المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

جماليات المثل في القرآن الكريم دراسة أسلوبية

سعد قدور عيسات

صفحة ٢٠ من ٢٤

جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 305 المثل المضروب للكلمة الطيبة والكلمة الخبيثة: يقول الحق جل وعكَيْفَ ضَرَبَ اللهَّ مَثَلاً كَل مَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْل هَا ثَاب تٌ وَفَرْع هَا ف ي السَّمَاء ( 24) ت ؤْت ي أ ك لَهَا ك لَّ ح ينٍ ب إ ذْن رَبِّهَا وَيَضْر ب اللهَّ الأَْمْثَالَ ل لنَّاس لَعَلَّه مْ يَتَذَكَّر ونَ ( 25) وَمَثَل كَل مَ ةٍ خَب يثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَب يثَةٍ اجْت ثَّتْ م نْ فَوْق الأَْرْض مَا لَهَا م نْ قَرَارٍ (26) ي ثَبِّت اللهَّ الَّذ ينَ آمَن وا ب الْقَوْل الثَّاب ت ف ي الْحَيَاة الدُّنْيَا وَف ي الآْخ رَة وَي ض لُّ اللهَّ الظ ال م ينَ وَيَفْعَل اللهَّ مَا يَشَ اء24-27.] يبدأ الحق سبحانه بإثارة الأذهان وإحداث التوقان إلى الرؤية، ومعلوم أن شوق المرء إلى الرؤية أكثر من شوقه غلى السماع، ذلك أن الخبر ليس كالمعاينة، وما راءٍ كمن سمع، فيأتي بأم الاستفهام وهي الهمزة، فيقول إنه التشويق إلى شيء قد مضى وفات، فهل تجب أن تراه ولو خبرا في صورة سمعية، ثم إنَّ هذا المسموع يتعجب منه أكثر في كيفيتهن فهي التي يبنى عليها تصوير الأشياء، فالكيفية أي صورة الشيء وهيئته هي محل الإعجاب، لذلك تجد الناس يتفاوتون في الجمال بقدر كبير، ولكنهم لا يتفاوتون ف ي عدد الأعضاء وفي الهيكل العام وفي صورة الجسم الخارجية التي يستوي فيها كل إنسان، ولكن دقائق التفاصيل من شكل العين ومقدار طول العضو وكيفية تصويره بطريقة معينة هي مثار الجمال ومكمن التفاوت بين الناس في حسن الصورة وبهاء المنظر، فالكيفية هي مثار الإعجاب لذلك قال تعالى النفس حينئذٍ أشد انتباها لما سيأتي من كلام. وقوله نفي في سياق الكلام؛ ليس كعدمه في هذا المقام، إذ الذي يقال له "لم تر" فيه تسريبٌ خفي للنفس يشعرها بعدم الرؤية التي كان ينبغي أن تراها، فهو حينئذ يزداد حرصا على أن يمتثل ويشاهد هذا الذي لم يره، بخلاف قوله أرأيت فإنه ليس فيه حرف نفي وإنما هو استفهام مجرد، وكذلك "أما رأيت" فهذه وإن كان فيها حرف النفي "ما" إلاَّ أنَّ "لم" هي أ مُّ أدوات النفي، لاسيما وأنها تجزم، فمعنى الجزم ماثلٌ فيها، لذلك فالذي تخاطبه وأنت تعلم علم اليقين انه لم ير، لا تخاطبه بحرف "ما" الاستفهامية لأنها ليست أدل على واقعك من

عدد الصفحات ٣٠٥

جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 306 العلم اليقيني به، لهذا كان من دقة القرآن أنه قال "لم" لكون الله تعالى الذي لا تخفى عليه خافية، يعلم بما لا مجال للشك أن محمدا لم ير الشيء الذي يريد الله تعالى أن يريَه إياه، فتأمل كيف ذكر أم الاستفهام وهي الهمزة، وأم النفي، وأم أدوات الجزم لتوافقها مع عدم الرؤية المنفية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي ذلك كله يكمن التصوير الذي يتدفق منه الاستعجاب المراد من القرآن في سياقه. ثم قالكون أقوى على إثارته مرة أخرى في شعاب النفس فتهفو من أعماقها لتلبيه، إذ المثل الذي يضربه الله ليس كمثل يضربه مخلوق من المخلوقات ولو كان نبيا من الأنبياء، فكلمة على التعبير وتغمره من داخله فإذا هو يفور بالمهابة والحسن والإجلال. ثم قال: {وإنَّ الكلمة هي الجملة الرائعة المفيدة السديدة، وأحسن ما يوصف به الكلام، أن يكون طيبا، والطيب نوع من أنواع المسك والروائح التي يتعطر بها أهل النظافة والحسن، ممن زكت أنفسهم وطهرت أفواههم فكانَّ الطيب يخرج من بين شفاههم، والإلماح إلى الطيب أفضل من قول الناس "إنَّ كلام فلان كالعسل" ؛ ذلك أن للطيب رائحة زكية منتشرة تشرح النفس ولو دون مباشرتها أو ذوقها بخلاف العسل الذي يحتاج إلى وصفه بالصفاء لأنَّ غير المصفى منه ليس جيدا، لهذا لما ذكر الله تعالى العسل في وصف الجنة قالى15]. فوصفه بالصفاء، أمَّا الطِّيب فليس محتاجا لوصف كهذا، فهو إذن؛ في وصف الكلام أحسن وأفضل، والكلمة هنا هي التي تمتد عروقها في باطن القلب وإن ظهرت على اللسان، وذلك ينطبق أكثر وأكثر على كلمة التوحيد، فهي أفضل الكلام وأحسنه وأطيبه. وقد ضرب المثل لكلمة التوحيد بالشجرة على جهة التشبيه المقلوب، فالمشبه به هنا أدنى من المشبه لأن الشجرة مهما كانت من أحسن الشجر وأجمله وأنظره، ومن أغناه وأثمره، إلا أنه لا يمكن بأي حال أن يكون مثل الكلمة التي بَ يَّ ن شأنها الحديث النبوي، فَعَنْ عَمْر و بْن ش عَيْبٍ ، عَنْ أَب يه ، عَنْ جَدِّه ، أَنَّ النَّب يَّ صَلَّى اللهَّ عَلَيْه وَسَلَّمَ قَالَ: «خَيْر الدُّعَاء د عَاء يَوْم عَرَفَةَ، وَخَيْر مَا ق لْت أَنَا وَالنَّب يُّونَ م نْ قَبْل ي: لاَ إ لَهَ إ وَحْدَه لاَ

عدد الصفحات ٣٠٦

جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 307 شَر يكَ لَه ، لَه الْم لْك وَلَه الحَمْد وَه وَ عَلَى ك لِّ شَيْءٍ قَد يرٌ »364)، ولاسيما وأنها هي كلمة التثبيت التي وردت في هذا المثل أرشده النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذه الكلمة حيث قال "من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة" ()، فهي كلمة التوحيد، وهي دعوة الحق (365)، وهي كلمة التقوى366)،، كلمة الصواب (367)، والكلمة الباقية368)، والعروة الوثقى368)، وما دام أن الله تعالى قال الخصوص كقوله عز وجل إ يمَانًا وَقَال وا حَسْب نَا اللهَّ وَن عْمَ الْوَك يل 173]. فالناس هنا ليسوا كلهم وإنما المقصود بعضهم، والذي أميل له أن المقصود هنا الجمع بين العموم والخصوص، إذ كلمة لا إله غلا الله تدخل دخولا أوَّليا في المقصود، فلها الأولوية التامة المطلقة، لكن الكلمات الأخرى وتشمل كل كلام الخير يدخل في المراد، لأنَّ المقاصد نوعان: أصلية، وتبعية، فكلام الخير أجمعه هو من المرادات التابعة لكلمة التوحيد، لأنها تبنى عليه، فهي تشمل لا إله إلا الله وما يترتب عليها من كل كلام حسن وجميل ونافع 364- محمد بن عيسى بن سَوْرة بن موسى بن الضحاك، الترمذي، أبو عيسى (ت 278هـ) "سنن الترمذي" ت: بشار عواد معروف، دار الغرب الإسلامي، بيروت، سنة: 1888م، رقم3585، ج5/464، وصححه الألباني في "مشكاة المصابيح" محمد بن عبد الله الخطيب العمري، أبو عبد الله، ولي الدين، التبريزي (ت: 741هـ) ت: محمد ناصر الدين الألباني، نشر لمكتب الإسلامي، بيروت، ط 3، سنة1885م، رقم2588، ج2/787 . 365- وذلك لقوله تبارك وتعالى{ :يْه إ لَى المَآء ل يَبْل غَ فَاه وَمَا ه وَ ب بَال غ ه وَمَا د عَآء الكَاف ر ينَ إ لاَّ ف ي ضَلاَلٍ 14.] 366- كما قال الرب عز وجلفَأَنْزَلَ اللهَّ سَك ينَتَه عَلَى رَس ول ه وَعَلَى الْم ؤْم ن ينَ وَأَلْزَمَه مْ كَل مَةَ التَّقْوَى وَكَ ان وا أَحَقَّ ب هَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللهَّ ب ك لِّ شَيْءٍ عَل يمًا [ }26]"روي عن ابن عباس- رضي الله عنهما - أنَّه قال: "العهد: شهادة أن لا إله إلا الله، ويتبر أ إلى الله عز وجل من الحول والقوة، وهي رأس كلِّ تقوى" رواه الطبراني في الدعاء (3/1518. ) 367- وذلك مصداقا لماروى علي بن طلحة، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله تعالى وَقَالَ صَوَاباً الدعاء (3/1520.) 368- هيالكلمة الباقية التي جعلها إبراهيم الخليل عليه السلام في عق ب ه لعلهم يرجعون، قال الله تعالى لأ َب يه وَقَوْم ه إ نَّن ي بَرَاءٌ م مَّا تَعْب د ونَ ( 26) إ لاَّ الَّذ ي فَطَرَن ي فَإ نَّه سَيَهْد ين 27) وَجَعَ لَهَا كَل مَةً بَاق يَةً ف ي عَق ب ه لَعَلَّه مْ يَرْج ع ونَ 26-27-28.] 368- هيالعروة الوثقى التي من تمس ك بها نجا، ومن لم يتمس ك بها هلك، قال تعالى فَقَد اسْتَمْسَكَ ب الْع رْوَة الْو ثْقَى لبقرة: 256] الو ثْقَى 22.]

عدد الصفحات ٣٠٧

جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 308 ومرضي، مادام هذا الكلام طيبا، لأن الوصف بالطيب يدل على الإخلاص، وفي الحديث النبوي الصحيح "إنَّ الله طيب لا يقبل إلاَّ طيبا" فمن لم يكن طيبا لم يكن مقبولا، وما لم يقبل لا يرفع إلى السماء، قال تعالى 10] وقدم لفظ كذلك شأن كلمة التوحيد، وما يتبعها من الصالحات التي يرفعها رب العزة جل جلاله. ثم قال عز م ن قائل ولكنه لم يقل "م ثل شجرة" لأن المثلية تقتضي التساوي في كل شيء، في الصفات الذاتية والمعنوية، كما تقول "هذا الكتاب مثل هذا الكتاب" إذ كان الكتابان من النسخة نفسها، بخلاف التشبيه بالكاف فإنه يدل على المشابهة في بعض الصفات الظاهرة فحسب، كما تقول: زيد كالأسد، فالمعنى أنه يشبهه في جهة من الجهات وهي هنا الشجاعة لكونها الصفة الظاهرة التي تميز الأسد عن غيرهن والتي يشتهر بها دون ما سواه من الحيوانات، فإذا أطلق الكلام فهي المرادة، والأمر نفسه ها هنا حيث شبه الكلمة الطيبة بالشجرة الطيبة، ولم يجعلهما متماثلتان في كل شيء، إذ معدنهما مختلف وحقيقتهما متغايرة، فالشجرة مهما حسنت وجملت وكملت لن تكون في جوهرها وفي أصل م ادتها، وفي معدنها وطبيعتها وكيانها ولبها كالكلمة الطيبة بأي حال من الأحوال، لكن المقصود أنها مثلها في صفاتها حيث هذه لها جذور متوغلة في باطن الثرى، وفروع عالية في السماء باسقة سامقة مرتفعة صاعدة، والكلمة الطيبةمتصلة ذاهبة في باطن المؤمن وفي سويداء قلبه، فهو حين يخرجها لا تزال حيَّة في داخله، ولكنها في الوقت نفسه تصعد إلى العلياء صعودا، وتحظى من الله تعالى قبولا، ويمنح صاحبها أجرا جزيلا ومثوبة عظيمة فتلك هي ثمارها التي تؤتى كل حين، بركة ونماء، وعزة واستعلاء وخلودا ومحمدة، وحسنات وأجورا، تأتي فورا وتنتج كلَّما تفوه بها صاحبها وامتثل ما ترسمه له من هدى مستنير وطريق م شرق، إذ كلمة التوحيد تعني وجوب الامتثال إلى الله عبادة وإخلاصا وتقوى وتطبيقا، ففي كل مرة يقولها المسلم ويذكر بها قلبه ويعطر بطيبها نفسه يزداد من كسب نف حاتها وأخذ بركاتها وقطف ثمراتها، ذلك هو الأ ك ل، فإنَّ نتيجة

عدد الصفحات ٣٠٨

جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 308 الثمرة الأصلية هي أن تؤكل، فإن لم تصلح لأكل لم يكن المراد منها متحققا، وبالتالي فالتعبير بالأكل أدل على حصول المنفعة منها، إذ من الثمار ما يؤكل وما لا يؤكل، فهي مصدر من مصادر القوة وحفظ الكيان ونماء الآكل وهو المؤمن وذلك بإزهار فؤاده وتعمير قلبه بالإيمان وتطهر نفسه بثمار كلمة التوحيد التي تستلزم الوجود الفعلي و الحضور العملي لطاعة الله سبحانه وحسن أداء أمانته التي هي الإسلام، والمضي في صراطه إلى أمام، والقيام به حق قيام. والتعبير بلفظقيق جدا وهو خير من الجذر كون الأصل يجمع بين الشجرة والكلمة، أما الجذور فلا تستطيع تخيل ذلك، بخلاف التعبير بالأصل فهو جامع عام، لذلك كان الأصل يعني ما يبنى عليه غيره. وقد وصفه بالثبات فقال تطيح به الرياح العاتية والعواصف الداهية مهما كان شانها ومهما عظمت قوتها، وهو تلميح إلى الباطل الذي يستقوي على الحق فلا يظفر بشيء ولا يزيل الحق من مكانه ولا يسقطه، وأنى له أن يناطحه والحق أعلى منه وأسمى وأجل، لذلك ناسب أن يقول السماء، وذكر الأصل أولا لأنه هو الذي به ثبات الشيء، فلولاه لكان ازدياد علو الفروع وبالا عليه، فهي كلما ارتفعت أثقلته وعندما تكون بدونه فحتما تتهاوى وتخر على الأرض ساقطةً مرتطمة مهشَّمة، أمَّ الأصل الثابت فيزيد السمو والسماقة حسنا وبهجة، فالشجرة المرتفعة العالية كلما كبرت كانت ثمارها أكثر، وكان ظلها أوفر، وكان ذلك لصورتها أجمل وأنظر. وقد ذكر أصلها وهو عروقها الراسخة، وذكر فرعها العال، وترك الذهن وحدَه يستنتج الجذع القائم لأن ما بين الجذور والفروع لا بد أن يكون الجذع إذ الفروع لا تقوم إلا عليه، وهذا من بديع الاختصار ومن أناقة النظم حيث حذف ما يستغني عن ذكره بدلالة غيره عليه. وإذا كانت الشجرة لا تكون شجرة إلا بهذه الثلاثة المذكورة؛ أصل راسخ وجذع قائم وفرع عال، فإن الإيمان أيضا لا يقول إلا على ثلاثة أشياء هي تصديق القلب وقول اللسان

عدد الصفحات ٣٠٩

جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 310 وعمل الجوارح370.) ولما كانت كلمة التوحيد فيالقلوب تثمر الأعمال الصالحة على الجسد، كما يثمر أصل الشجرة الفروع والنماء والثمار على الأغصان، دل على أنَّه لو زال شيء من الفروع والثمر لم يزل اسم الشجرة بذلك، ولم ينف اسمها بالكلية، بخلاف ما لو انتفت من أصلها، فكذلك مَن نقص عمله لا يزال مسلما، أمَّا من تعطل عمله بالكلية فلم تثمر كلمة التوحيد شيئا، فهذا دليلٌ على أنَّها ماتت في قلبه كموت الشجرة حين لم تعد تزهر ولا تثمر، فإذا ذهب مقتضاها دل عل ذهاب أصلها وذهاب أصلها هو ذهاب الإسلام وانتفاؤه، وبالتالي مجرد النطق بالشهادتين دون عمل دليل على أنَّهما شهادتان على اللسان فقط، لا ينفذان إلى باطن أرض القلب وثراه، فيعني ذلك أنهما ميتتان جامدتان على الشفتين، فهما مجرد دعوى، وليستا إيمانا وتقوى، ىفتأمَّل. ولم يقل "وفرعها في العلو" بل بالارتفاع الشديد، ولأن في التعبير بالسماء حقيقة ماثلها، وهي أن الكلمة الطيبة حقا تصعد إلى السماء وليس المقصود سماء الدنيا فقط، كلا بل هي تصل إلى رب العزة جل قدره وتبارك اسمه، لذلك آثر القرآن لفظ سبحانه قالل فرع منها يشبه الآخر، لا فضل لهذا على ذاك، فهذه تسوية إيحائية بين الأغصان كلها والفروع جميعها، ترشد إلى أنها شجرة لا يشتكي غصن بقصره عن غصن يليه، ولا بطول هذا على ذاك، كأنَّما هي شجرة متناسقة بديعة لا تجدها حتى في الحديقة، غير أن الذهن لا يضل في تمثُّلها واستجلاء صورتها في خياله، فهو ينظر إليها كأفضل ما يكون من الأشجار بديعة مستوية متناسقة عالية، معتدلة في كل شيء، وتؤتي بالأكل في كل حين، وإذا كانت الشجرة لا تؤتي أكلها إلا في فصول معلومة، وأوقاتٍ معينة، فالكلمة كذلك، لا تؤتي إلاَّ كلَّما رافقها الإخلاص وكان ت العبادة المترتبة عنها في نفس زمانها ومكانها وبشروطها وأركانها، أي أنها كانت على وفق السنة، وعلى طريق رسول اله صلى الله عليه وسلم وهديه، فالتقييد بالحين إشارة من طرف خفي 370- ي نظر؛ أسامة بن عبد الرزاق شيراني "أثرالنقد البلاغي في الترجيح بين أوجه الاختلاف"، بحث وجيز مقدم لمسابقة كلية اللغة العربية، بالجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية، السعودية، ص5-6.

عدد الصفحات ٣١٠

جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 311 إلى الاتباع، فكما أن الشجرة تتبع فصول، لتنتج الثمرات وتحصل التمور؛ فالكلمة الطيبة تتبع الرسول، لتكون الحسنات، وتكون الأجور. بيد أنَّ فصول الكلمة كثيرة جدا وليست مرة أو مرتين في السنة مثل الشجرة، ولكن الشبيه لا يقصد منه المماثلة في كل شيء إنما يراد به جهة دون أخرى، فالمهم أنَّهما يؤتيان أكلهما في كل فصل من الفصول، فهو سواء من هذه الجهة، حتى وإن اختلفا في عدد الفصول وكثرتها. يقول ابن العربي: " إنَّ الْح ينَ ظَرْف زَمَانٍ ، وَه وَ م بْهَمٌ لاَ تَخْص يصَ ف يه ، وَلاَ تَعْي ينَ ف ي الْم فَسِّر لَه ، وَهَذَا م قَرَّرٌ ل غَةً ، م جْمَعٌ عَلَيْه م نْ ع لَمَاء اللِّسَان ، وَإ نَّمَا ي فَ سِّر ه مَا يَقْتَر ن ب ه ، وَه وَ يَحْتَم ل سَاعَةً لَحْظ يَّةً ، وَيَحْتَم ل يَوْمَ السَّاعَة الأَْبَد يَّة ، وَيَحْتَم ل حَالَ الْعَدَم ل قَوْل ه تَعَالَى: {هَلْ أَتَى عَلَى الإْ نْسَان ح ينٌ م نْ الدَّهْر . وَلأ َجْل إبْهَام ه ع لِّقَ الْوَع يد ب ه ، ل يَغْل بَ الْخَوْف ، لا سْت غْرَاق م دَّة الْعَذَاب ن هَايَةَ الأَْبَد ف يه ، فَيَك فَّ عَنْ الذَّنْب ، أَوْ يَرْج وَ لا قْت ضَاء الْوَع يد أَقَلَّ م دَّة احْت مَال ه ؛ فَيَغْل بَ الرَّجَاء ، وَلاَ يَقَع الْيَأْس عَنْ الْمَ غْف رَة الَّذ ي ه وَ أَشَدُّ م نْ الذَّنْب ، ث مَّ يَفْعَل اللهَّ مَا يَشَاء " ( 371.) فالحين هاهنا يتعدد فيكون لكل شيء حينه الذي يناسبه، وكما أن للشجرة حينا واحدا أو اثنان في السنة تؤتي فيهما أ ك لها، فهذا ما يناسبها ويتلاءم مع طبيعتها، أمَّا أ كل الكلمة الطيبة فيكون متكررا متعددا متجددا في الأوقات جميعها، بحيث لا يقتصر على وقت أو وقتان لأن أ كلها معنوي يجيء كلما أ ريدَ له المجيء، وفي أي ساعة من ليل أو نهار. ثم إنَّ كلمة الفعل، كون اسم الشيء لاصق به، بخلاف الفعل الذي له زمن وينتهي فيه، غذ الأسماء غير مرتبطة بزمان خلافا للأفعال. وهذه الكلمة لكلمة التوحيد،ومن هنا تأتي الوحدة والتوحد، من جهات شتى وأنحاء متعددة، ويمينا؛ إنَّ هذا هو البيان الذي لا يخطر ببال أي إنسان أن يفعله، إذ الكاتب البارع والناطق البليغ لا يستطيع أن يحصي كلماته، ولا يضع للإحصاء حسابا في بلاغته، لاسيما بهذه الدرجة 371- محمد بن عبد الله أبو بكر بن العربي المعافري الاشبيلي المالكي (ت543هـ) "أحكام القرآن" ت: محمد عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط 3،1424 هـ2003م، ج3/81.

عدد الصفحات ٣١١

جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 312 القصوى التي تجعله لا يقول كلمة معينة في الكتاب كله غلا في موضع واحد، وفي مقام معلوم، وانظر أنت أين سائر الكتَّاب من هذا الباب. ولقد اختار القرآن التعبير بلفظ المقصود من العطاء مثلا أو غيره من الألفاظ، وهذا هو الذي يذكره الله تعالى في هذا المقام، فيقول عن المؤمنين أنهممَا وَل يُّك م اللهَّ وَرَس ول ه وَالَّذ ينَ آمَن وا الَّذ ينَ ي ق يم ونَ الصَّلاَةَ وَي ؤْت ونَ الزَّكَاةَ وَه مْ رَاك ع ونَ 55] وَج لَةٌ أَنَّه مْ إ لَى رَبِّه مْ رَاج ع ونَ ؤمنون: 60] الْمَالَ عَلَى ح بِّه ذَو ي الْق رْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاك ينَ وَابْنَ السَّب يل وَالسَّائ ل ينَ وَف ي الرِّقَاب وَأَ قَامَ الصَّلاَةَ وَآتَى الزَّكَاةَ 177]ء يعد تفضلا، أمَّا الإيتاء فليس كذلك، إن الشجرة التي تؤتيك لا تتفضل عليك، وإنَّما ذلك هو شانها أن تؤتي ثمارها، من هنا فكلمة التوحيد تؤتيك ثمارها اليانعة لأن ذلك هو طبيعتها فالثمار ناتجة عنها بشكل عفويٍّ تلقائي لا مكان فيه للتصنع أو المحاولة لدرء العجز، كلاَّ ، بل ذلك هو شانها، بكل أريحية وانسجام، ثم إنَّ العطاء قد يكون بواسطة كمن تعطيه هدية يصلح أن تقول أعطيتك وغن كنت قد أرسلتها إليه، أمَّا إذا أتيته فليس غيرك قد أتاه، ولا أحد ينوب عنك في الإتيان ولا واسطة تقوم بينك وبينه، فإذا وجدت الواسطة لم يصلح أن تقول له: أتيتك، وأنت لم تأته بل أرسلت إليه نائبا من نوَّابك، فالإتيان أدل على المعنى، وفيه من كثافة المقصود ما يدل على مباشرة الشيء وتوليه والقيام به دون إلقاء ذلك على عاتق شخص آخر، لذلك قدم لفظ فيفهم أنَّه سينظر لا محالة هذا المأت يَ الذي يجيء، فيكون ذلك أدعى لانتظاره، وأبهج لنفسه لتي تتطلع إلى هذا الذي سيقدم لا محالة، وهي تسمع بعدها بلا فاصل قوله تعالى بإذن ربِّها ويذكرك بالمتفضل الحقيقي عليك، فلا تغتر بأعمالك، ولا تتباهي بتوحيدك وإسلامك، بل تظهر الحقيقة الكبرى متجلية أمام عينيك، ماثلة لفكرك وخاطرك، فلا تفتا ترنو بقلبك إلى الرب سبحانه، لتفيد من خيراته، غذ كل شيء بأمره وإذنه، وكل شيء من عنده، والأبواب كلها غير بابه توصد، أما بابه فمفتوح في كل حين، ووقت ما أردت، وحيثما تشاء، المهم أن

عدد الصفحات ٣١٢

جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 313 تحقق شرط الرضا وتتأهل لتحصل على الإذن، حينذاك كل شيء يحضر بين يديك، والأجر الجزيل يكتب في كتابك، ويثقل به ميزانك، وتعلو به درجتك وتتوسع ج نانك. وإن دل هذا على شيء فإنما يدل على لزوم تذكير المؤمن على الدوام بربه عز وجل، وعدم الغفلة عن إفضاله ونعمه، حتى تشكر فلا تكفر، وحتى يأخذ النعمة في تمامها، ولا تستمر في دوامها، وهو سبحانه يذكر لتنتبه فيتم عليك النعمة، وهو يذكرك لتذكر وتشكر فيبارك لك فيها ولا يقطَعَها عنك. ولأنَّ التوحيد لا يتم إلى بشكر رب العبيد وشكره يحتاج إلى تذكير لاسيما حين تأتي المرء الثمرة ويشبع فقد يخدع هاهنا وينسى ولا يتذكر كمن يظن أنه حقق ما أمَّله، فيضعف في مسيره، لكن الله تعالى الذي لا تأخذه سنة ولا نوم يذكر عباده ليستمروا في ذكره وشكره فيستمر في إذنه وأمر ه. ومن الإيحاءات الجميلة أنَّ قوله جلَّ ذ كر ه جميع العلوم النافعة والأعمال الصالحة الظاهرة والباطنة إنما هي ثمرة هذه الكلمة المباركة والشجرة الطيبة فمن ثبتت لا إله إلا الله في قلبه إيماناً وتصديقاً محبةً وعلماً انقادت جوارحه لشرع الله تعالى وحكمه عملاً وتطبيقاً وامتثالاً وتنفيذاً. فكلمة التوحيد والإيمان في القلب تؤثر في الفروع كما أنَّ الفروع كذلك تؤثر فيها، بما تنتفع به من المطر والريح وضوء الشمس، فالتشبيه إذن دقيق جدا، يقول ابن تيمية: "وَإ ذَا قَامَ ب الْقَلْب التَّصْد يق ب ه وَالْمَحَبَّة لَه لَز مَ ضَر ورَةَ أَنْ يَتَحَرَّكَ الْبَدَن ب م وج ب ذَل كَ م نْ الأَْقْوَال الظَّاه رَة ؛ وَالأَْعْمَال الظَّاه رَة فَمَا يَظْهَر عَلَى الْبَدَن م نْ الأَْقْوَال وَالأَْعْمَال ه وَ م وجَب مَا ف ي الْقَلْب وَلاَز م ه ؛ وَدَ ل يل ه وَمَعْل ول ه كَمَا أَنَّ مَا يَق وم ب الْبَدَن م نْ الأَْقْوَال وَالأَْعْمَال لَه أَيْضًا تَأْث يرٌ ف يمَا ف ي الْقَلْب . فَك لٌّ م نْه مَا ي ؤَثِّر ف ي الآْخَر لَك نَّ الْقَلْبَ ه وَ الأَْصْل ، وَالْبَدَنَ فَرْعٌ لَه وَالْ فَرْع ي سْتَمَ دُّ م نْ أَصْل ه ، وَالأَْصْل يَثْب ت وَيَقْوَى ب فَرْع ه . كَمَا ف ي الشَّجَرَة الَّت ي ي ضْرَب ب هَا الْمَثَل ل كَل مَ ة الإْ يمَان ، قَالَ تَعَالَى ي السَّمَاء ت ؤْت ي أ ك لَهَا ك لَّ ح ينٍ ب إ ذْن رَبِّهَا ا وَعَر قَ وَر و يَ قَو يَتْ فَرْع هَا. وَف ر وع هَا أَيْضًا إذَا اغْتَذَتْ ب الْمَطَر وَالرِّيح أَثَّرَ ذَل كَ ف ي أَصْل هَا" (372.) 372- ابن تيمية"مجموع الفتاوى" ت:عبد الرحمن بن محمد بن قاسم، ج7/541-542.

عدد الصفحات ٣١٣

جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 314 ثم إنَّ قوله بالنعم، ومقام الربوبية أولى بالتعبير في مقام الخلق والتدبير، لان الربوبية هي أشياء ثلاثة "الخلق والملك والتدبير"، فالخالق هو مالك كل شيء وهو المدبر للأمر من السم اء إلى الأرض، في الإيتاء والعطاء، وفي الإماتة والإحياء، وفي الإزهار والنماء، وفي كل الأشياء وكافة الأنحاء، وبالتالي كان مناسبا أن يقول من أفعاله سبحانه، فكان التعبير بالرب أدق وأليق. ثم إنه نسبها إليه فقال ربها مربوبةٌ لله، فمحال أن تأتي شيئا من عند نفسها، لاسيما والتوحيد الذي يتكلم الله عنه في هذا المقام يقتضي نفي ما عداه من الشرك، وهل الشرك إلا نسبة ما لله لغيره، فيقع الكفر به في الربوبية، أو التوجه بالأعمال البشرية كصلاة وزكاة وغيرها لغيره سبحانه فيقع الشرك في الألوهية، والتنبيه على الربوبية في القرآن يستلزم منه أن يفهم المخاطب التنويه بالألوهية لأن الرب المالك القدير هو المستحق للعبادة وحده لا شريك له، فتوحيد الربوبية يستلزم دوما توحيد الألوهية لذلك ينبه القرآن عليه عند توجيه أوامره بعبادته والنهي عن الشرك به فيها؛ ليعلم العباد أن من كان لهم ربا هو الذي يجب أن يكون لهم معبودا، فكما وحده في هذا بأن لا خالق غيره ولا رازق غيره ولا محيي غيره ولا معز غيره ولا معطي غيره فكذلك لا معبود غيره بأي حال من الأحوال. ولما كان هذا يكفيهم ليستنتجوا الصورة العكسية لمن لم يكن مؤمنا قال تعالى الله الأمثال للناس لعلهم يتذكَّر ون التعبير بالتذكر لأنهم قد آمنوا فهم محتاجون للتذكير ليعودوا ويؤوبوا ولا يغفلوا، أمَّا المنافقون فلفظ التفكر هو المناسب لهم لأنهم أصلا لا إيمان لهم فالأجدر بهم أن يتفكروا حتى يقبلوا على الإسلام، فهم قد رفضوه رأسا، والتفكر يقبل بقلوبهم وعقلوهم عليه، أمَّا المؤمن فهو قد دخل في الإسلام لكنه قد ينسى تعاليمه فيتذكرها، من هنا قال تعالى يتذكرون واقفا موقفا خطيرا، فإن هم تساهلوا شيئا قليلا كانت الذكرى أبعد كلما كان التساهل أكثر، ولما كان التساهل آفة المؤمن الطاغية كان التعبير بلفظ يدل على التقليل أولى إنباء عن هذه

عدد الصفحات ٣١٤

جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 315 الحال التي ضربت بأطنابها على المؤمنين، ولأنَّ الغفلة بريد الكفر، من هنا كان الشيطان يستعين على أهل الإيمان، بالزمان، حتى يتطاول عليهم الأمد فينسون ذكر الله وتقسوا قلوبهم وينحرفون شيئا فشيئا إلى أن يمرقوا من الدين والعياذ بالله، وهو العاصم والمعين. ثم إنَّ للت ذكير فائدة عظيمة تلتقي مع ما يطابق المشبه والمشبه به، إذ "الشجرة لا تبقى حية إلا بمادة تسقيها وتنميها فإذا انقطع عنها السقي أوشك أن تيبس فهكذا شجرة الإسلام في القلب إن لم يتعاهدها صاحبها بسقيها كل وقت بالعمل النافع والعمل الصالح والعود بالتذكر على التفكر و التفكر على التذكر وإلا أوشك أن تيبس" ( 373)، فهذا من جهة، ومن جهة أ خرى؛ فإنَّ "الغرس والزرع النافع قد أجرى الله سبحانه العادة أنه لا بد أن يخالطه دغل ونبت غريب ليس من جنسه فإن تعاهده ربه ونقاه وقلمه كمل الغرس والزرع واستوى وتم نباته وكان أوفر لثمرته وأطيب وأ زكى وإن تركه أوشك أن يغلب على الغرس والزرع ويكون الحكم له أو يضعف الأصل ويجعل الثمرة ذميمة ناقصة بحسب كثرته وقلته ومن لم يكن له فقه يقيس في هذا ومعرفته به فإنه يفوته ربح كثير وهو لا يشعر فالمؤمن دائم سعيه في شيئين سقي هذه الشجرة وتنقية ما حولها فبسقيها تبقى وتدوم وبتنقية ما حولها تكمل وتتم" (374.) ثم شرع ربنا سبحانه في ضرب المثل الثاني فقال جلت قدرته خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار فإذا تبين أن الكلمة الطيبة هي كلمة التوحيد لأنها أم الكلمات والأم لا تنفي ما عداها، كما لا ينفي الأصل فروعه، فكذلك الكلمة الخبيثة هي كلمة الشرك، فهي أم الخبائث القولية والاعتقادية التي يتعلق القلب المشرك بمضمونها ويقتنع بمعناها، وهي لا تنفي بناتها من الكلمات الأخرى التي تتولد عن كلمة الشرك وتصب في إطارها من السِّباب والشتائم، والهمز واللمز واللَّ عائن، والغيبة والنميمة والبهتان، والكذب والقذف والمَن ، والتفوه بالباطل والنطق بكل كلام سيء وقولٍ دنيء. وقد وصفها الله بأنها خبيثة لأنها من الشيطان، فكما أن الكلمة الطيبة من الرحمن وهو طيب لا يقبل إلا طيبا ووصف الكلمة بأنهاه كلمة خبيثة 373- ابن قيم الجوزية "أمثال القرآن" ت: ناصر بن سعد الرشيد، ص40-41. 374- المصدر السَّابق نفسه، ص41.

عدد الصفحات ٣١٥

جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 316 شيطانية والشيطان خبيث، لذلك تجده يسكن الأماكن القذرة ويحل في المواطن النَّت نَة الكريهة، من هنا جاء الحديث النبوي عن زيد بن أرقَمَ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "إنَّ هذه الح ش وشَ م حتَضَرَةٌ فإذا أتى أحَد ك م الخلاءَ فليق ل: أع وذ بالله م نَ الخ ب ث والخَبائ ث " (375 .) وقد شبه الكلمة الخبيثة بالشجرة الخبيثة، وهي أيُّ شجرة كانت مثلما أنَّ الكلمة الطيبة هي أي شجرة من الأشجار، فالمهم هنا أنَّها أخبث الشجر وأبشعه، فهي خبيثة المعدن والجوهر، وخبيثة الشكل والمنظر، وخبيثة الثمر، فالخباثة تتناولها من كل جانب لأن القرآن ذكر كلمة { يقول جل ذكره الشيء المجتث من شيء لم تبق فيه باقية، لان الجثة بكاملها قد انتزعت انتزاعا من مكانها فهي منخلعة منه انخلاعا تاما كاملا، وقال فلا جذور لها لتقاوم، بل يكون نزعها بلا مشقة كبيرة ولا جهدٍ جبار، لأنها فوق الأرض فقط وأصولها ليست ممتدة في باطن الثرى حتى تصعب عملية الاجتثاث، ذلك أنَّ الباطل يسقط من في مجرد القيام بالإطاحة به ويتهاوى من تلقاء نفسه، فما على أهل الحق سوى المبادرة لإسقاطه ومحاربته وإبادته؛ فإذا بلوا مجرد ذلك وجدوا انَّه سهل الوقوع، سريع الهبوط، لأنه لا قرار له، فهو غير ثابت في مكانه ومن شأن مَن هذا حاله أن يسهل اقتلاعه، لأنه أصلا ليس له قرار، وأنى يستطيع أن يلوذ بالفرار وهو إن تحرك سقط، فما إن تحركه يد الحق حتى يتداعى ويخر. فالتفريط كل التفريط في عدم المبادرة إلى محاربته ولو بأدنى الجهد، وأقل التكاليف. ولم يذكر الله تعالى له أصلا فكأنه لا أصل له، وكذلك الأباطيل هي لقيطة في عالم الحقائق 375- سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشير بن شداد بن عمرو الأزدي، أبو داود السِّج سْتاني (ت275هـ) "سنن أبي داود" ت: شعَيب الأرنؤوط - محَمَّد كام ل قره بللي، دار الرسالة العالمية، ط 1، سنة1430هـ2008م، ذكره في كتاب الطهارة، باب: ما يقول الرجل إذا دخل الخلاء، حديث رقم:6، ج1/6 . ثم نقل المحقق شرح الحديث(ج1/7) فقال: "قال الخطابي: الحشوش: الكنف، وأصل الح ش جماعة النخل الكثيفة، وكانوا يقضون حوائجهم إليها قبل أن يتخذوا الك ن فَ في البيوت، ومعنى محتضرة، أي: تحضرها الشياطين وتنتابها. والخبث بضم الباء: جماعة الخبيث، والخبائث: جمع الخبيثة، يريد ذكران الشياطين وإناثهم" إهـ.

عدد الصفحات ٣١٦

جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 317 لا نسبة لها بالحق والنقل، ولا بالصدق والعقل، فهي الشريدة التائهة عن فراش الهدى الوثير، وحياض الحق النمير، والاتضاح النسب المستنير. إنَّ الباطل في عَماية إذن؛ أصلا وفصلان ومظهرا ومخبرا، فأنى له من قيام. كما أن الله تعالى لم يذكر للشجرة الخبيثة فروعا وضرب عن ذلك رأسا، لأنَّ الباطل مهما حلق في الجو فإنه لن يبلغ عنان السماء، ولا له إلى اله ارتفاع، وما يملك إليه من صعود. فالله لم يأذن به وهو عنده مرفوض منقوض مستكره، ومآله البوار وبئس القرار. وفي المثل نكتة بلاغية لطيفة؛ ذكرها ابن جرير الطبري حيث قال: في قوله تعالى من قرار ض ر بت هذه الشجرة التي وصَفها الله بهذه الصفة لك فر الكافر وشرك ه به مثلا. يقول: ليس لك فر الكافر وعَمَله الذي هو معصية الله في الأرض ثباتٌ، ولا له في السماء مَصْعَد، لأنه لا يَصْعَد إلى الله منه شيء" (376.) فجعل الشجرة الهاوية المستأصَلَة مثلا لعدم الثبات والقيام، فلما لم تكن صاعدة في السماء بل ساقطة مجتثة دل على أنَّ العمل غير مقبول عند الله جل ذكره، وبالمقابل فإن الكلمة الطيبة لما كانت كالشجرة التي فرعها ذاهب في السماء علوا دل على أنَّها مقبولة عند الله صاعدة إليه، وبالمناسبة فهذا تفنيد لمن يجعل الطبري في تفسيره مجرد ناقل لا رأي له متناسيا ما له من أمثال هذه الوثبات الناصعة الجليلة، وترجيحاته لكل رأي في التفسير انتظم كتابه كلَّه. ثم إنَّ من الإشارات الخفية أنَّ تلك الشجرة ما نبتت إلاَّ لتهوي قبل أن تلبث، وتصير نهايتها أن تجتث، وفي ذلك إشارة إلى أنَّ الأباطيل سقط كومة واحدة على يد الحقائق، فالتوحيد لا يزعزع أحجارا في جدار الباطل بل يسقطه برمته، فيتهدم في حومته، وينتهي في ساعته، ما له من قرار في الأخير، وبئس المصير. ولم يقل إن أكلها مر مثلها، بل ترك الذهن يستنتج ذلك، لهذا كان تقديم ضرب المثل الأول الذي يذكر فيه الفرع والأ ك ل أفضل في بيان ما بعده في المثل الثاني عن طريق 376- محمد بن جرير الطبري "جامع البيان في تأويل القرآن" ت: أحمد محمد شاكر، ج16/586.

عدد الصفحات ٣١٧

جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 318 الصورة العكسية، فما ذكر في الأول يفهم في الثاني ولو كان محذوفا، لكونه مكشوفا بالمقابلة. والله تعالى قال فكلمة الثبات أقوى من أن تحملها هذه الشجرة المدعية المتداعية كشأن الباطل ودعاواه، وكلمة الثبات اشرف من أن تقال في حقها، فهي إذن ما لها من قرار، أي أنها لا تستقر، إنَّها الباطل الذي من عادته الطيش الذي استجلبه من الشيطان، ذلك المخلوق من النار التي لها ألسنة لا تستقر في مكانها ولهيب طبيعتة الطيش والخفة، فكما تنبت الشجرة بخفة تذهب في خفة، وما أتى سريعا ذهب سريعا. والمثلان باجتماعهما يدلا ن على القاعدة القائلة "ما بني على صحيح فهو صحيح، وما ب ني على فاسد فهو فاسد". كما أنَّ كلمة عة جدا فبمجرد ما ذكر لفظة { يقل "تجتث" في المضارع، بل جعلها في الماضي و أنها قد اجتثت وانتهى أمرها وأصبحت في خبر كان، وفيه إشارة إلى أنَّ الباطل ينبغي محا ربته بسرعة وعدم التمهل في القضاء عليه التسويف في دحر شروره، وتسليط النور على ديجوره، ليذهب ظلامه، وتنتهي أيَّامه. والتعبير بالاجتثاث بالغ الدقة وأدل على الإيحاءات المرادة، حيث لم يقل قطعت ولا حرقت ولا غيرها من الألفاظ، وهذا يشير إلى الدواء الناجع في علاج ا لأدواء والأمراض والبواطيل، ذلك أنَّه يقضى عليه بكامله ولا يبقى المعالج منه شيئا حتى لا ينبت مرة أخرى، أو تتولد عنه بواطيل صغرى، من هنا يلتقي المعنى مع القاعدة القائلة : "من قتل الأفاعي وترك أمهاتها تلد لم يكن عمله هذا غلا نوعا من الباطل"، فالقرآن يأتي بالطريقة المثلى للعلاج، ويتمثل في الحكمة التي يقول "الباب الذي يأتي منه الريح سده واستريح" فهو يسعى لراحة المؤمن من استفحال الباطل، كالحجرة التي تقف في طريق السالك يجب عليه أن يبعدها في الحال، وإلا عرقلت مسيره، وأبطلت تدبيره، وأخرته عن مبتغاه، وكذلك الشجرة حينئذ الحال معها أن تجتثها وتمضي في سبيلك حتى تتفرغ لعبادة ربك وتستمر في مواصلة سيرك إليه.

عدد الصفحات ٣١٨

جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 318 وفي نسبته الفعل إلى المجهول نكتة بديعة فالله تعالى قال ذلك لأن البناء للمجهول يستغرق كل أحد، فهي إذن؛ لها قابلية الاجتثاث من أي جهة كانت، فسواء اجتثها أهل الإيمان أم لم يفعلوا، فإن الباطل قد يجتثه باطل مثله، كما أن الظلم قد يقتله ظالم مثله، لذلك ورد في الدعاء "اللهم اضرب الظالمين بالظالمين، وأخرجنا منهم سالمين"، فربما يوفر الله تعالى الجهد على المؤمنين فإذا بصراع الباطل فيما بينه وبين باطل مثله يزيله ويدحره، كما غلبت الفرس على أيادي الروم زمن النبي صلى الله عليه وسلم دون بذل من المسلمين، ولأنه عليه الصلاة والسلام قد قال "إن الله لينصر هذا الدين بالرجل الفاجر" (377)، فهو ر غم فجوره قد يقف مع الدين وينصره، ويهزم الباطل ويدحره، فكان في بناء لفظة { لو لم ت ذكر، أو كانت مبنية للمعلوم، إذ المعلومية تحديد والمقام يعبر عن واقع سقوط الباطل وأنه حقا قد يكون على أيدي المبطلين فالنسبة للمجهول أكبر انطباقا على الواقع، وأوسع في الدلالة على المحق والمبطل معا، وبالتالي فليس المعلوم دائما هو الفضل، لأنه قد لا يكون الأشمل، فتأمَّل. ثم قال الله تعالى الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء إنَّ القول الثابث هو كلمة التوحيد التي أ صلها ثابت، وقوله الكلمة رغم ثبات كلمتهم فهم محتاجون إلى ثبات آخر عند الممات، عند تهيؤ الروح للخروج من الجسد، وتلك هي مجازاة الله تعالى لهم أن كانوا من الثابتين على طاعته وحسن عبادته، فالثابت يكون له الثبات وليس الثبات فقط بل الثبات بالقول الثابت، القول الذي يناسب ما كان عليه طيلة حياته، وهذا إشارة غلى أن الجزاء من جنس العمل، فهم يتذكرون كلمة التوحيد قبل أن تفارق الروح أبدانهم فينطقونها، في الدنيا ويتلفظون بها في آخر نفَسٍ، و"من كان آخر كلامه لا إله إلا اله دخل الجنة"، وعندما ينطقونها، يثبتهم الله أيضا بعد الممات في 377- أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجهاد والسير، باب: إ نَّ اللهََّ ي ؤَيِّد الدِّينَ ب الرَّج ل الفَاج ر ، حديث رقم 3062، وأخرجه مسلم في صحيحه، في كتاب الإيمان، باب: بَاب غ لَظ تَحْر يم قَتْل الإْ نْسَان نَفْسَه ، وَأَنَّ مَنْ قَتَلَ نَفْسَه ب شَيْءٍ ع ذِّبَ ب ه ف ي النَّار ، وَأَنَّه لاَ يَدْخ ل الْجَنَّةَ إ لاَّ نَفْسٌ م سْل مَةٌ، حديث رقم: 111.

عدد الصفحات ٣١٩

جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 320 الآخرة والمقصود هنا هو القبر لأنه أول منازل الآخرة كما قال السلف، وعلى رأسهم الصحابة، فالعبد يسأل في قبره عن ثلاث: من ربك ما دينك من نبيك، فالمثبت يجيب، وصاحب الباطل والريب، يخيب، ويقول "هاه هاه لا أدري، سمعت الناس يق ولون ذاك"(378.) وذلك هو قوله تعالى ولا امتثلوا، وفي القبر يضلهم الله تعالى القوي القدير فلا يحيرون جوابا، تلك هي إرادة الله تعالى وذلك هو جزاؤه العادل، فيثبت المؤمنين بنعمته وفضله، ويضل الظالم ين بحكمته وعدله، وفي ذكر كلمة الله هاهنا من حلول مشاعر الجلال والهيبة العظمة ما لا يقف عند حد، فالله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، في هذا المشهد المهول يأتي لفظ الجلالة ليحسم الأمر ويقطع الاعتراض، فتعنوا الوجوه وتنتهي الألسنة، فقد قامت البينة، ووضحت المحجة وجاء رب العباد ليختم بما يشاء، لهؤلاء، وهؤلاء. فلا إله إلا الله. إنها المهابة في تعبير جميل، وإنه الجلال، في كلام بديع، وإنه القرآن الخلاب في تصويره، وإنه كلام رب العباد في تبصيره لعباده وتنوير ه، وضرب الأمثال لكل مؤمن لتذكيره وتوعيته. 378- صححه محمد ناصر الدين، بن الحاج نوح بن نجاتي بن آدم، الأشقودري، أبو عبد الرحمن الألباني (ت: 1420هـ "أحكام الجنائز" نشر المكتب الإسلامي، ط 4،1406هـ1886م، ص158، وقال " أخرجه أبو داود2 /281) والحاكم (1 /37 - 40) والطيالسي (رقم753 وأحمد4 /287،288 و288 و285 و286) والسياق له وا جري في "الشريعة" (367 - 370") إهـ.

عدد الصفحات ٣٢٠