جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 273 حروف المد هما الياء والألف الممدودة، وآثر التنوين على الألف واللام التعريفيتان تفضيلا لرنَّة التنوين الموحية بالانفجار الأخير والصيحة المدوية على إثر الفناء وحلول النهاية، في حين لم يكن المقام مناسبا لذلك في سورة الكهف فجعل المثل مضروبا وحذف منه أداة الحصر لأن الهشيم الذي آل إليه حال الأرض ليس غاية الغا يات في هذا المثل البديع، والتمثيل الم ريع، فيكون المثل الأول لم يبق بعده شيء، بخلاف الثاني الذي بقيت بعد الفناء رياحٌ تضرب صفحة الأرض، والمناسبة المستوحاة من التقديم للمثل بالضرب لهم مثل الحياة الدنياورا هشيمَ ها ونباتها المحطَّم المهشم فتلقيه هنا وهناك وهنالك، بخلاف الحصيد فإنه أشد بحيث لم يبق شيئا ولا حتى الحطام على وجه البسيطة، فالأول كأن الأرض لم تكن وفي الثاني الهشيم على ظهرها يدل بأنها كانت ولكنها بادت وتحطمت، فالمثلان متكاملان أحدهما مرعب والآخر أشد رعبا، والبيان في خلال ذلك كله متجانس مع الحالين متواكب بتواز تام مع المشهدين تضافرا وتظاهرا واتساقا، فالحياة الدنيا إن لم تصر حصيدا صارت هشيما، وأحلاهما مرُّ !! ثم إن المثل الثاني قد أبقى شيئا على الأرض يدل على ما كانت عليه، وهو مضروب للكافرين فإنهم يأتون يوم القيامة بأشياء لكنها كالهشيم تعود هباء منثورا، في حين أن المثل الأول في سورة يونس وإن كان للكفار إلاَّ أنَّ الله تعالى ساقه في سياق ذكر نفاق الكافرين، فإنهم إذا ركبوا البحر أو ألمت بهم مصيبة دعوا الله وحده فلما أنجاهم أخلفوا الله ما وعدوه كشأن المنافقين، فتأمَّل إلى ما يقول سبحانه: { وَإ ذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً م نْ بَعْد ضَرَّاءَ مَسَّتْه مْ إ ذَا لَه مْ مَكْرٌ ف ي آيَات نَا ق ل اللهَّ أَسْرَع مَكْرًا إ نَّ ر س لَنَا يَكْت ب ونَ مَا تَمْك ر ونَ ( 21) ه وَ الَّذ ي ي سَيِّر ك مْ ف ي الْبَرِّ وَالْبَحْر حَتَّى إ ذَا ك نْت مْ ف ي الْف لْك وَجَرَيْنَ ب ه مْ ب ر يحٍ طَيِّبَةٍ وَفَر ح وا ب هَا جَاءَتْهَا ر يحٌ عَاص فٌ وَجَاءَه م الْمَوْج م نْ ك لِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّه مْ أ ح يطَ ب ه مْ دَعَو ا اللهََّ م خْل ص ينَ لَه الدِّينَ لَئ نْ أَنْجَيْتَنَا م نْ هَذ ه لَنَك ونَنَّ م نَ الشَّاك ر ينَ (22) فَلَمَّا أَنْجَاه مْ إ ذَا ه مْ يَبْغ ونَ ف ي الأَْرْض ب غَيْر الْحَقِّ يَاأَيُّهَا النَّاس إ نَّمَا بَغْي ك مْ عَلَى أَ نْف س ك مْ مَتَاعَ الْحَيَاة الدُّنْيَا ث مَّ إ لَيْنَا مَرْج ع ك مْ فَن نَبِّئ ك مْ ب مَا ك نْت مْ تَعْمَل ونَ ( 23) إ نَّمَا مَثَل الْحَيَاة الدُّنْيَا كَمَاءٍ
عدد الصفحات ٢٧٣جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 274 أَنْزَلْنَاه م نَ السَّمَاء فَاخْتَلَطَ ب ه نَبَات الأَْرْض م مَّا يَأْك ل النَّاس وَالأَْنْعَام حَتَّى إ ذَا أَخَذَت الأَْرْض ز خْر فَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْل هَا أَنَّه مْ قَاد ر ونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْر نَا لَيْلاً أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَص يدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ ب الأَْمْس كَذَل كَ ن فَصِّل الآْيَات ل قَوْمٍ يَتَفَكَّر ونَ ( 24 )[ }، فذكر الناس في أول الأمر أنهم يمكرون والناس فيهم الكافر والمنافق، ولما كان النفاق أشد خطرا والمكر لا يكون إلا عن عمد وهو حال أهل النفاق إذ يعرفون فيحرفون قدم ما يدل عليهم، ثم ثنى بذكر الكفار واقتصر على ما أفعالهم من نفاق وإخلاف الوعد والتلون، فناسب ذلك أن يذكر لفظ التفكرموعظة، لكونه عديم القابلية للاستماع، فاقدا الاستعداد النفسي للقبول، والذي يوج د له تلك القابلية وذلك الاستعداد وي حد ث هما؛ إنما هو التفكر، لأنه يفتح سبيل الاتعاظ والإقبال على الهدى والعرفان، وبالتالي فالمثل الأول للمنافقين وأشباههم والثاني للكافرين وأمثالهم، وهذا أيضا جانب من تظافر المثلين وتكاملهما. ومن النكت الرائعة الجليلة أن المنافقين لما كانوا في الدرك الأسفل من النار حسن أن يكون المثل الأشد رعبا كائنا في حقهم وفي سياق الحديث عن أعمالهم، في حين كان المثل الثاني الأقل رعبا للكافرين الذين هم أهون خطرا من أهل النفاق، فانظر إلى الانسجام البديع في آيات الله تعالى، اللطائف البديعة أن المنافقين ياتون باعمال تشبه في ظاهرها أعمال أهل الصلاح زينة وحسنا، أما الكفار فلا يأتون بذلك، من هنا انسجم جدا أن يذكر في المثل الأول زينة الأرض وزخرفها كأنها حال المنافقين قبل أن تصير حصيدا، تنظر فيها إلى الوعود الجميلة الكاذبة كما تنظر من الأرض إلى الجمال الساحر الغرار، فترى التواؤم في رسم اللوحات البيانية وإعطاء كل صاحب حال ما يناسب حاله من ألفاظ وتعابير، ولما لم يأت الكفار بمثل أعمال المؤمنين ولم يشابهوهم في الظاهر كمشابهة المنافقين لهم تلونا وادعاءا؛ حذف الله تعالى من المثل المضروب في حق الكافرين ذكر زخرفة الأرض وزينتها لأنه الأليق بحالهم، والأنسب لواقعهم. إنها الدنيا كالأرض المخضرة المعشبة تغر الناظر فيزدهي ويظن قدرته عليها فإذا بالآفات
عدد الصفحات ٢٧٤جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 275 تصيب ها بغتة فيخيب ظنُّه، "وهذا من وهذا من أبلغ التشبيه والقياس فلما كانت الدنيا عرضة لهذه الآفات والجنة سليمة منها قال تعالى تعالى والله يدعوا إلى دار السلام فسماها هنا دار السلام لسلامتها من هذه الآفات التي ذكرها في الدنيا فعم بالدعوة إليها وخص بالهداية من شاء فذلك عدله وهذا فضله" (327 .) 327- شمس الدين محمد بن أبي بكر الدمشقي المعروف بابن قيِّم الجَوزية "الأمثال في القرآن الكريم" ت: فواز أحمد زمرلي، نشر دار ابن حزم، ط1،1434هـ- 2013م، ص82.
عدد الصفحات ٢٧٥جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 276 المثل الثالث: يقول الله تعالى الأَْمْوَال وَالأَْوْلاَد كَمَثَل غَيْثٍ أَعْجَبَ الْك فَّارَ نَبَات ه ث مَّ يَه يج فَتَرَاه م صْفَر ًا ث مَّ يَك ون ح طَامًا وَف ي الآْخ رَة عَذَابٌ شَد يدٌ وَمَغْف رَةٌ م نَ اللهَّ وَر ضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاة الدُّنْيَا إ لاَّ مَتَاع الْغ ر ور يد: 20.] ما أدق التعبير القرآني ! عندما يشير إلى أنالحياة الدنيا يوم توزن بموازين الدنيا تبدو أمراً عظيماً هائلاً ، لكنها حين تقاس وتوزن بموازين الآخرة تبدو شيئاً تافهاً زهيداً حقيراً، بل لعبة أطفال، وحقيقة اللعب ما لا ينتفع به، واللهو ما يلهي الإنسان عن الآخرة. من هنا استنتج ابن تيمية أدق تعريف للزهد و الورع، فقال رحمه الله تعالى: "والزهد المشروع هو ترك الرغبة فيما لا ينفع في الدار الآخرة وهو فضول المباح التي لا يستعان بها على طاعة الله، كما أن الورع المشروع هو ترك ما قد يضر في الدار الآخرة وهو ترك المحرمات والشبهات التي لا يستلزم ترك ها تَركَ ما ف عل ه أرجَح منها كالواجبات" (328.) وقد ورد لفظ{الدنيا} في كتاب الله تعالى في مائة وأربعة عشر موضعاً، وكذلك ورد لفظ {الآخرة} في كتاب الله في مائة وأربعة عشر موضعاً، لكون الدنيا والآخرة متقابلتان، بيد أن الدنيا مذمومة في كتاب الله تعالى دائماً. وقد بدأ بقوله: {73] ذلك أنَّ الناس يجهلون حقيقة الدنيا رغم عيشهم فيها وتقلبهم في جنباتها وأحوالها، ورغم ملامستهم لها فهم لا يعرفونها، وقدم لفظ العلم على المعرفة، لأن العلم أشرف، وهو لا يتطرق إليه الجهل، فكأنه يقول اعلموا علما لا جهل بعده، وهو وثوق من التعبير بأنه سوف يجلي الحقيقة التي ليس بعدها مطمح لمعلِّمٍ أو لمبين، وهذا على شاكلة قوله تعالى الكتاب لا ريب فيه 2] 328- تقي الدين أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بنمحمد، أبو العباس ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (ت: 728هـ) "التحفة العراقية في الأعمال القلبية" نشر المطبعة السلفية، القاهرة، مصر، ط 2،سنة 1388هـ، ص44 .
عدد الصفحات ٢٧٦جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 277 بطريقةٍ مباشرة أن هذا الكتابريب فيه، فتنفي الريب نفيا مطلقا، وتثبت بطريقة غير مباشرة أن هذا البيان يصل إلى درجة العلم الذي يفوق العرفان، ويتجاوز الشك إلى اليقين، لأن العلم هو ميدان القطعيات التي لا مجال فيها للر يَب والظنون. وتأمل الترتيب التصاعدي في البيان القرآني؛ حين بدأ من أقل شيء وتدرج إلى ما فوقه أربع درجات، وهي في الحقيقة أربع دركات، فبدأ بذكر اللعب الذي لا يدل إلاَّ على الطفولة وأخذ القرآن يتدرج مع سني الإنسان منذ يعقل أنه في حياة ويميز بين شماله ويمينه وتصبح له رغبات وتطلعات، فهو في أول الأمر لا يهوى سوى اللعب، ثم ي كبر فيهوى، ويحب ويعشق ويتمنى، وتراه يبحث عما يلهيه، من تجارة خارج البيت، وزوجة يسكن إليها داخله، من هنا تدرك الفرق بين اللهو واللعب، وتعلم أن اللعب غالبا يدل على الطفولة ويتعلق به الصغار وهو يوشك أن يختص بهم ويختصوا به، في حينَ اللهو لا يختص بالأطفال بل يشمل الجميع من كبير وصغير، فتجده يلهو مع الناس من شراء وبيع أو في العمل بصفة عامة أيا كان نوعه ومنزلته، ويلهو في جوف بيته مع أهله وأولاده، لذلك ناسبَ أن يقول بعدهاوالأولاد كما في الآية[ 46] تحت ظلال الستر والهناء والسكينة، من هنا كان مناسبا جدا أن يقول: { والفخر لا يكون بلا شيء، إنما يكون بما يصلح أن ي فتخر به، والتعبير لم يحدد بل ترك أنواع ال فخر وأسبابه مطلقة كي يتلاءم مع جميع المستويات الإنسانية وحوادثها وأسبابها ومع كافة النوازع الإنسانية وما بينها من تفاوت في المال والجاه والولد، فرجل له ثروة واسعة وبنين كث رٌ وجاه كبير، وآخر له المال دون الولد أو العكس، ورابع له متوسط الحال، وهكذا، في عدد لا يحصى من الحالات والمنازل، فالقرآن بإطلاقاته المعهودة في قصد الشمول ترك المعنى منتشرا ليحوي في رحابه كل تلك الأصناف والأنواع والأشكال. إنه التفاخر، بكل ما مر من لعب ولهو وزينة، وتباهٍ على خلق الله وإثارتهم وتوليد غيرتهم وإخراج الحسد من قلوبهم والتمكين لدواعيه وفتنته، ثم لا يبقى شيء بعد التفاخر إلاَّ أن يستكثر الناس منه ويستكثروا من أسبابه، وليس ذلك إلاَّ في ناحيتين لا ثالث لهما وهما:
عدد الصفحات ٢٧٧جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 278 الأولالمال وهو هنا مطلق يشمل جميع ما يتمول ويكتسب؛ من أثاث ومتاع زاد، وفضة ودهب ودراهم وعقار وثروة حيوانية وعتاد. والثاني: الأولاد. وقد قدم التعبير القرآني المال على الأولاد لأنه الأولاد إذا ولودوا فوجدوا المال أمامهم فهم يكبرون في متعة وسعة، ويعيشون في ارتياح ورخاء، فهو أنسب لتمام النعمة وكمال الزينة وعلوا المفاخر. وتأمل كيف قدم الكيف على الكم، فجعل كلا من اللعب واللهو الزينة والمفاخر وهي ممثِّلات الكيف، قبل أن يذكر التكاثر الذي يمثل الكم، ثم انظر كيف بين عن ماهية الإنسان وكنه نفسه حين لا يقنع بصنوف المتع والملذات، حتى يستكثر ومنها ويزداد ولا يزاد في ارتفاع حتى يصير أمره إلى قلة ودنو. وتأمل كيف أن الشيء إذا زاد عن حده انقلب إل ضده، وأنَّ كل كمال في الدنيا ففي نهايته الكمالية يتربع انتهاء حقيقته، وفي تمام ارتفاعه، بداية سقوطه واتجاهه نحو المسار العكسي الوخيم. إنَّ الأسلوب هاهنا ينسج بتعابيره أدق تعريف للدنيا من يوم يولد المرء ويصبح مميزا يعقل الأشياء ويتصورها ولو تصوُّرا ضبابيا باهتا، إلى أن يكبر ويترعرع ويشمَخ ويعلو ثم يرجع متهافتا هضيما. هذه أدق تعريفات الدنيا، وتلك طريقة القرآن في تعريفه الأشياء، بحيث لو جلبت كل فلاسفة العالم ونبغاء التاريخ وبلغاء الأرض لما استطاعوا أن يصوغوا العبارة على هذا النحو المتكامل البديع، والمنوال الدقيق المحكم. ومع هه الدقة في بيان حقيقة الشيء فالقرآن يزيد التنوير نورا، ويضرب المثل للدنيا بغيث ولو يقل مطر، لأن عادة القرآن أن يجعل المطر في المهلكات ويذكره في سياق العقوبات، والسياق هنا إنما يتناسب مع الغيث الذي يفتن الناظ رين، لأن المقام مقام فتنة الدنيا وغرورها، ولأن الغيث من الإغاثة وهي أمر محمود في أصله لذلك آثره بالذكر دون ما سواه من الألفاظ، وقال تصوير حقيقة الدنيا كما هي بحذافيرها، فاستعمل عبارة}
عدد الصفحات ٢٧٨جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 278 هي فعل مضارع لا يدل على البلاغة الكامنة في طريقة المفاضلة"بأفعل"، وهاهنا استخدم لفظ الكفار وهم الزراع لأن أصل الكفر هو الجحود، والزارع إنما يكفر الزرع أي يجحده ويخفيه تحت التراب، لفظ الكفار في هذا المقام وفي سياق نقد الدنيا وبيان سوء حاله ا الغَ رَّ ار، وزخرفها الآيل للبوار؛ مناسب جدا، لأن الكاف والفاء والراء حروف لها باجتماعها على هذا الترتيب دلالة خاصة تشير إلى الجحد والنكد، وتعطي لمتذوق الكلام ومتدبره نوعا من المذاق المر بهذا اللفظة التي تعكر البهجة وتجعل في المعاني دلالة فائقة تلتقي مع مرارة الدنيا وحالها المتعكر المرير، مما يأخذ بيد المتدبر إلى السَّأم منها قبل تمام المثل وانتهاء الكلام واختتام الآية، فيجد أن الجو الكلامي قد دخله ذبذبات صوتية تحمل معنى لا ينشر البشائر، بل ينثر في سمائه اكفهرارا وتقطيبا، وهذا انسجام بديع وبراعة عليا في حسن اختار الألفاظ وانتقائها بعناية فائقة ودقة لا يحيط بها الوصف، ثم قال يعجب الزراع نبات ذلك الغيث، وهو عام أريد به الخصوص، فالعبارة عامة تشمل في ظاهرها كل النبات، ولكنها في الحقيقة خاصة تشمل الزرع بدلالة قوله الزراع، وفي ذلك معنى إيحائي جميل، هو أن الدنيا تبدو عامة شاملة في حين جوهرها ليس كذلك بل هو أقل وأخص وأدنى، فليس فيها إلاَّ جوهر واحد مخصوص وهو ما لا غرور فيه من عبادة وتقوى، ثم كل ما تبقى فهو الزيف والضلال والمظاهر الخادعة. ثم إنَّه نسب النبات إلى الغيث، في حين أن المنبت الحقيقي هو الله جل جلاله، ولكن الأسلوب فضل طريقة المجاز العقلي في نسبة الشيء إل سببه دون مسب ب ه، ليدل في هذا المقام على ما يلتقي بمعاني جو الآيات، إذ هو مقام النهاية المؤسفة، والمصير المشئوم، والختام السيئ، فنسبة النبات إلى المخلوق الذي هو الغيث بدل الخالق سبحانه توحي بالانقطاع، وتشير إلى الزوال كون المخلوق في حد ذاته لا بقاء له ولا دوام، بخلاف نسبة الشيء إلى الخالق الحي القدير، له الخلق وله الأمر لا إله إلاَّ هو إليه المصير. ويتواصل الخطاب ليكشف عن فن هاج فقد استنفذ قواه، فكانه بهذا يشير لك إلى النهاية ويعلمك مسبقا بالخاتمة ويجعلك على أهبةٍ كبيرة لانتظارها، فإنه لما أوحى به إلى المتلقي بصورة عامة في لفظ محاربين للشريعة، زاد لك نسبة الإيحاء أكثر من ذي قبل، وكشف لك أكثر عن سواد المآل،
عدد الصفحات ٢٧٩جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 280 بقوله انتهى هيجانه حلَّ عليه الضعف والخور مرة واحدة، وسقط عليه سقوطا كاملا، وجاءه الفشل ضربة لازب بلا تدرج، وأقعده العجز على الفور بلا انتظار. فقد استفرغ طاقته وسكب كل مشحونه فما عاد في جَعبته شيء! لذلك عقب البيان القرآني بالقول التعاقب بلا فاصل، وعلى حلول الاصفرار مباشرة دون مهلة، فمن ذلك الاخضرار الذي لم يؤثر البيان ذكره لأنه لا يعمر كثيرا ولا يلبث على خضرته ونضرته طويلا، فكأنه شيء يعجب ثم يضمحل حتى في النفوس لكونها إنما تتطلع غلى ما وراء تلك الخضرة من نضج النبات ليحين وقت حصاده، ولكن القرآن لم يذكر الحصاد كما لم يذكر الاخضرار بل ترك لفظ الإعجاب يدل على اللون الأخضر ضمن ما يدل عليه من مباهج من ألوان النبات، فجعله داخلا في العموم، لاسيما وأمره ينتهي إلى صفرة شديدة، وقدم اختار وزن "م فعَلٌ " وما فيه من تضعيف لام الفعل وهي الراء أنَّه مهد به لقولالبالغ في دكنة اللون مؤهلٌ للسقوط والتهدم، وله القابلية الكاملة لأن يكون متهشما متحطما. وهذا الوزن "م فْ عَ لٌّ " هو أيضا يدل على المطاوعة، فكأنَّ اللون وقع على النبات وقوعا فطاوعه بل لم يجد ما يدفعه، كونه نزل ش دَّةً به نزولا، وحل بقوَّةٍ عليه حلولا، لذلك فالأنسب أن يكون مصفر مفعولا لا فاعلا، وقد قال الجرجاني أنَّه يصلح لأحدهما "بتقدير فتح العين وكسرها" (328). وإنَّ التعبير لم يقل "يصفر" لمنافاة الفعل المضارع لسرعة الحركة المقصودة هنا في تعاقب المشاهد، فكان أن فضل نهاية ما يؤول إليه هذا اللون فهو يبدأ بجانب من الزرع وجزء منه فلو قال يصفر لتباط ؤ الكلام ودخل في حيز التدرج، أي ما يزال يصفر ولو يكتسي كاملا بالصفرة، فالقرآن ذهب رأسا إلى خاتمة هذا الاصفرار المتزايد يوما بعد يوم، وعبر عن نهايته التي يصل إليها حين يتمكن منه اللون ويصبح مسمى به، اختصار وسرعة. 328- عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد، أبو بكر الفارسي الأصل، الجرجاني الدار (ت471هـ "المفتاح في الصرف" ت: د. علي توفيق الحَمَد، نشر مؤسسة الرسالة، بيروت، لبنان، ط 1،1407هـ1887م، ص58.
عدد الصفحات ٢٨٠جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 281 وبعد ذلك قال تعالى فالأ ولى{ : فاختصره القرآن بـ الاصفرار فيأتي مباشرة بعد الهيجان فعقبه بالفاء، والثانية بين الاصفرار والتحطم، هي المرحلة التي يغزو فيها الاصفرار النبات برمته فييبس حتى لا يبقى له إلاَّ أن يتحطم كأنه زجاج. فانظر كيف جعل الإعجاب منذ المرحلة الأولى ولم يعد لذلك بل غدا التعبير ينحو نحو ما لا يعجب وما لا ترغب النفس فيه، فالصفرة غير مرغوبة وإن أحبها الزراع فليس لأمر يكون في ذاتها بل لأنه لا حصاد إلا بعد يبوسة واليبس لا يحصل إلا بالاصفرار فمحبته كمحبة الدواء المر لا لذات مرارته، فتأمل. وهاهنا لم يذكر سوى الحطام، فالمشهد حركي جدا، سريع سرعة فائقة وصوره متعاقبة الواحدة تلو الأخرى بحيث في إحدى عشرة كلمة اختصر جميع مراحل النبات من وقت نزول الغيث إلى أن صار حطاما، بتصوير عجيب هائل. وقد قال حقيقته، فلم يقل مثلا "ثم يتحطم" بالرغم من أنه سوف ي نقص كلمة في التعبير فتصير عشرة ويكون فيها الاختصار أكثر، ولكن، لا، فالبلاغة أن تأتلف الألفاظ مع المعاني بحيث لا يكون الإيجاز دائما هو البلاغة، بل الإيجاز الحقيقي أن يتم عدد الكلمات ويتحقق المعنى على وجه التمام سواء كانت الكلمات عشرا أو أحدى عشرة. ولفظة فشيئا حتى يتحطم كله" بل ذهب التعبير رأسا وبخفة إلى كل هذه المشاهد من سقوط المتدرج والتحطم النسبي وطواها كلها في نهاية واحدة تلتقي فيها كل الأحداث الختامية، وتصب فيها جميع المعاني في هذا الجو الكلامي الرهيب. وانظر كيف استغنى عن واو العطف في مشهد الغيث والحطام، ليستأنف بها على الفور مشهدا جديدا فيقول ذلك أنها دار عمل فمن زرع حصد هناك، أما هاهنا فالجميع يؤول إلى التحطم والخراب،
عدد الصفحات ٢٨١جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 282 وهذا إيحاء مضاعف معنوي يبث التأكيد للمعنى السابق في نفس المتلقي ويزيدها اقتناعا بأن الدنيا على وبالها قد تثمر لصاحبها في الآخرة عذابا، وليس هو العذاب فقط، بل الشديد، وقد وردت هذه الآية في سورة الحديد، وإن ً مما يعذب به الكافر يوم القيامة المقامع الحديدية التي تقمع قمعا، وتنكل النكال البالغ، وقد اختار لفظ العذاب لأنه أدل من لفظ "العقاب" لذلك قال عز وجل 126] العقوبات القولية والعملية، فقد يكون العقاب بلطمة كما قد يكون بالقتل، فجاء التعبير بالعقاب ليعم هذا الأعلى وذاك الأدنى، أما العذاب فهو الرهبة الأكيدة المزيدة، وإنه لمتربط في النفس بالصراخ والويل والثبور، فمن عذبوه فهو لا محالة يصرخ من شدة الألم، فالعذاب هو أشد العقاب، فكيف إذا كان هذا العذاب شديدا! ولكن بالمقابل لهذا المشهد الرهيب، هناك المغفرة وانظر إلى نسج المعاني وترتيبها، فالبيان القرآني يقدم العذاب الشديد، لأن أغلب النفوس البشرية لا تستجيب للرحمن وتنساق مع الشيطان وتجري في مضمار الدنيا وتغتر بزخرفها، ثم يأتي الصنف الثاني وهو الذين لولا مغفرة الله لنالوا الجزاء الوبيل، والعقاب الأليم، أمَّا الذين يرضى الله عز وجل عنهم فلقلة عددهم ومحدودية قائمتهم وصغر حجم قافلتهم فقد أخر ذكرهم فقال وهاهنا نكتة بديعة، فإنَّ الدنيا لما كانت دار مظهرية وقشور، لا دار لب وجوهر بخلاف الآخرة، استعمل القرآن المصادر: { أن المصدر هو لب الفعل وجوهره، وهو المستقى الذي ينبع منه المعاني فعلا كانت أو اسما، وهذا الاختيار مناسب لجوهرية الآخرة وأنها دار حقيقة لا دار مظهرية جوفاء ، وأشكال تحجب حقيقة الأشياء، فكل شيء فيها أصيل حقيق لا مظاهر تغطيه ولا ستائر من الباطل تحجبه، فكأنك حين تنظرها ترى منها الجوهر، وعندما تبصر ترى منها المصدر واللب والأصل بلا زخرفة ولا نقوش ولا تضليل. وبعد كل تلك الإثباتات جاء ال نفي العظيم .. النفي الكبير: { الغرور [20].
عدد الصفحات ٢٨٢جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 283 وكان يمكن إثباتأن الدنيا غرور زائل بطريق الإثباتي آخر. ولكن لا، فالجمع بين الإثبات والنفي أولى وأبين وأجلى وأدل على الحقيقة وأوضح للحال. هذا من جهة، ومن جهة أ خرى، فإنَّ معنى النفي من معنى العدم، والنفي يوحي بالزوال وهو ما يتلاءم مع مصير الدنيا وما تؤول إليه من الفناء. بل هو ليس فناء مجردا بل خرابا و وإنها لفناء مهول، ثم من هوله أنه يترتب عليه حساب وينشأ من ورائه عذاب،وقل من يجد مغفرة بله رضوانا، لذلك يدخل يوم القيامة تسع مئة وتسعة وتسعون النار مقابل دخول واحد إلى الجنة (330)، فالخطب جلل، والأمر عسير، وهنا يأتي الاستثناء الذي يفرغ العموم ويجعل المعنى واقعا السهم الصائب وكالشهاب الثاقب على شيء واحد هوا ليس إلاَّ. إنَّها متاع، وإن ما يتمتع به لا بد أن تنقص متعته كلما استخدم، فإنه ينقص من حقيقته كلما أخرج من طاقته الإمتاعية، حين يذوي عبر الأيام وي ستنزف وينتهي. ويا ليته متاع حقيقي ثم يؤول إلى استنزاف وانتهاء بل هو غرور مجرد، إلاَّ يكن في أصله، ففي ما يبعث عليه من الوهم، ثم يتجلى الفهم يوم القيامة، فمن ناج أدركته المغفرة، ومن مسلم ناله الرضوان، ومن مرتكس في العذاب الشديد والعياذ بالله عز وجل. وها أنت ترى المشهد كله مشدود بحبال بيانيةٍ مجذوبةٍ جذبا، قصيرة قوية متسارعة، تدل بأصواتها وحركات ألفاظها ص رفيا وتشكيلا على تلك الشدة والضبط والحزم والصارمة والخفة والجريان، مما يتلاءم مع المعنى، بل يتطابق بكل انسجام والصور المنتظمة في إطار المشهد القرآني عن الدنيا التي هي كالحلم السريع، وكالطيف الجاري، والشبح الطائر، 330- ثبت ذلك في حديث متفق عليه، وهوعَنْ أَب ي سَع يدٍ الْخ دْر يِّ رَض يَ اللهَّ عَنْه عَنْ النَّب يِّ صَلَّى اللهَّ عَلَيْه وَسَلَّمَ قَالَ يَق ول اللهَّ تَعَالَى يَا آدَم فَيَق ول لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيْر ف ي يَدَيْكَ فَيَق ول أَخْر جْ بَعْثَ النَّار قَالَ وَمَا بَعْث النَّار قَالَ م نْ ك لِّ أَلْفٍ ت سْعَ م ائَةٍ وَت سْعَةً وَت سْع ينَ فَع نْدَه يَش يب الصَّغ ير ذَات حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ س كَارَى وَمَا ه مْ ب س كَارَى وَلَك نَّ عَذَابَ اللهَّ شَد يدٌوَمَأْج وجَ أَلْفًا ث مَّ قَالَ وَ الَّذ ي نَفْس ي ب يَد ه إ نِّي أَرْج و أَنْ تَك ون وا ر ب عَ أَهْل الْجَنَّة فَكَبَّرْنَا فَقَالَ أَرْج و أَنْ تَك ون وا ث ل ثَ أَهْل الْجَنَّة فَ كَبَّرْنَا فَقَالَ أَرْج و أَنْ تَك ون وا ن صْفَ أَهْل الْجَنَّة فَكَبَّرْنَا فَقَالَ مَا أَنْت مْ ف ي النَّاس إ لاَّ كَالشَّعَرَة السَّوْدَاء ف ي ج لْد ثَوْرٍ أَبْيَضَ أَوْ كَشَعَرَةٍ بَيْضَاءَ ف ي ج لْد ثَوْرٍ أَسْوَدَ" رواه البخاري برقم: 3348/ج4/138-140، ومسلم برقم378/ج1/201 .
عدد الصفحات ٢٨٣جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 284 والخيال الباهت الخفيف، إنها كضرب ضوء تمر في لمح البصر. وهو ما يدل على واقعية القرآن وجمال تصويره، ودقة انتقائه للمعاني والألفاظ والمشاهد، وحسن تركيب الأجزاء البيانية لتعطي تصورا تظل آثارها على النفس ما بقيت في الحياة، وما استمر في الأجساد نفسٌ يَتَرَدَّد.
عدد الصفحات ٢٨٤جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 285 الأمثال المضروبة للنور والظلماتالمثل الأول: قال جل ثناؤه: {ي النَّاس كَمَنْ مَثَل ه ف يالظُّل مَات لَيْسَ ب خَار جٍ م نْهَا كَذَل كَ ز يِّنَ ل لْكَاف ر ينَ مَا كَان وا يَعْمَل ونَ122.] أي كان معدوما فأوجدنا، وكان غير موجودٍ فخلقناه، فعبر عن العدم بالموت وعن الإيجاد بالإحياء لإظهار النعمة كون المقام مقامها، وتلك منَّةٌ من الله عز وجل على عبده أن جعله في الحياة بعد أن لم يكن شيئا مذكورا من جهة، وهذه هي الحياة الجسدية؛ وجعله حيَّ القلب بالإيمان الهدى من جهة أخرى، وهذه هي الحياة الروحية، وهي أصل الحياة، وهذا لا نزاع فيه بين المفسرين، وفيه إطلاق الموت وإرادة الكفر، كقوله تعالى الأَْمْوَات 22]كافرون، ففي المثل إشارة إلى أنَّ الحياة الحقيقية حياة الإيمان والتقوى والصلاح المستمد من نور الهداية، وبعدَمه لا يكون الإنسان إلاَّ ميتا من الأموات الجامدين. والقلب يموت بسهمين قاتلين، الأول: سهم الشبهة فهو إن كان صحيحا لا يقبل الباطل ولا يرضى بالكفر وإلاَّ حل به الهلاك، كما روى "طارق بشهاب قال جاء عتريس بن عرقوب الشيباني إلى عبد المنكر، فقال بل هلك من لم يعرف قلبه المعروف وينكر قلبه المنكر" (331). والثاني: سهم الشهوة التي تتمكَّن منهحتى يميل إليها ويقع تحت ضغطها وتأثيرها. ثم تأمل كيف أبان التعبير عن الفائدة الكبرى، لتدخل تحتها الفائدة الصغرى من باب أولى، وذلك أنَّ القلب قد يموت فيحييه الله عز وجل، وقد يمرض فيكون إحياؤه من باب أولى، فذكر الله تعالى النعمة الأعظم لاندراج ما دونها فيها، ولأنَّها أنسب بالذكر وأحق في هذا المقام الذي هو مقام امتنان من الرحمن الرحيم. لذلك فإنَّ "أصل كل خير وسعادة للعبد، بل لكل حى ناطق: كمال حياته ونوره. فالحياة والنور مادة الخير كله، قال الله تعالى 331- أخرجهسليمان بن احمد، الحافظ أبو القاسم الطبراني (ت: 360 هـ) "المعجم الكبير" ت: حمدي عبد المجيد السلفي، ط 2، بدون، وصحح الألباني إسنادَه.
عدد الصفحات ٢٨٥جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 286 بين الأصلين: الحياة، والنور، فبالحياة تكون قوته، وسمعه وبصره، وحياؤه وعفته، وشجاعته وصبره، وسائر أخلاقه الفاضلة، ومحبته للحسن، وبغضه للقبيح. فكلما قويت حياته قويت فيه هذه الصفات، وإذا ضعفت حياته ضعفت فيه هذه الصفات، وحياؤه من القبائح هو بحسب حياته في نفسه، فالقلب الصحيح الحي إذا عرضت عليه القبائح نفر منها بطبعه وأبغضها ولم يلتفت إليها، بخلاف القلب الميت، فإنه لا يفرق بين الحسن والقبيح"(332.) قال مخلوق، كالمعاني النورانية وألفاظها المضيئة هي كلام الله ليست مخلوقة فإن الكلام لفظ ومعنى، وكلاهما من الرب جل في علاه، وعظ مَ في عالي سماه، الذي نزل أحسن الحديث، وأمد الإنسان بالهداية في كلامه نصحا وإفادَة، وموعظة وإرشادا، فناسب أن يذكر الشيء الأزلي بلفظ الجعل بدل لفظ الخلق، لأنَّ الخلق يفسد المعنى كونه لا يصلح ل لأزليات، بل يصلح للفانيات من مخلوقات وكائنات، أمَّا الأمور الربانية فيصلح لها الجعل ويؤدي منها في البيان الغرض المراد، فقال لوحدانية الحق، فالحق لا يتعدد، وما دام كذلك فالنور لا يكون إلاَّ مفردا مثله، وهو بخلاف الظلمات التي تأتي جمعا في حين لا يكون النور مجموعا في أنوار على عادة الأسلوب القرآني الدقيق. فبعد أن من عليه بالإيجاد، من عليه بالنور الذي هو الهداية والرشاد، فأتى له بالخير من الجانبين المادي الجسمي المتعلق بحياة البدن، والمعنوي النَّسمي المتعلِّ ق بحياة الروح. ثم قال وقوامه، فهو يمشي بذاك النور في الناس مما يوحي برفعة مقامه وإشراقة روحه وأنه منتفع غاية النفع بنور الهداية يعرف الطريق ويمضي لا يلوي على شيء. 332- محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية (ت751هـ) "إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان ت: محمد حامد الفقي، نشر مكتبة المعارف، الرياض، السعودية، بدون، ج1/20.
عدد الصفحات ٢٨٦جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 287 وقد قال عليهم ويغمر ذواتهم فيستنيرون تبعا له، ويبلغهم ما يبلغهم من نوره بحسب قربهم منه، مما يدل على أن المنعَم عليه داعية إلى النور جوادٌ كريم، يجود بما يملك من نور الهداية فيدلهم عليها كي يقتبسوا منها كما اقتبس فيستنيرون لما يرجعون إلى المصدر ينهلون منه فيعطون كلٌّ بحسبه، فهو سبب للناس في أن يشملهم الانتفاع من هذا النور الذي معه. فهل يستوي من حاله على الوصف المذكور بمن هو في الظلمات ليس بخارج منها، هل هذاظُّل مَات لَيْسَ ب خَار جٍ م نْهَا فتشمل كل مخالف لصاحب الهداية والذي مثله مثلَ من هو والباء في قوله وبالتالي فأهل الانحراف والالتواء عن شرح الله ولو باسم التفتح والتحرر والرقي، هم الظلاميُّون، أمَّا المؤمن فهو في ساحة الأنوار وإن لم يرها العميان ولم يحبوا رؤيتها كالخفافيش، فنعتهم المؤمنين بالرجعية والظلامية هم أحق بها وأهلها، وإنما يصلح في هذا المقام المثل القائل: "رمتني بدائها وانسَلَّت"، إذ الذي تحدق به الظلمات من كل الجهة هو الذي لا يستطيع أن يتقدم مخافة أن يقع في الهاوية أو يتعثر فيسقط على أم رأسه ويخر صريعا لليدين وللفم، أمَّا أهل النور والاهتداء فهم الذين يرون ويبصرون فيمشون بين الناس، ويواصلون الخطا راشدين. وقد جاء في النفي بـ لأنها هاهنا بأبلغ من مجرد النفي باللام، ولكونها أيضا تمهد الكلام ليأتي باسم الفاعل "خارج" بدل الفعل "يخرج" فإنه لا يستقيم أن ي قال: "لا بخارج"، فليس ما جاءت فقط من أجل أن تسقيم عبارة اسم الفاعل التي بعدها، كلا، بل جاءت كذلك لمعنى في نفسها مقصود، وبالبلاغة مرصود، فكان اختيارها لأنها أدل على النفي هاهنا. ثم إنَّ الخطاب لم يقل "لن يخرج منها" فتحاشى عن حرف "لن" لأنها إنما تفيد المحاولة كما سبق أن بينته في ثنايا هذه الرسالة، والكافر غير المهتدي هو لا يحاول الخروج، ومادام راضيا بظلمته مستكينا إلى ضلالته فلا معنى لأن ترد "لن" في هذا المقام، وهو من دقة
عدد الصفحات ٢٨٧جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 288 القرآن في اختيار كلمات واجتناب أخرى، دقة وتأنُّقا، لاسيما وقد قال بعدها للكافرين ما كانوا يعملون وقد بنى لفظة شائعا لا يتحدد بمذكور معين، فيشمل بذلك كل من يتوقع منه التزين سواء كان من شياطين الجن أو شياطين الإنس، وسواء من الغير، أو من النفس الأمَّارة بالسوء التي تودي بصاحبها إلى الفتن والمهالك. وقد قالهو يشمل عمل القلب واللسان والجوارح، وهو ما يلتقي على وجه التمام بقوله للظلام، مما يوحي بأنَّ الضال المغرور الفرح بظلمته المشينة التي يحسبها ز ينة، وهي ليست أمينة، إنما تتركب ظلماته المتراكمة: الأولى: ظلمة العمل القلبي ما فيه من نوا يا وإرادات، وما يحتويه من عقائد فاسدة وتصوُّرات حائدة، وأفكار بائدة، وتدابير غير راشدة، والثانية: ظلمة منطق القول الذي يتفوَّه به، والسوء المنحدر من فمه، والثالثة: ظلمة الأعمال التي يكسبها بيده ورجله وبقية جوارحه من سمع وبصر. والمثل يرسم صورتين عكسيتين؛ ففي حين ينشر المنعَم عليه الهداية ويزداد منها ويعمم الخير في بني جنسه، يزداد الآخر من الظلام بعدم خروجه منه، ومحبته إياه ومكوثه فيه، ويا ليته ظلام واحدا بل هو ظلمات متعددة، جاثمَةٌ متجسدة.
عدد الصفحات ٢٨٨