المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

جماليات المثل في القرآن الكريم دراسة أسلوبية

سعد قدور عيسات

صفحة ١ من ٢٤

جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 1 الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية وزارة التعليم العالي و البحث العلمي كلية اللغات والفنون. جامعة وهران قسم اللغة و الأدب العربي مشروع ماجستير : "بلاغة القرآن: دراسة في الأساليب " عنوان الرسالة : " جماليات المثل في القرآن الكريم لجنة المناقشة: الدكتور: محمد ملياني رئيسا. الدكتور: عبد الق ادر بو عزة عضوا. الدكتورة: سعد الله زهرة عضوا . إعداد الطالب : إشراف الدكتور : عيسات قدور سعد زرادي نور الدين السنة الجامعية : 4102 - 4102 م " دراسة أسلوبية 2015/06/15

عدد الصفحات ١

جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 2 إه داء إلى روح والدي الذي كم أحبَّ القرآن وعانقه، وقد رحل عنا من قريب ، عليه رحمة الله ورضوانه ، إليه أهدي هذا العمل. سعد

عدد الصفحات ٢

جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 3 بس م الله الر حم ن الر ح ي م الحمد لله رب العالمين، وبه نستعين، والصلاة والسلام على نبيه الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين.

عدد الصفحات ٣

جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 4 مقـدمــــــــــة

عدد الصفحات ٤

جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 5 لقد تتابعت خُطا التَّآليف المعوِّلَة على استخراج بلاغيات القرآن الكري م؛ رويدا رويدا حتَّى وصلت في العصر الحاضر إلى ما يُشبه السُّرعةَ والكثافَة , واتَّجهَت الأقلام مُحاوِلَةً الحفر في نصوص الكتاب العزيز تحدوها البلاغَةُ, ويُعينُها الدَّرس اللِّساني الحديث بوجه عام, والدَّراسات الأسلوبيَّ ة على و جهِ الخُصُوص, ممَّا وَلَّدَ لدى الباحثين اهتماما ً جَ م ًا مترادِفا بالإعجاز القرآني , لاسيما في هذا الزَّمَن الذي احتاجَ فيه المتلَقِّي إلى سَبرِ أغوار البيان تعليما؛ بوضع النَّقاط على الحروف أكثَر من ذي قبل, والأخذ بيدِه إلى اللَّمَسات الإعجازيَّة في آيات الذكر الحكيم, حتَّى يقف عليها معايَنَةً , ويُدرك الفرق بين أساليب القرآن وأساليب غيره, على نحوٍ واضح معياري ًا, ظاهرٍ علمي ًا, لا مُجَرَّدَ وُضُوٍٍ وصفي ذوقي. فلمَّا كان البيانُ مرتكزا على دعائم حدَّدها البلاغيون في الاستعار والتشبيه والمثل, وكان المثل يُعدُّ أسلوبا على حدَ ٍ, يَ مَّ م تُ شَط رَ البحثِ فيهِ ؛ لكونِه أوسَع مِن قرنائه فهو كثيرا ما يتضَمَّنُ التشبيه والاستعارَ َ , إضافَةً إلى أنَّه أوَّلُ صورَ ٍ بيانِيَّة استعملت في البيان الإلهي في بدايات سورَ البقرَ , وهو إلى ذلك قرينُ القِصَّة , ومقابلٌ لها, وإذا كانت القصة قد تناولها بالدرس الكثيرون في مصَنَّفاتٍ عِدَّ ٍ , ورسائل جامعِيَّة متنوِّعَة؛ فإ نَّ المثَل لم ينل هذا الحظ الكبير, فلا يزالُ بخصوصه محتاجاً إلى الدِّراسَة , لكون الأق لام عَرَّجت عليه عَرَضا لا قصدا, وتَبَعًا لا أَصَالَةً . وبعدَ تَتَبُّعٍ , ومُحاوَلَةِ استقصاءٍ ؛ وَجَدتُ أنَّ الأمثال ال قرآنِيَّة غير مطروقَةٍ بشكل جيد , لاسيما من ناحِيَة الطَّرق الأكاديمي الذي له شرفه ومميِّزاته شكلا ومضمونا, فالمثل على الأقل ليس مهتَم ًا به بالقدر الذي يُناسِب منزِلَتَهُ في القرآن العظيم. إنَّ كثيرا ممَّا كُتِبَ في باب الأمثال؛ لا يمُتُّ بصِلَةٍ إلى لبِّ موضوعنا م ن إبراز بلاغة المثل وأساليبه وملامحه وخصوصياته في القرآن؛ وما وُجِدَ من ذلك فهو قليل ومتناثر, على أنَّ أغلب من ألَّفَ في المثل ال قرآني لم يعدُ أن جمعَ أمثاله وشرحها شرحا عاما دون معانا استخراج اللَّطائف البيانيَّة, والصَّبر على استكناه ما يقومُ عليه من الوظائف التَّعبيريَّة, فضلا عن محاوَ لَةِ بلور ِ أصوله الأسلوبيَّة, وتحديد أسُسه البلاغيَّة, وما يُبنى عليه مِن تقعِيد,

عدد الصفحات ٥

جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 6 واستخراج أصوله المحكمة وقانونه الفريد. وهو ما أحاول تغطيته بحثا, والإتيانَ عليه تنقيبا وفتشا , ساعيا سعيا حثيثا لا ألوي على شيء. وإنَّما عرَّجت على المثل لميز أخرى غير ما سبق؛ هي كونه داخلا في دائر علم البيان, ذلك العلم الذي أطال الزمخشري في مدحه وشرحه, جاعلا منه ركيز في استخراج ألوان البلاغة وجمالياتها منَ نصوص الكتاب. ولهذه الدراسة أهدافٌ شَتَّى نجمِلُها في ثلاثَة: أوَّلُها: رغبتي في توسيع دائر البحث في المثل القرآني على وجه الخصوص؛ لأنَّ تحليل الأجزاء هو الذي يُحَدِّد ويُصَوِّبُ النَّظرَ َ الكُلِيَّة للأشياء. ثانيها: طلبي ا لعثورَ على أسئلَةٍ كثيرَ ٍ فريدَ وأوجه إ عجاز جديد , و الإجابَ ة على ما يُمكنني من ذلك لإثراء الحقل البلاغي وتقدُّ ما بمنسوبه ولو بنسبَةٍ دافِعَةٍ إلى الأمام, فإنَّ كثيرا من أسرار القرآن لا تكاد توجد في الكتب, كما قال ابن القيم، وإنما لأدراك م ثلها "ي حتاج إلى مجالسة الشيوخ والعلماء" (1.) ثالثُهامحاوَ لتي تحقيقَ الوصولِ إلى أطرافٍ من " نطريَّة المثل في القرآن الكريم", تلك التي ليس لها وجودٌ إلى الآن , والتي ينبغي على الباحثين توسيع الجهد لاستخراجها وضبطِها , وهِيَ دَ ي نٌ في رقابِ المتخَصِّصِين , ولعلَّ في جهدنا المتواضع ما يفتح الباب , وينبِّهُ الألباب, ويَسُدُّ ثغرَ ً ويدفَعُ إلى السَّير, ويقطَعُ مسافَةً في الطَّريق. وقد ك نت حريصا في تحليلي للأمثال على قراءتها بعمق, وَفقَ منهجيَّةٍ دقيقة, تنتظمُ ها العناصر الآتية في دراسة النصوص: 1 - معرفة مكوناتها 2 – طبيعة هذه المكونات 1- محمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية "بدائع الفوائد" دار الكتاب العربي، بيروت، لبنان، بدون، ج1/101.

عدد الصفحات ٦

جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 7 3 - كيف تتفاعل هذه المكونات فيما بينها، وما مدى علاقتها ببعضها بعض 4 - طريقة عملها أي كيف تعمل هذه البنية النص يَّة في الخطاب القرآني وبلاغته في ضرب الأمثال. لأجل هذا كلِّ ه جمعتُ أمري وركَّزتُ عزمي على تناول هذا الجانب في هذه الرسالة كيما أدرُسَ المثل القرآني دراسَةً خاصَّة , وأستخرج منه الفوائد المقتنصة, والله من وراء القصد. فما منزلة المثل من البيان القرآني, وما هي جمالياته التَّصويريَّة ومحاسِنُه التَّعبيِريَّة, وإلى أَيِّ مدى يمك نُ أن يكونَ نظريَّة مستقِلَّة, يُستطاعُ من خلالها الكشف عن ملامحه وسماته وخصائصه التي انطوت عليها أساليبُ القرآن في استعماله, وكيفَ تناولته الآي ات بالطَّريقة الجامعة لأصوله وأركانه وقوانينه, وما فَنِيَّاته وميزاته التي تندرجُ تحتَ جمالياته؟ وفي طريقي إلى المقصود استصحبتُ المنهَجِيَّة العلمِيَّة القائمة على الوصف , والمعتمد على الإجراء التحليلي, روماً للوصول على نتائج علمية معيارية , أرجو أن تكون مهمَّةً ومفيد , وقمتُ في سبيل ذلكَ بسلوك الخطَّة الآتِيَة: تحتوي خطَّةُ البحثُ مقدِّمَة , تطرقت فيها إلى بيان عملي وطريقة بحثي, وتعيين المنهجية المعتمد في دراستي للمثل القرآني, وتوضيح محتوى الرسالة وهيأتها شكلا, وما هي عليه مضمونا بذكر مرتكزاتها, وتحديد مجالها. وقد اخترت أن أُقَسِّمَ هذه الدراسة إلى بابين: الباب الأوَّل: وهو نظري يُفَصِّلُ القول في أهمِيَّة المثل , وأنواعه وخصائصه ومزاياه وأغراضِه , ما يشتمل عليه في القرآن من س مات ومميِّزات تنعَدِمُ في غيره , وكيفَ أنَّه المقابل للقِصَّة القرآنِيَّة, مع بيان مدى أثره في الإقناع البياني, والحجاج القرآني, ومنزلته من فنِّ الجَدَل, ومتى يُؤتى به للموعظة والتَّذكير؛ ومتى يؤتى به للتَّعليم والتَّبصير, و علاقته بالورود المناسباتي في الآيات, ودرجة التماوج الصَّوتي في إيقاعاته, بالإضافة إلى مساير المثل للانفعالات التي يقتضيها السِّ ياق وغير ذلك. الباب الثَّاني: بابٌ تطبيقي نروم فيه الإسهابَ العلمي كيما نلامس حدودَ نظريَّة المثل في

عدد الصفحات ٧

جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 8 القرآن الكريم, فنجلي من خلاله بلاغة التصوير فيه, وجماليات أساليبه التركيبِيَّة, ومحاسن اختياراته اللَّفظِيَّة . ثُمَّ تأتِيَ خاتِمَ ة تحاول جمع شتات الموضوع في كلمات متسلسلة, وجملة من المعاني التي تلملم - بقدر المستطاع - أطرافَ البحث وتُ دوِّنُ نتائجَه. ثُمَّ إنَّ مظانَّ ا لبحث في الموضوع متعدد ٌ تَجمعُ بينَ يدَيها كُتُبَ البلاغة والنَّقد ودواوين اللُّغة والمصَنَّفات في التَّفسير وعلوم القرآن وهي كثيرَ ٌ ومعروفَة, وما أُلِّفَ أيضا في الإعجاز القرآني على وجه الخصوص كدلائل الإعجاز لعبد القاهر الجرجاني وغيره, بالإضافَةِ إلى ما كُتِبَ من بحوثٍ حديثةٍ ومعاصِرَ ٍ في الحقل نفسه وما يمتُّ بالصِّلاتِ إليه كعلم اللسانيات بتآليفه الشَّرقيَّة وتراجمه العربيَّة ومراجعه الأجنَبِيَّة. وفيما يلي بعض أهمِّ هذه الكتب: ـ الأمثال في القرآن الكريم, محمد بن أبي بكر أيوب الزرعي أبو عبد الله, ت: إبراهيم بن محمد, مكتبة الصحابة, طنطا, ط 1, 1041 – 1891م ـ الأمثال القرآنية القياسية المضروبة للإيمان بالله, د. عبد الله بن عبد الرحمن المنصور الجربوع, بدون تاريخ. ـ الأمثال من الكتاب والسنة, لأبي عبد الله محمد بن علي الحكيم الترمذي, ت: د.السيد الجميلي, دار ابن زيدون - بيروت, ط 1, 1891م ـ الأمثال والمِث ل والتَّمَثُّ ل والمَثُلات في القرآن الكريم, سميح عاطف الزين, دار الكتاب اللبناني, بيروت, ط2 ,1021هـ-2444م - سميرة عدلي محمد رزق "وجوه البيان في أمثال القرآن" رسالة دكتوراه، بجامعة أم القرى، قسم الدراسات العليا العربية، فرع أدب، مكَّة الم كَرَّ مَة، 1407هـ- 1887م ـ الإشار الجماليَّة في المثل القرآني, د.عشتار داود محمد, منشورات اتحاد الكتاب العرب, دمشق, سورية, 2441م ـ "حقيقة المثل الأعلى - دراسة عقدية لمعنى المثل الأعلى ومدلولاته" إعداد د. عيسى بن عبد الله الس عدي, بدون تاريخ.

عدد الصفحات ٨

جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 8 هذا بالإضافة إلى مقالات كثير ومجلات متعدد فضلا عن بقيَّة المصنَّفات الأخرى. ومعلوم أن باب التنظير لا يكفي مجردا إلا باستناده إلى شيء من التطبيقات التي توضح النظرية، وإن كان للتطبيق باب مفرد فإنَّ المنهج العلمي يقتضي ع دم إعادة ذكر ما مضى من آيات سبق الكلام عليها في باب التنظير حتى لا يصبح وجودها في التطبيق مجرد تكرار، لذلك حاولنا استيفاء ما يمكن أن يذكر عنها من البيان والتحليل البلاغي الأسلوبي في مكان ورودها كيما يفرغ منها ولا تتداعى الحاجة إلى الخوض في أفيائها مرة ثانية، وهذا من أجل أن نتوفر للحديث عن غيرها من الآيات في دلالتها على المثل من جهة، ولكي نستطيع تناول أكبر عدد من الأمثال القرآنية من جهة ثانية، ولنترك مساحة التكرار لتدوين ما زاد من اللَّطائف والإيحاءات من جهة ثالثة. وكان علينا أن نطبق المنهج اللساني في إطاره الشمولي؛ لأنه ليس بالإمكان فهم الخطاب من خلال مستوى واحد كالمستوى الصوتي أو التركيبي أو الدلالي، وهذا الفهم لا يكون إلا لمن يملك أدوات التحليل يضاف إليها القراءات الذكية الصحيحة التي تؤدي إلى الفهم الصحيح، وهذا الفهم يكون على ضوء اللسانيات المرتبطة بالأسلوبية المنضبطة بضوابط المنهج العلمي الصحيح. فلقد تدرَّج البحث اللِّسانياتي وئيدا وئيدا حتَّى كان من أهمِّ مراحله مرحلة التقعيد للأسلوبيَّة، التي صارت علما ذا حدود م بيَّنة ، و أركانٍ معيَّنة ، وماهية مستق لَّة ، و هبَّ الدارسون يزيدونها إيضاحا ويوصلونها إلينا س رعَةً وترجَمَةً واصطلاحا ، وألهبوا ظهور قرائحهم يستثمرونها في الشعر و يمثِّلون لها بالنَّثر و يطبِّقونها في النَّصوص التي قالها .. الإنسان . بيد أنَّ النُّصوص التي قالها الرَّحمن لم تستثم ر في إطار الأسلوبيَّة إلاَّ لماما ، وبالوجه الذي لا يحصِّل منها اهتماما ، فكان لابدَّ من التعويل على هذا الجانب . ولا شكَّ أن أرقى الأساليب الخطابيَّ ة هو أسلوب القرآن الكريم ، فنحن نحاول اليوم أن تسهم الأسلوبيَّة فيه بقدرٍ معتبر في الكشف عن فنيَّته ، و إبراز وجوه بلاغته . ثم إنه من تمام الدراسة الأسلوبية أن يفسر القرآن بالقرآن، لاسيما والبحث في باب الأمثال التي تقتضي ضم النظير إلى نظيره، كيما تحصى العبارات والألفاظ ومقامات التي

عدد الصفحات ٩

جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 10 سيقت فيها، فإننا نحصل بذلك على ثروة من الفوائد الجزئية نركبها فيما بينها لتعطيَنا قواعد كلية نعرف من خلالها أساليب القرآن أكثر، ونكتشفَ عاداته في البيان بصفةٍ أوفر، وبصورة أنظر وأجلى. ولقد عنيت كلَّما سنحت الفرصَة بالمقارنة بين الأمثال القرآنية المتواردة على موضوع واحد، حتى اخرج من ذلك بنكت وأسرار وفوائد، بيد أنه لم يتسنَّ لي الاستيعاب، كيف والباحث في هذا المقام كالنملة الواقفة أمام بحر عملاق متلاطم. **والنَّمل ي عذر في القدر الذي حَمَلا ** وفيما حبرت أناملي حاولت الاجتهاد على قدر الجهد وحسبَ الطَّاقَة، غير مقلد تقليدا يقتضي الجمود، ولا مستنكفا عن فائدة يجود بها مَن يجود، من كبيرٍ كانَ أو صغيرٍ يكون، والحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق بها، فإن عثر في الطريق إليها فقد جَلَّ من لا يخطئ، ومَن يعمل لا بدَّ أن يزل، ولا عليه من ذلك ما دام الخطأ مرحلةٌ من مراحل الصَّواب على التحقيق كما يقول الفيلسوف الألماني نيتشه، فلست أدعي الكمال إذن، بل متى ي ظن ذلك م نِّي حتَّى أنفيه! فما أنا إلاَّ بشرٌ رائد ه قول ألبرت هوبارد "أعظم خطأ يرتكبه الإنسان؛ هو الخوف من الوقوع في الخطأ"، وأحسن منه قول العلامة الأديب محمد محمد أبي موسى: "إنَّنا نحاول فن خطئ لي حاولَ غيرنا في صيب"، لذلك كتبت ما كتبت، ودوَّنت ما إليه وصلت في هذا البحث، والأمر -أوَّلا وأخيرا - كما قلت يوما مهما أَ جَـدتُّ فقـد زللت ، وإنني *** لست المقلِّ دَ في جميع أموري. إن كان تقليدي يجيء ضرورة *** ذَّيَّاك تَجْوي دي، وذا مَ قـدوري. ولمن يسددني ويدلني على عيوبي رحمة الله أوَّلا، وامتناني ثانيا.

عدد الصفحات ١٠

جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 11 الباب النظري الفصل الأول: مفهوم جمالية المثل ومعماريته. الفصل الثاني: جمالية تلقي المثل القرآني. الفصل الثالث: تناصِيَّة المثل والقصَّة.

عدد الصفحات ١١

جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 12 الفصل الأول: مفهوم جمالية المثل ومعماريته.

عدد الصفحات ١٢

جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 13 لقد تدَّرَّج علم البلاغة عبر القرون إلى أن وصل إلى حالته التقعيد يَّة المعروفة، ولم يكن المراد من ذلك كله سوى خدمة الإعجاز القرآني في أصل المقصود الباعث للعلماء فيما كتبوه على اختلاف مشاربهم من تخصصات علميَّة وفنون، ثمَّ تفرَّعت المقاصد التَّبعيَّة من خلال محاولة تحليل النُّصوص الأدبيَّة ليظهر في ثنايا دراسات العلماء وما خطَّته أيديهم من مباحث؛ فنُّ النَّقد وأصوله، وجماليات ا للغة وأسرارها، إذ الأصل ك لَّما استقَرَّ ظهر النَّقد على إثره ليكون المخالف للأصل أو الم خلُّ به م نتَقَدا من وجهة تلك ال مخالَفة وعلى قدرها كم ًا وكيفا. من هنا لم يعد التفكير لاسيَّما مع الإقرار والإيمان بعظمة البيان القرآني، وصد طعنات الملحدين في بلاغته؛ إلاَّ في محاولة بيان إعجازه - بطريقة علمية دقيقة- ورفعته على كلام المخلوقين في المزيَّة البلاغيَّة الفائقة والشَّرف البياني الرَّفيع، وهو ما يفسِّر لك ظهور قض يَّة التَّحدي التي أعلنها الله تعالى لكافَّة البشر، فكان أن توجَّهت ركائب النَّ ظَ ر، وأهل المعرفة والبَ صَ ر؛ إلى استكناه ما يمكن استكناهه من أوجه المزايا وألوانها وأنواعها وأعدادها لفظا وتركيبا؛ في بيان المفاضلة بين كلام الله وكلام الشعراء والبلغاء، إذ لم يعد مجالٌ لمتخوِّضٍ في لجج بحر قد أعوزه وأعجزه العوم فيه فضلا عن مجاراته في أمواجه وتيَّاراته، مثلما الحال مع البيان القرآن في أبراجه وتعبيراته، وطرائقه وأساليبه واستعاراته، ففي خلال الدَّهشة يعود المرء سائلا، لماذا لم أستطع ذلك وما الفرق بين كلامي و بين ذلك الكلام القرآني، ولأيِّ سبب فاق، ونالني الإخفاق، وما وجه فضله على غيره بالتحديد؟ من ذلك الح ين؛ شقَّت البلاغة طريقها إلى الإعجاز، فما تبلورت حتَّى تداخلت فيها المعلومات مستجلبةً من فنونٍ عدَّة، واصطلاحاتٍ متعدِّدَة، ونقد وحجاج، وبيان واحتجاج، وأخذ علمها يتطَّور تدرُّجا عبر الأيَّام، وتوالى الباحثون بمختلف مشاربهم يفيد بعضهم من بعضٍ بجهد متظافر، حتَّى بدأت تتجلَّى الماه يَة العلميَّة للبلاغة وجمالياتها رويدا رويدا، مبتعدَةً ومقتربَة، ومستطر دَةً ومقتَض بَة، قارَّةً ومضطربَة، إلى أن تحدَّدَت وتسَدَّدَت وصارت علما قائما بذاته، لكنها وقفت عند الباب بلا اجتياز؛ ولم تواصل ما قصدته في أوَّل انطلاقها من الوصول إلى التقعيد لعلم الإعجاز؛ وهكذا كان الواقع!

عدد الصفحات ١٣

جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 14 بيدَ أَنَّها تبلورت كعلم مستقل متميِّزٍ بشخصيته الخاصة على كل حال؛ فكان أوَّل ها تبلورا علم البديع في القرن الرابع الهجري على يد ابن المعتز في كتابه "البديع" فكأنَّما جمع الخطوط الكثيرة الدقيقة في خطٍّ واحدٍ عريض، وأفاد منه بعد ذلك قدامة بن جعفر (ت337هـ) وزاد عليه إلاَّ أنَّ دراسَته غطت عليها الفلسَفَة في التقسيم والتفريع المحمَّلَة بالروافد الأجنبيَّة الإغريقيَّة ومنطقة الأشياء ففقدت الروح الأدبيَّة التي اتسمت بها دراسة ابن المعتَز، وهو ما شهدَ به جوستاف جفر ينباوم (2.) والذي ي حمَد لتاريخها أنَّها لم تدخل عصر الدنوِّ والتَّوقُّف في التَّطو ر الذي كانت تشهد ه في كلِّ قرن ؛ حتَّى جاءها التَّطبيق الحافل لقواعدها على القرآن الكريم في القرن السَّادس الهجري على يد الزَّمخشري ، لأنَّها منذ بدَأت لم تكن إلاَّ مدرجةً إل ى بيان الإعجاز في القرآن الكريم، وسوى وسيلَةٍ إليه ، فوصلت إلى كثير من غايتها في كتاب الكشَّاف، على أنَّ ذلك ليس بشافٍ كافٍ ، وإن نسيَت البلاغة غايَتها في أحيانٍ كثيرَةٍ في غضون النقاشات والمؤلَّفات الدائرة حو لها قبل ذلك لبلورتها كعلم مستقل ؛ وهو ما ي فَسِّر لنا غلبَةَ التمثيل الشعري لها على حساب الآيات القرآنيَّة، مع أنَّ ذلك لا يعني أ نَّ التَّمثيل بالقرآن كان غائبا ، لا وإنَّما فقط لم يكن غالبا، وربَّما كان سبب الاحتدام الجدلي كرد الباقلاَّني -مثلا- على الرمَّاني (ت386هـ) في قصره أنواع البلاغة على عشرة (3) تأصيلا و تفريعا، وتقسيما وتنويعا لمباحث البلاغة أيَّام نشأتها صارفا عن التمثيل بالقرآن من جهة ، ومن جهةٍ أخرى كان اكتفاءً من العلماء بكون الأصل إذا و ض ع أمكن القياس عليه وإجراء الآيات القرآنيَة بمعاقده، وتطبيقها على مقاصده، وهو ما نلاحظه لدى الزَّ مخشري (ت538هـفقد أفاد من الجرجاني واتَّبع طريقته وطبَّق ما قاله ووضَّحه عن الشعر في علم المعاني الذي اشتمل عليه كتابه"دلائل الإعجاز" ، واتضحت فيه مباحثه، وكاد يكتمل هذا العلم لدى الجرجاني، وعلم البيان "الذي اشتمل عليه كتابه "أسرار البلاغة" وتبلورت فيه معالمه، واللذان ولاسيما الثاني؛ شرح فيهما نظريَّة النظم لكونهما يكمِّل بعضهما بعضا. 2- ينظر، د. رجاء عيد " فلسفة البلاغة بين التِّقنية والتَّطوُّر"، نشر منشأة المعارف، الإسكندرية، مصر، ط 2، بدون، ص27. 3- محمد بن الطيب، أبو بكر الباقلاني (ت403هـ) "إعجاز القرآن للباقلاني" ت: السيد أحمد صقر، دار المعارف، مصر، ط 5،1887م، ص107.

عدد الصفحات ١٤

جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 15 والذي يحزُّ في النَّفس أنَّ هذا العمل توقَّف مع الزَّمخشري ولم يسلك طري قه أحد إلاَّ ما ندر في شذارات وإشارات ومواضع، لكونه رجع إلى البلاغة مقعِّدا تقعيداتٍ صارمة تتنافى مع ماهية البلاغة ، حتَّى جاء العصر الحديث فكان الاهتمام أكثر وأكثر بإبراز وجوه الإعجاز القرآني تطبيقي ًا و بيانا عملي ًا على نصوص الآيات الكريمة، فكث رَ وت شَعَّب، وإن كان لا يستطيع أن يقدِّم خطاه إلاَّ معتمدا ما حرَّرَ ه وقرَّرَه الأوائل ليقيس عليه، و بقيَ له المجال مفتوحا فيما يستخرجه من نظراتٍ جديدَة وإشاراتٍ فريدَة عديدَة ، لاسيما وقد أمَدَّته بقدرٍ ما تلك الدِّراسات اللُّغوية الحديثَة وخاصَّة ما كان من الدِّراسة الأسلوبيَّة على وجه التَّحديد دون أن ننسى الدراسات الصَّوتيَّة النافعة جد ًا في هذا الإطار، فأفاد واستفاد، وأبدع وأجاد، والأمر منفرجٌ شاسعٌ لا يزال ينتظر الز يادة والاستزاد . ولما كان المثل وجمالياته من الأدوات الكبرى في البيان، وكان فيه براعة ونصاعة، ودقة وتركيب، حتى قيل "الأمثال مصابيح الأقوال"، وكان ذا طبيعة خاصة جميلة لها القدرة الم ثلى على التصوير، وكان مع ذلك أنواعا مختلفة، لزم علينا تعريفه وتحديد مفهومه وإطلاقاته، وقبل ذلك يتحتم أن نعرف الجمال والجمالية لغة واصطلاحا. تعريف الجمال: لغة: هو "مَصْدَر الجَم يل، وَالْف عْل جَم لَ. وَقَوْل ه عَزَّ وَجَل وَح ينَ تَسْرَح ونَ 6][الجَمَال الْح سْن يَك ون ف ي الْف عْل والخَلْق وَقَدْ جَم لَ الرج ل، ب الضَّمِّ، جَمَ الاً، فَه وَ جَم يل وج مَال، ب التَّخْف ي ف . والج مَّال، ب الضَّمِّ وَالتَّشْد يد : أَجْمَل م نَ الجَم يل. وجَمَّلَه أَي زَيَّنه. والتَّجَمُّل: تَكَلُّف الجَم يل. وامرأَة جَمْلاء وجَم يلَة: وَه وَ أَحد مَا جاءَ م نْ فَعْلاء لاَ أَفْعَل لَهَا؛ قَالَ الشَّ اع ر : فَهْيَ جَمْلاء كَبدْرٍ طَال ع ، *** بَذَّت الخَلْق جَم يعًا بالجَمَال. وَلاَ أَ فعل لَهَا م نْ لَفْظ هَا كد يمة هَطْلاء" (4) . و"ي قال ل لم حْتَقَر : إنه لَمَض يمٌ هَض يمٌ. وفي الجَمَال : إنه لَقَس يمٌ وَس يمٌ 5.) 4- محمد بنمكرم بن على، أبو الفضل، جمال الدين ابن منظور الأنصاري الرويفعى الإفريقى (ت: 711هـ) "لسان العرب" دار صادر – بيروت، ط 3،1414هـ، ج11/126 .

عدد الصفحات ١٥

جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 16 و"رجلٌ جميلٌ وحَسَنٌ وي قال ف ي الإتباع : حَسَنٌ بَسَنٌ. وح سَّانٌ، ووَض يءٌ وو ضَّاءٌ، كما ي قال : رجلٌ ق رَّاءٌ، منَ القراءة . ورجلٌ صَيِّرٌ شَيِّرٌ: حَسَن الصورة والشارة ، والشارة : الهيئة "(6.) و"رجل مخطط، ووجه مخطط: إذا كان جميلاً تام الجمال. وكذلك يقال: رجل أروع، إذا كان تام الجمال، يروع الناظرَ إليه ح سن ه" (7.) والجَمَال: الحسن الكثير، وذلك ضربان: أحدهما: جمال يخص الإنسان في نفسه أو بدنه أو فعله. والثاني: ما يوصل منه إلى غيره. وعلى هذا الوجه ما روي عنه صل ى الله عليه وسلم: «إن الله جميل يحب الجمال » (8) تنبيها أن ه منه تفيض الخيرات الكثيرة، فيحب من يختص بذلك"(8.) يقولابْن الأَثير: "والجَمَال يَقَع عَلَى الصُّور والمعَاني. وَم نْه الْحَد يث «إ نَّ اللهََّ تَعَالَى جَم يلٌ ي ح بُّ الجَمَال »أَيْ حَسَن الأفْعال كَام ل الأوْصاف 10 .) والجمال والحسن كلاهما يطلق على الآخر، ولكنالفرق بينهما أنَّ " الْجمال ه وَ مَا يشْتَهر ويرتفع ب ه الإْ نْسَان من الأفعال والأخلاق وَمن كَثْرَة المَال والجسم ... وَالْحسن ف ي الأَصْل الصُّورَة ثمَّ اسْتعْمل ف ي الأَْفْعَال والأخلاق، وَالْجمال ف ي الأَصْل ل لأفعال والأخلاق وَالأَْحْوَال الظَّاه رَة ثمَّ اسْتعْمل ف ي الصور. 5- أحمد بن فارس بن زكرياء القزويني الرازي، أبو الحسين (ت385هـ) "الإتباع والمزاوجة" ت: كمال مصطفى، نشر مكتبة الخانجي، القاهر، مصر، بدون، ص65. 6- الحسن بن عبد الله بن سهل بن سعيد بن يحيى بن مهران، أبو هلال العسكري (ت: نحو385هـ) "التَّلخ يص في مَعرفَة أسمَاء الأشياء" ت: د. عزة حسن، دار طلاس للدراسات والترجمة والنشر، دمشق، ط 2،سنة1886م، ص85. 7- محمد بن القاسم بن محمد بن بشار، أبو بكر الأنباري (ت328هـ) "الزاهر في معاني كلمات الناس" ت: د. حاتم صالح الضامن، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط 1،1412هـ1882م،ج1/154. 8- مسلم ابن الحجاج النيسابوري "الجامع الصحيح المسمى صحيح مسلم"، ت: محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي – بيروت، بدون، رواه في كتاب الإيمان، باب: تحريم الكبر وبيانه، حديث رقم: 147، ج1/83. 8- الحسين بن محمد، أبو القاسم المعروف بالراغب الأصفهانى (ت502هـ) "المفردات في غريب القرآن" ت: صفوان عدنان الداودي، دار القلم، بيروت، الدار الشامية، دمشق، ط 1، سنة1412هـ، ص202. 10- مجد الدين أبو السعادات المبارك بن محمد بن محمد بن محمد ابن عبد الكريم الشيباني الجزري ابن الأثير (ت 606هـ) "النهاية في غريب الحديث والأثر" ت: طاهر أحمد الزاوى - محمود محمد الطناحي، نشر المكتبة العلمية، بيروت، لبنان، 1388هـ1878م،ج1/288.

عدد الصفحات ١٦