المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

جماليات المثل في القرآن الكريم دراسة أسلوبية

سعد قدور عيسات

صفحة ٢٢ من ٢٤

جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 337 وأنت خبير بأنَّ الناس صنفان؛ مَن لا قابلية له للشيء، ومن له قابلية، فالأول لا يستمع والثاني إذا كان كافرا فله نوع استماع، والحق أنَّ القابلية قد تؤدي إلى القبول، والاستماع قد يؤدي إلى الانتفاع، أي ينتقل من السمع النظري إلى السمع العملي، ومن الاستماع الأ ذ ني، إلى الاستماع القلبي، ومن ثم الاستماع البدَني، فتنقاد الجوارح والأركان لتمشي بالنور بين الناس ولا تقبع في ظلماتٍ لا تخر ج منها. فالقرآن ينظر إلى تحقيق المصلحة الراجحة بالدرجة الأولى، لأنَّ غاية خطابه تنوير البشر والأخذ بأيديهم إلى رحاب الهداية التقى والإيمان، فهو يقدم ما يرجو نفعه على ما يتأخر نفعه فضلا عمَّا لا نفعَ فيه، فتأمل. والإنسان إذا أصابه مرض خطير ومرض آخر أقل خطورة، فهو إن علم أنَّ قهر المرض الأكبر يحتاج مدة أطول، ونتائجه أبعد؛ لا يهتم به على ما فيه من بعد وطول، ويترك المرض الأدنى ينتشر ويستفحل، لاسيما إذا كانت أسبابه أكثر من المرض الأول. فكذلك الكفار وإن كانوا أٌل خطورة من المنافقين، بيد أنهم من جهة أخرى أكثر منهم عددا ومددا وكيانا، والكم إذا كثر وتضاعف قد يغلب الكيف، وقد يقترب -على الأقل- منه أو يساويه. وأنت إذا نظرت إلى آيات القرآن كلها تجد الخطاب للكفار أكثر، لأنهم –سواء كانوا يهودا أو نصارى أو مشركين - يخوضون غمار المساجلات ويقومون بالرد على الحق بالشبهات، فرب كلمة طيبة تفتح قلب كافر إذ فتح لها أذنه، أمَّا المنافقون فأين ميدان الحوار حتى يلجَه المتكلمون، إنه غير موجودٍ أصلا، وأين آذانهم كي يستمعوا؟ لقد أغلقوها رغم انفتاحها الدائم لأن الأذ ن هي الآلة الوحيدة والحاسة الفريدة في الإنسان التي لا تغلق، ومع ذلك فهم18]تا، ورأسا يقولون لك إنهم مؤمنون فلت وَجِّه الخطاب إلى غيرهم، ويبقى الكتاب مغلقا على دفتيه، وتأتيهم الأوامر بالتذكر علهم يفتحون الكتاب فقطن ومن ثم ربما أثرت فيهم مواعظ يقرأ ونها، أو زواجر يفهمونها فيخافون أن تح لَّ بهم فيرتحلون عن نفاقهم ويلتحقون بركب التقى والإسلام.

عدد الصفحات ٣٣٧

جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 338 والأمثال جاءت متناسقة مع هذه المنهجية القرآنية الكبرى في البيان والاستهداف؛ فأولت العناية بالكافرين فكان حظهم من الأمثال كثير، ثم الحظ للمؤمنين، ثم للمنافقين، وقد جاءت مرتبة أهل الإيمان في الوسط لأنهم دوما واسطة العقد وملتقى العائدين من غلوه م والراجعين عن جفائهم، والحق أبدا، بين الغالي فيه والجافي عنه. ولما كانت الوقاية قبل العلاج جاءت أمثال الواردة في الكفار أكثر لأنهم يمثلون بجميع أصنافهم الغلو والإفراط، في حين يمثل المنافقون الجفاء والتفريط، ولما كان الإفراط هو الأغلب والأكثر كونه يأتي من ثلاث جهات (يهود – نصارى - مشركون)، وكان الجفاء أقل كون ه يأتي م ن جهَةٍ واح دَة، تناسبت موارد الأمثال مع مقادير لكل صنف، وفأعطت بذلك الأمثال لك لِّ ص نفٍ ما ي ناسبه، وبالقدر الذي يليق به، فكانت الأمثال دواءً يصف الداء ويعالجه على حسَبه فلا يزيد فينه ك، ولا ينق ص فَي هل ك. ومع هذا كلِّه جاءت الأمثال من وجهةٍ أخرى عامَةً مجرَّدَة بحيث تناولت الأفكار في حد ذاتها والتي تصلح أن تقع على الجميع، فيأخذ كل منها حظه ونصيبه، والتي نتناولها فيما يأتي.

عدد الصفحات ٣٣٨

جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 338 ثانيا: القراءة الإحصائية فيالأمثال التجريدية: لقد وردت هذه الأمثال لتقابل الناحية التشخيصية في المثل بالناحية التجريدية، وتقابل الخصوص في الأمثال المستهدفة للأنماط البشرية الثلاثة؛ بالعموم في الأمثال الفكرية التي تجمع جميع الأصناف. فكان البدء بمثل النور في الظلمات { كشجرة خبيثة، ثم الدنيا بقوله تعالىغيث فهذه سبعة أمثالٍ تجريدية، أخذت أمثال الدنيا قريبا من نصفها، فجاء منها ثلاثة أمثال فأمَّا أوَّلهما فهو فقد مثلت فيه بالماء الذي يختلط به النبات والأرض التي تتزين ثم يأتيها أمر الله فيجعلها حصيدا، وأمَّا ثانيهما فكالأول بيد أنَّ هناك الحصيد وهنا الهشيم، وهناك أمر الله عامة وهنا الرياح الذارية خاصة، ويالتالي فالوصف يتحدد ويتأكد ويزداد ظهورا، وأمَّا الثاني فمثل الدنيا بغيث يعجب الزراع ثم يصفر ثم وفي النهاية يكون حطاما، فتأمل إلى أنَّ الوصف يفيض ويتبيَّن أكثر وأكثر، في حين يتَّجه إلى القوة والشدة، مرحلة بعد مرحلة في أطوار ثلاثة، فكأنه يذكر بفناء الدنيا وغرورها في مراحل الإنسان الثلاثة، من شبابه إلى كهولته إلى شيخوخته، أمَّا سنوات الطفولة فالقلم مرفوع فيها عن الإنسان، بحيث إذا بلغ الحلم فقد بدأ أول خطوة في طور الشباب، وقد أخذت الأمثال هنا تنتقل نحو الأخوَف والأصعب، كأنَّما تجانس مراحل العمر المذكورة لأنَّ الحياة فيها تقسو وتتعقَّد كلما كبر المرء وتقدمت السنون، فانتقل البيان من الحصيد إلى الهشيم ثم يصعد إلى الحطام وهو أشدهما على الإطلاق، وبه يختم الأمثال الثلاثة للدنيا وحتى الأمثال السبعة كلها في وقتٍ و احد ويسدل الستار عن حياة حافلة بالمتناقضات من نور وظلمات، وحق وباطل وكلمة طيبة وكلمة خبيثة ثم الفناء والنهاية والهمود.

عدد الصفحات ٣٣٩

جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 340 وكذلك النور بدأَ به في مطلع الأمثال التجريدية برمتها، فأورده في سورة الأنعام له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها122] ضرب له المثل أكثر وجلاه تجلية أكبر في سورة النور فقال تعالى مصباح35] وما بعدها، كأنه يشير إلى أنَّ النور سهل الأخذ قريب المتناول لا يحتاج أكثر من إعادةٍ واحدَة موسَّعة، لهذا اختار الله تعالى النور في التمثيل ولم يختر الضياء، لأنَّ الضوء له شعاع كأشعة الشمس قد لا تحتمله العين، بخلاف النور الذي يأتي من القمر فتنشرح له النفس ويهفو له الفؤاد ويزداد قابلية لرؤيته وتنفتح العيون بأقصى ما تستطيع مرسلة الأنظار سارحةً بالأبصار كي تعاين جماله وتتمتع ببهجته. وإنَّما كان التمثيل للنور بمثلين لمغزى شريف عميق هو أنَّ المقصود به نور الهداية، ولما كانت الهداية هدايتان، هداية إرشاد وبيان، وهداية توفيق وإيمان، إذ قد يهتدي المرء نظريا فيدرك الحق، ولكنه لا يهتدي قلبيا وعمليا فيبقى على ضلاله ويتمسك بشركه وكفره، فلما تجسدت الهداية في هدايتين؛ مثل الله تعالى للنور مرَّتين، مذكرا في الحالتين بالهداية الأولى والثانية معا. ومما يلتفت إليه في هذا الصَّدد أنَّ لفظ النور الممثل له بالمشكاة التي فيها مصباح والمصباح في زجاجة، قد تكرر في هذا المثل خمس مرَّات، فكأنَّه يشير إلى أركان الإسلام الخمس من جهة، ويشير إلى أوصاف الدنيا الخمسة في آخر الأمثال المضروبة للدنيا من جهة أخرى، وهي قوله تعالى تَفَاخ رٌ بَيْنَك مْ وَتَكَاث رٌ ف ي الأَْمْوَال وَالأَْوْلاَد كَمَثَل غَيْثٍ 20] للعب الفاسد، والثاني يقابل اللهو الباطل، والثالث يقابل الزينة المحرمة، والرابع يقابل التفاخر الكاذب، والخامس يقابل التكاثر السَّلبي، لاسيما وأنَّ هذان المثلان التجريديان مثل النور ومثل الدنيا قد ختمت بهما قائمة الأمثال التجريدية فكأن النور ما قبل الأخير وكانت الدنيا هي الختام، والله تعالى أعلم. وكما انتهت هذه الأمثال بالنور بعده الدنيا، فكذلك قد بدأت بالنور وبعده الدنيا، وبقيت بين

عدد الصفحات ٣٤٠

جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 341 طرفي القائمة ثلاثة أمثال أحدهما للحق والباطل، اللذان احتاجا تكرارا معنويا لا كتكرار النور أو تكرار الدنيا، بل تكرار معنوي يتعلق بالمعنى فحسب، ولذلك جاء عقب مثل الحق والباطل في الامثال التجريدية مثل الكلمة الطيبة والكلمة الخبيثة، فكان الأولى مقابلة للحق، والثانية مقابلة للباطل، مما يزيد تجلية المعاني وتحليتها بالبيان أكثر وأكثر، ويلتفت هنا إلى أنَّ فكرة الحق وفكرة الباطل مآلها أن تتجسد في كلمة، وتنتهي في كلام، وهو ما يؤكد أنَّ اللغة ليست وعاءا للفكر بل هي الفكر نفسه خلافا لما يزعمه المستشرقون، ويدَّعيه المفارقون. وعقب هذين المثلين مثل الحق والباطل، ومثل الكلمة الطيبة والكلمة الخبيثة، جاء مثل الدنيا مجددا، لكي يتخلل في كلِّ مرة بين التقريرات المثلية للأفكار والمعاني والبيانات، مذكرا بأنَّ الدنيا فانية داثرة، وأنها غرارة ساحرة، فلا أهل الحق والنور والكلام الطيب ينخدعون بها فينزلقون في مهاوي زخرف الحياة ومفاتنها الباطلة، وهذا هو الترهيب من الحَور بعد الكَور؛ ولا الكفار والمنافقون يحسبونها خضراء نظرة فتبقيهم في تيارها الجارف حتى يهلكون، ومن ثمَّةَ لا تبقى لهم فرصة للرجوع، وهذا هو الترغيب في الكور بعد الحَور، والإنذار من التمادي في الجور، والتحذير لجميع الأصناف على الفور، فمراعاة لهذه الفورية كان مثل الدنيا يأتي في كل حين بين الأمثال ليعطي الموعظة ويجل يَ الحقيقة ويجدد التذكرة ويفتح بابا إلى التفكر والاعتبار.

عدد الصفحات ٣٤١

جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 342 الملحق الثاني قراءة مقارنة في ترتيب الأمثال القرآنية موضوعيا وترتيبها مصحفيا.

عدد الصفحات ٣٤٢

جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 343 في هذا الإطار نذكر نموذجين اثنين لفائدة الترتيب أوَّلُهما: النظر في ترتيب الأمثال على حسب ورودها في المصحف دون اعتبار اختلاف مواضيعها وتنوع مجالاتها، بحيث يكون التأمل متسلسلا والرؤية متابعة للنسق القرآني سورة فسورة، تبدأ بهذه ثم التي تليها، وتتعمق في مدى الروابط الكائنة بين الأمثال أوَّلا فأول، حتى تنتهي من عدَّتها جميعا، كاشفا في غمار ذلك عن علاقات الأمثال بعضها مع بعضٍ، واحدا تلو الآخر، وأسرار ترتيبها، والمقارنة بينها. بيد أنني ولضيق مساحة الرسالة لم أتتبعها جميعا لطول المقام، وكثرة الشرح واستفاضة التحليل، فإنَّ هذا في الحقيقة هو بحثٌ قائمٌ على حدة، لكنني أج تزئ بطائفة من الأمثال، واكتفي بمجموعةٍ منها مرتبة حسب ترتيبها في القرآن. ثانيهما: هو النَّظر في الأمثال باعتبار موضوعاتها لكن مع شرط تتبع مواردها في كتاب الله تعالى حسب ترتيبها في المصحف، فيستجلي البحث عددا منها في الموضوع الواحد، ثم يجعل ها م رَتَّبَةً كما هي في المصحف ويتأمل فيها مثلا فمثلا حتى يأتي على جميعها، محاولا في خلال ذلك المقارنة بينها، والكشف عن مزايا هذا الترتيب وفوائده، وما فيه من روابط أسلوبية بين الأمثال وإيحاءات دلالية رائدة، ومعانٍ مقتنَصَةٍ زائدة. فالأول في أسرار ترتيب الأمثال مصحفيا، والثاني في أسرار ترتيب الأمثال موضوعيا.

عدد الصفحات ٣٤٣

جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 344 أسرار ترتيب الأمثال مُصحَفِي ًا (قراءة مقارنة): كمثل الذي استوقد نارا .... صم بكم عمي فهم لا يرجعون ـــــــــــــ يعرفون ويحرفون = انعدام الإرادة. لا دين لهم. كمثل الذي ينعق بما لا يسمع ... صم بكم عمي فهم لا يعقلون ـــــــــــــ يجهلون فيحرفون = انعدام الفهم. لا عقل لهم. ــــــــــــــــــــ وبالتالي = المؤمن هو صاحب العقل والدين معا ـــــــــــــــــــ وهذا يفند تقديم العقل على الدين لأن الدين هو الأساس لكونه فطرة الله التي فطر الله الناس عليها، فلأن يكون الإنسان متدينا بدين باطل مستجيبا لنداء الفطرة في داخله والتي لا يجحدها أحد؛ خير له من أن يكون ملحدا أو منافقا لا دين له، فهذا قد سد باب القابلية فهو لا يرجع، بخلاف من لا عقول لهم فهم ربما يفهمون يوما فيرجعون، وذلك هو أساس التوبة التي تبنى عليها الخواتيم. فخطر المنافقين في الحقيقة هو على الدين، وخطر الكافرين بالتحديد على العقول، وهنا جاءت الشريعة لتصون الدين مقدمةً إيَّاه على حفظ العقل، جاعلة العقل مقدما على النفس، مصداقا لقول الشاعر: تهون علينا أن تصاب جسومنا *** وتحفظ أَعراضٌ لنا وعقول. ومعلوم أن العقل مقدم على العرض لكون حفظ العرض متوقفا عليه، إذ لولا العقل لاكتسح عرض المرء وهو يضحك!، وأمَّا ما يمثِّل به جمهرة الأصوليين من أن المرء إذا أوشك على الهلاك في بيداء مقفرة يشرب الخمر فيؤذي عقله حفاظا على نفسه ويقدم حفظها على حفظ عقله، فهذا لا يصلح دليلا لان الأذية قضية نسبية، فهو هنا لا يودي بعقله إلى الانعدام، كلا، غاية ما في الأمر أنَّ ه يغيبه تغييبا مؤقتا، فهنا يصلح التمثيل لقضية الجمع بين المصلحتين بارتكاب ضرر خفيف على إحداهما، وهذا لا يعني تأخير من أ لحق بها الضرر وتقديم الأخرى عليها، إذ هما على التحقيق قد نالهما ضرر معين، حيث إن المعدة التي هي

عدد الصفحات ٣٤٤

جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 345 بيت الداء واصله هي أيضا تتأذى بشرب الخمر و تتأذى النفس إذن، وتتضرر تبعا لها، وبالتالي فالعبرة بما غلب، من هنا فإنَّ موت المرء وذاب نفسه خير له من أن يعيش مجنونا بلا عقل، فيشقى وي شقي الناس معا، وهذا ما يمليه الفطرة على الناس، ويبينه القرآن حين قدم العقل على النفس كما في البيان السابق، فالنفس أصلا لا معنى لها بدون عقل، وأما إن ولد المرء مجنونا فلا يحق لنا قتله لكونه من المصائب التي يبتلي بها الله تعالى عباده، فوجب الصبر عليها ومقابلتها بالحسنى، ولله في ذلك الحكمة البالغة، وفرق بين وجود المصيبة وبين شرع الله في التعامل معها، فثبت بهذا التقرير أن العقل مقدم على النفس، وهو مذهب الشوكاني وغير ه. ثم أتى القرآن إلى حفظ النفس فلم يذكر مثلا تصويريا وإنما ذكر ما حدث للسابقين من المؤمنين بالأنبياء في الأمم الماضية وما جرى لهم من الحوادث العصيبة فصبروا، وصدر ذلك بذكر لفظ المثل فقال تعالىأَنْ تَدْخ ل وا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْت ك مْ مَثَل الَّذ ينَ خَلَوْا م نْ قَبْل ك مْ مَسَّتْه م الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء وَز لْز ل وا حَتَّى يَق ولَ الرَّس ول وَالَّذ ينَ آمَن وا مَعَه مَتَى نَصْ ر اللهَّ أَلاَ إ نَّ نَصْرَ اللهَّ قَر يبٌ ة: 214] الأعراض وأحكام الأسرة فأورد لفظ المثل فقال عز وجل ب الْمَعْر وف وَل لرِّجَال عَلَيْه نَّ دَرَجَةٌ وَاللهَّ عَز يزٌ حَك يمٌ 228.] وبعد ذلك جاء الحديث عن ا لكلية الخامسة من كليات التشريع وهي حفظ المال فقال تعالى س نْب لَةٍ م ائَة حَبَّةٍ وَاللهَّ ي ضَاع ف ل مَنْ يَشَاء وَاللهَّ وَاس عٌ عَل يمٌ261] وتعالى ما يذهب بركة المال ويمحق أجره بنهيه عن المن والأذى، ليضرب بعد ذلك مث عن الذي ينفق ماله ثم يأتي بما يجعل إنفاقه هباء منثورا، فقال تعالى ت بْط ل وا صَدَقَات ك مْ ب الْمَ نِّ وَالأَْذَى كَالَّذ ي ي نْف ق مَالَه ر ئَاءَ النَّاس وَلاَ ي ؤْم ن ب اللهَّ وَالْيَوْم الآْخ ر فَمَثَل ه كَمَثَل صَفْوَانٍ عَلَيْه ت رَابٌ فَأَصَابَه وَاب لٌ فَتَرَكَه صَلْدًا لاَ يَقْد ر ونَ عَلَى شَيْءٍ م مَّا كَسَ ب وا وَاللهَّ لاَ يَهْد ي الْقَوْمَ الْكَاف ر ينَ 264 .]

عدد الصفحات ٣٤٥

جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 346 فالمثل الأول لتنمية الأموال وتكثيرها، والثاني لدرء الم ضرات التي تصيبها، فالأول بمنزلة سقي نبتة المال لتكبر وت ثمر وتزكو، والثاني بمنزلة نزع الأعشاب الضارة التي تعرقل طريق نموها وانتفاعها، وهذا بتعبير الأصوليين حفظ لها من جانب الوجود أولا، ثم حفظ لها من جانب العدم ثانيا. لكنه سبحانه بين الأجر كما يعلو ويمحق، قد لا يعلو ولا يمحق بل يكون مرتبة من المراتب بين هاتين، فضرب لذلك مثلا بقوله وَ تَثْب يتًا م نْ أَنْف س ه مْ كَمَثَل جَنَّةٍ ب رَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَاب لٌ فَآتَتْ أ ك لَهَا ض عْفَيْن فَإ نْ لَمْ ي ص بْهَ ا وَاب لٌ فَطَلٌّ وَاللهَّ ب مَا تَعْمَل ونَ بَص يرٌ 265] بسبب وابل النية الذي ضاعف غَلَّةَ الثَّواب، فإن لم يكن وابل فطلٌ أي طلل وهو أقل من الوابل بكثير لكنه على كل حال يؤتي أكله وي نبت غلته وإن لم تصل غلى درجة الضعفين، من هنا قال فيمن بلغ ثوابه سبعة مائه ضعفا إنه ينفق ماله العميم لنفسه ولغيره حتى تكون نفقته سببا في دخول الناس إلى الدين وفي إحقاق كلمة الحق في جهاد الكافرين، لهذا ذكر المثل بعد ذكره المفاضلة بين الأنبياء واتباعهم الذين يحقون كلمة الحق بقتال المخالفين، ثم ذكر الإنفاقبْل أَنْ يَأْت يَ يَوْمٌ لاَ بَيْعٌ ف يه وَلاَ خ لَّةٌ وَلاَ شَفَاعَةٌ وَالْكَاف ر ونَ ه م الظَّال م ونَ 254] أشار بالبينات وجهاد البيان، ثم جهاد السيف والمقاتلة، ثم جهاد المال، وأورد بعد ذلك آية الكرسي وبين أنه لا إكراه في الدين وأن الله يخرج المؤمنين من الظلمات إلى النور مشيرا إلى إحياء قلوبهم بنور الهدى، ثم أورد مجادلة إبراهيم عليه الصلاة والسلام للنمرود فأعطى مثلا حيا للجهاد بالكلمة المذكور سابقا، ثم وضح سبحانه دلائل قدرته على الإحياء الذي نفاه نمرود جحودا، وشك فيه الذي مر على القري ة وهي خاوية على عروشها، وطمأن إبراهيم صلى الله عليه وسلم بأن أراه كيف تسعى الطيور الأربعة التي قطعت إربا إربا حتى وإن لم يره كيف أحياها إلا أنَّها أحييت بقدرة الحكيم القدير. فبعد ضرب المثل على جهاد الكلمة، ضرب مثلا على جهاد المال، من هنا كان الأجر عاليا إلى سبعة مائة ضعف، أما الذين أنفقوا ابتغاء مرضات الله فهم لم ينفقوا في سبيل الله

عدد الصفحات ٣٤٦

جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 347 أي في الجهاد من هنا تفاوت الأجران تفاوتا كبيرا، وكان بينهما شأو بعيد، فلما بين سبحانه الفرق في الأجر وعلو ذاك ودنو هذا، عاد إلى نهي عن تبديد العمل وإحباطه، بعد أن مثل المان والمؤذي بالمرائي الكافر الذي لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر، وأن عمله كتراب على صفوان يجرده وابل المطر منه تجريدا، ويتركه صلدا، فهذا نهي عن مشابهة الكافرين، ثم نهى عن مشابهة المنافقين، الذين هم كمن له جنة أصابها إعصار وذريته صغار، وهو محتاج إليه في كبره أعظم حاجة فذهبت عنه في لحظة. وفائدة تقديم النهي عن مشابهة الكفار عن مشابهة المنافقين هنا؛ هي مراعاة تركيب المعاني وملاءمة السياق، إذ المانُّ والمؤذي مجاهر بالسوء والجهر بالسوء أقرب إلى الكفر منه إلى النفاق، ثم إن عمل المؤمن المرائي جعله سبحانه كالوابل المذهب لتراب على صفوان، وذكر التراب نكرة بيانا لقلته، فالتشبيه في مرتبة، ثم الكافر في مرتبةٍ أكبر وأخطر حيث يسلط الله تعالى على زروعه بالكامل ريحا فيه صر، وريح في يوم عاصف كما في مثل آخر فلا يبقي منها شيئا، ثم المنافق في درجة أخطر وأخطر فهو في رمشة عين يأتيه إعصار فيذر جميع ما يملك يبابا محترقا. وهذا دليل على أن الإعصار – كما هو الواقع- أشد من العاصفة، كيف وهو فيه نار، وهنا جاء ذكر الإحراق وهو معنى زائد على مجرد ذهاب الشيء بعاصفة أو بريح، وهو ما يتلاءم مع أحوال المنافقين وطبائعهم التي تستدعي زيادة في العذاب، لذلك حكم الله تعالى عليهم بأنهم في الدرك الأسفل من النار، ولن تجد لهم نصيرا، إذ تربتهم لم تصبها ريح فحصدت ما عليها وألقته حتى وإن بقيت ال تربة صالحة للزرع كما هو المثل بالنسبة للكافرين، لا بل المنافقون حتى ترابهم قد احترق لما احترقت جنتهم المدعاة فلم تعد الأرض صالحةً لشيء، فهي وما عليها سواء في نزول البلاء وحلول الكارثة. وبالتالي فالمَشاه د الممثل بها والمواد اللفظية التي يبنى بها المثل في القرآن مطابقة جدا للمثَّل له، وهي فائقة الدقة في التصوير، لا كشأن الكتاب يمثلون بالشيء الواحد على الاشياء المختلفة، فسبحان الله رب العالمين، هذا؛ وإنما قلنا أن المثل في المنافقين لأدلة ذكرناها في موضع تحليلنا للمثل، وأنه ختم بالدعوة إلى التفكر كما يدعى أهل النفاق وأن مشاهده أقسى

عدد الصفحات ٣٤٧

جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 348 المشاهد وأرعبها على الإطلاق، وهو ما يتفق مع كون المنافقين أشد الناس عذابا يوم القيامة، فكذلك حالهم المصورة بالأمثال هي أرعبها وأقساها. "ولما كان كل من المؤذي والمرائي قد غطى محاسن عمله بما جره من السوء قال: {في ذكره لهذه الجملة وحدها أشد ترهيب للمتصدق على هذا الوجه ولما فرغ من مثل العاري عن الشرط ضرب للمقترن بالشرط من الإنفاق مثلاً منبهاً فيه على أن غيره ليس مبتغى به وجه الله فقال ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله و اليوم الآخر أموالهم في سبيل261 ]380.) ثم في قوله تعالىه ر ئَاءَ النَّاس وَلاَ ي ؤْم ن ب اللهَّ وَالْيَوْم الآَْخ ر فَمَثَل ه كَمَثَل صَفْوَانٍ عَلَيْه ت رَابٌ فَأَصَابَه وَاب لٌ فَتَرَكَه صَلْدًا لاَ يَقْد ر ونَ عَلَى شَيْءٍ م مَّا كَسَب وا وَاللهَّ لاَ يَهْد ي الْقَوْمَ الْكَاف ر ينَ 264] {مَثَل الَّذ ينَ كَفَر وا ب رَبِّه مْ أَعْمَال ه مْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ ب ه الرِّيح ف ي يَوْمٍ عَاص فٍ لاَ يَقْد ر ونَ م مَّا كَسَب وا عَلَى شَيْءٍ ذَل كَ ه وَ الضَّ لاَل الْبَع يد 18]. ففي هذين القولين، وهاتين الآيَتَين لفتةٌ بلاغية قيمة جميلة، ودقيقة جليلة، وهي أنه سبحانه "قال في آية البقرة سورة إبراهيم البقرة قي سياق الإنفاق والصدقة والمنفق معطٍ وليس كاسباً ولذلك أخ ر الكسب فقال يَقْد ر ونَ عَلَى شَيْءٍ م مَّا كَسَب وا الكسب" (381). فانظر إلى هذا التعبير ما أنصَعَه وأصفاه، وإلى هذا القرآن ما أبدعه وأحلاه، إنه التناسب الرقيق، والتناسق والانسجام الدقيق، والبيان العميق الرائع. "هذا التناسق لا يقف عند المشاهد فرادى. بل إنه ليمد رواقه فيشمل المشاهد متجمعة من بدئها في هذا الدرس إلى منتهاها.. إنها جميعاً تعرض في محيط متجانس. محيط زراعي! 380- برهان الدين أبي الحسن إبراهيم بن عمر البقاعي "نظم الدرر فيتناسب الآيات والسور" ت: عبد الرزاق غالب المهدي، دار الكتب العلمية - بيروت - 1415هـ- 1885م، ج1/518. 381- فاضل صالح السامرائي "لمسات بيانية في نصوص من التنزيل"، بدون، ص503.

عدد الصفحات ٣٤٨

جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 348 حبة أنبتت سبع سنابل. صفوان عليه تراب فأصابه وابل. جنة بربوة فآتت أكلها ضعفين جنة من نخيل وأعناب.حتى الوابل والطل والإعصار التي تكمل محيط الزراعة لم يخل منها محيط العرض الفني المثير. وهي الحقيقة الكبيرة وراء العرض الفني المثير.. حقيقة الصلة بين النفس البشرية والتربة الأرضية. حقيقة الأصل الواحد، وحقيقة الطبيعة الواحدة، وحقيقة الحياة النابتة في النفس وفي التربة على السواء. وحقيقة المحق الذي يصيب هذه الحياة في النفس وفي التربة على السواء. إنه القرآن..الكلمة الجميلة..من لدن حكيم خبير"(382.) 382- سيد قطب إبراهيم حسين الشاربي (ت1385هـ "في ظلال القرآن" دار الشروق - بيروت- القاهرة، ط 17، سنة 1412هـ، ج1/310.

عدد الصفحات ٣٤٩

جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 350 أسرار ترتيب القرآن موضوعيا (قراءة مقارنة): وأختار هاهنا المقارنة بين ثلاثة أمثال واردة في المشركين ومعبوداتهم، ذاكرا ما وقف عليه نظري الكليل من أسرار، محاولا المقارنة بينها واستجلاء الفوائد من ذلك أنى استطعت. يقول الحق تبارك وتعالى د ون اللهَّ لَنْ يَخْل ق وا ذ بَابًا وَلَو اجْتَمَع وا لَه وَإ نْ يَسْل بْه م الذُّبَاب شَيْئًا لاَ يَسْتَنْق ذ وه م نْ ه ضَع فَ الطَّال ب وَالْمَطْل وب 73]. سورة الحج وتمثيل الآلهة الباطلة بالعاجز عن خلق ذبابة فيه لا تستطيع ذلك رغم صغر الذباب وحقارته، داك الذي قال تعالى فيه رنته من طنين وهو ما يتلاءم مع صوت الذباب. ثم يأتي هذا الذباب الحقير إلى الآلهة ويتفوق عليها فيأخذ منها شيئا وهو غالبا ما يأخذ الطعام فلا تقدر على استرجاع ما أخذه منها وقد أحاط بها من كل جانب وحط على رأسها وهب بجناحيه عليها دون أن ترده عن إزعاجه، يا لها من آلهة، أتستحق هذه أن تعبد. إنها تذكرنا بقصة الصحابي الذي رأى أيام شركه ثعلبا يبول فوق رأس صنم من أصنامه المقدسة فإذا بنور الفطرة يلقي أشعته على عقله فتتنور بصيرة ليقلع رأسا عن هذه العقيدة الجاهلية والعبادة المزرية، والتقديس المشين ويعلن بالشعر مسجلا انطباعاته، ودافعه إلى توبته وهدايته: ربٌ يبــول الثعل بـان برأســه *** قد ذلَّ من بالت عليــه ثعالب . لو كانَ حقا كانَ يحمي نفسَه *** آمنت بالله الــذي هــو غـالب . فإذا كان هذا مثالٌ مع ثعلب فكيف بالتمثيل بالذباب، لا شك أنه أعمق وأدق وأرقى.

عدد الصفحات ٣٥٠

جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 351 والمثل يشنع على الذين يدعون غير الله من المعبوداتالمزعومة، ويطلبون منها المدد والسؤدد ويتوجهون إليها بسائر الأدعية والطلبات، فقبح الله فعلهم وصور آلهتهم في وضع مزرٍ وفي حالتين مضحكتين ، الأولى عجزهم عن خلق مجرد ذباب تافه لا قيمة له حتى ولو اجتمعوا لخلقه، نعمقهر الآلهة وسلبها ما تمل ك ه وكأنَّها تجري خلفه راكضة ولكن عَبَثا تحاول، ومن دون جدوى في جريها تواصل، إنها لا تستطيع استنقاذ شيء من هذا الجبار !! فكيف يتوجهون إليها بالسؤال وطلب النوال والاستجداء، وهي إلى هذا الحد من السخف والضعف والاستخذاء، لا جرم إنهم خائبون، كخيبة آلهتهم في الخلق والاستنقاذ، فهي لا تنفع حتى نفسها، أنى لها أن تنفع غيرها إذن ! إنَّ ه الضعف من الطرفينب والمطلوب جلب النفع ودفع الضرر باعجز العاجزين، ويضلون على حالهم المزرية ماسكين بخيوط العناكيب. فأيــنَ ه ــو اللُّ ــب أيــنَ ا للَّـب ــيب *** عجيبٌ غريب، غريبٌ عجيب ! وتأتي سورة العنكبوت لتصور بعد هذا المثل السابق الوارد قبلها في سورة الحج، ويقول الله تعالىالْعَنْكَب وت اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإ نَّ أَوْهَنَ الْب ي وت لَبَيْت الْعَنْكَب وت لَوْ كَان وا يَعْلَم ونَ 41.] فقد قال تعالى وهذا فعل ماضٍ اتصل به "تاء التَّأنيث للدلالة على المؤنث، والحقيقة الواقعية العلمية هي "إنَّ ذكر الع نكبوت لا يستطيع أن يبني بيتا، وإنَّ التي تقوم ببناء البيت هي أنثى العنكبوت فقط، من خلال نغزل خاص موجود في نهاية بطنها، ولا يوجد مثله عند الذكر، ... تقو الأنثى ببناء بيتها بخيوط منسوجة بتداخلات فنية وهندسية خاصة، بحيث تكون شديدة الحساسية لأي اهتزازات خارجية، .. وبعد أن تتم مرحلة الزواج وينتهي الذكر من تلقيح الأنثى، تذهب الأنثى إلى مكان بعيد آمن حيث تضع بيضها، وبينما الذكر في بيته يشعر بالأمان، إذا بالأنثى تنقضُّ عليه فتأكلَه، وهذا الاكل لا ب دَّ أن يتم،

عدد الصفحات ٣٥١

جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 352 حيث إنَّ أنس جَة الذكر مهمة في عملية إنضاج البيض 383.) فإذا كان من يأوي إلى هذا البيت وهو من جنس العناكيب يكون مصيره أن يلقى حتفه فيكف بمن ليس منه في جنس ولا طبيعة، إنهم المشركون الذين ليسوا من التوحيد في أنسٍ ولا شريعة. ومعلوم أنَّ بيت العنكبوت واهن وهنا شديدا، فهذا لا يجهله أ حد، وبالتالي فقوله تعالى أوهن البيوت لبيت العنكبوت وأكبره، وأنه وهن مطلق لا يضاهيه وهن أبدا، فإذا رددت المعاني بعضها على بعض ووصلت ما سبق مما لحق متجاوزا الجملة المعترضة ليظهر لك المعنى فهمت أن الله تعالى يقول إن الذين اتخذوا من دونه أولياء لا يعلمون أنَّهم لا ينفعون، كمثل تلك العنكبوت الأنثى التي اتخذت بيتا لا ينفع، فكان التشبيه من وجهين، شبه الله عز وجل الأصنام والأوثان والمعبودات من دون الله سبحانه ببيت العنكبوت، وشبه جل وعلا من اتخذ الأوثان والأصنام والقبور وليا له بالعنكبوت نفسها، فهذه حقيقته وتلك حقيقة معبوداتهم، لو كانوا يعلمون، ولكن الجهل داء وبيل، فهم لا يدركون حقائق الأمور، ولا يعرفون بواطنها، والنتيجة هي العمى والوهم والخيال. فقريش تعلم أنَّ بيت العنكبوت الذي يشبه الشبكة، لا ينفع، ولكنها لا تعلم أن الأصنام الحَجَر يَة، والقبور البشرية، لا تنفع. ثم إنَّ الله جل ذكر ه لم يقل "بنت بيتا" بل قالوأنى لها أن تبني، والبيت محل الستر، بينما بيتها مفضوحٌ مكشوف، ي رى من خارجه ما في داخله، أهذا هو البيت ! فيا للهوان؛ إنَّه أوهن البيوت على الإطلاق. فلو سقطت قطرةٌ من السماء لنفذت في داخلهن بل لهدمته وخرَّبته، فكيف بالرياح العاصفة، والشمس المحرقة، أيجدون فيه الظل الظليل، والمحل البارد والهدوء والسكينة، لأنَّهم وهم فيه كأنَّه م في العراء. فهذا تماما حال الآلهة المسكينة التي تعبد من دون الله يتوهمون عندها الحماية وهي لا تحمي حتى نفسها، ولا تكنف اللاجئ إليها بشيء مما 383- خليل إبراهيم أمين، أبو المنذر "بيت العنكبوت" دار المقتطف، الرياض، السعودية، ط1،1423هـ، ص18-18.

عدد الصفحات ٣٥٢