم؛ فإن ذلك يجيء في القرآن على أبلغ نظام" (63.) 8 – صدق المماثلة بين المثل والممثَّل له64.) 8 – التنويع في عرض الأمثال، مرة بالتشبيه، ومرة بالعرض المفاجئ، وبالتمثيل البسيط، وأخرى بالتمثيل المركب الذي يطابق كل جزءٍ منه جزءا من الممثَّل له، ومرة بالتمثيل المركب الذي ينتزع منه وجه الشبه بنظرة كلية عامة" (65 .) 10 – قوة التشخيص إنَّ هناك نوعان من التشخيص أحدهما يصطفيه القرآن والآخر يقليه. الأول: وهو المراد، ونعني به البراعة الفائقة في التصوير الفني حتى أن المعاني لها ألوان وكيانٌ يبدو ويتحرك، في جو مفعمٍ بحيوية المعني الظَّاهر المشَخَّص. الثاني: هو تشخيص الممثَّل به بتعيين اسمه، وتوضيح بطاقته التي ت عَرِّف به، وهذا الذي أبعده التعبير القرآني من ساحة بيانه، في المثل والقصة على السَّواء، إذ القصَّة -مثلا- ليس من صالحها حَصْر ها في شخص بعينه؛ لأن تشخيص صاحب الحدث فيها ي ضع ف من تأثيرها، ويصبغها ب صبْغة شخصية لا تتعدى إلى الغي ر، فنرى حينئذٍ مَن يحصرها في صاحبها، وبالتالي يحصر فائدتها فيه، ويقف بع برتها عنده، في حين أن الله جل ثناؤه يريد أن يعطينا عبرا ويضرب لنا مثلاً يع مُّ أي شخص. فالقرآن لا يقصد ذاتَ الشخص يَّة "ولا ي عطى لها خصوصية، وإنما يريدها عامة لتكون مثلاً ي حتذَى، ويتم بها الاعتبار، وت حد ث الأثر المراد. فما يعنينا كذا وكذا، وما يعنينا من أهل الكهف أنهم فتية آمنوا بربهم وتمسَّكوا بدينهم وعقيدتهم وضَحَّوْا في سبيلها، لا يهمنا الأشخاص ولا الزما ن ولا المكان ولا العدد. لذلك؛ أبهم القرآن 63- ابن تيمية "مجموع الفتاوى"، ج14/62. 64- فواز أحمد زمرلي؛ من مقدمته في تحقيق "أمثال القرآن لابن القيم" دار ابن حزم، بيروت، لبنان، ط 1،1434هـ 2003م، ص51. 65- المرجع السَّابق نفسه

عدد الصفحات ٤٤

جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 45 كل هذه المسائل، فأي فتية، في أي زمان، وفي أيِّ مكان، وبأيِّ أسماء يمكن أن يقفوا هذا الموقف الإيماني، ولو شخَّصناهم وعيَّناهم لَقالَ الناس: إنها حادثة خاصة بهؤلاء، أو أنهم نماذج لا تتكرر؛ لذلك أبهمهم القرآن ليكونوا عبرة وأ سْوة تسير في الزمان كله. كذلك، لمَّا أراد القرآن أنْ يضرب مثلاً للذين كفروا ذكر امرأة نوح وامرأة لوط ولم ي عيِّنهما، وكذلك ضرب مثلاً للذين آمنوا بامرأة فرعون ولم يذكر مَنْ هي، فالغرض من ضَرْب هذه الأمثال ليس الأشخاص، إنما لنعلم" ( 66) المراد، ونفهم المغزى، وندرك العبرة، ونعقل المعنى، ونأخذ الموعظة، ونستفيد الأسرار والح كم، والهدى والأنوار. 11 – المناسبة بين المثل والمحور العام للسُّورة إنَّ الآيات في القرآن امتدادات لبعضها بعض في كل سورة، يأخذك حديث أَيِّ حديث، ويسير بك موكب من المعاني الحافلة إلى ما بعدها حتى تجد نفسك تتهادى في طريق ذي خصائص معينة ، وأساليب متناسبة العبارات، متداخلة المقامات ؛ كلها ي مَ هِّ د القول لما يليه، وتج د المثل في ذلك كالدرة الفريدة التي تقف بك كيما تجد في رحلتك الشيقة موقفا للراحة يمثل لك ما سبق فيهديك صورا وم شاهد تستيقن فيها من حقيقة التقرير؛ بما أهداك من التصوير، فأنت معه في محطة فيحاء تزودك في مسعاك بالبيان الرائع كأنما تدون لك ما مرَّ عليك في دفتر به تحفظ وتتعلَّم، ويبقى في حوزتك للذكرى والتفكر، ثم تواصل الطريق مستعدا مهيئا لما يأتي عليك لا تلوي على شيء حتى تبلغ المقصد وتنهل من المورد، وتستأنفَ سورة أخرى وطريقا جديدا، فَت بَسم لَ وتنطلق. لهذا لا توجد أي سورة ابتدأت بمثل أو انتهت به، إلاَّ سورة ختمت بها الأمثال القرآنية جميعا فورد المثل في نهايتها كإشارةٍ على الإتمام، وهي سورة التحريم. 12 – ضرب المثل بالأشياء التي يعلم ها النَّاس: وذلك أن الإنسان لا يخرج في تفكيره عن الأشياء التي يراها في الوجود، ولا يمكنه تصور ما ليس كائنا في دنيا الناس، لهذا فإنه حتى الجنة التي هي من أمور الغيب مثلها الله 66- محمد متوليالشعراوي (ت: 1418هـ) "تفسير الشعراوي" نشر مطابع أخبار اليوم، بدون، ج16/8646.

عدد الصفحات ٤٥

جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 46 تعالى لعباده بما شاهدوه من الأشجار الباسقة، والثمار اليانعة، والأنهار الجارية، ممَّ ا أَ ل ف وه وعرَف وه من الفاكهة الحلوة والمياه الصافية والعس ل المصفَّى، وبهذا تقترب الصورة إلى أذهانهم، فإن الجنة ليس فيها مما هو في الدنيا إلاَّ الأسماء؛ وهو سبحانه يضرب لهم المثلَ في الأمور الأخرى أيضا بما في الأنفس والكون، كما هو الحال في تقديم الأدلة لهم من الكون والأنفس في قضايا الحجاج، يقول عز وجلوَف ي الأَْرْض آيَاتٌ ل لْم وق ن ينَ ( 20) وَف ي أَنْف س ك مْ أَفَلاَ ت بْص ر ونَ [ }20-21] ضَرَبَ لَك مْ مَثَلاً م نْ أَنْف س ك مْ [ }28]تى بالأشياء الصغيرة مثل الرماد يقول جل شأنهمَثَل الَّذ ينَ كَفَر وا ب رَبِّه مْ أَعْمَال ه مْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ ب ه الرِّيح ف ي يَوْمٍ عَاص فٍ [ }18.] فتجد في المثل القرآني الريح، والوابل، والزرع الذي أخرج شطأه، والحبة، والسنبلة، والشجرة الطيبة، والشجرة الخبيثة، والكلب، والحمار، والذباب، والأودية، والسيل، والزبد، والحلية، والمتاع، والنار، والبرق، والرعد، البحر، والظلمات، والموج، والسحاب، والنور والماء، التراب، العبد المملوك، الأعمى، الأصم، والمصباح، والمشكاة، والزجاجة، والزيت، والأسفار. والمغزى في هذا كله أنَّه المثل القرآني يلامس الحياة الواقعة ليرفع الناس إلى الحياة المثلى والحقائق المجردة، ويقترب من أفهام البشر ومداركهم، بما يمكنهم تصوره وتدبره حتى يعقلوا الأمثال، وتنطبع في صدورهم، وتتلاءم صوره مع مختلف الأمزجة النفسية، والأحاسيس البشرية، وأنواع الشعور الإنساني. لهذا كان للأمثال القرآنية تأثيرها القوي في النفوس،فَأَمَّا الَّذ ينَ آمَن وا فَيَعْلَم ونَ أَنَّه الْحَقُّ م نْ رَبِّه مْ [ }26] أثر ها في ذمِّهم، "وقد استغل هؤلاء تصوير الأمثال بالذباب والعنكبوت، ونحو ذلك، فراحوا يشك كون في الأمثال القرآنية، ليحد وا من انتشارها، وسيرورتها على ألسنة الناس؛ فجاءهم الرد القاطع في قوله تعالى ها [26]

عدد الصفحات ٤٦

جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 47 والكبيرة معا، فالإعجاز يكمن في سر الحياة، وليس في الضخامة والكبر للأشياء والمخلوقات" (67.) ثم إن هذه المخلوقات التي تبدو لنا حقيرة ربما لكونها صغيرة فيها من عجائب قدرة الله وبديع صنعه ما تحار فيه العقول وت خلب الألباب، حتى قيل إن الله خلق في البعوضة كل ما خلقه في الفيل مع زيادتها عليه بعضوين! فالأصل في صحة التمثيل ليس هو ثقل ما مث ل به أو خفته، "فلا التمثيل بالبعوضة نقص ولا التمثيل بالإبل والفيل كمال، وإنما الكمال أن يكون المثل مبيناً لحقيقة وواقعة غفل عنها المخاطب من دون فرق بين كون الممثل صغيراً أو كبيراً" (68.) وقوله تعالىتقول: فلان لا يبالي أن يبخل بنصف درهم فما فوقه، أي مما فوقه في القلة، ولو أريد ما فوقه في الكثرة يقول: "فضلاً عن الدرهم والدرهمين". فما في كلام بعض المستشرقين من أن الصحيح أن يقول "فما دونه" غير تام، للفرق بين قوله: "فما فوقه" وقوله "فضلاً "، والأول بقرينة المقام بمعنى فما فوقه في الصغر والحقارة لا بمعنى فضلاً " (68 .) 13 – اقتران المثل بالقصة: من خصائص المثل القرآني اقترانه بالقصة، فيسمى بذلك "المثل القصصي" كما في المثل الثاني للمنافقين في سورة البقرة { الآية، وهو شيء لم تعهده العرب في أساليبها، فهم قد كانوا يمثلون من خرج صفر اليدين، بأنه حصل على السراب، أمَّا القرآن فيجعل الرجل يتحرك ويخطو ويجري مسرعا نحو السراب ثم لا يجد شيئا وإذا به قد وقع في مفاجأة وهي من تلك النوع المخيف من الفاجآت غير السارة، وإذا به يجد الله رب العالمين، فيا لهول ما وجد؟ 67- عبد السلام أحمد الراغب"وظيفة الصورة الفنية في القرآن"، ص581. 68- جعفر السبحاني "المثل القرآني لتحقير معبودات الكافرين" مقال منشور في أرشيف موقع أهل التفسير على الشابكة العنكبوتية: www.tafsir.net 68- جعفر السبحاني "المثل القرآني لتحقير معبودات الكافرين" مقال منشور في أرشيف موقع أهل التفسير على الشابكة العنكبوتية.

عدد الصفحات ٤٧

جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 48 لهذا"تعتبر أمثلة القرآن على اختلافها، لوحات فنية رائعة لتصوير مشاهد الطبيعة بأشكالها وأنواعها المختلفة، وفي هذه اللوحات مشاهد ألفتها العرب وعرفتها في حياتها النوعية الخاصة، وفيها ما لم تعرفه ولا رأته ولا سمعت به مما قد يعرفه بعض الأمم والشعوب الأخرى. فالقرآن إذ يضرب الأمثلة بهذه المشاهد المنتزعة من مظاهر الكون وصوره، يؤل ف بين القيم والمبادئ المجردة التي تنزل من أجلها، والمشاهد الطبيعية التي يعيش الإنسان في أكنافها؛ وفي ذلك من إبراز وحدة الحقائق الكونية وترابطها الكلي ببعضها ما يطول شرحه ويعظم خطره" (70.) 14 – خاصية الإعجاز وهذه الخاصية هي أم الخصائص لذلك يحتاج القول فيها إ لى نوع من البسط، فنقول بدايةً؛إنَّ القرآن ليس معجزا في الأساليب البيانية دون المعاني؛ كلا؛ بل إعجازه ينتظم الأساليب والمعاني كليهما، أمَّا القول بأن المعاني جاهزة وإنما الشَّأن في الألفاظ كما قال الجاحظ قديما "المعاني مطروحة في طريق"، فهذا ليس صوابا دائما، وصحيحا في جميع الأحوال؛ أبدا، ويؤخذ عليه أنَّ قوله هذا ليس بالمطَّرد الذي يعني الص حَّة المطلَقة، فهو صواب لكنَّه ليس على إطلاقه، ومن قديم والناس يقولون في حكمهم "الخطأ بريد الصواب" حتى جاء الفيلسوف الألماني نيتشه، فعمق النظر ودقق في التفكير وأضفى على هذا القول مسحة فلسفية فقال: "الخطأ مرحلة من مراحل الصواب"، فهذه فكرةٌ أرقى، ومن ذا الذي يقول إنها مطروحة في طريق، مع كونها في الحقيقة تطويرا للفكرة الأولى، فكيف بإنشاء فكرة لم يسبق إليها سابق من معاني الناس، وهل كانت الحِكمُ السائرة حِكَما إلا من اختراع الأفكا ! والقول الأول يجعل الخطأ طريقا إلى الصواب ولا يجعله صوابا، والقول نيتشه يجعله من الصواب، وفرق بين الأمرين. بيد أنَّنا نوافقه في ذلك على اعتبا أنَّ الخطأَ صوابٌ لكونه يؤدي إلى الصواب لا على أَنَّه 70- مح مد سَعيد رَمضان البوطي "من روائع القرآن - تأملات علمية وأدبية في كتاب الله عز وجل" نشر موسسة الرسالة، بيروت، 1420هـ1888م، ص182.

عدد الصفحات ٤٨