المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

جماليات المثل في القرآن الكريم دراسة أسلوبية

سعد قدور عيسات

صفحة ٢١ من ٢٤

جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 321 الخاتمــة

عدد الصفحات ٣٢١

جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 322 لقد انتهت الرسالة إلى أنَّ المثل في القرآن يقوم على الشَّ بَ ه والتناظر بين طرفين؛ لتتم بينهما المقارنة والمشابهة، ووَ جْ ه الشبه فيه منتزع من صور لا يمكن فصل بعضها عن بعض، لإنَّ كل تمثيل تشبيه، وليس كل تشبيه تمثيلا. والمثل قد يطلق على الصفة والحال والعبرة والآية والشبيه والنظير ، وعلى الصرف والذِّكر. وله مظهران، أحدهما أن يجيء المعنى ابتداء في صورة التمثيل، وهذا نادر قليل في كلام البلغاء، ولكنه كثير في القرآن الكريم كالمثلين المضروبين للمنافقين في مطالع سورة البقرة، وثانيهما هو ما يتأثر بالمعاني، ويجيء في أعقابها؛ لإيضاحها وتقريرها في النفوس. والمثل إنما يصار إليه لكشف المعاني، وإدناء المتوهم من الشاهد، وتشخيص المعنويات في صور محسوسة، فإن كان المتمثل له عظيما، كان المتمثل به مثله، وإن كان حقيرا، كان المتمثل به كذلك. إنَّ المعانى الكلية تعرض مجملة مبهمة، فيصعب على الذهن الإلمام بها، واستخراج سرها، والمثل هو الذى يفصل المجمل، ويوضح المبهم، فهو لذلك ميزان البلاغة. وأساليب تساق في الأمثال –كما يقول علي أح مد الطهطاوي - في صورة من الإعجاز البياني لأولى الألباب، حتى تكون صمام أمان من عذاب الله الذي أعده للكافرين، وتبرز تلك المعاني المجردة في صورة محسوسة، أو الأشياء المتخلية أو المتوهمة في صورة متحققة أو متيقنة من التمثيل الحركي أو القولي، حتى يكون لذلك صداه في نفس المتلقي أو المشاهد، فينطبع في ذاكرته، ويصل إلى قرار فؤاده، فلا يمحى على مر الأيام. ذلك أنَّ ها أمثال تتمتع بصفة الخلود، بل حتى موادها من كناية واستعارة، لا تستمد من أحوال متغيرة معرضة للزوال، بل من أمور ثابتة لا تغيرها تحول المجتمعات ولا صروف الدهر ولا تبدل الأحوال.

عدد الصفحات ٣٢٢

جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 323 وقد نظرت إلى الأمثال في صياغتها، فرأيت أن سوقها بهذا الأسلوب الفريد في نوعه وطريقته، يختلف عما عداه من الأساليب العربية المعهودة في ذلك الوقت، والمأثورة عن عصر الجاهلية قبل نزول القرآن الكريم، فلم يعهد في أسلوب القدامى الفصحاء والبلغاء أن أتوا بهذا النسق من الكلام الذ ي جرت به الآ يات القرآنية ف ي سوق الأمثال بخصائصها وطرائقها. ووجدت أنَّ قيمة الأمثال تتلخص في أنَّها مرآة ترى الإنسان وجهه وحقيقة نفسه، وما في حياته من أشياء، كما تريه ما خلفه من مناظر ومشاهد يعجز أن يراها بغيره، فهي مرآة صادقة للحياة. وفي القرآن الكريم نوع من أمثال خفية تمثل –كما قال السيوطي- القسم الثاني للأمثال القرآنية التي لا ذكر للمثل فيه، ولم ترد فيه حكاية الأمثال الشائعة، وإنما هي أمثال في نظر العلماء من حيث ما ورد فيها من معنى قريب الصلة بمعاني أمثال معروفة سائرة. والآية في المثل القرآني تبدأ بكلمة {مَثَل} التي تدل على الصفة والحالة، وتعرض المتمثل له مباشرة، ثم تعقب ذلك بكلمة مَثَل المكررة التي تفيد الحالة والصفة أيضا للمتمثل به، مسبوقة بالكاف الدالة على التشبيه، وهذا في أكثر الاستخدامات القرآنية، وقد اختير لفظ الضرب، كما عبر صاحب المنار لأنه يأتي عند إرادة التأثير، وهيج الانفعال، كأن ضارب المثل يقرع به آذان السامع قرعا ينفذ أثره إلى قلبه، وينتهي إلى أعماق نفسه. وقد يسرد المثل قصة كاملة في ثناياه وهو المثل القصصي، أو يعرض صورة مجازية مبسوطة جيء بها للإيضاح، والتصوير، أو قصد التأديب. وقد أدى استخدام المجاز واتساعه إلى كثير من ألوان البيان، بدءا بالتشبيه إلى الاستعارة بأنواعها المختلفة، وكلها إضافات جديدة للاستخدام اللغوى بدلالات اجتماعية ونفسية. ومما انتهيت إليه أنَّ م ن سمات المثل القرآني، الإطناب، وعمق الفكرة، وجمال التصوير، وهي العوامل التي جسَّدت ما كشفت عنه منَ القوة الإبلاغية العالية للمثل القرآني، وما أبنت ه م ن معماريته المتمَيِّزة عن جميع الماهيات النَص يَّة بمكوِّناتٍ بيانيَّة عجيبة وخصائص فريدة، تتمَثَّل في كونه يحمل رسالة معها موضوع جمالي، ويتمتَّع بال براعة التشخيصية وصدق المماثلة وتنوع الأغراض والإيجاز الفائق والمناسبة مع نسيج السورة وكونه امتدادا لها،

عدد الصفحات ٣٢٣

جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 324 واقترانه بالقصة واهتماده على الوضوح والتعليم وحسن الصوت والتفهيم،ومتانة الحجة والإقناع، والمقاصد النبيلة والتَّأثير البالغ والإمتاع والسرور. وتوصلت هذه ارسالة إلى الكشف عن آليات المثل المحددة في نوعين هما الآليات الداخلية المرافقة، والآليات الخارجية المسبَقة، وبيَّنت التلقي يحتاج إلى بناء الفهم على أرضية المقام، وإلى النظر اللساني في خصوص الحقل القرآني للمعنى اللفظي، مع تنوع زوايا النظر وتعددها، ورد المعاني بعضها على بعض وتجمُّع ها، والتعويل على المرقاب السياقي في الجو النسقي، وفضاء النسيج التعبيري، هذا في ابتداء عملية التدبر والكشف من الملاحظ والأسرار، وفيما يخص الآليات القبلية المسبقة فهناك حتمية توفر الثروة المعرفية العامة، و اللُّ غوية الخاصَة؛ وطول معاشرة النصوص لمزية التجربة والمراس المفيد في انتزاع دقائق المعاني واستخراج خفايا النكت من مكامنها، مع التقوى وطهر النفس لأنَّ القرىن عزيز في ذروة العز، لا يجود بجواهره لمدخول سريرة، أو سيء نية وفعال، بل قد يزداد ضلالا ولا يكون من المتهتدين، فانظر إلى لطيف مناسبة مجيء الآية الآتية في سورة التوبة دون غيرها من السور حيث يقول تعالى زَادَتْه هَذ ه إ يمَانًا فَأَمَّا الَّذ ينَ آمَن وا فَزَادَتْه مْ إ يمَانًا وَه مْ يَسْتَبْش ر ونَ ( 124) وَأَمَّا الَّذ ينَ ف ي ق ل وب ه مْ مَرَضٌ فَزَادَتْه مْ ر جْسًا إ لَى ر جْس ه مْ وَمَات وا وَه مْ كَاف ر ونَ 124-125]. وكان من نتائج البحث التوصل إلى الكشف عن النَّص باعتباره فضاءً ا له عتبات ه، وباعتبار أنَّ ا لقرآن له طريقته الخاصة في تأثيث هذا الفضاء وتوزيع مكوِّناته وترتيب ها، والتجوُّل بالفكر داخل النَّص فهما وتدبرا؛ وكونه المتلقي يجد فيه عتباتٍ متعدِّدَة وزوايا متنوعة من الفهم والنظر، إذا لم ينتبه مَن لم ينتَبه لها يتخطَّاها دون شعور، وإن لم يميِّز بين أنواعها وطبائعها أخطأَ أبواب النَّص وصار خارجه وإن كان قد دخلَ ه، ولكنَّه قبل الدُّخول إليه يرى العتبات البران يَّة التي تد لُّ على النَّص، وتكون كالممرَّات التي تتجاوز ها خطى النظر الفاحص حتَّى تتعرَّف على محيطه، ومن ثَمَّ يتسَنَّى لها إدراك جوانبه، وتحليل قوالبه، وفهم نكته وأسراره. فوضحت الرسالة كيفية الدخول إلى المثل عبر عتباته، وطريقة الولوج إلى ساحاته، بالمثال المبين، والعرض المتشبت بمحاولة الإجادة والإحسان.

عدد الصفحات ٣٢٤

جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 325 وقد انتهيت إلى أَنَّ الأمثال تسير وَفق السيرة القرآنية في التعبير فحين يه تم القرآن أكثر بأمر العقيدة ويعطي الأولوية لتوحيد الله تعالى في عبادته، تأتي الأمثال على هذا المنوال، فتهتم بالجانب العقدي أكثر من أي شيء آخر لأنَّ العقائد أساس الدين وأصل الملة وعليها تبنى الشريعة ويقوم المنهاج، فكم من مثل ضربه الله تعالى لتحطيم الشرك وإرساء دعائم النهضة العقلية الإيمانية التي تحسن التفكير فتحسن التدبير، وتحسن أن تتأمل فتهتدي إلى عبادة ربها وحده دون ما سواه، وتتعاقب موضحة هذا الحق، مقربة إياه إلى الأفهام والعقول، كيما يزدادون بيانا واقتناعا وفهما واتباعا، بالبراهين القوية، والحجج القطعية والأدلة الساطعة. ومن نتائج البحث المرصودة أن ترى خلال تتابع الآيات وما لها من نهايات، تشكيلات صوتية بحسب الفاصلة، وتراها تنصب في وحدة موضوعية فريدة، تتضح في كيفية اختيار المفردة -صوتاً ودلالة وبنية وحالاً - على طول السورة، بحيث لا ينبو عنها مثل ولا غيره، بل ينسجم ويتناغم، مما يحقق علاقات مترابطة داخل البنية الكلية للنص. كما توصلت إلى أَنَّ هناك هندسة رائعة متعلقة بالألفاظ والمعاني، وهندسةٌ صوتية متعلقة بالمقاصد والمباني، وهندسَةٌ أخرى تتعلق بناحية التشاكلات بين المثل الظاهر والخفي، والمثل السائر والغفل، والتي كشفت عن الفروق الموجودة بين كلٍّ منها، مع الإبانة عن التشاكل بين المثل الواقعي والمتخيل، والتنبيه على أسباب خلو القرآن من المثل الخرافي وأنه كتاب لا مكان للخرافة فيه بأي وجه من الوجوه، أو صورة من الصور، بل هو الواقعية التي تحدوها الموضوعية في أعلى مقاماتها. وقد شرحت الرسالة بالبرهان والتحليل الواقعية في القرآن وبينت أنها جامعة بين سرد الواقع كما هو في صورة بيانية مشرقة تزدان بالرومنسية وتفتح بابا للخيال حتى يعمل عمله بين السطور ملاءمة للنفس الإنسانية المختلفة التصورات والأخيلة كيما تضع كل واحدة لوحتها التي تؤثر فيها أكثر، بشرط أن يسيح الخيال في حدود المعقول ولا يتعدى رحاب الواقع، وتلك هي المقاربة الصعبة التي حققها القرآن في تمثيلاته وبيانه وبراعته في التصوير، بكل انسجام وإتقان، وعلى وجه التمام والتجانس والتكامل.

عدد الصفحات ٣٢٥

جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 326 ومن واقعية القرآن التي بلغتها الرسالة؛ مطابقة المعاني الحالة في الألفاظ كالجذوع، والمنتشرة حول اللفظ كالفروع وإيحاءات، والعالقة بالفروع كالثمار وإشارات، مطابقَةً صادقة مع واقع الحدث على وجه الدقة والتمام. كما بينت مقابلة المثل للقصة بتعالقات مختلفة انزياحية عدولية، وتشاكلية ضدية وتوافقية، وتعالقات واقعية ومتخليلة وتعالق بالتصوير وتعالق بالإيجاز، كل ذلك في إطار التعالق التكاملي والأسلوبي والجمالي المنبية عن كنه الإعجاز وصميم البلاغة وريحانها. كما توصلت إلى أنَّ المشاهد التي تصورها الأمثال في القرآن تتساوى تكام لا، وتتضافر تعادلا واقترابا؛ كي لا يذهب بالفضل مشهد دون آخر في الشيء الواحد وفي الموضوع نفسه، حتى وإن و جد تفاوتٌ ما فإنه مقصود لحكمة البيان العادل القويم، ذلك الذي يقيم بينهما حينئذٍ مقاربةً تصويرية صادقة، هي التي يعقلها العالمون ويرونها على حقيقتها ممثِّلَةً عينَ العدل. إنها بالعموم؛ معادلةٌ دقيقة في توزيع المعاني على جغرافية البيان، وأناقة خلابة في نظام ترتيب الألوان على لوحات فن الكلام، تلك هي ريشة القرآن الماهرة الساحرة التي هي أدَقُّ من لسان الميزان الذي لا ي خيس شعيرة واحدة ! أمَّا المشاهد التي يرام فيها التفضيل فذلك لتفاضل الأشياء الممثل لها ، فيتفاضل رسم المشاهد التمثيلية تبعا لذلك. فالمثل من شرطه العدل ولكن ليس من شريعته التساوي، إذ العدل هو إعطاء كل ذي حق حقه، فإذا تفاوتت حصص البيان، فذلك لتفاوت الممثَّلات التي يقع عليها القضاء البياني الحكيم، ومع ذلك لا تشعر وأنتَ تتلَقَّاه بالعقل والحس وال ضمير، وبكيانك كله سمعا وبصرا وشعورا؛ إلاَّ بأن البلاغة في مستوى واحد، وكانك تسير أفقيا في خط بيانيٍّ مستقيم، وذلك من المعادلات الصعبة التي لم يحققها سوى القرآن على ما أثبت الباقلاني، بل هي لم تخطر على بال الفصحاء البلغاء فضلا عن سعيهم الضائع لتحقيقها ! وأيضا توصَلت إلى أنَّ من القواعد العظيمة في التمثيل القرآني عدم تحاشي الأشياء الحقيرة لضرب المثل بها إذ ما دام في الدنيا حقارة وحقير فلا بد من ضرب المثل بما

عدد الصفحات ٣٢٦

جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 327 يتناسب مع ذلك ولو كان حشرة أو عنكبوتا أو بعوضة، فالأمر ليس مسألة موضة !، كما تراه عند جماهر من الكتاب الذين يتبعون غالبا ما يشيع في عصرهم، ويتأثرون بطرائق الكتابة والترسيل في زمانهم، وأساليب قرض الشعر وإنشاء القصيد، فمن شعر عمودي إلى توشيح إلى شعر حر قد حرَّر وه تحريرا !، إلى قصيدة النثر أخيرا !! أمَّا القرآن فهو الوحيد الذي جسد قضية الموازنة بين المرونة والثبات، أو الثابت والمتحول، كما جسدها في بنائه للشرائع والأحكام، كل ذلك بتمام الانسجام والتلاؤم. فضرب المثل بالأشياء الحقيرة هو عندما تكون الحقيقة كامنة فيها أكثر من غيرها، فالقصد هو البيان قبل خصوص الصورة، وبذلك تتجلى الأمور على وجهها، وتظهر في أحسن أمثالها، بخلاف ما تجده عند الكتاب من الإعراض عن التمثيل بالأشياء الحقيرة أنفة، والتعويل على مجرد المعاني أحيانا دون الأمثال، فإن في المعاني المجردة رؤية معنوية بخلاف الرؤية البصرية القريبة إلى العقل والمتجسدة في ميدان التمثيل، لكونه عرض للمعنوي في صورة المحسوس، إذ إن النفوس تبلغ درجة من الفهم بالمشاهدة لا تبلغها بدونها، ولذلك سأل كليم الله موسى صلى الله عليه وسلم رؤية الله، فليس الخبر كالمعاينة وما راء كمن سمعا. والأمثال القرآنية جاءت لتبني الإنسان وتلائم بين العقل والعاطفة، وتقوم الشخصية الإنسانية على ضوء هدى الله وشريعته وأنواره، فتناولت ثلاث شخصيات هي: الشخصية الإيمانية المنفعلة التي أخلصت في إيمانها بالله الواحد الأحد، وكان لها من صلاح العقيدة، وشفافية الروح، وما تجنى من طمأنينة نفس، وعمل صالح، واستقامة على الطريقة، وأخذ بسنة الأولين من السلف الصالح، واستغلال لإمكاناتها وطاقاتها في الاهتداء لداعي الإيمان، والفهم الواعي، والعلم المستنير، بكل ما دعا إليه الدين من الإيمان بالغيب، والقيام بأداء الشعائر، والإنفاق في سبيل الله، والتطبيق لأحكام الله والشخصية المناقضة الكافرة الجاحدة التي عاندت وأصرت على الكفر بالله، وبما أرسل من كتب وأنبياء، وألغت وظيفة حواسها، كما ألغت عقلها في الفهم عن الله، وابتعدت عن طريق الحق، وأظهرت العصيان لله، وتمردت عليه، فلم تستجب لدعوته.

عدد الصفحات ٣٢٧

جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 328 طريقان مختلفان، ومسلكان متناقضان يمثلان تلك النفس الإنسانية بالنسبة لدعوة الحق جل وعلا، مؤمن وكافر، يمين وشمال، كل فريق يجد جزاء عمله في دنياه وفى أخراه. والشخصية الثالثة هي المتذبذبة غير المتأدبة ، والملتوية غير السوية ، من أهل النفاق والماردين عليه، وهي الشخصية التي ما بين الطريقين والمسلكين من اتجاهات تميل مع هذا مرة، ومع الآخر مرة أخرى، وهذا هو ما أتى المثل القرآني ليعرضه أمام أعيننا، وليبسط حقيقته، فهو ما تحار العقول في فهمه، وما يلتبس على الجميع شكله ومظهره، ويبدو على سطح الحياة متحكما في سيرها، متقلبا في أوضاعها المختلفة، حقيقة هذه النفس الملتوية التي كانت وما زالت وستظل أشد خطرا على المؤمنين في كل وقت وحين، وعلى كل دعوة بناءة، وأمام كل إصلاح طريق هدم وتعطيل، يسلط المثل على هذه النفس الضوء ليحذر المؤمنين من أعمالهم التي تهدف إلى تخريب المجتمع { [4.] وإنِّي قد استنتجت أنَّ هذه الأمثال الشخصية هي أمثال تقوم على التخصيص والتجسيد لأنماط الناس في المثل القرآني، وتقابلها الأمثال الفكرية القائمة على التعميم والتجريد بحيث تتناول الفكرة في حد ذاتها مجردة، بصرف النظر عن كونها متعلقة بنمط من الأنماط البشرية، وإن كانت الشخصيات هي التي تجسدها في واقع الحياة وفي دنيا الناس، لكون الفكرة أصوات معنوية داخل النظام اللساني تحتاج في ظهورها خارجيا إلى البوق الإنساني الذي يمثلها ويكون وعاءا تطبيقيا لها، وكيانا حركيا عمليا في وجودها المنظور. وقد ذكر القرآن سبعة أفكار هي: فكرة الدنيا، وفكرة الحق، وفكرة الباطل، وفكرة النور، وفكرة الظلمات، وجسَّد ذلك في الكلمة الطيبة والكلمة الخبيثة، على وجه المقابلة والتناظر، وبالرُّ غم من أن النور هو الحق نفسه ولاظلمات هي الباطل بعينه، إلاَّ أن الاهتمام بالتصوير الجمالي والتشخيص البياني في القرآن آثر وصف الحق بالنور وإفراده بالتمثيل لي ظهر أنه نور خالص شامل لجميع الجوانب، وأنَّ ذات الحق والشرع والهدى نورانية أصلية، وأن جوهر الباطل ظلمات متراكمة حالكة. أمَّا الجنة فلمَّا فكانت في سياق الحديث عن جزاء المتقين لا لأجل تمثيلها مجردة خصَّها

عدد الصفحات ٣٢٨

جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 328 الله تعالى بالتمثيل لهذا الغرض، والعلم عنده سبحانه ، فكان وضعها في الأمثال الخاصة بالمؤمنين أولى، بخلاف الدنيا التي جلي الله تعالى حقيقتها في نفسها حتى لا يأخذ الناس الغرور من تلك الطوائف الثلاث جميعا ويرعووا ويعتبروا، ويكونوا من المهتدين، بيد أنَّ الآخرة لم يقل عنها مثلا خاصة فهي في ناحية الأمثال كقصة موسى عليه الصلاة والسلام في القصص إنما جاءت متنوعة متكررة لا في سياق واحد وسردٍ جامع يوردها مرة واحدة، فالآخرة شأنها هكذا فقد وردت في كثير من الأمثال مبينة عاقبة المؤمنين ونهاية الظالمين وحال أعمال الفريقين وأظهرت ما يصير إليه المنافقون وما عليه يكونون يوم لا تكليف ولا عمل، ثم هل الجنة إلاَّ مثلا من الآخرة وفصلا من فصولها، وهل الآخرة إلاَّ دار جزاء وقد بينه الله تعالى كثيرا وعلى أوجه عديدة ومختلفة في الأمثال القرآنية الرائعة. ومن النكت البديعة أنَّ الآخرة ليس لها مَ ثَ لٌّ لها على حدة لأنها دار حساب وعقاب، ودار جزاء وثواب ليست محل العمل، والأمثال إنما يراد بها إقامة الحجة وبيان الدليل وإنارة الطريق وأخذ العبرة وإثارة المشاعر وتصوير الخير والشر للبيا ن والموعظة، والتذكير والبصيرة، كل ذلك محله الحياة الدنيا فإذا مضت فقد مضى، وإذا ارتحلت فكل شيء قد انقضى، ولم يبق إلاَّ موافاة الملك الجليل، فمن آخذ أجره الجزيل، ومن نائل عذابه الوبيل. لهذا جاءت عن الدنيا أمثال ولم تأت عن الآخرة، فليعتبر أولو النُّهى والأبصار. وكان من نتائج البحث؛ رصد جملةً من الفوائد باست عمالي المنهجين "الدْياكروني" (=التاريخي)، والمنهج السَّانْكْروني (= التَّزام ني) كما في المثل الذي ضربه الله تعالى لليهود في التوراة، وللنصارى في الإنجيل عن الصحابة رضي الله عنهم أتباع محمد صلى الله عليه وسلم. كما انتهيت إلى التسويغي العلمي لكثيرا من العلاقات بين الدال والمدلول، لدى تناولي العلامات اللغوية المتهاطلة كالمطر في الأمثال القرآنية، ممَّا كفكف من غلواء الاعتباطية، من جهة؛ وأظهر شيئا من فضل العربية على سائر اللغات في هذه الناحية بالخصوص؛ من جهةٍ أخرى.

عدد الصفحات ٣٢٩

جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 330 وخرج البحث بنتيجةٍ مفاد ها أنَّ الصورة في القرآن كاملة التأثير بما ترسمه من كلمات تتوفر فيها عناصر اللون، والحركة، والصوت، والتي تجمع كلها على إبراز مكونات الحالة الأولى المتمثل لها المشبه بالحالة الثانية المتمثل بها المشبه به، إلى تلك الصورة الرائعة بمكوناتها وتأثيراتها المختلفة التي تصدق عليها، وعلى غيرها مما تنطبق عليه هذه الأحوال. إنَّ أعظم ما استفدناه هو تحصيل اليقين القلبي، وتوفير التصور المعرفي الذي يتحقق من الأمور ولا يمضي فيها كشأن المقلدين؛ أنَّ القرآن: كتاب هدايةٍ. وكتاب بيان. إنَّه لا كلامَ كالق رآن، فهو كما ي صَوِّر ا لمعاني بالألفاظ الواضحة المباني والموحية المعاني والمتقابلة في الدٍّلالة بالتَّنويع؛ يَزيد الأمر بيانا بالحركات على وفقٍ متناسقٍ مع المعنى بديع، م حَصِّلٍ للفهم و التَّمتيع، كما ي جلي الأمر أيضا بالأصوات والنَّغمات والأجراس. ولو قدر لأجنبي غير مسلم أن يعي كما وعى الباحثون بصدق وعن إحساس وشعور بعد دراساتهم البيانية عن القرآن الكريم، وما لاقوه من انطباعات علمية اتجاهه؛ لآمن على الفور. ولقد توصلت في ترتيب الأمثال في القرآن الكريم، ترتيبا م صحَف ي ًا وترتيبا موضوعيا؛ إلى ح كمٌ ولطائف ونكت بديعة، تناولنتها بالشَّرح والبيان، وكشفت اللِّثام عن بعض أسرار القرآن في هذه الناح يَّة الرائعة من فن يَّته. ويجب القول أنَّ ضيق مساحة رسالة الماجستير لا يمكن أن تتسع لنظرية المثل المستدعية مزيدا من القول والتنظيم والترتيب، وكثيرا من البحث والفتش والتنقيب، وتقييد الفوائد والمسائل الجليلة، والنكت واللَّطائف القرآنيَّة الجميلة، وجعلها في قالبٍ واحدٍ يجمع بينها عن طريق دقة النظر والدَّأب على إنعامه، ومحاولة تدقيقه وإتمامه.

عدد الصفحات ٣٣٠

جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 331 إنَّ القرآن يتفجر بالبيان، ويتهاطل بالتصوير، وتح دوه البراعة تتبعها الغزارة، وتجيء اللطافة خلفها التنويع، وما أنا في هذا الخ ضَمِّ الرفيع؛ إلاَّ كناقل التمر إلى هجر، وإلاَّ كما جاء صدر بيتٍ، جئت - لعَجْزي -؛ ب عَجز ه: كم هدٍ إلى البركان نار الحباحب ** "ومعطٍ بحارا قطرَ سؤر المشارب". والخلاصة؛ أَ نَّ ب نيَةَ المثل في القرآن الكريم تتنوع م كوِّنات ها، وتتفاعل فيما بينها على وجه الإيحاء العميق، والتناغم الدقيق، والتعالق الماثل، عاملةً في المعاني بالتشخيص والإبراز، والتفجير والإفراز، منتجَةً بمستواها التركيبي ترتيباتٍ أنيقةً للعلامات اللغوية بحيث تن بع منها مدلولات صافية، وتتفجر من بينها عيون الصُّور، وتترادف في سمائها سحب الخيال منهمرةً وابلة، تتدفق وتسيل، وتعطي لك البيان ومعه الدليل، واضعةً إياك في قلب الحدث، وفي مكامن الشعور، وفي ل بِّ المشهد، بذبذباتٍ صوتية جميلة، سائحَةٍ مجنِّحَةٍ كالأثير، وتموجات ف ون يم يَّةٍ وم رْف يم يَّةٍ ( 378) باهرة، وإشراقاتٍ يطفح بها التعبير وبعد ؛ فهذا جهدي قد عرضت ف يه بضاعتي للامتحان، وَع نْده يكرم الْمَرْء أَو يهان، على أنني رَاض ب أَن أحمل الْهوى *** وأخل ــصَ م نْ ـه لاَ عَل ـي وَلاَ لي ـا. وفي الأخير؛ لا أستطيع أن أترك القلم دون أن أحمد الله كفاء ما وفق، وليتني أستطيع. ليتَ ليتَ ! والحمد لله رب العالمين. عيسات قدور سعد. 378- من الخطأ قول بعضهم: "م وْ رْ ف يم"، بإثبات الواو السَّاكنَة، ن طقاً أو كتابَةً ، لأَنَّ اللغة العربية ترفض التقاء السَّكاكنَين.

عدد الصفحات ٣٣١

جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 332 المــلاحـــق 1 - قراءة إحصائية في الأمثال الشخصية والأمثال التجريديَّة 2 - قراءة مقارنة في ترتيب الأمثال القرآنية موضوعيا وترتيبها مصحفيا. 3 - قصيدة في الإعجاز القرآني

عدد الصفحات ٣٣٢

جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 333 الملحـق الأول قراءة إحصائية في الأمثال الشخصية والأمثال التجريديَّة.

عدد الصفحات ٣٣٣

جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 334 أوَّلا: ال قراءة الإحصائية في الأمثال الشخصية: إنَّ القرآن دواء الإنسانية الأكبر، ووقايتها المثالية، لذلك جاءت الأمثال القرآنية تجمع بين خاصيتي الوقاية العلاج، فقامت على جلب المصلحة ودفع الضرر الواقع والمتوقع، وقدمت دفع المفسدة على جلب المنفعة، فاهتمت بشكل أكبر بالكافرين لدفع السوء المحدق بهم، والمقبل منهم، فكان ذلك فائدة للمؤمنين، بوضع السياج الواقي من الأخطار إذ هداية الكفار والاهتمام بهم هو نفع لهم عن طريق العلاج، وهو في الوقت نفسه وقاية للمؤمنين بإزالة ضرر أهل الشرك والكفران، فاهتمام بالكفار ينطوي على اهتمام بالغ بالمؤمنين وقائيا، ومعلوم أن الوقاية مقدمة على العلاج في سلم الأولويات الإصلاحية ومناهج التعيير الأمثل للبشرية كيما تهتديَ وتستقيم، فتأمَّل. ثم جاء الاهتمام بالمؤمنين علاجيا من ناحية تقوية الضعف واستكمال مراتب الإيمان، والعلاج مرتبة حتمية بعد الوقاية، وذلك لهم نور على نور. أمَّا المنافقون فكان الاهتمام بهم في المنزلة الثالثة، لذلك قلت عدد الأمثال فيهم، حتى وإن كان أول الأمثال القرآنية إنَّما ورد فيهم لشدة خطورتهم، ولكن لما لم يكونوا من أهل الفاعلية والتفاعل بل من أهل الاستتار والتخاذل لم يكن سبيل إلى مناقشتهم ومحاولة هدايتهم والأخذ والعطاء معهم جدليا كي يستنيروا بنور الله. وإذن؛ فالكفار قدمهم الله تعالى في المرتبة الأولى مراعاةً لوقاية المؤمنين، وقدمهم على المنافقين لأنَّهم من أهل التفاعل والجدل والأخذ والرد مع أهل الإيمان، فهم يبدون معارضتهم ويظهرون خلافهم، ويلقون بما لديهم من شبه وأفكار وقضايا وأسرار، حتى يأتيهم البيان الكافي والدواء الشافي والأنوار، عكسَ حال المنافقين الذين يوصدون كل أبواب الحوار، لكونهم يرون أن المؤمنين سفهاء وهل عاقل يستمع لسفيه، كلا، لذلك انعدمت عندهم القابلية أصلا للاستماع، من هنا جاء فعل قال مبنيا للمجهول في قوله تعالى: { أي المؤمنون

عدد الصفحات ٣٣٤

جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 335 13] إلى الإيمان قطعوا معك التواصل رأسا، وأوقفوا رسالك زاعمين أنهم مؤمنوا فلتوجهها إلى وجهةٍ أخرى، ولتخاطب بها أهل الكفر أما نحن فيما يدعون فقد آمنا14]ي فائدة تجنى من تكثير الأمثال لهم، بخلاف الكفار الذين قد تنفعهم فيبصروا، ويحسنوا استماعها فيعتبروا، ويكونوا من التائبين. فمما قرره القرآن أنَّك إذا كنت بين شخصين أحدهما له قابلية الاستماع لمواعظ القرآن وتعاليمه، والآخر معرضٌ، فالواجب الاهتمام بالأول قبل الثاني، وهو ما جسدته سورة عبس في قوله تعالى5) فَأَنْتَ لَه تَصَدَّى 6) وَمَا عَلَيْكَ أَلاَّ يَزَّكَّى 7 ) وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى 8) وَه وَ يَخْشَى 8) فَأَنْتَ عَنْه تَلَهَّى 10) كَ اهتم بالراغب قبل الهارب، والجائي قبل النائي، وبالمقبل قبل المدبر، بحيث تكون المنهجية في الأولويات على هذا الترتيب. والآيات التي بينت أين تصب الدعوة أوَّليا، ولمن تتجه قَبل ي ً ا -في سورة عبس- إنَّما وردت في حق مؤمن قد اهتدى واستجاب، بيد أنه يريد الازدياد من الهدى فيرغب ويجيء مقبلا متسارعا، وهو ابن أم مكتوم رضي الله عنه وأرضاه، لكن النبي صلى الله عليه وسلم لرحمته ولين قلبه وعاطفته قدَّرَ أنَّ هذا قد اهتدى فالأولى بالدعوة أولئك الذين لم يهتدوا أصلا، ولكن الله عز وجل بصره ونوره، وأبان له عن المنهجية المثلى والقاعدة الحسنى في الترتيب المتعلق بالأنماط المستهدفة دعويا، فجعل المؤمن الراغب أولى من الكافر الهارب الذي لا نعلم أيهتدي أم يلح في أعراضه، ويتمادى في ضلاله، لذلك قال تعالى مبينا العلة {عبس7]بما ينتفع و3) أَوْ يَذَّكَّر فَتَنْفَعَه الذِّكْرَى عبس: 3-4] هي في مظ نَّة التحقق، على المصلحة التي جانب عدم حصولها أرجح من جانب الحصول فالآيات وإن كانت في حق المؤمن، فهي إنما تفيد المعنى الكلي والعلة التي لأجلها يلتفَت إلى هذا قبل ذاك، وهي القابلية في الأول، وعدمها في الثاني، وإذ الأمر كذلك فبين الكفار والمنافقين بون شاسع، إذا فهؤلاء يقبلون يلقون السَّمع لبيان القرآن وينساقون وراء

عدد الصفحات ٣٣٥

جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 336 حواراته، والمنافقون يغلقون جميع المنافذ التي يدخل عليه الحق منه ا، فالكفار أولى بالاهتمام كونهم مظهرين لاعتقاداتهم مجادلين عنها ومنافحين، فالحوار قد ينفعهم ومواعظ الأمثال وهداياته قد تؤثر فيهم ماداموا يحتكون بها وتمر من آذانهم فربما بلغت شغاف بعض القلوب، وبالتالي فالمصلحة المظنونة الوقوع أولى من التي الظن هو عدم وقوعها كما هو الحال المظنون بأهل النفاق. من هنا تعلم أنَّ القرآن ينظر للمصلحة قبل كل شيء، فرب كافر أقل خطر من المنافق لكن الاهتمام يكون بهذا الأقل خطرا لرجاء هدايته، حتى يتقوى به على من بقي من أهل الخطر المتربصين بالمؤمنين، المخططين فقط للشر كون هم أوصدوا كل أبواب الخير فلا يدخل قلوبهم نفع ولا ترجى منهم مصلحة بالقياس إلى من هم أقل منهم خطرا، وأدنى منهم ضررا وفسادا. فالعبرة دوما بتحقق المصلحة ولو فيمن مفسدته أقل بالنسبة إلى من مفسدته أكبر وأعظم. فلأن تتكلم مع من يستمع لكلامك حتى وإن أعرض مع احتمال استجاب ته، أفضل من تضييع الوقت مع من يغلق باب الكلام في وجهك حتى وإن كان أخطر من الأول، إذ المنافق عدو داخلي يتظاهر أنه من أهل البيت وأوليائه وهو في الحقيقة من أخطر أعدائه، فالتشاغل بالعدو الخارجي التي يريد اقتحام البيت مع إمكانية صده ورده؛ أفضل من السعي الضَّائع مع عدو سري لا تحدد شخصَه فضلا عن أن تصد كيده بسهام الحوار وتستميل قلبه بالموعظة، وإلاَّ فالمشتغل به لا العدو الداخلي قمع، ولا العدو الخارجي ردع، ذلك مثل الأمور العويصة والأعوص لا يترك الحكيم معالجة العويص المرجو علاجه ويتصارع مع الأعوص الذي لا يرجى علاجه إلاَّ قليلا. والحاصل أنه إن كان الأعوص أخطر، فالنفع أقل، وإذا كان العويص أدنى خطورة فالنفع فيه أكثر، والنابه يقدم الاهتمام بالأكثر منفعة، لا بالأكبر مضرة، إذ كانت المصلحة حينئذٍ أرجح من دفع المفسدة، أمَّا حين التساوي فدرء المفسدة مقدم على جلب المصلحة، وهي منهجية القرآن التي حققها في نظرية الأمثال.

عدد الصفحات ٣٣٦