المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

جماليات المثل في القرآن الكريم دراسة أسلوبية

سعد قدور عيسات

صفحة ١٩ من ٢٤

جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 288 المثل الثاني: قال جل جلاله وتقدست أسماؤه وصفاته : {اللهَّ ن ور السَّمَاوَات وَالأَْرْض مَثَل ن ور ه كَم شْكَاةٍ ف يهَا م صْبَاحٌ الْم صْبَاح ف ي ز جَاجَةٍ الزُّجَاجَة كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ د رِّيٌّ ي وقَد م نْ شَجَرَةٍ م بَارَكَةٍ زَيْت ونَةٍ لاَ شَرْق يَّةٍ وَلاَ غَرْب يَّةٍ يَكَاد زَيْت هَا ي ض يء وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْه نَارٌ ن ورٌ عَلَى ن ورٍ يَهْد ي اللهَّ ل ن ور ه مَنْ يَشَاء وَيَضْر ب اللهَّ الأَْمْثَالَ ل لنَّاس وَاللهَّ ب ك لِّ شَيْءٍ عَل يمٌ [ }35] إنَّ "مَثَل الأَد لَّة التي بَثَّهَا الله ف ي الآفَاق ، والتي أَنْزَلَهَا عَلَى ر س ل ه ، فَ هَدَى مَنْ شَاءَ م نْ خَلْق ه ، كَمَثَل النُّور الثَّاق ب الم نْبَع ث م نْ س رَاجٍ ضَخْمٍ (= م صْبَاح ) مَوْض وعٍ ف ي ك وَّةٍ غَيْر نَاف ذَةٍ م نْ ج دَارٍ (= م شْكَاةٍ [ )ور333 ) والذي جمعه هو المشكاة لأنها "الو عَاء ، الذي يجمع النور، ويجعله قويًا، وبدونها يبدو ضعيفًا عاجزًا عن كشف المرئيات؛ ولهذا كانت أحقَّ بالتقديم من المصباح. وهذا هو أحد أوجه الإعجاز البياني في هذه الآية الكريمة" (334] ) أَزْهَرَ صَافٍ (= ز جَاجَةٍ ) ، وَهَذ ه الزُّجَاجَة كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ ضَخْمٌ مَض يءٌ م نْ دَرَار ي الن ج وم ذَات اللَّمَعَان الشَّد يد والقمر لأنهما يعتريهما الخسوف"(335]) زَيْت ونٍ كَث يرَة الخَيْر والمَنَاف ع { عَلَى جَبَلٍ عَالٍ ، أَوْ ف ي صَحْرَاءَ وَاس عَةٍ ، فَه يَ م عَرَّضَةٌ للشَّمْس ، لاَ ي ظ لُّها جَبَلٌ ، وَلاَ يَحْج ب ن ورَ الشَّمْس عَنْهَا شَيءٌ ، م نْ طَل وع الشَّم س ، حَتَّى غ ر وب هَا ؛ وَم ثْل هَذ ه الزَّيْت ونَة يَك ون زيْت ها أَشَّدَّ مَا يَك ون الزَّيْت صَفَاءً . وَمَعْنَى قَوْل ه تَعَالَى لاَ شَرْق يَّةٍ وَلاَ غَرْبيَّةٍ ، إ نَهَا لاَ شَرْق يَّةٌ فَحَسْب ، فَتَقَع عَلَيْهَا الشَّمْس م نْ 333 - أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الإدريسي الشاذلي الفاسي أبو العباس (ت: 1224هـ "البحر المديد في تفسير القرآن المجيد" دار الكتب العلمية ــ بيروت، ط2، سنة1423-2002م، ج5/77. 334 - محمد إسماعيل عتوك "مثل نوره جل جلاله" مقالة، منشورة على النت في موقع الأستاذ. 335 - برهان الدين أبي الحسن إبراهيم بن عمر البقاعي "نظم الدرر في تناسب الآيات والسور" ت: عبد الرزاق غالب المهدي، دار الكتب العلمية - بيروت - 1415هـ- 1885م، ج5/264.

عدد الصفحات ٢٨٩

جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 280 ج هَت ها الشَّرْق يَة فَحَسْب ، وَلاَ ت ص يب ها م نْ طَرَف هَا الغَرْب يِّ ، كَذَل كَ لَيْسَتْ ه يَ غَرْب يَّةً فَحَسْب ، وَإ نَّمَا ت ص يب ها الشَّمْس ط ولَ النَّهَار م نْ ط ل وع الشَّمْس حَتَّى مَغ يب ها ، وَم نْ ج م يع ج هَات هَا . وَهَذَا الزِّيْت يَكَاد ي ض يء ب نَفْس ه ل ش دَّة صَفَائ ه ، وَلَوْ لَمْ تَمْسَسه نارٌ ، فَإ ذَا أ شْع لَ اجْتَمَعَ ن ور الزَّيْت ، وَن ور ال نَّار ف يه وَأَضَاءَا مَعاً ( نورٌ عَلَى ن ورٍ) . وَكَذَل كَ قَلْب الم ؤْم ن يَعْمَل باله دَى قَبْلَ أَنْ يَأْت يه الع لْم ، فَإ ذَا جَاءَه الع لْم ازْدَادَ ن وراً على ن ورٍ، وَه دى عَلَى ه دىً ، وَالله ي رْش د مَنْ يَشَاء إ لى الصَّ وَاب بالنَّظَر والتَّدَبُّرٍ ، وَل يدر ك وا ب هَا مَعَان ي مَا أَرَادَ الله . والله تَعَالَى عَل يمٌ ب مَنْ يَسْتَح قُّ اله دَايَةَ فَيَهْد يه ، وَب مَنْ يَ سْتَح قُّ الضَلاَلَ فَي ض لُّه . الله ن ور السَّمَاوَات والأَ رْض م نَوِّر هَمَا َأَوْ هَاد ي أهْل همَا" ( 336.) وقد قيل إنَّ المشكاة كلمة حبشية لكنها ع رِّبَت كغيرها من اللغات التي "ورد في القرآن الكريم استعمالها، وحَس نَ موقعها لما عربت ، واستعملها العرب، كما ورد في «السجيل» و«الإستبرق»و«المشكاة»وغير ذلك، وقد أنكر أبو بكر الباقلاني أن يكون في القرآن شيء من غير لغة العرب، وهذا خطأ؛ فإن هذه الألفاظ لا يمكن إنكار ورودها في القرآن، ولا يسمع جعلها من لغة العرب، فإنها غير جارية على قياسها في الأوزان والأبنية" (337.) وبرغم من أنها ليست من لغة العرب فقد جاء مك انها من سياق التعبير جميلا رائعا، ومألوفا رائقا، بحيث لا تجدها نابية عن السمع في منوال الألفاظ، ولا مجافية للذوق في نطاق المعاني. وقوله : ( كمشكاة فيها مصباح ( المقصود كمصباح في مشكاة . وإنما ق دم ) المشكاة ( في الذكر لأن المشبه به هو مجموع الهيئة ، فاللفظ الدال على المشبه به هو مجموع المركب المبتدىء بقوله : ( كمشكاة ( والمنتهي بقوله : ( ولو لم تمسسه نار ( فلذلك كان دخول كاف الشبه على كلمة ) مشكاة ( دون لفظ ) مصباح ( لا يقتضي أصالة لفظ مشكاة في الهيئة المشبه بها دون لفظ ) مصباح ( بل موجب هذا الترتيب مراعاة الترتيب الذهني في تصور هذه الهيئة المتخيلة حين يلمح الناظر إلى انبثاق النور ثم ينظر إلى مصدره فيرى 336 - أسعد حومد "أيسر التفاسير" بدون، ج6 ص2708. 337- يحيى بن حمزة بن علي بنإبراهيم، الحسيني العلوي الطالبي الملقب بالمؤيد باللهَّ (ت: 745هـ "الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز" نشر المكتبة العصرية، بيروت، لبنان، ط 1، سنة1423هـ، ج1/62.

عدد الصفحات ٢٩٠

جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 281 مشكاةً ثم يبدو له مصباح في زجاجة338.) إنَّ في الزجاجة مصباحا، وهو "يتقد بزيت بلغ النهاية في الصفاء ، فإن قيل لم شبهه بذلك وقد علمنا أن ضوء الشمس أبلغ من ذلك بكثير ، قلنا إنه سبحانه أراد أن يصف الضوء الكامل الذي يلوح وسط الظلمة لأن الغالب على أوهام الخلق وخيالاتهم إنما هو الشبهات التي هي كالظلمات وهداية الله تعالى فيما بينها كالضوء الكامل الذي يظهر فيما بين الظلمات ، وهذا المقصود لا يحصل من ضوء الشمس لأن ضوءها إذا ظهر امتلأ العالم من النور الخالص ، وإذا غاب امتلأ العالم من الظلمة الخالصة فلا جرم كان ذلك المثل ههنا أليق وأوفق" (338)، وكان أحق بأن يجعل مثلا لهداية الله تعالى إنه" لا حاجة بنا إلى تقدير لفظ "مَثَل" عقب كاف التشبيه؛ كما ذهب إليه المفسر ون، فقالوا: التقدير:" كَمَثَل م شْكَاةٍ ". وكذلك لا حاجة إلى تقدير مضاف محذوف عقب الكاف؛ كأن يقال:" كَن وْر م شْكَاةٍ "؛ لأن المشبه به ليس هو نور المشكاة وحدها؛ وإنما هو ما اجتمع من نور المشكاة، ونور المصباح، ونور الزجاجة، ونور الزيت؛ ولهذا وصفه الله تعا لى بقوله: " ن وْرٌ عَلَى ن وْرٍ ". ومن اللطائف البديعة أن النور، حيثما وقع في القرآن، وقع مفردًا، خلافًا للظلمة فإنها، حيثما وقعت، وقعت مجموعة. ولعل السبب- على ما قيل- هو أن النور واحد؛ كما أن الله تعالى واحد، وأن الظلمة متعددة؛ كما أن الآلهة الباطلة متعددة" (340.) ثم إن قوله تعالى رب العزة، فيستغني عن الوسائط" (341.) ومن براعة القرآن أننا نستشف منه في قوله نور مشرق لا هو محرق ولا هو باهت الضوء أو خافته، وتلك هي الوسطية التي جاءت بها شريعة الإسلام السَّمحة في هداياتها الربانية إلى الصراط المستقيم. 338- محمد الطاهر بن عاشور "التحرير والتنوير" دار سحنون للنشر والتوزيع- تونس - 1887 م، ج18/235. 338 - فخر الدين محمد بن عمر التميمي الرازي "تفسير الإمام الفخر الرازي المسمى مفاتيح الغيبدار الكتب العلمية- بيروت - 1421هـ- 2000 م، ط1، ج23/202. 340 - محمد إسماعيل عتوك "مثل نوره جل جلاله" مقالة، منشورة على الشابكة العنكبوتية في موقع الأستاذ. 341 - أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الإدريسي الشاذلي الفاسي أبو العباس "البحر المديد في تفسير القرآن المجيد" دار الكتب العلمية ــ بيروت، ط2، سنة1423-2002م، ج5/77.

عدد الصفحات ٢٩١

جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 282 إنَّ في اختيار شجرة الزيتون نكتة لطيفة، كون ها شجرة معمرة فهي من جهة ممتدة في الزمن، ونفعها ممتد في الناس من جهة أخرى، لا سيما وأنها مباركة، فكل ما فيها ينفع حتى رمادها، وكذلك هداية الله تعالى هي ذات الأمد الدائم المتمدد، والنفع القائم المتعدد، لمن أراد الله هدايته. وإنَّما "وصف الله تعالى زيتها بأنه يكاد يضيء ولو لم تمسسه نار لأن الزيت إذا كان خالصاً صافياً ثم رؤي من بعيد يرى كأن له شعاعاً ، فإذا مسه النار ازداد ضوءً على ضوء، كذلك يكاد قلب المؤمن يعمل بالهدى قبل أن يأتيه العلم ، فإذا جاءه العلم ازداد نوراً على نور وهدى على هدى ، قال يحيى بن سلام قلب المؤمن يعرف الحق قبل أن يبين له لموافقته له ، وهو المراد من قوله عليه الصلاة والسلام:«اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله »وقال كعب الأحبار المراد من الزيت نور محمد صلى الله عليه وسلم أي يكاد نوره يبين للناس قبل أن يتكلم ، وقال الضحاك يكاد محمد صلى الله عليه وسلم يتكلم بالحكمة قبل الوحي ، وقال عبدالله بن رواحة : لو لم تكن فيه آيات مبينة *** كانت بديهته تنبيك بالخبر" (342.) فالله "تعالى نصب الأدلة على معرفة صفاته، وحجب الخلق عن ماهية ذاته حتى يعلموه إذا شاهدوه، فللعيان مزيةٌ في البيان، أنشدني القاضي الرشيد رحمه الله بالمسجد الأقصى طَهرَه الله: لَئ نْ أصْبَحْت م رْتَح لاً بشَخْص ي *** فَر وح ــــــــي ع نْدَك مْ أبَداً م ق يم . وَلَك نْ ل لْع يَان لَط يــــــــف مَعْنى *** لَـــ ه سَ ـــــألَ الم عَايَنَ ــةَ الكَل يــم . فَخَبَّأ -والله أعلم- معرفة ذاته لمشاهدته، وأقام الأدلة على صفاته بمخلوقاته، ولذلك إذا نظرت إلى الأمثال في ال كتاب والسنة وجدتَها على الصفات محالة، وفي بيانها واردة، والذات مخبوءة تحت أستار الجلال والعظمة، ي خْب ر عنها بالتقديس، فَتَبَيَّنَ أن هذا المثلَ وغيرَه لصفاته. فضرب الله المثل في هذه الآية لعَشْرٍ بعشر: نور، مشكاة، مصباح، زجاجة، كوكب، إضاءة، إيقاد، بركة، شجرة، زيت، م رَتِّباً على 342 - فخر الدين محمد بن عمر التميمي الرازي "تفسير الإمام الفخر الرازي المسمى مفاتيح الغيب" دار الكتب العلمية- بيروت - 1421هـ- 2000 م، ط1، ج23/207.

عدد الصفحات ٢٩٢

جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 283 حذف واختصار، واستدلال بمذكور على متروك، وسبب على مسبب، وحالٍّ على محَل والعشرة اللواتي في جانب المَثَل : هدى، قلب، إيمان، صدر، صفاء، انشراح، الاستضاء به في المعارف والأعمال. فضرب مثلاً للهدى النورَ، وللقلب المشك اةَ، وللإيمان المصباحَ، وللصدر الزجاجة، ولصفاء الصدر وانشراحه الكوكب المضيء، وللاستضاءة سداد المعارف وصلاح الأعمال، وللإيقاد من الزيت الاستمداد من بحر المعارف، وللشجرة انقسام القلوب. والمعارف من أصل العلم الأول، على أغصان إلى أوراق إلى ثمار على اختلاف أنواع الشجر وصفات الأغصان واختلاف حال الثمار في الهيئات والطعوم، وإمكان الجني وتعذره، وحلوه ومره، إلى غير ذلك من معان لا تبلغها القدرة البشرية، ولا تنتهي إليها العلوم الجزئية، فبها تمام العشرة في المثل ... وخص الشجرة بالبركة، لأن العلم يدعو بعضه إلى بعض، ويدل معنى منه على معنى، والبركة هي النماء والزيادة" (343.) ذلك مثلما يقودك جذع الشجرة إلى فرعها، وفرعها إلى غصنها، وهكذا من الجذر إلى الثمرة ومن الثمرة إلى الجذر منتقلا بين الأصول والفروع، وبين المبادئ والغايات. "كما أن قوله : ( من شجرة ( يوميء إلى الحاجة إلى اجتهاد علماء الدين في استخراج إرشاده على مرور الأزمنة لأن استخراج الزيت من ثمر الشجرة يتوقف على اعتصار الثمرة وهو الاستنباط" (344.) وقد "شبه القلب بالزجاجة لأن ما في الزجاجة يرى من خارجها فكذلك ما في القلب يرى من ظاهره ويبين ذلك في أعضائه ويقال لأن ال زجاجة تسرع الكسر بأدنى آفة تصيبها فكذلك القلب بأدنى آفة تدخل فيه فإنه يفسد" (345.) وبالمقابل فإن في إبهام الشجرة ووصفها بالبركة ثم إبدال الزيتونة عنها تفخيم لشأنها"(346.) 343- محمد بن عبد الله أبو بكر بن العربي المعافري الاشبيلي المالكي (ت543هـ) "قَانون التَّأويْل" دراسة وتحقيق: محم د الس ليماني، نشر دار القبلة للثقافة الإسلاميَّة، جَد ة، مؤسَسَة ع لوم القرآن، بيروت، ط 1،1406 هـ- 1886م، ص478- 480. 344 - الطاهر بن عاشور "التحرير والتنوير، ج18/442. 345 - أبو الليث نصر بن محمد بن إبراهيم السمرقندي "بحر العلوم" ت: د.محمود مطرجي، دار الفكر– بيروت، بدون، ج2/512.

عدد الصفحات ٢٩٣

جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 284 كما أنفي ذكر المصباح، والزجاجة منكَّرين، ثم إعادتهما معرَّفين، والإخبار عنهما بما بعدهما، مع انتظام الكلام بأن يقال: كمشكاة فيها مصباح في زجاجة كأنها كوكب دري، من تفخيم شأنهما، ورفع مكانتهما بالتفسير إثر الإبهام، والتفصيل بعد الإجمال، ما لا يخفى ح سْن ه وبَهاؤ ه. ويسمِّي بعض علماء البديع هذا اللون من الأسلوب: طباق التَّرْديد. وعدَّه السيوطي من محاسن الفصاحة، وجعله أبلغَ من التأكيد بتكرير اللفظ، خلافًا لبعض من غلط. وكان قد ذكر من فوائد التكرير: التقرير، والتعظيم، والتهويل. ثم قال:" ومنه ما كان لتعدد المتعلَّق بأن يكون المكرَّر ثانيًا متعلقًا بغير ما تعلق به الأول. وهذا القسم يسمَّى بالترديد؛ كقوله: {اللهَّ ن ور السَّمَاوَات وَالأَْرْض مَثَل ن ور ه كَم شْكَاةٍ ف يهَا م صْبَاحٌ الْم صْبَاح ف ي ز جَاجَةٍ الزُّجَاجَة كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ د رِّيٌّ }وقع فيهالترديد أربع مرات" (347). وفرَّق زكيُّ الدين بْن أبي الأصبع بين الترديد، والتكرير بأن اللفظة، التي تكرَّر في الكلام، ولا تفيد معنى زائدًا، تكون تَكْريرًا للأولى. أما اللفظة التي ت رَدَّد في الكلام، وتفيد معنى غير معنى الأولى تكون تَرْديدًا لها " (348.) وولما كان الإخبار عن مضاعفة هذا النور موجباً لا عتقاد أنه لا يخفى عن أحد ، أشار إلى أنه - بشمول علمه وتمام قدرته - يعمى عنه من يريد مع شدة ضيائه ، وعظيم لألائه ، فقال: ( يهدي الله ) أي بعظمته المحيطة بكل شيء ) لنوره من يشاء ( كما هدى الله من هدى من المؤمنين لتبرئة عائشة رضي الله عنها قبل إنزال براءتها بكون الله اختارها لنبيه صلى الله عليه وسلم، ولا يختار له إلا طيباً طاهراً وما شاكل ذلك ، وعلم أن قسيم ذلك (ويضل الله عن نوره من يشاء) وعلم أن وجه كونه ضل عنه أكثر الناس إنما هو ستر القادر له بنقص في حس من يريد سبحانه إضلاله ، لا لنقص في النور كما قال الشاعر: والنجم تستصغر الأبصار صورته *** فالذنب للطرف لا للنجم في الصغر. ... و لما كان كأنه قيل : ضرب الله هذا المثل لكم لتدبروه فتنفعوا به ، عطف عليه قوله: 346 - ناصر الدين أبو الخير عبد الله بن عمر بن محمدالبيضاوي "أنوار التنزيل وأسرار التأويل" دار الفكر – بيروت، بدون، ج4/188. 347- عبد الرحمن بن أبي بكر، جلال الدين السيوطي (المتوفى811هـ) "الإتقان في علوم القرآن" ت: محمد أبو الفضل إبراهيم، نشر الهيئة المصرية العامة للكتاب، سنة: 1384هـ1874م، ج3/226. 348 - محمد إسماعيل عتوك "مثل نوره جل جلاله" مقالة، منشورة على النت في موقع الأستاذ

عدد الصفحات ٢٩٤

جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 285 (ويضرب الله ) أي بما له من الإحاطة بكمال القدرة وشمول العلم ) الأمثال للناس ( لعلمه بها ، تقريباً للأفهام ، لعلهم يهتدون {الله} أي الذي له جميع صفات الكمال{بكل شيء}أي منها ومن غيرها {عليم} يبين كل شيء بما يسهل سبيله فثقوا بما يقول ، وإن لم تفهموه أنفسكم وأمعنوا النظر فيه يفتح لكم سبحانه ما انغلق منه" (348.) ثم يقول تعالى ف ي ب ي وتٍ أَذ نَ اللهَّ أَنْ ت رْفَعَ وَي ذْكَرَ ف يهَا اسْم ه ي سَبِّح لَه ف يهَا ب الْغ د وِّ وَالآْصَال ( 36) ر جَالٌ لاَ ت لْه يه مْ ت جَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَنْ ذ كْر اللهَّ وَإ قَام الصَّلاَة وَإ يتَاء الزَّكَاة يَخَاف ونَ يَوْمًا تَتَقَلَّب ف يه الْق ل وب وَالأَْبْصَار ( 37) ل يَجْز يَه م اللهَّ أَحْسَنَ مَا عَم ل وا وَيَز يدَه مْ م نْ فَضْل ه وَاللهَّ يَرْز ق مَنْ يَشَاء ب غَيْر ح سَابٍ ( 38) وَالَّذ ينَ كَفَر وا أَعْمَال ه مْ كَسَرَابٍ ب ق يعَةٍ يَحْسَب ه الظَّمْآن مَاءً حَتَّى إ ذَا جَاءَه لَمْ يَج دْه شَيْئًا وَوَجَدَ اللهََّ ع نْدَه فَوَفَّاه ح سَابَه وَاللهَّ سَر يع الْح سَاب (38) أَوْ كَظ ل مَاتٍ ف ي بَحْرٍ ل جِّيٍّ يَغْشَاه مَوْجٌ م نْ فَوْق ه مَوْجٌ م نْ فَوْق ه سَحَابٌ ظ ل مَاتٌ بَعْض هَا فَوْقَ بَعْضٍ إ ذَا أَخْرَجَ يَدَه لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَل اللهَّ لَه ن ورًا فَمَا لَه م نْ ن ورٍ [36- 37-38-38-40] إنهاإشراقة النور، ونضرة النعيم، وهناك ظلمات مدلهمة تحيط بالكفار، تنعدم فيها الرؤية تماما، وتحيط بهم الأعاصير، والموج الرهيب يقلب أجسادهم وأفئدتهم وهم فى الظلام لا يرون من أين تأتيهم الأخطار، ولكنها تتناوشهم من كل جانب، لا يوجد أنور من هذا النور، ولا أظلم من هذا الظلام! ولا يوجد أروع من هذا التقابل الذي ترسمه اللوحتان المتقابلتان، اللتان ترسمان بالألفاظ ما تعجز عن تصويره كل أدوات التصوير. وفى سياق واحد تتقابل الصورتان جنبا إلى جنب، فتنجذب القلوب إلى النور، ثم تفزع من الظلام فتستدير إلى النور، تستروح فيه الطمأنينة والأنس والإشراق، ويختم السياق بهذه الحقيقة الهائلة فما له من نورالرباني لا ينير، وكل شيء غير نور الله ضلال، بل عبث وانقطاع، ووهم وخداع، ينتهي بصاحبه إلى الضياع في لجة الظلام، ألا إنه إعجاز" (350.) 348 - برهان الدين البقاعي "نظم الدرر في تناسب الآيات والسور" ت: عبد الرزاق غالب المهدي، ج5/526. 350- محمد قطب "لا يأتون بمثله" منشور على موقع الصحوةwww.sahwah.net

عدد الصفحات ٢٩٥

جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 286 ويجب التنبيه إلى أن هذا المثل قد احتوى تشبيها مقلوبا، حيث شبه الله تعالى نور الهداية الربانية الجليلة الفائقة، بالأنوار المخلوقة، ولا شك أنَّ المشبه به أقلُّ من المشبه، ر غم تضاعف النور وتعدده وقوته في كونه ضمن مشكاة في مصباح في زجاجة، ومهما يكن نورا على نور، فإنَّ نور الحق الديني، لا كنو ر المخلوق الكوني، لذلك عدَّ التشبيه مقلوبا في اصطلاح علماء البلاغة النابهين، عليهم رحمة الله ورضوانه، من هنا تخلَّص أبو تمام في مدحه لأحمد بن المعتصم ووصفه بقوله: إقدام عمرو في سماحة حاتم *** في حلم أحنف في ذكاء إياس. فقال بعض المغرضين من جلساء السلطان أحمد "ما زدت على أن شبهت الأمير بمن هم دونه" (351)، وروي أن الفيلسوف أبو يوسف الك نْدي قال له: "الأمير فوق ما وصفت352 ) وفي رواية أنه قال له: "ضربت الأقلَّ مثلا للأعلى353 .) فأطرقَ أبو تمام ثم أجابهم قائلا في القصيدة نفسها لا ت نكروا ضَرب ي له مَن دونه *** مثلا شرودا في الندى والباس. فالله قـد ضَرَبَ الأَقَــلَّ لنــور ه *** مَثَــلا م نَ الم شكـاة والنِّبـرَاس. فتعجبوا من ذكائه وفطنته، وحسن تشبيهه وسرعة بديهته. فكأنَّ أبا تمام ردَّ عليهم بأنه إنما وصفه بأولئك الأشخاص على طريقة التشبيه المقلوب(354.) 351- عليالجارم ومصطفى أمين "البلاغة الواضحة" ت: علي بن نايف الشحود، بدون، ص77. 352- أبو عبيد الله بن محمد بن عمران بن موسى المرزباني (ت384هـ) "الموشح في مآخذ العلماء على الشعراء بدون، ص185 . 353- المصدر السابق نفسه 354- علي الجارم ومصطفى أمين "البلاغة الواضحة" ت علي بن نايف الشحود، بدون، ص76- 77.

عدد الصفحات ٢٩٦

جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 287 المثل المضروب للحق والباطل: يقول عز وجل ي وق د ونَ عَلَيْه ف ي النَّار ابْت غَاءَ ح لْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ م ثْل ه كَذَل كَ يَضْر ب اللهَّ الْحَقَّ وَالْبَاط لَ فَأَمَّا الزَّبَد فَيَذْهَب ج فَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَع النَّاسَ فَيَمْك ث ف ي الأَْرْض كَذَل كَ يَضْر ب اللهَّ الأَْمْثَالَ [17] "شبه الوحي الذي أنزله لحياة القلوب والأسماع والأبصا ر بالماء الذي أنزله لحياة الأرض بالنبات وشبه القلوب بالأودية فقلب كبير يسع علما عظيما كواد كبير يسع ماء كثيرا وقلب صغير إنما يسع بحسبه كالوادي الصغير فسالت أودية بقدرها واحتملت قلوب من الهدى والعلم بقدرها وكما أن السيل إذا خالط الأرض ومر عليها احتمل غثاء وزبدا فكذلك الهدى والعلم إذا خالط القلوب أثار ما فيها من الشهوات والشبهات ليقلعها ويذهبها كما يثير الدواء وقت شربه من البدن أخلاطه فيتكدر بها شاربه وهي من تمام نفع الدواء فإنه أثارها ليذهب بها فإنه لا يجامعها ولا يشاركها وهكذا يضرب الله الحق والباطل" قوله فاعلاً جمع على أفعلة قال : ويشبه أن يكون ذلك لتعاقب فاعل وفعيل على الشيء الواحد كعالم وعليم ، وشاهد وشهيد ، وناصر ونصير" (355.) ومعلوم أن الفاعل يتجسد فيه الفعل بصفة أقل مما هي في فعيل، فهما متفاوتان من حيث كثافة الدلالة على الشيء الواحد، وعلى هذا فالمناسبة حاصلة تماما بين هذا المعنى، وبين سيل الأودية بقدرها لأنها متفاوتة في سعتها، وفي كثرة جمع الماء في ضفافها. و"إنما ذكر لفظ أودية على سبيل التنكير ، لأن المطر لا يأتي إلا على طريق المناوبة بين البقاع فتسيل بعض أودية الأرض دون بعض" (356.) "ولما كان المقصود التشبيه بالهيئة كلها جيء في حكاية ما ترتب على إنزال الماء بالعطف بفاء التفريع في قوله : فسالت ( وقوله : ( فاحتمل ( فهذا تمثيل صالح لتجزئة التشبيهات التي تركب منها وهو أبلغ التمثيل ... والقَدَر بفتحتين : التقدير ، فقوله : {بقدرها} 355- فخر الدين الرازي "تفسير الإمام الفخر الرازي المسمى مفاتيح الغيب"، ج18/28. 356- المصدر السابق نفسه

عدد الصفحات ٢٩٧

جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 288 في موضع الحال من {أودية}، وذكره لأنه من مواضع العبرة ، وهو أن كانت أخاديد الأودية على قَدْر ما تحتمله من السيول بحيث لا تفيض عليها وهو غالب أحوال الأودية . وهذا الحال مقصود في التمثيل لأنه حال انصراف الماء لنفعٍ لا ضر معه ، لأن من السيول جواحف تجرف الزرع والبيوت والأنعام" (357.) "ثم ذكر المثل الناري فقال وهو الخبث الذي يخرج عند سبك الذهب والفضة والنحاس والحديد فتخرجه النار وتميزه وتفصله عن الجوهر الذي ينتفع به فيرمى ويطرح ويذهب جفاء فكذلك الشهوات والشبهات يرميها قلب المؤمن ويطرحها ويجفوها كما يطرح السيل والنار ذلك الزبد والغثاء والخبث ويستقر في قرار الوادي الماء الصافي الذي يستقي منه الناس ويزرعون ويسقون أنعامهم كذلك يستقر في قرار القلب وجذره الإيمان الخالص الصافي الذي ينفع صاحبه وينتفع به غيره ومن لم يفقه هذين المثلين ولم يتدبرهما و يعرف ما يراد منهما فليس من أهلهما"(358.) إن المثل الناري نظير للمثل الأول لأجل "يفيد تقريب التمثيل لقوم لم يشاهدوا سيول الأودية من سكان القرى مثل أهل مك ة .. فقد كان لهم في مكة صوَّاغون كما دل عليه حديث الإذخر، فقرب إليهم تمثيل عدم انتفاعهم بما انتفع به غيرهم بمَثَل ما يصهْر من الذهب والفضة في البواتق فإنه يقذف زبداً ينتفي عنه وهو الخَبث وهو غير صالح لشيء في حين صلاح معدنه لاتخاذه حلية أو متاعاً" (358.) فانظر إلى مراعاة أحوال الناس ومداركهم وتقريب الصورة إليهم بذكر شيء يعلموه لينتقلوا به إلى علم المجهول وأخذ العبرة الكائنة في تمام التصور، فقد رسم هاهنا لوحتين كل منهما يصلح لقوم، فدل على التنويع في المثل الواحد من جهة، والاستيعاب المحيط لما يمكن أن يكون في الواقع مما يصير به المثل دقيقا من جهةٍ أخرى. وقد اختار لفظة الحلية لأنها أحب إلى النفوس، وقدم ذكرها على المتاع مما يتداوله الناس من الذهب والفضة والنحاس والحديد والرصاص والأواني لقضاء حوائجهم، فهذه وسيلة 357 - الطاهر بن عاشور "التحرير والتنوير"، ج31/117-118. 358- محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية (ت: 751هـ "إعلام الموقعين عن رب العالمين"ت: محمد عبد السلام إبراهيم، دار الكتب العلمية – ييروت، لبنان، ط 1، سنة: 1411هـ1881م، ج1/118. 358- الطاهر بن عاشور "التحرير والتنوير" ، ج31/118.

عدد الصفحات ٢٩٨

جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 288 والحلية غاية، وتقديم الغاية على الوسيلة لأنها أرفع، ثم إنه بالإمكان أن تكون غاية المتاع الأكل والشرب والعيش الحسن، ولكن لما كان التزين بالحلي دليلا على توفر المطعم والملبس لزوما، وكان هو أعلى ما في العيش الهنيء لأنه يتضمن ما تحته من معايش طيبة إذ لا يتزين بالحلي المتزين وهو جوعان عريان، لما كان ذلك كذلك اختار لفظ الحلية دون ما سواها، مقدما في الذكر إياها، مما يدل على البراعة الفائقة، والمعاني الرائقة المنضوية تحت هذا الترتيب للألفاظ في المستوى التركيبي، والإجادة في اختيار المباني في المستوى الدلالي للبلاغة، إضافة إلى الناحية الصوتية إذ كلمة"الحلية" في جرسها ونغمتها ألطف وأجمل من لفظ "متاع" فبدأ بها، ولم يختر غير لفظ المتاع مقدما إياه على ما في معناه لأن فيه ذكر الأشياء والغرض منها في لفظة واحدة، وهو أنها للتمتع والتبلغ بها إلى حين، ثم إن الحلية تعم كل أنواع الأشياء التي يتحلى بها، ففي ذكر المصدر شمول وإحاطة، وكذلك الأمر في لفظ المتاع تماما. ولما لم تكن عادة الناس أن يصوغوا الحلية والدنانير الذهبية والفضية في الوقت نفسه، ناسب أن يذكر حرف العطف الناس يصوغهما معا فحرف ولى من الواو العاطفة، فهو يؤدي المعنَيَين ويتناول الحالين بخلاف الواو، فتأمَّل. وقوله فهمت هذا فاننتقل إلى درجة ثانية من الكلام، ولنتحدث عن مصير الماء والزبد، ماذا بعدهما؟ والنتيجة هي أن الزبد كالباطل له جولة ثم يزول، فتلك هي حال المبطلين فالينتهوا فهذا النذير لهم، وقد جعل يذهب ولكن أيذهب دون أي وصف سيء آخر، كلا، إنَّه يذهب جفاء، ويرتحل فَناء، يقال جفأت القدر بزبدها إذا ألقته عنها، وبذلك يلقيه الوادي على جنباته فيَيبَسَ ويضم حل سريعا ويتلاشى لأنه لا يصلح حتى لأن يكون وقود نار أو حطبا فيرتاح الناس من وعثائه حين يطيش، لأنَّه أَصلا لا يلزم مكانه يقال جفا الشيء يَجْف و جَفَاءً وتَجافَى: لَمْ يلزم مكانَه، كالسَّرْج يَجْف و عن الظَّهْر وكالجَنْب يَجْف و عن ال ف راش ... إنَّها الغازات التي "تكونت من عفونة أجسام تحللت وفسدت ببعض عوامل التحليل والفساد. وبهذه الغازات كثر الزبد وكبرت فقاعاته. وهذه الغازات يقابلها أهواء المرء وشهواته، فإذا كانت الغازات

عدد الصفحات ٢٩٩

جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 300 هي العامل الأساسي في تكوين ال زبد فالأهواء والشهوات هي العاملا لأساسي لوجود كل باطل على ظهر هذه الأرض. فأي شيء في الإنسان ضربه العفن والفساد؟، لقد جاء العفن منذ أن خلقه الله من طين خسيس بالأصل المكنون بالحمإ المسنون والماء المتجدد يطهر العفن ويزيله كماء الوادي. وكذلك الوحي، يزيل العفن من نفوسنا ويطهرنا، ففطرنا على الإيمان بالله" (360.) وانظر أنت إلى تجانس الأمور الشرعية مع الأمور الكونية في هذا المشهد البارع، فالزبد تراه خفيفا يطفو، وكذلك الباطل في خفته وطيشه، وملئه للميدان في الظاهر وانتفاخه الباهر، وركوبه الموجة ر غم كونه ضعيفا خاويا فارغا لا يساوي شيئا، في حين تجد الماء ثقيلا قويا مستقرا مع كونه سائلا سائغا متحركا متماسكا لا رغوة فيه ولا فقاقيع تعتريه، غمنا هو كتلة واحدة متجانسة، وكذلك شان الحق في هذه الصفات جميعا، فيا لله العجب من هذا التجانس الدقيق، ثم كرر لفظ الأشياء بذكر العلامات اللغوي ة التي هي الفواصل بين الأشياء حتى تدرك مواقعها من جغرافية المعنى، وبذلك يكون التفصيل الذي به يحصل الفهم والإدراك، وإذن؛ فالماء هو الماكث المقيم، لكنه لم يذكره هاهنا باسمه وإنما دلَّل عليه بعمله، وعرفه بوظيفته ثم هي ليست أي وظيفة بل الوظيفة الجامعة، وهي المنفعة فقال لذلك صدره هنا والحق، فكلاهما ينفع الناس، لهذا لم يذكر لفظ الماء وإنما ذكر وظيفته التي يجتمع فيها مع غيره من الحق المنزل، وقد قال عنه اولهما معا، إذ المكوث يكون للمادي والمعنوي جميعا، فيشمل وجه الشبه النافع من الماء ومن الحلية والمتاع، وهو أفضل من لفظ "يستقر" أو لفظ "يبقى"اللذين لا يعنيان طول المدة، والامتداد في الزمن، ولهذا لما كان أهل النار خالدون فيها للأبد، نادوا خازنها يَقْض عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إ نَّك مْ مَاك ث ونَ77] ف ي عَذَاب جَهَنَّمَ خَال د ونَ74) لاَ ي فَتَّر عَنْه مْ وَه مْ ف يه م بْل س ونَ 75) وَمَا ظَلَمْنَاه مْ وَلَك نْ كَان وا ه م الظَّال م ينَ ( 76) وَنَادَوْا يَامَال ك 74-75-76] 360- أحمد عمر أبو شوفة "المعجزة القرآنية" دار الكتب الوطنية، ليبيا، سنة2003م، ص206 .

عدد الصفحات ٣٠٠

جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 301 يستعمل في المكان، كما قال تعالى عن الهدهد [22] موسى صلى الله عليه وسلم28] فلو خاطب ملك أهل النار بقوله "إنكم لابثون" لاحتمل أن يضيفوا له سؤالا هو أننا مادمنا لابثين فلنلبث في غير النار، لهذا قطع سبحانه كل تكرار أخذ ورد فقال المكان، وبالتالي لم يكن محل لإيراد أي سؤال آخر، كما أنه لم يختر لفظة "يلبث" لأن فعل لبث أدنى من فعل مكث بمراحل، وفي القرآن أن اللَّبث يكون للساعة وهي جزء يسير من الزمن45] يقارب العشرة قرونحًا إ لَى قَوْم ه فَلَب ثَ ف يه مْ أَلْفَ سَنَةٍ إ لاَّ خَمْس ينَ عَامًا [14] عن يونس عليه الصلاة والسلام143) لَلَب ثَ ف ي بَطْن ه إ لَى يَوْم ي بْعَث ونَ114] الزمانية، فقدم معنى المكوث المتعلق بالمكان على اللبث المتعلق بالزمان، لاسيما وأن المكوث أوسع من اللبث على اعتبار أن اللبث قد يكون لمجرد ساعة من الوقت من جهة، وأن الذهب والفضة والنحاس والحديد والرصاص والماء في جوف الأرض يبقون لمدد طويلة جدا من جهة ثانية لكونهم من الجواهر، ثم لفظ "لبث" هو زمني محض لا معنى للمكانية فيه، فكان قوله اختيار المكان على الزمان فهو لأجل قضيتين: القضية الأولى: أن المكوث له محل وهو هنا الأرض، لذلك ذكرها كون ها اللفظ المقابل للمعنى المشبه له وهو القلب، لأن الله تعالى ضرب هذا المثل "للْعلم ح ين تخالط الْق ل وب بشاشته فَإ نَّه يسْتَخْرج م نْهَا زبد الشُّب هَات البالطة فيطفو على وَجه الْقلب كَمَا يسْتَخْرج السَّيْل من الْوَادي زبدا يَعْل و فقوق المَاء وَأخْبر س بْحَانَه انه راب يطفو ويعلو على المَاء لا يستقر ف ي ارْض الْوَادي كَذَل ك الشُّب هَات الْبَاط لَة إ ذا أخرجهَا الْعلم ربت فَوق الْق ل وب وطفت فَلاَ تَسْتَق ر ف يه بل تجفى وترمى فيستقر ف ي الْقلب مَا ينفع صَ احبه وَالنَّاس من الْهدى وَدين الْحق كَمَا يسْتَقر ف ي الْوَادي المَاء

عدد الصفحات ٣٠١

جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 302 الصافي وَيذْهب الز بد جفَاء 361.) القضية الثانية قضية التحدي والانتصار فإنَّ الحق إذا غلب الباطل لا يذهب كذهاب الباطل ليظهر في مكان آخر، كلا، بل يبقى في الميدان قائما شامخا ليدل ا لناس على انتصاره وأن العاقبة له ولو كره الكافرون. ثم إنَّه سبحانه فضَّل الفعل على اسم الفاعل فلم يقل "فماكث في الأرض" بل قال "فيمكث في الأرض" لما تحت لفظ الفعل من المغالبة والاستمرار الكامن في الفعل المضارع، وهي مغالبةٌ تقضي في الأخير بانتصار الحق، من هنا جعله فعلا مضارعا يشي بالفاعلية والحدوث المناسب لما في المعركة من صراع، وما يغمرها من نزاع، وتحت هذه المعاني كلها البشارة السارة لأهل الحق والهدى. أمَّا الزبد فإنه يلتقي مع الباطل تمام الالتقاء: "1 – كل منها ظاهرة عارضة ضائعة الأصل والنسبة 2 - كل منها شيء لا نفع له ولا ثمرة ينتهي إليها 3 - كل منها سريع التحول والزوال لا استقرار له ولا دوام362.) وقوله { "على النار" لأن انصهار المواد الصلبة كالذهب والفضة والنحاس وغيرها لا يكفي فيه أن توضع عليها بل لا بد من دخولها في النار لتشملها ألسنة اللهيب من جميع الجوانب، حتى يتم المقصود، كما هو الأمر المعمول به عند الصَّاغة واقعا، فهل يوجد كاتب في الوجود - ولو تظاهر معه جميع أهل الأرض-؛ يستطيع استحضار كل هذه الدقائق الكثيرة، والمعاني الفائقة المحيطة بالنص ليراعيها في التعبير حتى ينسجم، كلا، إنه داخل في مغامرة هي من البدء خاسرة. وفي قولهن ه موضع اعتبار أيضاً ببديع صنع الله تعالى إذ جعل الزبد يطفو على أرق الأجسام وهو الماء وعلى أغلظها وهو المعدن فهو ناموس من نواميس الخلقة، فبالتقديم يقع تشويق السامع إلى 361- محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية (المتوفى751هـ "مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة" دار الكتب العلمية – بيروت، بدون، ج1/61. 362- أحمدعمر أبو شوفة "المعجزة القرآنية" دار الكتب الوطنية، ليبيا، سنة 2003م، ص206.

عدد الصفحات ٣٠٢

جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 303 ترقب المسند إليه ... وعدل عن تسمية الذهب والفضة إلى الموصولية بقوله تعالى توقدون عليه في النارلغرض في ذكر الجملة المجعولة صلة، فلو ذكرت بكيفية غير صلة كالوصفية مثلاً لكانت بمنزلة الفضلة في الكلام ولطال الكلام بذكر اسم المَعْدنين مع ذكر الصلة إذ لا مَحيد عن ذكر الوقود لأنه سبب الزبد، فكان الإتيان بالموصول قضاءً لحق ذكر الجملة مع الاختصار البديع . ولأن في العدول عن ذكر اسم الذهب والفضة إعراضاً يؤذن بقلة الاكتراث بهما ترفعاً عن وَلع الن اس بهما فإن اسميهما قد اقترنا بالتعظيم في عرف الن اس، و متاعالمراد من الصلة ولإدماج ما فيه من منة تسخير ذلك للناس . لشدة رغبتهم فيهما . والحلية : ما يتحلى به، أي يتزين وهو المصوغ . والمتاع : ما يتمتع به وينتفع ، وذلك المسكوك الذي يَ تعامل به الناس من الذهب والفضة... وقد علم أن الزبد مثَل للباطل وأن الماء مثَل للحق ، فارتقى عند ذلك إلى ما في المثلين من صفتي البقاء والزوال ليتوصل بذلك إلى البشارة والنذارة لأهل الحق وأهل الباطل بأن الفريق الأول هو الباقي الدائم ، وأن الفريق الثاني زائل بائد .. فصار التشبيه تعريضاً وكناية عن البشارة والنذارة ، كما دل عليه قوله عقب ذلك" (363{ ) ل رَبِّه م الْح سْنَى وَالَّذ ينَ لَمْ يَسْتَج يب وا لَه لَوْ أَنَّ لَه مْ مَا ف ي الأَْرْض جَم يعًا وَم ثْلَه مَعَه لاَ فْتَدَوْا ب ه أ ولَئ كَ لَه مْ س وء الْح سَاب وَمَأْوَاه مْ جَهَنَّم وَب ئْسَ الْم هَاد رعد: 18.] ولم يذكر وجه الشبه غير النافع من زبد الذهب والفضة اكتفاء بزبد الماء، وذلك عين الاختصار والبلاغة والإيجاز، لأنه قال الاختصار ومناسبته. ومن رياحين البلاغة الصافية أن الزبد وإن كان زبد الماء وزبد الحلية والمتاع من الذهب والفضة إلاَّ أنه لم ينسبه إليهما بل فصله عنهما، حتى تتجانس المفاصلة الواقعية الطبيعية التي جعلها الله تعالى بين الحق والباطل. 363- الطاهر بنعاشور "التحرير والتنوير"، ج31/118-120.

عدد الصفحات ٣٠٣

جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 304 بل لقد لقط ألقى على المخاطب أشعة إيحائية من المعاني الكامنة في التعبير، فقال السيل زبداتعل" الدلالة على الاختلاق، وهو شأن الأباطيل في اختلاقها ودعاوى أهلها التي لا تثبت ولا تصح، ثم إن هذا الفعل والوضر عن منازعة وكره، بل كرهٍ مضاعف يدل عليه قوله زبدا قد صار زائدا رابيا، صاعدا متسلقا إلى سطح الماء، متقلبا فوقه معتليا عليه في منازعة وصراع واضحين بين الحقائق الصالحة والواقفة، والأباطيل المالحة الزائفة، ذات الرعونة والفوضى والتلف.

عدد الصفحات ٣٠٤