جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 17 وأصل الْجمال : ف ي الْعَرَبيَّة الع ظَ م ؛ وَم نْه قيل الْج مْلَة لأ َنَّهَا أَ عظَ م من التفاريق، والجمل الْحَبل الغليظ ، والجمل سمي جملا لعظم خلقته ، وَم نْه قيل للشحم الْم ذَاب جميل لع ظَ م نَفعه"(11.) الجمال اصطلاحا هو "صفة تلحظ ف ي الأَْشْيَاء وتبعث ف ي النَّفس س ر ورًا ورضا. و«علم الْجمال»بَاب من أَبْوَاب الفلسفة يبْحَث ف ي الْجمال ومقاييسه ونظرياته 12.) ور غم كونه ع لْمًا قائمً ا بذاته، إلاَّ أنَّه لا يزال ي درَس في إطار الفلسفة، ولم يَخر ج منها كما أ خر جَ منها ع لم الاجتماع وغير ه. والجمالية: "هي رؤية جمالية للفن تنبثق من تصور فلسفي خاص للإنسان والكون والحياة"(13.) وأمَّاالجمالية في الأدب والبيان: فهي طريقة فنية رائعة في التعامل مع اللغة بكافة مناحيها، من بدء الموضوع بوصفه معانٍ محكمَ ةٍ مؤثِّرة؛ إلى غاية وضعها في نص مفصلٍّ بهيج. وبهذا تجتمع فيها براعة انتقاء اللفظ البراق، وبهاء التركيب الرقراق، ودقة اختيار الأسلوب المناسب المنساب، والتصوير الفائق الجذاب، وح سن الهدف البالغ، وشرف الغاية المقصودة. تعريف المثل: لغة: هو "كلمة تَسْو يَةٍ. ي قَال : هَذَا م ثْله ومَثَله كَمَا ي قَال ش بْهه وشَبَه ه ب مَعْنًى؛ قَالَ ابْن بَرِّيٍّ: الْفَرْق بَيْنَ الم مَاثَلَة والم ساواة أَن الم ساواة تَك ون بَيْنَ المختل فين ف ي الج نْس والمتَّفقين، لأَن التَّساو ي ه وَ التكاف ؤ ف ي الم قْدار لاَ يَز يد وَلاَ ينق ص، وأَما الم مَاثَلَة فَلاَ تَك ون إ لا ف ي الْم تَّف ق ينَ، تَق ول : نحو ه كنحو ه وفقه ه كفقه ه ولون ه كلون ه وطعم ه كطعم ه، فإ ذا ق يلَ: ه وَ م ثْله عَلَى 11- الحسن بن عبد الله بن سهل بن سعيد بن يحيى بن مهران، أبو هلال العسكري (ت: نحو385هـ"الفروق اللغوية" ت: محمد إبراهيم سليم، دار العلم والثقافة، القاهرة، مصر، ص262. 12- إبراهيم مصطفى ـ أحمد الزيات ـ حامد عبد القادر ـ محمد النجار"المعجم الوسيط" ت: مجمع اللغة العربية، نشر دار الدعوة، بدون، ج1/136. 13- د. صالح سعيد الزهراني "الفَلْسَفة الجَمَالي ة عند حمزة شحاتة" مجلة جامعة أم القرى "لعلوم الشريعة واللغة العربية وآدابها" ربيع الأول 1423هـ/مايو (آيار2002م، العدد: 24 .
عدد الصفحات ١٧جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 18 الإ طلاق فَمَعْنَاه أَنه يسدُّ مسدَّه، وإ ذا ق يلَ: ه وَ م ثْل ه ف ي كَذَا فَه وَ م ساوٍ لَه ف ي جهةٍ د ونَ جهةٍ، وَالْعَرَب تَق ول : ه وَ م ثَيْل هَذَا وَه مْ أ مَيْثَال هم، يريدون أَن المشبَّه ب ه حَق يرٌ كَمَا أَن هَذَا حَق يرٌ"(14.) و"الْم يم وَالثَّاء وَاللاَّم أَصْلٌ صَح يحٌ يَد لُّ عَلَى م نَاظَرَة الش يْء ل لشَّيْ ء . وَهَذَا م ثْل هَذَا، أَيْ نَظ ير ه ، وَالْم ثْل وَالْم ثَال ف ي مَعْنًى وَاح دٍ. وَر بَّمَا قَال وا مَث يلٌ كَشَب يهٍ. تَق ول الْعَرَب : أَمْثَلَ السُّلْطَان ف لاَنًا: قَتَلَه قَوَدًا، وَالْمَعْنَى أَنَّه فَعَلَ ب ه م ثْلَ مَا كَا نَ فَعَلَه . وَقَوْل ه مْ: مَثَّلَ ب ه ؛ الْمَعْنَى ف يه أَنَّه إ ذَا ن كِّلَ ب ه ج ع لَ ذَل كَ م ثَالاً ل ك لِّ مَنْ صَنَعَ ذَل كَ الصَّن يعَ أَوْ أَرَادَ ص نْعَه .وَمَثَلَ الرَّج ل قَائ مًا: انْتَصَبَ، وَالْمَعْنَى ذَاكَ، لأ َنَّه كَأَنَّه م ثَالٌ ن ص بَ. وَجَمْع الْم ثَال أَمْث لَةٌ. وَالْم ثَال : الْف رَاش وَالْجَمْع م ث لٌ، وَه وَ شَيْءٌ ي مَاث ل مَا تَحْتَه أَوْ فَوْقَه . وَف لاَنٌ أَمْثَل بَن ي ف لاَنٍ: أَدْنَاه مْ ل لْخَيْر ، أَيْ إ نَّه م مَاث لٌ لأ َهْل الصَّلاَح وَالْخَيْر . وَهَؤ لاَء أَمَاث ل الْقَوْم ، أَيْ خ يَار ه مْ" ( 15.) ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: "أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل" (16)، يعني الأَ خْ يَ ر فالأَ خْ يَ ر ، والأشرَ ف فالأشرَ ف . اصطلاحا: هو " تشبيه وجهٍ م نتَزَعٍ من م تَعَدِّد أمرَين، أو أمور" (17.) وممَّن أحسن التعبير عنه بتعريف عام؛ ابن القيم حيث قال: هو"شبيه شيء بشيء في حكمه وتقريب المعقول من المحسوس أو أحد الم حسوسين من الأخر واعتبار أحدهما بالآخر"(18). توارد المثل في القرآن الكريم 14- محمد بن مكرم بن على، أبو الفضل، جمال الدين ابن منظور الأنصاري الرويفعى الإفريقى (ت: 711هـ) "لسان العرب" دار صادر، بيروت، ط 3،1414هـ، ج11/610 . 15- أحمد بن فارس بن زكرياء القزويني الرازي، أبو الحسين (ت385هـ) "معجم مقاييس اللغة" عبد السلام محمد هارون، دار الفكر، 1388هـ1878م، ج5/286-287. بتصرف 16- رواه الترمذي وابن حبان، عن سعد بن أبي وقَّاص رضي الله عنه، وحسَّنه وصححه محمد ناصر الدين، بن الحاج نوح بن نجاتي بن آدم، أبو عبد الرحمن الألباني (ت:1420هـفي "سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها" نشر مكتبة المعارف، الرياض، السعودية، ط 1،1415هـ1885م، حديث رقم143/ج1/273. 17- أحمد بن مصطفى المراغي (ت1371هـ) "علوم البلاغة: البيان، المعاني، البديع" بدون؛ ص226. 18- محمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية "أمثال القرآن" ت: ناصر بن سعد الرشيد، نشر مطابع الصفا، مكةالمكرمة، السعودية، ط 2، سنة1402هـ1882م، ص17.
عدد الصفحات ١٨جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 18 ورد المثل في القرآن على معاني متعددة، وإطلاقاتمتنوعة منها: الصفة: " يقال: مَثَل كَ ومَثَل فلانٍ: أي صفتك وصفته ومنه قوله تعالى و ع دَ المتقون والقوم أمثالا ومنه قوله تعالى ثلا في أحد القولين"(18.) الحال قال تعالى 17] الشأن كحال الذي استوقد نارا20.) العبرة كقوله تعالى(55) فَجَعَلْنَاه مْ سَلَفًا وَمَثَلاً ل لْْخ ر ينَ 55- 56] يطلق على العبرة، في أحد الاحتمالين، والاحتمال الثاني أنَّ المراد به العقوبات، "قَالَ تَعَالَىلاَت 6] وَقَعَتْ لأ َجْل ه ، وَوَاح د هَا مَث لَةٌ كَسَم رَةٍ وَصَد قَةٍ. وَي حْتَمَل أَنَّهَا الَّت ي تَنْز ل ب الإْ نْسَان فَت جْ عَل م ثَالاً يَنْزَج ر ب ه وَيَرْتَد ع غَيْر ه " ( 21)،أي عبرةً للرَّدع والزَّجر. الآيَة: كقوله تعالى عن عيسى عليه الصَّلاة والسَّلام مَثَلاً ل بَن ي إ سْرَائ يلَ 58] الشبيه والنظير "الم ثْل بكسر الميم وفتحها وإسكان الثاء وفتحها عند قوم بمعنى واحد، كقولهم: ش بْهٌ وَشَبَهٌ، وعند المحققين: الم ثْل بكسر الفاء وإسكان العين، عبارة عن شَبَه المحسوس، وبفتحها عبارة عن شبه المعاني المعقولة، فالإنسان مخالف للأسد في صورته، مشبه له في جرأته وحدته، فيقال للشجاع أسد أي يشبه الأسد في الجرأة، وكذلك يخالف الإنسان الغيث في صورته، والكريم من الإنسان يشابهه في عموم منفعته" (22.) 18- أحمد بن محمد بن إبراهيم، أبو الفضل، الميداني النيسابوري (ت518هـ) "مجمع الأمثال" ت: محمد محيى الدين عبد الحميد، دار المعرفة - بيروت، لبنان، ج1/6. 20- محمود بن عمر، جار الله الزمخشري الخوارزمي، أبو القاسم "الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل" ت: عبد الرزاق المهدي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان، بدون، ج1/108. 21- أحمد بن فارس"معجم مقاييس اللغة"، ج5/287. 22- محمد بن عبد الله أبو بكر بن العربي المعافري الاشبيلي المالكي (ت: 543هـ) "قَانون التَّأويْل" دراسة وتحقيق: محم د الس ليماني، نشر دار القبلة للثقافة الإسلاميَّة، جَد ة، مؤسَسَة ع لوم القرآن، بيروت، ط 1،1406 هـ- 1886م، ص474.
عدد الصفحات ١٩جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 20 لهذا فإنَّ ضرب المثل في الكلام هو أن ي ذكر لكل حال ما يناسبها، فيظهر من حسنها أو قبحها ما كان خفياً ، ومن معاني الضَّرب: الصَّ رف: كقوله تعالى [5]، أي نصرف، يقال ضربت عنه وأضربت عنه بمعنى، وأصله أن الراكب إذا أراد أن يصرف دابته ضربها، فوضع الضرب موضع الصرف" (23). ولمَّا كان الضرب متوجها إلى المثل؛ كان معنى قول ه تعالى 45] الذِّكر فقوله تعالى32]24.) والضَّرب مأخوذ من ضرب الدراهم، وهو حدوث أثر خاص فيها، كأن ضرب المثل يقرع به أذن السامع قرعاً يَ نف ذ أثر ه في قلبه، لهذا فلفظة الذهن، وتنبيهه إلى أمر ذي شأن، فهي بهذا المعنى وردت لتهيئة الأذهان لاستقبال تصوير المثل القرآني" (25.) والتصوير يحمل التَّأثير؛ ولا يظهر التأثير في النفس بتحقير شيء وتحسينه إلا بتشبيهه بما جرى العرف بتحقيره ونفور النفوس منه، أو محبتها له وإقبالها عليه. لهذا كانت ص وَر المثل تتشابه وتتناظر، لتقوم الصورة المضروبة مقام الصورة المنصوبة، ومن هنا قال ابن القيم: "إن المثلين ما سد أحدهما مسد الآخر" (26.) بيدَ أَنَّ "التمثيل أكثر من التشبيه لأن كل تمثيل تشبيه، وليس كل تشبيه تمثي 27 .) المثل في الدرس البلاغي: 23- فخر الدين الطريحي (ت1085هـ)"مجمع البحرين ومطلع النيرين" بدون،ج3/10. 24- المرجع السابق نفسه؛ ج3/10-11. 25- عبد السلام أحمد الراغب "وظيفة الصورة الفنية في القرآن" نشر فصلت للدراسات والترجمة والنشر، حلب، سورية، ط 1،1422هـ2001م، ص160. 26- محمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية "بدائع الفوائد" دار الكتاب العربي، بيروت،لبنان، بدون، ج1/152. 27- الحسين بن محمد أبو القاسم المعروف بالراغب الأصفهانى (ت: 502 هــ) "المفردات في غريب القرآن"، بدون، ص445 .
عدد الصفحات ٢٠جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 21 والذي نريد قوله هو أنَّ الأمثال القرآنية وكشف أسرارها وسبر أغوارها بلاغة وبيانا، لم يخرج عن هذا الإطار العام الذي شرحته، بيد أنَّها حَ ظ يَ ت باهتمامٍ زائد نوعا ما على باقي آيات القرآن، من ناحية حيتين: الأولى: كونها نصوصا خاصة وقصيرة. الثانية: لأنَّها معدودة ومحدودة. فقاموا بجمعها وتدوينها في كتب خاصة سميت غاليا بأمثال القرآن الكريم، وأطلقوا العنان لأقلامهم في شرحها والتنبيه على بعض أسرارها بين م ق لٍّ ومستكثر. لقد كانوا قديما يجمعون مفردات القرآن وغريبه ويوضحون ما فيها من مقاصد ومعاني وينبهون على مرادها، ولم يتناولوا نصا خاصا كنص القصة والمثل. فأمَّا القصة فلم يتناولوها على حدة في كتب خاصة بقصص القرآن إلا بعد مرور أمدٍ طويل، لاكتفائهم بدرسها وتوضيحها من خلال التفسير، على أنه كتبت في السير المتعلقة بالأنبياء لاسيما نبينا صلى الله عليه وسلم (28) مصنَّفاتٌ قبل ذلك العهد، لكنها لم تكن دراسة بيانية وإنما هي جمع لما تناثر من الأخبار إبان التدوين المبكر للأحاديث والآثار المنقولة، فأ ودعت في علوم شتى كان من أهمِّها علم التاريخ، كتاريخ الطبري وغيره. أمَّا الدراسة البيانية وتوضيح الأساليب واستخراج الدقائق البلاغية واللطائف التعبيرية والنكت الإعجازية فلم يكن إلى ذلك سبيل، فقد كانت العلوم ساعتها تطبخ وتترعرع، وتحتدم وتتفاعل، ولما تكن بعد قد استوت على سوقها، واستقلت عن بعضها بعضٍ، أو بلغت حد الاكتمال. لهذا يمكننا القول إنَّ أوَّل نص مميز خاص اعتني به ولو بقدر قليل من حيث الدراسة 28- ي نظر؛ضيف الله بن يحي الزهراني "مصادر السيرة النبوية" نشر مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة النبوية، بدون، ص12 إلى17.
عدد الصفحات ٢١جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 22 البيانية؛ هو نص المثل القرآني، منذ أن كتب الجنيد بن محمد القوارير ي (م: 288هـ)، "أمثال القرآن"، والحكيم الترمذي (م: 318هـ) "الأمثال من الكتاب والسنة"، وهكذا في سلسلة تمر بالحسن بن محمد الماوردي (م: 450هـ)، وابن ابي الإصبع (م 654هـ)، وتصل إلى ابن القيم (م: 751هـ)، وبدر الدين حسن، وتستمر إلى محمود بن الشريف، وتجاوزه نحو المعاصرين كمحمد جابر فياض وعبد الرحمن حَبَنَّكَة وغيرهما. فالمثل القرآني إذَن؛ ج م ع وش رح وكتب فيه الكثير من الأعلام، وتواكبت في رحابه الأقلام. القوة الإبلاغية للمثل القرآني: المثل جوهرة فريدة من أساليب التعبير وطريقة عجيبة في تبليغ المراد، وتقريب المعاني إلى العقول، فلا جرم أن احتاجته النفس البشرية احتياجا كبيرا وتمايز فيه الناس بين مجيد في بيانه ونازل عن هذه المرتبة، فلقد دعت الضرورة إلى ضرب الأمثال في أصل الفطرة الإنسانية التي كونت مناحي شتى من فنون القول، لتوقف مصالحها على التواصل وحسن التفاهم، وجودة عرض الأفكار، وإجادة تصويرها والاستدلال لها؛ كيما يحصل الإقناع وتتم الموافقة ويصل الإنسان بذلك كله إلى تحقيق منافعه وقضاء مآربه، وبالمقابل يدفع عن نفسه ما يحذره، ويقصي من قناعاته ما ينكره، فيجد بلسانه سبيلا إلى جلب المصلحة ودفع الضرر، وبلوغ المقصد الذي يريده ماديا كان أو معنويا. من هنا كانت الحاجة إلى المثل، لأَنَّ ه: أوَّلا : مَ عينٌ كبيرٌ فيما يرومه الإنسان في الحياة بشكل عام. ثانيا: لأَنَّه يخدم الجانب الفني في التعبير من الجمال الكلامي واللفظ الشيق والمتعة الأدبية. لهذا كانت الشعوب كلها والحضارات جميعها لا تخلو من الأمثال، ولكل قوم أمثالهم الخاصة بهم، والمتداولة عندهم سواء الأمثال السائرة التي هي من قبيل الأمثال الشعبية، أو
عدد الصفحات ٢٢جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 23 الأمثال التصويرية التي تحمل التشبيهات المركبَّة؛ وفي الإنجيل سورة كاملة اسم ها "الأمثال"، فالمثل إذن؛ موغلٌ في القدم، عريق في الأمم. ولمَّا كان الناس يتفاضلون في صناعة الكلام وكان العرب أفصح الخلق من الأنام، لما تميزوا به من فصاحة القول وبلاغته، وجمال الخطاب وأناقته، وروعة الشعر وجودته؛ كان المثل عندهم من أرقى فنون التعبير، وقد ظلوا الدَّهرَ يعقدون المناظرات على التفوق البياني واحترافية الكلام والحذق في صناعة القول، وما فتئوا يتنافسون في جميع أساليب الكلام ولاسيما التشبيهات على الخصوص، لأنها قوام الصناعة، فيوازنون بينها ويميزون قويها من ضعيفها، وبليغها من وضيعها، بحيث لا يضاهيهم قوم من غيرهم في هذا المجال، فكيف بالمثل الذي هو من التشبيه أوسع، ومنه أكبَر وأرفع. ولما ضرب الله تعالى للناس في القرآن من كل مثل دلَّ على أنَّ المثلَ يشمل كل القيم العليا ومحاسنها ومراتبها، ويشمل بالمقابل أضدادها فيجلِّي الصور، ويعطي الع بَر، ويوضح سبل الهدى والفلاح، بتعبيراتٍ جمالية تضيء الطريق. إنَّ للمثل في قوة إبلاغية عظيمة ورائعة، وجميلة ونافعة، فهو يجسد في حيثياته الواقع مصورا تصويرا دقيقا، ويجلي المفاهيم بطريقة بديعة ليس لها منوال سابق، ويتخذ من النفس البشرية هدفا يبغي التأثير عليه بمعرفته مداخلها ومخار جها ومدى نوازعها وطبيعتها، ولا يغيب عنها الجانب الصوتي الإيقاعي في إحداث من يريده من تموجات إحساسية يضخها النغم في آذان المخاطبين تثير فيهم مشاعر مقصودة تعين على فهم المضمون وبلوغ الرسالة وتأدية المعنى كاملا غير منقوص، عبر استعمالات جمة لصور ومشاهد تألفها الجموع البشرية وتستطيع تصورها واستطلاع مظهرها في الخيال، فترى فيها من كل مشاهد الطبيعة وأنواعها، وبمختلف مناخاتها وأجوائها، فهناك سياحة بيانية في المثل تطوف بالإنسان في أفاق شتى وتطلعه على أفياءٍ عدة فتجعله يكتشف بما يملأه سمعه وبصره، ويقنع قلبه ويصوب ف كَ ره ويعدل أنساق رؤيته واتجاهاتها، بحيث يجد طمأنينة الفهم وحسن التصور وروعة البيان وجمال الفكرة وبهاء المقصد وشرف الغاية ونبل الإحساس، كل ذلك في كلام ليس كالكلام، وأسلوب ليس كالأساليب، وبهجة تعبيرية تخلب الألباب.
عدد الصفحات ٢٣جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 24 إنالكلام العربي نوعان هما: الأول: حقيقَة؛ تشمَل التَّشبيه وغير التشبيه وكان التشبيه في الأصل ينحو منحى المثل لم نأخذ من التشبيه إلاَّ ما كانَ تمثيلي ًا حسب ، فما سواه لا يلتقي بغرضنا من موضوع هذه الرسالة، كون المثل إنَّما هو صورةٌ مركَّبَةٌ وليسَ مجرَّدَ معنى مفردٍ بمعنى مثله. الثاني: غير حقيقة؛ وتشمل المجاز والكنايَة، وينقسم منها المجاز إلى عقلي ولغويٍّ ، فمنه لغويٌّ مفردٍ تحته استعارةٌ مكنيَّةٌ أو تصريح يَّة، ومجازٌّ مرسلٌ، ومنه لغويٍّ م ركَّبٍ يض مَّ المجاز المركَّب والاستعارَة التمثيليَّة. والقاعدَة في مضمون هذا البحث هيَ أنَّه لا يدخ لُّ في موضوعنا إلاَّ الم ركَّبات، فهيَ المقصودَة أصالَةً بالذَّات، أمَّا الأشياء المفردَة فإنَّها أجنب يَّةٌ نسبي ًا عن ماه يَة المثل، بحيث إذا تجاوزنا التعبير بلفظ الأجنبية السالف أمكننا أن نقول؛ هيَ على الأقل تشكِّل جزءا من حقيقته، ولا تسمو إلى ك لِّيَّته، إنَّما تشكِّل فقط قسما في جامعته! 28 بيد أنَّ المثل من قوته الإبلاغية أنه يحسن اختيار صوره البيانية الفائقة الحسن والبهاء، ويدقق في انتقائها إلى أبعد الحدود، بحيث يشملها ولا تشمله، وتحاذيه ولكنها لا تعد ل ه. لذلك كان المثل يقصد إليه قصدا أصليا؛ والصُّورة البيانيَّة يقصد إليها قصدا تبعيَّا؛ فالمثل يؤتى به خطابيا لذاته فهو من أركان البيان الكبرى ؛ أم ا الصُّورة فقوله تعالى مَوْجٌ كَالظُّلَل دَعَو ا اللهََّ م خْل ص ينَ لَه الدِّينَ 32] فيه تصوير التشبيه البليغ لكثرة الموج وشدَّة ارتفاعه حتى صاروا تحته وكأنَّه سحابٌ يضللهم من جهة ، وقريب من رؤوسهم من جهة أخرى؛ مما يشي بخطورة الموقف وشدَّة الكرب وعظيم المحنة، فهذه الصورة لم يؤت بها لي تَوَقَّف عندها شرحا وبيانا ، بخلاف المثل الذي يتوقَّف عنده ويقال هذا مثل مضروب وإنَّ فيه عبرة أنَّه آية ، فهو ينبَّه عليه لا كالصُّورة ي مَرُّ عليها وإن كانت أصلا من أصول البيان القرآني المجيد. 28- هكذا شاء لنا التَّعبير، و"القلَمُّ سيِّدٌ مطاع" كما قيل، وانظر في هذا القيل "أباطيل وأسمار"لمحمود محمد شاكر، مكتبة الخانجي، القاهرة، ط3 سنة1426هـ2005م.
عدد الصفحات ٢٤جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 25 وإضافةً فالصُّورة إذ ن بِّه عليها فذلك لكونها جاءت داخ لَ المَثَل ، وأيضا فالمثل غالبا ما يكون مجموعة صور أي صورتين فأكثر وهو ما يسمِّيه البلاغيُّون" التشبيه المتعدد "(30 ) م مَّا يجعل الشيء الممثَّلَ له محتوٍ على عدَّة أوصاف يجتهد العقل في إرجاع ك لِّ صفةٍ إلى ما تد لُّ عليه في ذات الشيء الم مَثَّل له . قال إبراهيم النظام: يجتمع في المثل أربعة لا تجتمع في غيره من الكلام: - إيجاز اللفظ - إصابة المعنى - ح سْن التشبيه - جَوْدة الكناية فهو نهاية البلاغة " (31.) إن هذه النهاية في البلاغة هي التي جعلت ابن القيم في آخر كتابه عن أمثال القرآن يجعل للمثل خصوصية بيانية فائقة، فختمه قائلا: " أسرار التنزيل فوق هذا وأجل منه، ولا سيما أسرار الأمثال التي لا يعقلها إلا العالمون" (32.) معمارية المثل القرآني: إنَّ الأمثال تأتي معتم دَةً في تصوير ها "على: 1 )التصريح بلفظ المثل، مفردا أو مجموعا، وهو الاس تعمال الشائع في الأسلوب القرآني. 2 ) وقد يقد ر لفظ المثل، ويدل عليه حرف العطف، كقوله تعالى [18]. 3 )أو قد يفهم من السياق كقوله تعالى لا يَخْر ج إ لاَّ نَك داً58.] 30- أمَّا تسميتهم إيَّاه بـ " التمثيل المركَّب " فهو على اعتبار التمثيل تشبيها و لا يصح، وقد بيَنَّا أنَّ التركيب هو أصلا داخل في طبيعة المثل فالاحتراز يقولهم " بالمركب " حينئذٍ احترازٌ طردي ؛ وتقييدٌ ملغى لا أثر له. 31- أحمد بن محمد بن إبراهيم الميداني "مجمع الأمثال" ت: محمد محيى الدين عبد الحميد، ج1/6. وقد حوى هذا السفر العظيم4765) مث، ولد منها المولدون أمثالا أخرى ذكر منها الميداني في آخر كل باب من أبواب كتابه العشرون، ما يبلغ بعدد الأمثال جميعا إلى (6000) مثلٍ. 32- شمس الدين محمد بن أبي بكر الدمشقي المعروف بابن قيِّم الجَوزية "الأمثال في القرآن الكريم" ت: فواز أحمد زمرلي، نشر دار ابن حزم، ط1،1434هـ- 2013م، ص213.
عدد الصفحات ٢٥جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 26 ولكن الأغلب في تصوير الأمثال، التصريح بلفظ المثل33.) وفي كثير من الأحيان"تأتي أمثلة القرآن كلاما كاملا مستقلا بذاته، أي دون ذكر للمعنى الممثل له على غرار ما هو معروف في مألوف اللغة العربية وأسلوبها. وإنما يكون المعنى الممث ل له في هذه الحال مطويا، يشار إليه في تضاعيف المثال ذاته، بحيث لا يجهل السامع أو القارئ المعنى الكلي الذي سيق له المثال، وذلك على غرار الاستعارة وكيفية دلالتها على المعنى الأصلي المقصود. ولا ريب أن سوق المثال بهذا الأسلوب يأتي أبلغ وألصق بالمعنى المراد، إذا لم يكن في سياق الكلام ما يدعو إلى التصريح به. فمن هذا القبيل قوله عز وجل : {وَمَا يَسْتَو ي الْبَحْرَان هَذَا عَذْبٌ ف رَاتٌ سَ ائ غٌ شَرَاب ه وَهَذَا م لْحٌ أ جَاجٌ } [12] فقد ضرب الله مثال البحرين للمؤمن والكافر، والحديث عن المؤمن والكافر مطوي في تضاعيف المثال، يدل عليه السياق... ومنه أيضا قوله عز وجل : {وَالْبَلَد الطَّيِّب يَخْر ج نَبات ه ب إ ذْن رَبِّه وَالَّذ ي خَب ثَ لا يَخْر ج إ لاَّ نَك داً كَذل كَ ن صَرِّف الآْي ات ل قَوْمٍ يَشْك ر ونَ 58] . وإنما هو مثال للقلوب، فقلب سليم يقبل الموعظة والذكرى، وقلب فاسق قاس ينبو عن ذلك"(34.) هندسة التشكلات إنَّ بناء المثل في القرآن ليس كسائر البنى التي تجسها التعبيرات، فهو وحيد أسلوبه في هندسة المعنى وكيفية وضعه في الألفاظ البديعة بطريقة خاصة، وَفق مقادير محددة، وحساباتٍ دقيقة، تتركب معها في الوقت نفسه الهندسة الصوتية للكلام، بكيفية مضبوطة، وقواعدة منوطة بالبنية الجوهرية لتركيب الجمل، وتنسيق العبارات ووضعها في قوالب لا تخالف جمال الكل م، ولا عذوبة الصوت، لتمزج المعنى مزجا، لا تجد فيه الآذان حرجا، فيدخلها بغير استئذان، ويبلغ منها أقصى درجات الفهم والبيان، محققا مقصوده، جانيا 33- عبد السلام أحمد الراغب "وظيفة الصورة الفنية في القرآن"، ص158. 34- مح مد سَعيد رَمضان البوطي "من روائع القرآن - تأملات علمية وأدبية في كتاب الله عز وجل" نشر موسسة الرسالة، بيروت، 1420هـ1888م، ص182-183.
عدد الصفحات ٢٦جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 27 مراده، محدثا تأثيرا عجيبا، ومقربا ا لإقناع الفكري من العقول تقريبا، حتى تتسع عيون البصيرة فتدرك، وتنتشي الروح المخاطَبَة بذبذبات من النغمات البينَات فتطربَ وتستجيب. والقرآن في بنية المثل قد يقتصر على كاف التشبيه لمغزى الإيجاز حتى لا يعيد ذكر لفظ المثل مرة ثانية، كقوله تعالى: {لَه مْ مَثَلَ الْحَيَاة الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاه م نَ السَّمَاء فَاخْتَلَطَ ب ه نَبَات الأَْرْض فَأَصْبَحَ هَش يمًا تَذْر وه الرِّيَاح وَكَانَ اللهَّ عَلَى ك لِّ شَيْءٍ م قْتَد رًا [45 ]رار غير المناسب وإ فالمعنى مَثَل الحياة الدنيا مَثَل ماء. بيدَ أنَّ التعبير بكاف التشبيه أقلُّ في الدلالة من التصريح بلفظ المثل لأَنَّ الله تعالى جمع بينهما لإكمال صورة المعنى منتقلا من الأدنى إلى الأعلى عندما قال وهو السميع البصيرافيا الشبيه الذي تد لُّ عليه الكاف مرتقيا إلى نفي المثيل ، إذ الشبيهان متقاربان أمَّا المثيلان فهما سواء ، فلا يشبه ربَّنا سبحانه شيء مقاربة ولا يساويه شيء مماثلةً، و لذلك أجمع العلماء على قولهم: " ك لُّ ما خطَرَ ببال ك فالله خلاف ذلك" . فالمثليَّة تقتضي المساواة و الشبهيَّة لا تقتضيها ، لهذا قال سبحانه متكلِّما عن الميراث {11] ما يشابهه أو يدانيه ، و قال عزَّ م ن قائل في وجوب أن يعطيَ الرجال الذينَ أسلموا لزوجاتهم المشركات اللواتي رغبن عن الدخول في الإسلام قبل تطليقه نَّ مثل ما يعطونه من النَّفقات لزوجاتهم المسلمات ذَهَبَتْ أَزْوَاج ه مْ م ثْلَ مَا أَنْفَق وا وَاتَّق وا اللهََّ الَّذ ي أَنْت مْ ب ه م ؤْم ن ونَ 11 . ] من هنا كان المثيل يدلُّ على المطابقة والشبيه يد لُّ على التَّضَمُّن كما هواصطلاح المناطقة، وبالتالي فالمثل أعلى وأخص، أخَصُّ من الشَّبه أدنى وأَعم ، و بينهما عمومٌ وخصوص مطلق كما بين الإسلام والإيمان ، فإذا دخلْتَ دائرةَ التشبيه لا يعني أنَّك دخلت دائرة التمثيل؛ فك لُّ مثيل شبيه ، وليسَ ك لُّ شبيه مثيلا ، كما أنَّه ليس ك لُّ مسلمٍ مؤمنا ق لْ لَمْ ت ؤْم ن وا وَلَك نْ ق ول وا أَسْلَمْنَا وَلَ مَّا يَدْخ ل الإْ يمَان ف ي ق ل وب ك مْ 14] هذا فقول كتب البلاغة المتأخِّرَة: "التشبيه التمثيلي" دقيق جدا، إذ العام يأتي في البيان أو ثم يعق ب ه الخاص محددا نوعه ، لأنَّ التمثيل يحتوي التشبيه تضمُّنا ، أمَّا التشبيه فلا يرقى
عدد الصفحات ٢٧جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 28 إلى التمثيل لكونه أدنى منه. كما أن المثل القرآني يبنى على مجموعة من الصور البيانية هي كالمواد التي تشكل جزءا كبيرا من كيانه الشاهق، وهندسته الجميلة الأثيلة، بحث لا تخطئ خلاله أن تجد في أنواعه برمتها، وأعدادها بكافَّتها؛ تلك الاستعارات الفائقة، والتشبيهات الر ائقة، والمج از، والمحسنات المعنوية والم جمِّلات اللفظية المنتهية بطريقتها الفريدة في المَأتى، وكيفيتها العجيبة في الو رود، حتى تفوق ما يقدر عليه البشر وما ينتهون إليه من حدود، وتصل بهم إلى ذروة الإعجاز. ولقد قَ سَّ مَ الزركشي والسيوطي الأمثال القرآنية قسمين: ظاهرة وكامنة، ويبدو أنَّهما كانا مولعين جدا بكثرة التفاريع، وتنويع التقاسيم، والاستكثار من تعديد ضروب الكلام، على نحو ما قال ابن المعتز في البديع حين لم يستبعد أن يأتي بَعدَه الذين يشققون القول ويفرعون تفاصيله ويزيدون في الباب من أبوابه، ليستخرجوا أنواعا أخرى من البديع، وهو في هذا ليس يَع يب ه م، ولا ي نك ر عليهم، ولا يزري بعَمَل ه م الذي بالفعل قد كان، وإنَّما لي بَيِّنَ أَنَّ اقتصاره على ما اقتصر عليه من البديع؛ هو كما قال: "إمَّ ا لأن بعض ذلك لم يبلغ في الباب مبلغ غيره فألقيناه، أو لأن فيما ذكرنا كافياً ومغنياً" (35). وعلى كل حال فليس شرطا أن تكون التقاسيم كثيرة، أو أن تخرج عن ميدان القابلية للجدل، ولو في التسمية والاصطلاح. لذلك استحسنا أن نسمي المثل الكامن بالمثل الخفي لأنَّ الخفاء هو المقابل الأوضح والطباق الإيجابي الأدل على المراد، والمقابل الأوضح لمعنى الظهور. من هنا تأتي هندسة تشكلات الأمثال كالآتي: 35- عبد الله بنمحمد المعتز بالله، أبو العباس ابن المتوكل ابن المعتصم ابن الرشيد العباسي (ت: 286هـ) "البديع" دار الجيل، بيروت، ط 1،1410هـ1880م، ص75. فائدة قال محقق "البديع" لابن المعتز، في الطبعة السابقة نفس ها (ص17)؛ م نَبِّها: "وهذا الكتاب ليس قاصرًا على البديع بالمعنى الضيق المحدود؛ لأن ابن المعتز يذكر فيه الكناية والاستعارة والتشبيه، وهي من صميم البيان العربي، يذكر فيه الكناية ولكنه يريد بها معناها اللغوي وهو أعم من المعنى الاصطلاحي المعروف، فإذا قلنا: إن ابن المعتز ألَّف في البيان؛ فقد سرنا مع الحق والتفكير السليم، وإذا قلنا: إنه ألف في البديع؛ فقد ضيقنا دائرة البحث بغير مبرِّر، وإن كان البديع في الاصطلاح المتأخر جزءًا من البيان، وإن كان البديع بالمعنى القديم المعروف عند بعض علماء البلاغة يرادف كلمة البيان أو البلاغة" إهـ.
عدد الصفحات ٢٨جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 28 الأوَّل المثل الظاهر والخفي: إنَّ الأمثال الظاهرة هي أمثال قياسية يقاس فيها النظير على نظيره، وتعدُّ وصفا سرديا، أو قصصيا، أو صورةً بيانية، لتوضيح فكرةٍ معينة عن طريق التشبيه التمثيلي (36 .) وهي الأمثال التي قال عنها الله تعالى{ وَكَانَ الإْ نسَان أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً 54] أنها براهين وحجج تفيد تصوراً وتصديقاً ، قال جلَّ ثناؤه: {الْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْس يرًا 33]، فالتفسير يَ ع مُّ التصوير، ويَ ع مُّ توضيح الحق بالدليل. أمَّا الأمثال الخفية فهي "عبارة عن وردود أقوال وأمثالٍ مشهورة توافق في معناها بعض الآيات القرآنية، فقول العرب: "إنَّ الحديث بالحديد ي فلح " يقال: إنَّه قريب من قوله تعالى {40] معنىً قولَه تعالى[82( "]37 .) وستأتي فيما بعد نماذج منها، نبيِّن فيها تفوق الأمثال الخفية القرآنية على ما يوافقها من أمثال الناس. وندلف إلى بيان الفروق بين أمثال القرآن الظاهرة والخفية، فنقول: إنَّ الذي يفرق بين المثلين؛ أمور نذكرها كالآتي: الأوَّل: المثل الظاهر يبرز فيه المثل بكل جلاء، و"المثل الكامن لا يظهر فيه المثل كما في قوله تعالى68] عن الأوصاف التي طلبها بنو إسرائيل في البقرة التي أ مروا بذبحها؛ وبينها لهم موسى صلى الله عليه وسلَّم بأنها ليست مس نَّة ولا صغيرة، أي هي بين ذلك، .. إلاَّ أَنَّ هذا الوصف للبقرة يشير إلى مثل كام نٍ فيه وكانت العرب تعرفه وهو قولهم خير الأمور أوساط ها. وكذلك الأمر في قوله تعالى27] المثل القائل 36- سميح عاطف الزين "الأمثال والم ثْل والتمثيل والمَث لات في القرآن الكريم" دار الكتاب اللبناني، بيروت، دار الكتاب المصري، القاهرة، ط 2،1421هـ2000م، ص28 . 37- الحسين بن الفضل "الأمثال الكامنة في القرآن الكريم" ت: د. علي حسين البواب، نشر مكتبة التوبة، ط 1، 1412هـ1882م، ص8.
عدد الصفحات ٢٩جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 30 لا تلد الحيَّة إلاَّ حَيَّة38 .) الثاني: إن المثل الظاهر مضروب للمعاني والح كم والاستدلالات، وفيه صور ومشاهد، والثاني يضرب بصفته تعبيرا لفظيا. الثالث: وإيحاءاته واسعة وأهدافه كثيرة ومساحة البيان فيه متراحبة، وأَثَر ه الفعال لا يقتصر على كونه مجرد قول يوافق بعض الحكم المزبورة، والأقوال المشهورة، بل هو فوق ذلك بمراحل، لكونه أَصلا من أ صول البيان، وهذا كافٍ شافٍ في إدراك الهوة الواسعة بينه وبين المثل الكامن الخفي، مما لا يسمح لنا أن نجعله قسيما يقاسمه، أو قرينا يقارن ه. إنَّه كالجملة في القرآن لا تكون بلاغتها كنص من نصوصه، كما لا تكون بلاغة الكلمة بالرغم من علوِّها وس م وِّها ودقة اختيارها وكونها لا تقوم كلمة غيرها في مقامها على الإطلاق؛ إلاَّ أَنَّها لا تجمع من البلاغة ما تجمَع ه الجملة القرآنية بله النص القرآني، بله المثل الذي هو ذروة البيان في القرآن. الثاني: المثل السَّائر والغُفْل: الحقُّ أنَّ الأمثال العربية السائرة المتداولة هي التي تقال في مثل المناسبات الخاصة التي اقتضتها، والحالات التي أفرزتها، كقولهم "استونق الجمل"؛ و"كما تدين تدان"، و"أراد أن ي كح لَها فعَو رَها"، و"أسمع جعجعَةً ولا أرى طحينا"، وهي تقابل المثل الشعبي المعروف كقولهم مثلا "المَندبَة كبيرةٌ والمَيِّت فأرٌ"، و"جاء يسعى ضَيَّع تسعة"، و"مَن لا ي ح ب يَرى منامات غريبة؛ لا ينام بين القبور"، وقد يأتي بها الشعراء والحكماء والأنبياء. فمن الشعر: أوردها سعدٌ وسعدٌ مشتَم ل ** ما هكذا يا سعد تورَد الإبل. ومن الحكمة: "خير البر عاجل ه"، و"المرء مخبوءٌ تحتَ لسانه". 38- سميح عاطف الزِّين "الأمثال والم ثْل والتَّمَثُّل والمَث لات في القرآن الكريم"، ص40.
عدد الصفحات ٣٠جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 31 ومن كلام الأنبياء: قوله صلى الله عليه وسلَّم "إنَّ م نَ البيان لس حرا 38)، وقول عيسى عليه الصَّلاة والسَّلام "م ن ثمارهم تعرفونهم"، وعن مالك بن دينار قال مكتوب في التوراة "كما تدين تدان وكما تزرع تحصد" (40 .) وأما المثل الغفل: فهو المثل الذي ليس له من الرواج بحيث يشتهر ويمشي في الناس، وإن كان له من حظ الظهور شيءٌ ي عتدُّ به، إذ المثل إن كان مغفلا تماما، حتى لا يكاد يذكره أحد، فإنه حينئذٍ لا يصلح أن يسمى مثلا، إذ المثل ما سمي باسمه إلاَّ لأنَّه ي تمثَّل به، بيدَ أنَّ قضية التمثل هاته نسبية جدا، والأمثال كالناس بين محظوظ مرفوع مشهتر على الألسنة، وبين وضيع ي تمثل به بين الفينة والفينة، ومنها ما جميع الناس يذكره، وكلهم يقوله ويستحضره، كأنه مثل عالمي، نحو قولهم: "الخطأ يعلم الصواب" فالعالمون يتداولونه بينهم، فهو مثل تلك الكلمات العالمية ككلمة "البخشيش" التي تعنى الأموال والفلوس، ليس أحد إلا وهو يفهم معناها من أقصى اليابان إلى شرق أمريكا، ومن شمال روسيا إلى أفريقيا الجنوبية، وهناك المثل الإقليمي الذي يفهمه أهل اللغة الواحدة، وربما يكون له ما يقاربه أو يشابهه في اللغات الأخرى، وربما كان المثل لأهل ناحية أو منطقة، ومع وجود هذا الفارق الكبير من ناحية الشهرة إلاَّ أنَّ كلاهما لا ينتفي عنه الوصف بالمثلية، فالقضية نسبةٌ متراوحة، والمثل الغفل لا يخرج عن هذا الإطار فقول بعض الناس في أمثالهم الشعبية : "هذا مايو ، كل واحد وْراي و" هو مثل غفل إذ ناله بعض إغفال لنقصان حظه من الاشتهار، أمَّا إن كان لا يتمثل به بتاتا، وإن كان يحمل معنى شريفا، ويصلح لأن يكون مثلا والناس أغفلوه كل الإغفال، وأهملوا التمثل به كل الإهمال، فأنى له أن يعد في دائرة الأمثال، وليس له من المثلية نقير ولا قطمير، فهو إن قيل تجوزا إنه مثل، فهو المثل البائر، وليس المثل السائر المشتهر. وفيما يأتي نذكر نماذج من المثل السائر فنقول بدأً؛ إنَّه لا يعدو أن يكون هو المثل العادي الذي يضرب للشيء ، فيما اعتادته العرب تمثلا من أقوالٍ مخصوصة في حالة مناسبة، 38- محمد بن إسماعيل أبو عبد الله البخاري الجعفي "صحيح البخاري" ت: محمد زهير بن ناصر الناصر، دار طوق النجاة، ط 1،1422هـ،كتاب: النكاح، بَاب : الخطبة، حديث رقم:5146/ج7/18. 40- أحمد بن علي بن ثابت البغدادي أبو بكر "اقتضاء العلم العمل" ت: محمد ناصر الدين الألباني، نشر المكتب الإسلامي، بيروت، ط 4،1387هـ، ص88.
عدد الصفحات ٣١جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 32 وذلك كمن ضاع في الترب خاتَ م ه فلم يجده إذ كان التقطه لاقط فيقال له حينها: "لكل ساقطة في الحي لاقطة" إشارة إلى أنَّ آخذا أخذه وذهب، وهاهنا يأتي المثل مسجوعا أحيانا لت حدث رنته الموسيقية المؤثرة في المعنى بدلالة النغم، مما تستحسنة النفوس ويرفع أفهامها، وقد لا يأتي مسجوعا كقولهم "على نفسها جنت براقش" ي ضرب مثلا للمرء توقعه طبيعته في ورطة، أو توصله عقليته إلى ما لا يحمد عقباه كبعض المتحمسين من أهل الاندفاع والتسرع يحسب الواحد منهم أنَّ الشجاعة في الانفعال والتقدم وما يدري أنه "كالباحث عن حتفه بظلفه" لهذا قال المتنبي الحكيم: الرأي قبل شجاعة الشجعان ** هـو أوَّلٌ وه ـي المحـل الثَّاني. وقد جاء هذا المثل بعد قصة معروفة. ومن أحسن من رأيته عرَّ فه بدقة وشرحه شرحا فائقا ابن تيمية، حيث يقول عنه: "هو أن يكون الرجل قد قال كلمة منظومة أو منثورة لسبب اقتضاه فشاعت في الاستعمال، حتى يصار يعبر بها عن كل ما أشبه ذلك المعنى الأول، وإن كان اللفظ في الأصل غير موضوع لها، فكأن تلك الجملة المثلية نقلت بالعرف من المعنى الخاص إلى العام كما تنقل الألفاظ المفردة، فهذا نقل في الجملة مثل قولهم : " يداك أوْكتَا، وف وكَ نَفَخ " هو مواز لقولهم :"أنت جنيت هذا" ؛ لأن هذا المثل قيل ابتداء لمن كانت جنايته بالإيكاء والنفخ، ثم صار مثلا عاماً، وكذلك قولهم : "الصَّيْف ضَيَّعْت اللبن هذا المثل فى الأصل خوطبت به امرأة، وهى دختنوس بنت لقيط بن زرارة، كانت تحب عمرو بن عمرو بن عدس، وكان شيخا كبيرا، ففركته فطلقها، ثم تزوجها فتى جميل الوجه، وأجدبت، فبعثت إلى عمرو تطلب منه حلوبة، فقال عمرو: "في الصيف ضيعت اللبن"، وإنما خص الصيف لأن سؤالها الطلاق كان في الصيف، وهذا المثل يضرب لمن يطلب شيئا قد فوته على نفسه مثل قولك: "فرطت وتركت الحزم، وتركت ما يحت اج إليه وقت القدرة عليه حتى فات"، وأصل الكلمة قيلت للمعنى الخاص. وكذلك "عَسَى الغ وَيْر أبْؤ سَا" أى : أتخاف أن ي كون لهذا الظاهر الحسن باطن رد يء؟ فهذا نوع من البيان يدخل في اللغة والخطاب، فالمتكلم به ح كم ه ح كم المبين بالعبارة الدالة، سواء كان المعنى في نفسه حقاً أو باطلا؛ إذ قد يتمثل به
عدد الصفحات ٣٢