جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 257 زاد الخوف شد ة ، لأنها تستر النجوم التي يهتدي بها من في البحر ، ثم إذا أمطرت تلك السحاب ، وهبت الريح المعتادة في الغالب عند نزول المطر تكاثفت الهموم ، وترادفت الغموم ، وبلغ الأمر إلى الغاية التي ليس وراءها غاية ، ولهذا قال سبحانه بَعْض هَا فَوْقَ بَعْضٍ وتعاظمه ... ثم بالغ سبحانه في هذه الظلمات المذكورة بقوله { وفاعل أخرج ضمير يعود على مقد ر دل عليه المقام أي : إذا أخرج الحاضر في هذه الظلمات أو من ابتلى بها .. وجملة لما قبلها من كون أعمال الكفرة على تلك الصفة ، والمعنى : ومن لم يجعل الله له هداية ، فما له من هداية . قال الزجاج : ذلك في الدنيا ، والمعنى : من لم يهده الله لم يهتد ، وقيل : المعنى : من لم يجعل له نوراً يمشي به يوم القيامة ، فما له من نور يهتدي به إلى الجنة" (320.) فالمفسرون منهممن جعل النور يوم القيامة ومنهم من جعله في الدنيا، والصواب أنه لا تعارض بين الأمرين، لأنَّ من لم يكن له نور الهداية في الدنيا لن يكون له يوم القيامة، وهذا على وَفق قول ابن تيمية أنَّ في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة، وهي تقوى الله والعمل الصالح، فكذلك في الدنيا نور الهداية من لم يجعله الله تعالى له إنعاما وتوفيقا وتفضلا، لن يكون له نور يوم القيامة لمَّا يعطي الله تعالى لكل نورا حسب مقدار عمله. وبعد، فهذان مثلان أولهما عن الجهل المركب والثاني عن الجهل البسيط، ويقول ابن تيمية انه أيضا يصلح أن يكون الأول عن اليهود يعني عن حال الظالمين المغضوب عليهم ممن يتعمدون الخطأ، والمثل الثاني عن النصارى يعني عن الضالين المتخبطين الذين لا يميزون الهدى من الضلال ، و لا النور من الظلمة، و إن كان الظلام فوقهم متراكما ، يقول رحمه الله: المثلان "أحدهما: مثل الكفر والجهل المركب الذي يحسبه صاحبه موجودًا، وفي الواقع يكون خيالاً معدومًا كالسراب، وأن القلب عطشان إلى الحق كعطش الجسد إلى الماء. 320- محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني (ت1250هـ) "فتحالقدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير" دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت، ط 1، سنة1414هـ، ج4/47.
عدد الصفحات ٢٥٧جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 258 فإذا طلب ما ظنه ماءًا وجده سرابًا، ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب، وهكذا تجد عامة هؤلاء الخارجين عن السنة والجماعة . والمثل الثاني : مثل الكفر والجهل البسيط الذي لا يتبين فيه صاحبه حقًا ولا يرى فيه هدى، والكفر المركب مستلزم للبسيط، وكل كفر فلابد فيه من جهل مركب. فضرب الله سبحانه المثلين بذلك ليبين حال الاعتقاد الفاسد، ويبين حال عدم معرفة الحق، وهو يشْب ه حال المغضوب عليهم والضالين، حالَ المصمم على الباطل حتى يحل به العذاب، وحال الضال الذي لا يرى طريق الهدى . فنسأل الله العظيم أن يثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، وأن يرزقنا الاعتصام بالكتاب والسنة" (321.) ويمكن أن نعمم فنقول إنَّ المثل ا ول هو مثل الكفار الدعاة الذين يقودون الناس إلى جهنم وبئس المصير، والمثل الثاني للكفار المقلدين الذين يتبعون الناعقين بالكفر فيوردونهم النار، وما لهم فيها من أنصار. يقول ابن القيم: في قوله تعالىا ك نْتَ تَدْر ي مَا الْك تَاب وَلاَ الإْ يمَان وَلَك نْ جَعَلْنَاه ن ورًا نَهْد ي ب ه مَنْ نَشَاء م نْ ع بَاد نَا 52] روحا لما يحصل به من حياة القلوب والأرواح ونورا لما يحصل به من الهدى والرشاد، ومَثَّلَ هذا النور في قلب المؤمنكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء35] النور بمن هو في ظلمات وقه موج من فوقه سحاب (322.) وإذا كان النور حرج في محاولة إسقاط تلك الأنوار المجتمعة على أنوار الهداية المتنوعة، إذ نور الهداية 321- ابن تيمية "مجموع الفتاوى" ت:عبد الرحمن بن محمد بن قاسم، ج4/75. 322- ابن قيم الجوزية"مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين" ت: محمد حامد الفقي، ج3/163.
عدد الصفحات ٢٥٨جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 258 في الاعتقاد ليس كنور الهداية في المسائل العبادية، وهداية القلب أصل للنور الذي به تهدى الجوارح ويستقيم به اللسان، بل إنَّ القرآن قد قسَّم الله فيه المؤمنين في أول الواقعة وفي آخرها وفي سورة الإنسان؛ إلى قسمين: سابقون: وهم المقربون. وأصحاب يمين: وهم الأبرار. وقد جعلهم الله تعالى جميعا من أهل الطاعة والنعمة والرفقة الحسنة، حيث قال جل ثناؤه: { وَالشُّهَدَاء وَالصَّال ح ينَ وَحَس نَ أ ولَئ كَ رَف يقًا68]. فهذه إذن؛ أنوار،وعكسها وانحراف عقلي وعقدي وخلقي، أي عمى في البصر والبصيرة، وتخبط في أمواج الأباطيل القلبية والقولية والعملية، فكما أن الإيمان نور القلب واللسان والجوارح، فكذلك الباطل والضلال والظلمة. وبالتالي فلا بأس من إسقاط كل ظلمة من تلك الظلمات المتراكمة في بحر لجي فوقه سحابٌ على ما يلائمها ، وتفسير كل ظلمة بما يناسبها من الضلال، إذ الظلمة السفلية هي أشدهم ظلاما، وإن كانت الظلمة التي فوقها من الموج الفوقاني تغطي عليها إلاَّ أَنَّها ليس أشد منها، فالأحرى أن تكون هي ظلمة القلب لأنه إذ اسود كان أشد انحرافا وسوءا وضلالا من باقي الجسد، فإن –كما في الحديث المتفق عليه- «ف ي الْجَسَد م ضْغَةً إ ذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَد ك لُّه وَإ ذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَد ك له أَلا وَه ي الْقلب »323)، من هنا كان خطره أعظم، وكانت ظلمته أظلم، وعمى البصيرة هو أشد أنواع العمى وأضخم. 323- محمد بن إسماعيل البخاري، "الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه المسَمَّى صحيح البخاري" ت: محمد زهير بن ناصر الناصر، دار طوق النجاة، ط 1، سنة1422هـ،رواه في كتاب الإيمان، بَاب فَضْل مَنْ اسْتَبْرَأَ ل د ين ه ، حديث رقم 52، ج1/20، ومسلم ابن الحجاج النيسابوري "الجامع الصحيح المسمى صحيح مسلم"، ت: محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي – بيروت، بدون، كتاب المساقاة، باب أخذ الحلال وترك الشبهات، حديث رقم 107، ج3/1218.
عدد الصفحات ٢٥٩جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 260 ثم تأتي الظلمة التي فوق القلب وهي ظلمة اللسان والأركان، أي الأقوال والأعمال والحركات ولقد جعل العلماء الانحراف كائنا في أمرين هما سببان له، أحدهما الشبهات والثاني هو الشهوات، وقد يجتمعان في أوجه من الوجوه، فالضال عن سبيل الله قد يكون ملبسا عليه لا يدري طريق الحق، كما هو شأن المتخبط في الظلمات التي بعضها فوق بعض في المثل الثاني، وذلك لاشتباه الأمور عليه، وقد يكون يعرف ولكنه يحرف، ويظن أنه على الطريق المرضي ويقوده هواه إلى الاستنكاف ع ن الحق وعن النهل من مياهه العذبة الكثيرة الصافية، ويجنح إلى ما يتخيله صوابا، فيذهب في طريق مظنوناته السيئة ذهابا، فلا يجد من الماء المتخيل إلى سرابا. فهذا إذا أقيمت عليه الحجة وجاءه البيان لقطع العذر عنه لا يستجيب لداعي الهوى الغالب على قلبه، فالقرآن إذ ن؛ يصوره أبلغ تصوير، ويجلي حقيقته كما هي في عين الواقع المرير. أمَّا صاحب الجهالات والشبهات فلوجود الريب في قلبه، وركونه إلى التقليد الغالب على عقله؛ لا يستجيب لداعي الحق والهدى، فهو في ظلمة الشبهة الطاغية، شبهة تستقر بأدنى لبه، وأسفل قلبه، حتى تكون هي مبعثه في تحركاته، وسكناته، لأنه ارتضاها ورضع من لبانها فهي ما يهوى ويحب، فلا يصدر إلا عنها ولا ينطلق سوى منها، والحب أصل كل حركة وسكنة، وكل عبث ومجون، وكل أخذٍ ورد، وتمتع وإقبال، نفورٍ وهيجان، فكأَنَّ "الموج الأول موج الشهوات الداعية إلى الصفات البهيمية و الإشتغال باللذات الحسية وقضاء الأوطار الدنيوية حتى إنهم يأكلون ويتمتعون كما تأكل الأنعام. وبالحرى أن يكون هذا الموج مظلما لأن حب الشيء يعمى ويصم. والموج الثاني موج الصفات السبعية الباعثة على الغضب والعداوة والبغضاء والحقد والحسد والمباهاة والتفاخر والتكاثر. وبالحري أن يكون مظلما لأن الغضب غول العقل. وبالحري أن يكون هو الموج الأعلى: لأن الغضب
عدد الصفحات ٢٦٠جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 261 في الأكثر مستول على الشهوات حتى إذا هاج أذهل عن الشهوات وأغفل عن اللذات المشتهاة. وأما الشهوة فلا تقاوم الغضب الهائج أصلا. وأما السحاب فهو الاعتقادات الخبيثة، والظنون الكاذبة، والخيالات الفاسدة التي صارت حجبا بين الكافرين وبين الإيمان ومعرفة الحق والاستضاءة بنور شمس القرآن والعقل: فإن خاصية السحاب أن يحجب إشراق نور الشمس. وإذا كانت هذه كلها مظلمة فبالحري أن تكون ظلمات بعضها فوق بعض... وإذا كان منبع الأنوار كلها من النور الأول الحق .. فبالحري أن يعتقد كل موحد أن لَه نوراً فَما لَه م ن ن ورٍ324.) بيدَ أنَّ في باب المقارنة بين الأمثال نجد تلميحات عظيمة، فإنَّ المثل الأول فيه رجلٌ يجري وراء سراب الباطل، وسراب الأفكار المردية، والفلسفات التائهة وخدع العقول، كما تراه في عصرنا الحاضر ضلال الديمقراطيات والحريات والتغني بأفكار لا خطام لها ولا زمام، مقطوعة الصلة بالله، تمثل أصناما فكرية يركض ورائها الضامئون المخدوعون؛ والحال أنَّ الجري ليس إلا خلف ذاك "السراب في الصحراء الحارقة المتوقدة يصف فيه قصة الحياة المقطوعة عن الله، ترى الإنسان فيها تائقا ظامئا لأن الفطرة في داخله تدعو إلى الله، ثم هو مخدوع وراء سراب من الأباطيل والفلسفات وخدع العقول وضلال الحكمة، تحرقه رمضاء هذا كله وهو تائه عن النبع الذي أنبطه الله في قلب أبينا الأول وجعلها وَصاةً في عقبه أن أقيموا الدين" (325). وهذا هو الذي يحدوني لأَنسجَ أبياتا عن أهل الجاهلية وعن عصرنا الذي أضيفت فيه، زيادَةً على الجاهليِّين؛ أصنامٌ أ خرى، فأقول وَكـلُّ أَهــلٍ له م في داره ــم صَنَـمٌ *** واليَــومَ أصنام نا أفكــــار غ ربـان ! كان الضَّ لال كموج البحر يَدفَع ه م *** ونحـن تَدفَع ــنا أمـــواج بَحـــران !! 324- محمد بن محمد، أبو حامد الغزالي الطوسي (ت505هـ) "مشكاة الأنوار" ت: د. أبو العلا عفيفي، الدار القومية للطباعة والنشر، القاهرة، مصر، بدون، ص82-83. 325- محمد محمد أبو موسى "دراسة في البلاغة والشعر" نشر مكتبة وهبة القاهرة، ط1،1411هـ1881م، ص28.
عدد الصفحات ٢٦١جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 262 والقَــوم أَمَّه ــم ش ــرْكٌ ي ـوحِّد ه ـــم *** وقوم نا اختَلَف ــوا ب ر غْـــم إيمـــان !!! فــذاك يَـبْـس ـــط كـــف ًـا للمــياه وذا *** يريــد مكَّــةَ م ن طَريـــق رومـان ! فكلاهما أخطأ الطريق في الوصول إلى مقصوده فمريد الارتواء لم يسلك السبيل الناجع الموصل ه إلى مطلوبه، فهو يفعل شيئا يقف دون مرامه، إذ بسط الكف لا يؤدي الغرض المبتغى، ومثله الذي يترك مكة في الجنوب ويذهب إليها من طريق الشمال؛ لأن بلاد الرومان في غرب أروبا شمالا، فأنى يصل إلى بيت الله الحرام بأم القرى، وأنى يشرب من زمزمَها يا ت رى! إن مما يلتفت إليه في هذا التشبيه هو أنَّ ذكر الماء والظامئ قد تكرر في سورة أخرى، هي مجانسة لهذه تمام المجانسة، ولكن بطريقة أخرى معاكسة في التصوير، ونمط متنوع في ال تعبير، وذلك أن الله تعالى يصف الذين كفروا وتوجههم إلى غيره سبحانه ويمثلهم بالذي يبسط كفيه للماء، قال جل ثناؤه لَه مْ ب شَيْءٍ إ لاَّ كَبَاس ط كَفَّيْه إ لَى الْمَاء ل يَبْل غَ فَاه وَمَا ه وَ ب بَال غ ه وَمَا د عَاء الْكَاف ر ينَ إ لاَّ ف ي ضَلاَلٍ [14]. فتأمل "السورة تجد ضامئا كالذي في سورة النور، وهو هناك يجري وراء سراب بقيعة، وهنا على شاطئ نهر، وهذا فارق كبير، ثم إنَّ مطلوبه هنا - وهو الماء- بين يديه، ولكنه لم ي حكم الوسيلة التي تمكِّنه من الانتفاع بالماء، فهو يبسط كفيه أي يوس بين أصابعه –كما قال المفسرون- ليبلغ الماء بذلك فاه، وهذا خطأٌ لأنَّ الماء يغترف باليد، وبسط اليدين إلى الماء إشارة إلى الخطأ في طريقة النظر ومنهج التعقل والتدبر والتذكر الذي أمرنا الله به، وجعل سداده واستقامته طريقا إلى الإيمان واليقين. والصورة المكانية هناك: صحراء قيعة لا حياة فيها، وإنما فيها ركض وراء الوهم، والصورة المكانية هنا: شاطئ نهر، والمثال المذكور: باسط يده إلى الماء" (326.) 326- المرجع السابق نفسه.
عدد الصفحات ٢٦٢جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 263 المثل الخامس قال تعالى: { أ خْر جْت مْ لَنَخْر جَنَّ مَعَك مْ وَلاَ ن ط يع ف يك مْ أَحَدًا أَبَدًا وَإ نْ ق وت لْت مْ لَنَنْص رَنَّك مْ وَاللهَّ يَشْ هَد إ نَّه مْ لَ كَاذ ب ونَ ( 11) لَئ نْ أ خْر ج وا لاَ يَخْر ج ونَ مَعَه مْ وَلَئ نْ ق وت ل وا لاَ يَنْص ر ونَه مْ وَلَئ نْ نَصَر وه مْ لَي وَلُّنَّ الأَْدْبَارَ ث مَّ لاَ ي نْصَر ونَ ( 12) ......كَمَثَل الشَّيْطَان إ ذْ قَالَ ل لإْ نْسَان اكْف رْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إ نِّي بَر يءٌ م نْكَ إ نِّي أَخَاف اللهََّ رَبَّ الْعَالَم ينَ ( 16) فَكَانَ عَاق بَتَه مَا أَنَّه مَا ف ي النَّار خَال دَيْن ف يهَا وَذَل كَ جَزَاء الظَّال م ينَ ( 17[ }) مثل الله تعالى المنافقين في استحثاثهم المشركين على القتال وتزيي نه لهم ودفعه إليهم بتطميعهم في أن يعينوهم ويسندوا قوتهم ويكونوا معهم يدا واحدة على المؤمنين؛ بالشيطان الذي يغر الإنسان ويزين له الأمور ليوغل فيها، ويظل يدور به يحرضه على الكفر ويحسن له الطريق الوخيم حتى يرتكس في حمأته، ويقع في بليته، فإذا به فجأة يتنكر ويبتعد ويقطع كل علاقاته مع ذلك المغرور، في وقاحة وَق حَةٍ وصلف بالغ فيقول له إنِّي بريء منكن ويؤكد له ذلك بـ "إنَّ" التوكيدية، لأنه يعلم أن الإنسان سوف لا يقبل قوله فهو يستبق الأمور منذ البداية حتى لا يبق مجالٌ للمغرور فيحتجَّ، ويستمر الشيطان اللعين في عدم مبالاته بذلك الذي أطاعه بالأمس، وبعد أن كان قريبا منه وبعيدا عن الله؛ يصور له عكس ذلك فيزعم أنه يخاف الله وأنه قريب من رب سبحانه، فإذا وقد ترادف كذبه وتناهت وقاحته، يتبرا من تبعاته ويرمي بالمسؤولية على التابع ولا يبالي به البتة، وقد تضمنت هذه البراءة أمران أولهما الكذب الواضح والتزوير الطافح والادعاء العريض، والثاني العتاب الخفي للإنسان حيث ندَّمه على فعله وتركه يلاقي حتفه المحتوم وجزاءه من العذاب المنتظر الهائل. ذلك هو شأن المنافقين تماما، يقعونك ثم يرفعوا أيديهم عنك، وكما لم ينصر الشيطان وليه، لا ينصرون هم إخوانهم، وإنما سماهم الله إخوانا لأن الأخوة الدينية أقوى الروابط على الإطلاق، ولذلك قيل "الأخوة الدينية أعلى من الأخوة الطينيَّة". وتأمَّل كيف يقع التغرير بكثرة المؤكدات ..} للتزوير والخداع، وليس هذا فقط بل المعاني تدور حول هذا الغرض، فهم يوهمونهم بذكر
عدد الصفحات ٢٦٣جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 264 المعية نطيع فيكم أحدا وكأنهم أقوياء شجعان وسيوفون بوعدهم، كانما هذا الجرس الصوتي يصور كلامحهم الواثقة وقسمات وجوههم المنفعلة وعيونهم الحمر التي يتطاير منها الشرر، تلك كلها هي قوة المنافقين في صناعة الأوهام وبراعتهم في التنوير والتلبيس والخداع، حرفة حذقوها فلا يضاهيهم فيها إلا أمثالهم، وبالمقابل تلك براعة القرآن في تصويرهم وبيان حالهم على أدق تفصيل في كلامات قلائل تتآلف حتى ترينا قسماتهم كيف هي، وملامحهم التي تنبي عنها اصواتهم، وادعاؤهم الطويل، وكثرة تعدادهم للأمور فيكم أحدا ... إن قوتلتم لننصرنكميصدقهم ويقتنع بما يقولون، وتامل ما يدل على هذه القناعة في الكلام حيث أكدوا في الأول بقولهم لنخرجن ... لا نطيع فيكم أحدا أبدا[11.] فانظر إلى أن المخاطب قد بدا يقع تحت سطوتهم ووعدهم الوثيق، وهم يتفرسون ويرون أنه بدأ يخضع ويستجيب، فإذا بتلك التأكيدات تقل وتوشك أن تنتهي غذ لم يصبح لها لزوم، ولأنَّ المعروف نفسيا أنَّ من بدأ يقتنع أكمل له ما تبقى ولا تزيده، فإنَّك غن فعلت ذلك جاوزت الحد المطلوب وانقلب عليك الأمر، من هنا قيل: "إذا زاد الشيء عن حده؛ انقلَبَ إلى ضدِّه"، والقوم من براعتهم اخذوا يقللون من تأكيدهم فإذا بهم يقولون يقولو نطيع فيكم أحدا أبدا الأمور وطبيعة القوم العارية عن الصدق والوفاء { أنهم قالوا مرتين، إنَّ دعاواهم لن تتحق، وتأمل كيف أن الله تعالى لم يقل "لن يخرجوا معهم" و"لن يقاتلوا معهم" وغنما نفى ذلك بلا الناهية فقط، والسر في ذلك انه علام الغيوب فهو في الزمن الذي هم فيه يدَّعون ما يدَّعون؛ يرى هو الزمن الآتي الذي فيه لا يخرجون ولا يقاتلون، وما حاجة ما يشاهد أمرا أن ينفيه بـ "لن" غن هذا لا يستقيم، فهو يراهم ويرى عدم خروجهم، وذلك من الأدلة أن هذا القرآن لم يأت به محمد صلى الله عليه وسلم، والشهادة
عدد الصفحات ٢٦٤جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 265 والغيب بالنسبة غلى الله سبحانه وتعالى شيء واحد بلا فرق، بل هو سبحانه يرى حتى الصورة التي لم تقع لو وقعت كيف ستقع، ويؤكد لهم ذلك ويقول الأدبار ثم لا ينصرون مصيرهم فإنَّ أهل الكتاب هؤلاء سوف ي هزمون ويدحرون ولا ينصرون. فماذا بعد الادعاء الزائف إلاَّ الهزيمة وكذب القول وخواء الحقيقة، هي العاقبة المشئومة التي ينالونها، وهي التي ينالها الشيطان ومن يطيعه هذا فحسب بل هم خالدون فيها، أيدخلونها هم، نعم لا جرم أن لهم النار وأنهم م فرَطون [62]. وتأمل إلى أن أن الحقائق الغيبة ومجرياتها لا تأكيد فيها غنها كعالم الشهادة المنظور، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، وقد بلغت الحجة وانقطع النزاع، فمن آمن بالرسول فسيؤمن بأخبار الغيب، ومن لم يؤمن فماذا ينفعه أن تؤكد له، أن التأكيد هاهنا من نصيب ألسنة النار التي تقنعه بالحرق وباللهيب، فيصدق ويستجيب. وإذن لم يقل رب العزة وقال قالها لأشعرت المخاطَب بأنهم لا يقدرون على الخروج، فتنفي خروجهم، ولكنها لا تنفي إرادتهم في الخروج بحرف"لن" وحدها، فكم من عاجز عن فعل شيء يريده ولكنه لعجزه الكبير عنه "لن" يفعله، يعني حتى لو أراد، وهذا المعنى لم يكن مقصودا فإنهم لو خرجوا لاستطاعوا ولكنهم سيولون الإدبار كما قال تعالى. وبالتالي فحرف "لن" كأنَّ من معانيه نفي قدرة المحاول للشيء ولا يستطيعه، فهي تنفي القدرة ولا تنفي الإرادة، فالفرق بين قول القائل "لا اذهب" و"لن اذهب" أن في الأولى النفي المجرد، وفي الثانية ينفي الذهاب ولو أريدَ عليه أو أ جبر، فكأنه يقول لا اذهب مهما ي كون الأمر الذي يحتم علي الذهاب، فهي في تقدير لو بمعنى أنه لا يذهب ولو حصل ما حصل، فلن لا تنفي الإرادة، إنَّما أصل عملها هو نفي القدرة، لهذا ناسب أن يذكرها الله تعالى في قوله لما سأله موسى عليه الصلاة والسلام رؤيته كنت راغبا وكانت إرادتك موفورة، فقدرتك لا تمكنك من ذلك، فــ "لن" إذن؛ تنفي القدرة ولا تنفي الرؤية، وربما كان المعتزلة من حيث العموم على حق حينما قالوا إنَّ "لن" تفيد
عدد الصفحات ٢٦٥جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 266 التأبيد، ولكنهم أخطئوا في تخريجها وتوظيفها، فالتأبيد يقع على القدرة لا على الشيء المنفي، وفي المثال السابق عليها في ظرفه ذاك وفي دنياه تلك، لهذا قال مالك "أبصارنا تفنى والفاني لا يرى الباقين ويوم القيامة ت رزق أبصار نا الدوام والبقاء، فيرى الباقي الباقي" فلله دره ما أفقهه، وبالتالي نفي القدرة ا لحالية هو المؤبد، لهذا ففي المثال الذي ذكرناه من قبل في قول القائل "لن اذهب" المعنى أنَّه لن يذهب أبدا ما دام على تلك الحال، فإذا ما تغيرت الأحوال فقد يذهب مرات وكرات، وربما ذهب إلى أبعد من المنطقة التي نفى ذهابه إليها، وهذا هو التفصيل الذي أراه في المسالة انطلاقا من وحي القرآن، ولأن "لن" أصلا تستشعر في الحقيقة أنَّ النفي بها هو آكد وأبعد من النفي بـ "لا"، ولكن لم يذكرها الله تعالى في الآيات الماضية لتساوي الغيب والشهادة عنده كما شرحناه، فإن أصبت فمن الله وإن أخطأت فأستغفر الله وأتوب إليه. ثم إنَّ الشيطان كما هو معلوم ومعلوم انه لا يقول للإنسان اكفر مباشرة وفي قلبه إيمان فيطيعه إلا إذا كانت هناك مغريات قد أغفل القرآن ذكرها وفتح لك باب التخيل، وأنت مهما تخيلت فالمهم أنك لابد أن تتصور كون هذا الإنسان قد وقع في فخ محكم بدقة لم يملك إيمانه معه إلاَّ أن يضعف ولا يتماسك فإذا به قد صار صيدا ثمينا للشيطان اللعين، والشيطان لا يفعل ذلك لينتفع بصيده، كلا، إنما يشفي شيئا من غليله في حقده على بني آدم عليه السلام الذين يحب أن يكونوا معه في جهنم جميعا، فالسياق اختصر الغواية اختصارا ولم يذكر إلا آمرا وم ؤتَم رار .. كفركأنها غنيمة باردة، وهو الأمر الذي يتطابق مع ما مثل له، فأهل الكتاب أصلا لهم القابلية لان يستمعوا لمثل ذلك الكلام الذي أوقر به المنافقون آذانهم، وهاهنا الإنسان استجاب مباشرة في الظاهر لأن كان مهيَّئا لقبول الكفر وكان قد وصل معه الشيطان غلى الخطوة الأخيرة والحاسمة، حتى إذا لم يبق إلا أن يقول له اكفر كفر. وإنما ذكر لفظ الشيطان ولم يقل إبليس لما سبق وبيَّناه في غير هذا المثل، ونختصره هنا بقولنا إنَّ حرف "الشين" يعني الانتشار وبالتالي يدل على الضخامة والتَّنفُّخ والادعاء، وحرف الطاء من معانيه الاس تطالة خاصة وأنَّ بعده الألف الممدودة، وهو ما يوحي باستطالة هذا المخلوق الذي هو الشيطان ولما كان هنا هو المغرر للإنسان والكائد له
عدد الصفحات ٢٦٦جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 267 والمدعي والواعد والصياد الذي أوقع المؤمن في حبالته حتى كفر، ناسب ان يذكر بما يناسب هذا المقام من الاستطالة والتغرير. ولهذا أ يضا أغفلت الآية وصف ما جاء في تغرير الشيطان للإنسان كون وسوسته وتغريره وخداعه شيء معلوم، بخلاف المنافقين الذين يجب وصفهم وبيان درجة خطورتهم ليحذرهم المؤمن أكثر وأكثر، لأنه يكيدون له في الخفاء كيدا عظيما ويؤلبون الكافرين على دحره وقتله وإبادته بألسنتهم السليطة وتخطيطهم الماكر، خاصة وأنَّ شياطين الإنس اخطر من شياطين الجن، فالوصف لهم أولى. وقوله قالها لدل على أنهما في نفس الدرجة من العذاب، أمَّا النار فهي النار بجميع دركاتها، فقد يكونان في المنزلة نفسها وقد يكونان في منزلتين مختلفتين في قاع الجزاء الوخيم. وهكذا شان المنافقين فهم ليسوا كالكفار منزلة إنما هم فالدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيرا، فنظر إلى درجة التصوير ودقة التمثيل وتطابقه مع ما ضرب له. وإنما خص الكفر في طلب الشيطان من الإنسان لانَّ الكفر هو أقصى ما يحلم به الشيطان بعد الثبات على الكفر، فرب كافر يتوب، ولكن أجمل من الكفر عند الشيطان هو أن يثبت الكافر على كفره، وهذا الذي حصل هاهنا فإن الإنسان كفر ودخل النار مما يدل على أنه ثبت على كفره ومات على غير ملة الإسلام، فهو يصور لنا أقصى ما يحلم الشيطان به، تماما كما صور لنا أقصى ما يحلم به المنافقون وهو أن يقاتل أهل الكتاب المسلمين بدلهم، لان المنافق لا يستطيع القتال لكونه يزعم انه مسلم، وأكبر ما يتمناه أن يأتي من يأتي فيقاتل المسلمين ويبيدهم، وليس ذلك منتظرا من سوى أهل الكتاب بالدرجة الأولى حتى قَبلَ المشركين. فتأمل كيف تتطابق تلك الحال مع المثل المضروب لها إلى أبعد الحدود. ثم قال تعالى ختاما الشيطان، وأنه ترك إيمانه عن بينة فلا جرم كان من الظالمين، والسياق يؤكد ذلك ويصور لك أنه بمجرد ما قال له اكفر كفر، وهذه سرعة في الاستجابة مهما كانت درجة الإغواء وقوة المغري، فإنَّ المستجيب بمثل هذه السرعة لا بد أن يكون ملاما ويكون ظالما لنفسه،
عدد الصفحات ٢٦٧جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 268 فاستحق أن يلومه من أغراه بالكفر وزينه له قبل أن يلوم نفسه التي بين جنبيه، والقرآن يقول بريء ليس من جريرتك وما فعلته من نقض الإيمان والارتكاس في حماة الكفر، لا، ليس هذا فقط، بل أنا بريء منك أنت في حد ذاتك، فهنا يصور لنا القرآن أن كل من يتعلق بحبل غير حبل الله فإنه مقطوع، كتمسك أهل الكتاب بالمنافقين، فإذا بهم يجنون السقوط والارتطام على أرض الخيبة، فهذه النتيجة السوداء للكافرين جميعا، ولطائعي الشيطان على السواء. ثم تأمل كيف تلاقى المثل مع المعنى الذي من أجله جاء، وبكل جلاء. ملاحظة: المثلان السادس والسابع قد مضيا في الباب النظري وهما المذكوران عن المنافقين في مطالع سورة البقرة في قوله تعالى ذَهَبَ اللهَّ ب ن ور ه مْ وَتَرَكَه مْ ف ي ظ ل مَاتٍ لاَ ي بْص ر ونَ (17) ص مٌّ ب كْمٌ ع مْيٌ فَه مْ لاَ يَرْج ع ونَ (18) أَوْ كَصَيِّبٍ م نَ السَّمَاء ف يه ظ ل مَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَل ونَ أَصَاب عَه مْ ف ي آذَان ه مْ م نَ الصَّوَاع ق حَذَرَ الْمَوْت وَاللهَّ م ح يطٌ ب الْكَاف ر ينَ ( 18) يَكَاد الْبَرْق يَخْ طَف أَبْصَارَه مْ ك لَّمَا أَضَاءَ لَه مْ مَشَوْا ف يه وَإ ذَا أَظْلَمَ عَلَيْه مْ قَام وا وَلَوْ شَاءَ اللهَّ لَذَهَبَ ب سَمْع ه مْ وَأَبْصَار ه مْ إ نَّ اللهََّ عَلَى ك لِّ شَيْءٍ قَد يرٌ 17-18-18-20.]
عدد الصفحات ٢٦٨جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 268 الأمثالالفكرية (التعميم والتجريد): الفصل الرابع: - الدنيا. - النور والظلمات. - الحق والباطل. - الكلمة الطيبة والكلمة الخبيثة.
عدد الصفحات ٢٦٩جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 270 الأمثال المضروبة للدنيا المثل الأول والثاني: يقول الله تعالى م مَّا يَأْك ل النَّاس وَالأَنْعَام حَتَّى إ ذَا أَخَذَت الأَرْض ز خْر فَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْل هَا أَنَّه مْ قَ اد ر ونَ عَ لَيْهَا أَتَاهَا أَمْر نَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَص يداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ ب الأَمْس كَذَل كَ ن فَصِّل الآ يات ل قَوْمٍ يَتَفَكَّر ونَ [24]. وقوله تعالىوَاضْر بْ لَه مْ مَثَلَ الْحَيَاة الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاه م نَ السَّمَاء فَاخْتَلَطَ ب ه نَبَات الأَْرْض فَأَصْبَحَ هَش يمًا تَذْر وه الرِّيَاح وَكَانَ اللهَّ عَلَى ك لِّ شَيْءٍ م قْتَد رًا [ }45] نقول أوَّلا في المناسبة بين المثلين أن أولهما في سورة يونس عليه الصلاة والسلام وقد دخل بطن الحوت، وثانيهما في سورة الكهف، والكهف بطن من بطون الأرض، وورود المثل في هذين السورتين مع مراعاة تجانسهما فيما ذكرناه له دلالته الخاصة ورمزيته المعينة، ومحال أن يرد شيء في كتاب الله تعالى هكذا اعتباطا، وبالتالي فالظاهر أن ذلك لأجل كون جو السورتين متلائما مع ضرب المثل إذ الماء يستقر في ب طن الأرض كاستقرار النبوة في بطن الحوت، واستقرار الفتية الصالحين في بطن الأرض وكهفها، والأمر ليس في مجرد الاستقرار والمكوث بل في مغزى ذلك وهو أن يونس عليه الصلاة والسلام أحس بالهلاك فأنجاه الله على مقربة من الموت، كما أنه أنجى الفتية الصالحين على مقربة من الضياع والانهيار فأخرج الجميع غلى نور الحياة وضياء النجاة والعزة والسعادة، وبالمقابل جعل من الماء كل شيء حي فاختلط بالماء نبات الأرض فبرغم اختلاط مادة الحياة مع الشيء ثم إزهاره واخضراره إلا أن الله تعالى يجعله خامدا، قد ح صد حصدا في لحظةٍ خاطفة فإذا هو لا شيء، فالصورتان متقابلتان هذه لمن أوشك على الموت فأحياه الله ورفعه إلى السيادة، والأخرى لمن أوشك على الازدهاء بالحياة الجميلة فجاءه القضاء المبرم والزوال المحتم والإبادة، وحتى لا يقال إن تلك الصورة التي رسمت الخاتمة الحسنة لنبي من الأنبياء فكيف ينعم الله على من دونه؛ جاءت الصورة ذات النهاية المشرقة كذلك لمن دون الأنبياء من الصالحين، بل من الفتية فضلا عن الرجال.
عدد الصفحات ٢٧٠جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 271 ومعلوم أن الدنيا سجن المؤمن وبطن الحوت أشبه بالسجن والكهف كذلك، لكن الخاتمة جنات النعيم، أما الكافر فالدنيا له جنة لا تلبت أن تفنى وتصبح غير ذات بهجة بل حصيدا وهشيما يكون حسرة على صاحبه، وبدهي أن الجنة الأرضية لا تكون في السجن كبطن حوت أو داخل كهف، إنها تكون في الفضاء الواسع والمكان المتسع الرحيب، لكن المؤمن من الأنبياء وأتباعهم يؤولون إلى ما تحمد عقباه، والكافر يؤول إلى ضد ذلك، حتى تصبح أنفاسه متقطعة في جو خانق جراء الهشيم الذي يخنق الأنفاس والرياح التي تدمع العيون فلا تستطيع التمتع بذلك النظر الجميل إلى الخضرة والزينة على وجه الأرض كما كانت في سالف الأيام. والحق أن المثلين يتكاملان فما ذكر في أحدهما من عموم جاء تفصيله في الآخر، إذا ما رسمنا المش هدين وقطعنا صورهما وقارنا بين أجزاء المشهدين وصورتيهما، لأن تحليل الأشياء إلى مقاطع صغيرة أسلوبيا، ثم ضم نظيرها بنظيره تركيبيا؛ ينتج عنه من الفوائد وتتوفر فيه من المزايا ما لا يوجد بدونه، فالمثل الأول لم يذكر الشيء الذي أفنى ما على وجه الأرض لكنه عممه قائلا{ ذكر صيرورة الحال وأن الأرض صارت وإن لم يحدد أمره بالرياح أو بغيرها، أما في سورة الكهف فذكر صيرورة الحال وأنها أصبحت هشيما قبل أن يذكر أن الرياح هي التي جعلها الله تعالى سببا ماديا في تلك النهاية المشؤومة، فما كان في سورة يونس متقدما جاء في سورة الكهف متأخرا، والعكس أيضا، ولقد ختم الآية في يونس بذكر قدرته المثل الأول القدرة عن عن عباده،يها الأخذ والتزين إلى الأرض ولم يجعله لهم قائ حَتَّى إ ذَا أَخَذَت الأَرْض ز خْر فَهَا وَازَّيَّنَتْ } فأضاف الفعل إليها بما يوحي أنهم ليس لهم من ذلك شيء وأن نسبة ذلك للأرض لما أودع الله فيها من خصائص الإنبات والاستجابة لفاعلية الماء وإحداث الأثر الناتج عن اختلاط الماء بها زينة وتزخرفا؛ أولى من نسبته إلى أهلها لضعفهم وقصورهم وشدَّة عجزهم، وقد ذكر الزخرف قبل الزينة لأنه طريق إليها، والزخرفة من عوامل التزين وأسبابه وأدواته، وأنت إذا نظرت إلى الأرض من علو بدت لك كأنها بساطٌ متعدد الأشكال متنوع الخطوط
عدد الصفحات ٢٧١جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 272 الهندسية والرسومات؛ هذا قبل أن يظهر النبات جليا وينمو ويزدهر، بحيث إذا أنبتت وحان ثمارها تكون حينذاك وكأنما قد تزينت بأفخر الحلل وأبهاها، فواها لواقعية القرآن وحسن جماله في التعبير ودقته في التصوير ثم واها، إنه الزخرف اللفظي الذي لا يكو ن على حساب المعلومة، ولا على حساب حسن الموعظة، بحيث يتساوق المعنى مع اللفظ في ركاب واحد لا ينبو أحدهما ولا يميل في مسيره البياني عن الآخر، ثم إنَّ الزخرفة لمَّا كانت أيضا زينة في حد ذاتها قدَّمها على التزين لأنها أفضل ما في الزينة بل ربما لا تكون الزينة زينة بغير الزخرف الذي يطبعها بطابع التنوع في الألوان والأشكال، فلما تغيرت الأرض من حال إلى حال، وأصبحت ثرية بما كسبت واكتست ناسب أن يقول بعد ذهاب ذلك كله عنها فأخل حرف الجزم تغن به داخل الجهاز الصوتي للدلالة على الانحباس في المدد الذي كان يأتيها وشيا وحللا فانقطع عنها في لحظة، فسلبها ما اغتنت به، كما سلب الجزم حرف هوائها وهو الألف المقصورة، وأنت تعجب من كون الأمر ينتج عنه الجزم، مثل يقول بل بين مباشرة أن الرياح قامت تذرو الهشيم وبقيت الأرض فارغة خالية، وقد قال تعالى {مقتدر لو حصل الأمر كما مثل، أما لو كان الأمر واقعا وحصل ما حصل فتلك دلالة القدرة الحاصلة التي يناسبها التعبير بقوله "قديرا" وإلا لما فعل ما فعل، بل قد حدث مما يشابه ذلك ما حدث على مر السنين الجارية على هذه الأرض التي سكنها ملايين البشر ونبتت فيها ألوف النباتات وجاءها ما جاءها من الفقر والغنى، ومن الجدب والزينة على توالي الأعوام، وكر الدهور، لكن لما كان المثل مضروبا للتصوير ومنصوبا للتخييل والتشبيه ناسب أن يقول ذلك في المستقبل، ومستطيع أن يفعل وقت ما يشاء. ولما كان جعل الأرض حصيدا أكثر معنى من جعلها هشيما باقيا على الأرض، خص التعبير القرآني سياق لفظ حصيد بأداة الحصر وقد ذكره بالمصدر
عدد الصفحات ٢٧٢