المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

جماليات المثل في القرآن الكريم دراسة أسلوبية

سعد قدور عيسات

صفحة ١٦ من ٢٤

جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 241 الأمثال الشخصية (التخصيص والتجسيد الفصل الثالث: الشخصية المتذبذبة (المنافقون)

عدد الصفحات ٢٤١

جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 242 المثل الأول قال تعالىءَ النَّاس وَلاَ ي ؤْم ن ب اللهَّ وَالْيَوْم الآْخ ر فَمَثَل ه كَمَثَل صَفْوَانٍ عَلَيْه ت رَابٌ فَأَصَابَه وَاب لٌ فَتَرَكَه صَلْدًا لاَ يَقْد ر ونَ عَلَى شَيْءٍ م مَّا كَسَب وا وَاللهَّ لاَ يَهْد ي الْقَوْمَ الْكَاف ر ينَ 264.] "بعد أن رغب تعالى في الصدقات ونبه إلى ما يبطل أجرها وهو المن والأذى نادى عباده المؤمنين فقال { لا يؤمن بالله واليوم الآخر في بطنها فقال ب اللهَّ وَالْيَوْم الآخ ر الناس أو هو كافر لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر فقالنٍ عَلَيْه ت رَابٌ حجر أملس عليه تراب 1، التراب عنه فتركه أملس عارياً ليس عليه شيء، فكذلك تذهب الصدقات الباطلة ولم يبق منها لصاحبها شيء ينتفع به يوم القيامة، فقال تعالى عَلَى شَيْءٍ م مَّا كَسَب وا أي: مما تصدقوا به، به تعالى" (302.) فهل يقدر أحد أن يبذر في صفوان ليجني ثمارا!، فكذلك لا يستطيع الكافرون والكافرون أن يجنوا ما حصدوه من أعمال ظاهرها خير لطيف، وباطنها شر مخيف، كيف وزراعتهم في غير محل الزرع!، وإنما غرَّهم تراب ملقى على حجر شديد الصلابة فتوهموا إيناعا للبذور، وانتفاعا بالأجور، والحال أنهم لا يجدون شيئا من هذه الأمور! والتشبيه دقيق جدا فكما أنهم يتظاهرون بالعمل الصالح، والحقيقة هي العكس، فكذلك مكان 302- جابر بن موسى بن عبد القادر بن جابر أبو بكر الجزائري "أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير" مكتبة العلوم والحكم، المدينة المنورة، المملكة العربية السعودية، ط 5، سنة1424هـ2003م، ج1/256-257.

عدد الصفحات ٢٤٢

جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 243 زرعهم يظهر أنه تربة عميقة والواقع أنها خفيفةٌ جدا إذ تحتها صفوانٌ لا يمكن أن يتشرب ماء فكيف ينبت كلأً، فكما يخدعون غيرهم، الله يخدعهم، جزاء وفاقا، وبذلك جاء التشبيه منسجما دقيقا. كما أنه "تضمن تشبيه ما علق به من أثر الصدقة بالغبار الذى علق بذلك الحجر، والوابل الذي أزال ذلك التراب عن الحجر فأذهبه بالمانع الذي أبطل صدقته وأزالها كما يذهب الوابل التراب الذي على الحجر فيتركه صلداً فلا يقدر المنفق على شيء من ثوابه لبطلانه وزواله" (303.) وقد جاء لفظ التراب نكرة لبيان قلته وخفته، وأنه حفناتٌ معدودة!، لهذا فالأصل ان المرائي قليل العمل لتباطئه عن الخير وتثاقله في سبيله، وقد جعل التراب على الصفوان لأنه "أصلح في الاستقرار عليه" (304) فالمرائي "لا يستشعر نداوة الإيمان وبشاشته . ولكنه يغطي هذه الصلادة بغشاء من الرياء . هذا القلب الصلد المغشى بالرياء يمثله (صفوان عليه تراب) حجر لا خصب فيه ولا ليونة، يغطيه تراب خفيف يحجب صلادته عن العين ، كما أن الرياء يحجب صلادة القلب الخالي من الإيمان وذهب المطر الغزير بالتراب القليل ! فانكشف الحجر بجدبه وقساوته، ولم ينبت زرعه، ولم يثمر ثمرة . . كذلك القلب الذي أنفق ماله رئاء الناس، فلم يثمر خيرا ولم يعقب مثوبة !"(305.) و"من أمثال العرب: شوى أخوك حتى إذا أنضج رمد، وينسب إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه" (306.) 303- محمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية "طريق الهجرتين وباب السعاد تين" دار السلفية، القاهرة، مصر، ط 2، 1384هـ، ص368-368. 304- فخر الدين الرازي "تفسير الإمام الفخر الرازي المسمى مفاتيح الغيب"، ج7/48. 305- سيد قطب "في ظلال القرآن"، ج1/308 . 306- محمد بن الحسن بن محمد بن علي بن حمدون، أبو المعالي، بهاء الدين البغدادي (ت: 562هـ) "التذكرة الحمدونية دار صادر، بيروت، ط 1،1417 هـ، ج7/128.

عدد الصفحات ٢٤٣

جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 244 وقد "كان لمن يرائي حالان ألحقه بأشدهما فقال أي الذي له صفة الكمال307.) من هنا قال تعالى وإنما اختاره لأنه حجرٌ أملس وفي ذلك مبالغة في إبطال الرياء، ولأنَّ لفظ الصلد أ دل على المتانة والتماسك من لفظ الصلابة، فهو فوقها بكثير، فرب صلب كسر، ولكن أين من يكسر الصفوان، وأين هي الأدوات، هيهات، إن قبل ذلك الجهد الجهيد، والضنى الأكيد والإرهاق الشديد، ومع ذلك فعسى أن يكسر ولعلَّ ! ثم في قوله بتاتا، بل ينجاب عنه ويتركه، فأنى لهذا أن ي زهر أو يثمر، وهو لم يتندى من داخل، فضلا أن يشرب الماء مثل الفاعل!!، فهيهات ثم هيهات. تلك هي المثوبة المنعدمة، وتلك هي سوء الخاتمة، والإفلاس العظيم! ولمَّا كان الزارع على مثل هذا عجباً في الضلال والغباوة ناسب أن يقول عز وجل لا يهدي القوم الكافرين (308)، فيا سوء المنقلب، ويا لله العجب!! 307- برهان الدين البقاعي "نظم الدرر في تناسب الآيات والسور" ت: عبد الرزاق غالب المهدي، ج1/517. 308 - ينظر المصدر السابق نفسه، ج1/518.

عدد الصفحات ٢٤٤

جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 245 المثل الثاني يقول تعالى الْغَاو ينَ وَلَوْ ش ئْنَا لَرَفَعْنَاه ب هَا وَلَك نَّه أَخْلَدَ إ لَى الأَرْض وَاتَّبَعَ هَوَاه فَمَثَل ه كَمَثَل الْ كَلْ ب إ نْ تَحْم لْ عَلَيْه يَلْهَثْ أَوْ تَتْر كْه يَلْهَثْ ذَل كَ مَثَل الْقَوْم الَّذ ينَ كَذَّب وا ب آيات نَا فَاقْص ص الْقَصَصَ لَعَلَّ ه مْ يَتَفَكَّر ونَ[175 .] شبه سبحانه من آتاه كتابه وعلمه العلم الذي منعه غيره فترك العمل به واتبع هواه وآثر سخط الله على رضاه ودنياه على آخرته والمخلوق على الخالق بالكلب الذي هو من أخبث الحيوانات و أوضعها قدرا و أخبثها نفسا وهمته لا تتعدى بطنه وأشدها شرها وحرصا ومن حرصه أنه لا يمشي إلا وخطمه في الأرض يتشمم و يتروح حرصا وشرها ولا يزال يشم دبره دون سائر أجزائه وإذا رميت له بحجر رجع إليه. انسلخ كالحية ورمى بجميع ما علمه فلم يكن له من علمه ما ينهاه او يزجره فصار كالجاهل الذي لم يعلم شيئا، وقول انسلخ منها إشارة إلى أنها كانت كالثوب الشامل الذي يستره، بيد انه آثر العري والفضيحة على السمت والعزَّة والاستتار، فأتبعه الشيطان، وهي ابلغ من تبعه، وفيها إيحاءان جليلان، أولهما أنه هو من أضل نفسه ولو حسنت نيته لما قدر الشيطان عليه، فسبب هذا الحور بعد الكور؛ هو نفس هذا الإنسان، قبل أن يكون من الشيطان، وكما قال تعالى إ لَى بَعْضٍ ز خْر فَ الْقَوْل غ ر ورًا112] ولفظ الشيطان في هذا المقام أولى من لفظ إبليس لان حرف الشين فيها للتفشي والانتشار(308)، بما يشي بالظهور والتعاظم والتغطرس والمجاهرة والافتخار، وما في ذلك من الظفر والغلبة والبطش، بخلاف لفظ إبليس التي تذكر في القرآن في مقام الانخناس الذلة مراعاة للجانب الصوتي الموجود بالخصوص في حرف السين فيها الدال على الهمس والخفاء والصفير عدم الجهر والانخناس (310)، والإيحاء الثاني أنَّ الشيطان تمكن من جملة بعد أن لم يقدر عليه جملة، وأسرع إليه بعد ان طال تمكنه من إضلاله اغتناما لفرصة 308- ينظر؛صفوت محمود سالم "فتح رب البرية شرح المقدمة الجزرية في علم التجويد" دار نور المكتبات، جدة، السعودية، ط2،1424 هـ- 2003م، ص46. 310- المرجع نفسه؛ ص38.

عدد الصفحات ٢٤٥

جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 246 العظيمة والصيد الثمين الذي اتى بمفردة إلى الشبكة، ووقع دون معاناة في الهلكة، فلا إبطاء في الظفر به وزيادة إبعاده، لهذا قال بعدها ووسوسة الشيطان فاص بحا غاويا، والغواية أشد من المعصية لأنها نتيجتها، وقد تجامع الكفر بخلاف المعصية، وقوله صاحب غواية، وكأنَّما لم ير الهداية في حياته قط، فهو كذلك منذ كان، ومن حين و ج د. ثم قالالمسبب هو الله تعالى، ولكن السبب غير موجود وهو خباثة نية ذلك العالم وسوء طويته، لكونه اخلد غلى الارض فلم تتحقق رفعته، وكأنها لم تكن يوما ما، لهذا قال صار كالذي لم يعل ساعة من دهره، مما يفيد نا بأن الشأن في البقاء على الرفعة لا في مجرد بلوغها، لأن الهبوط إذا أتى قضى على لارتفاع في نفسه، وعلى زمانه وأمسه، ليهبط الجميع ذاتا وتاريخا ويعودان كان لم يكونا، وهذا مصداق انعدام الذكر بانعدام الشكر، إذ لا يوجد ما يشكر عليه فلا ذكر له، لحصول الكفر والانسلاخ، والخلود إلى الثرى كذلك الثعبان المنسلخ، بما يعني تجانس المعاني في آي الذكر الحكيم، وتعدية الفعل "إلى" بدل "اللام" دليل على أنه قصد وجهة الدنيا ولكنه لم يظفر بها، فهو قد جنح إليها لا لها، أي ليس لاجل وبسبب ما ناله منها لا ، بل سبب ما بتغاه من بهرجها وليس بما حصل عليه مما احتوته من زخارف ومآثر، ومشارب ومآكل، فتأمَّل. ولفظ "أخلد" الدال على الخلود يوحي بسوء العاقبة التي وصل إليها وبقي عليها، فنال ما نال من سواد المصير، والتوبيخ في التعبير، كل ذلك لاتباعه هواه وجريانه معه، كأنما قد أصابه مرض الكلب الذي لا يدع في صاحبه عرقا ولا مفصلا إلا دخله كما قال صلى الله عليه وسلَّم، لهذا ناسب أن يذكر معنى الخلود الموحي أيضا بتمكن الداء منه، وصار ملائما أيضا – بهذه التمهيدات الصائبة- أن يمثله بالكلب لكونه إن حملت عليه يلهث كحامل العلم اللاهث على الدنيا، لذلك لم يرتفع أصلا لأنه حتى في حال حمله للعلم إنما كان يبغي الزائلة ويؤثرها على الآخرة، من هنا كانت خاتمته سيئةً، وإن تركته يلهث أي أنَّه دنيوي بحت، سواء حمل العلم ولم يتركه، أو تركه ولم يحمله، والتشبيه باللهث هنا دقيق جدا لكونه يدلُّ

عدد الصفحات ٢٤٦

جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 247 على شدَّة الجري وراء الشيء غلى درجة كأن اللاهث شديد العطش، عظيم التحرق لأجل بلوغ ما يروي غليله من سوائل بل زوائل الدنيا الفانية، وفي الوقت نفسه يد لُّ على دوام بقاء الدنيا في قلبه وتشبثه القوي بها، وسعيه الحثيث خلفها دون فتور ولا انقطاع كحال الكلب في لهثه المستمر والمتسارع، وهو ما ينطبق تماما على هذا المذكور من لبثه ومكوثه راكضا دون توقف، وسرعته المتواصلة في أعقاب الدنيا ولن يلحقَها. ثم قال سبحانه: { الانسلاخ، فغن الذي ينزع شيئا ربما يعود إليه فهو في حال نزعه ينوي الإقلاع الدائم عن ذاك الشيء، أمَّا الانسلاخ فيعني الرمي والزهادة، وإضمار نية عدم العودة إلى الشيء فيما المستقبل، وذلك شأن المكذبين، لانه لا يحاورون ليقتنعوا فربما لبسوا ثوب الإيمان، بل إنهم يرمونه من الوهلة الأولى ويلوحون به ويتركونه غلى غير رجعة، كالثعبان الذي يخلع جلده وينسلخ منه فلا يقبل عليه آخر الدهر، ثم هو يرميه كلَّه ولا يبقي منه شيئا، كفعل المكذب لا يقبل جزءا من الحقيقة، ولا يصدق بأقل القليل منها، بل يعرض رأسا عن كل ما جاء م ن مصدَرها. ولما كان المثل عبارة عن قصة حقيقيَّة قال تعالىالقصص الوقت نفسه قصة تمثيليَّةن ولوجود العبرة فيها ورد لفظ المخاطب بسماعها يقتص أثرا، فيحصل منه مرادا، ويجني فائدة، واعظم الفوائد هاهنا هو التفكر في المصير المشؤوم الذي ناله المكذب بأيات الله المنسلخ منها بعدما أو تيها، فهو يعرف، لكنه يريد أن ينحرف فيجحد نعمة الله عليه، ويبدلها كفرا، وقد ضمذَن التكذيب معنى الجحود لاجل عرفان الرجل بالهدى سابقا وتكذيبه إياه لاحقا وهو يعلم انه الحق لمجرد شهوات لا يدرك كلها، ولا يدوم باقيها. فهذا لا يحتاج علما، ثم هو لا تؤثر فيه الموعظة لتكذيبه بمحتواها، فأنى تنفعه ولا قابلية له لسماعها فهو مبدئيا يرفضها، فالذي ينفع أمثاله أن يتفكروا، لأن التعليم والوعظ من فعل غيرهم، لكن التفكر من فعل أنفسهم، فأمرهم بأيديهم، غن حاولوا التفكر وراموا التدبر فسيستجيبون لنداء الحق ووحي الحقيقة، وداعي الإيمان وهاتف الرفعة والسؤدد، وإلاَّ فهي

عدد الصفحات ٢٤٧

جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 248 الضعة والخسة تنالهم كخسة الكلب وتفاهته وقناعته من الحياة بالحظ القليل والثمن البخس والمنزل المنحط.

عدد الصفحات ٢٤٨

جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 248 المثل الثالث والرابع: قال جل ثناؤهكَفَر وا أَعْمَال ه مْ كَسَرَابٍ ب ق يعَةٍ يَحْسَب ه الظَّمْآن مَاءً حَتَّى إ ذَا جَاءَه لَمْ يَج دْه شَيْئًا وَوَجَدَ اللهََّ ع نْدَه فَوَفَّاه ح سَابَه وَاللهَّ سَر يع الْح سَاب ( 38) أَوْ كَظ ل مَاتٍ ف ي بَحْرٍ ل جِّي يَغْشَاه مَوْجٌ م نْ فَ وْق ه مَوْجٌ م نْ فَوْق ه سَحَابٌ ظ ل مَاتٌ بَعْض هَا فَوْقَ بَعْضٍ إ ذَا أَخْرَجَ يَدَه لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَل اللهَّ لَه ن ورًا فَمَا لَه م نْ ن ورٍ 38-40.] "لما ذكر تعالى حالة الإيمان والمؤمنين وتنويره قلوبهم ووصفهمبما وصفهم من الأعمال النافعة في الآخرة أعقب ذلك بذكر مقابلهم الكفرة وأعمالهم، فمثل لهم ولأعمالهم مثلين أحدهما يقتضي بطلان أعمالهم في الآخرة وأنهم لا ينتفعون بها. والثاني يقتضي حالها في الدنيا من ارتباكها في الضلال والظلمة شبه أولاً أعمالهم في اضمحلالها وفقدان ثمرتها بسراب في مكان منخفض ظنه العطشان ماء فقصده وأتعب نفسه في الوصول إليه إ ذَا جَاءه شيئاً. كذلك الكافر يظن أنعمله في الدنيا نافعه حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم ينفعه عمله بل صار وبالاً عليه المحسوب له، والله معجل حسابه لا يؤخره عنه فيكون الكلام متناسقاً آخذاً بعضه بعنق بعض. وذلك باتصال الضمائر لشيء واحد، ويكون هذا التشبيه مطابقاً لأعمالهم من حيث أنهم اعتقدوها نافعة فلم تنفعهم وحصل لهم الهلاك بأثر ما حوسبوا" (311.) وقوله الحر كأن ه ماء فإذا قرب منه الإنسان انفش فلم ير شيئاً ، وسم ي سراباً لأن ه ينسرب أي يجري كالماء و جمع القاع مثل جار وجيرة، والقاع : المنبسط الواسع من الأرض وفيه يكون السراب السراب عن موضعه." (312.) 311- محمد بن يوسف الشهير بأبي حيان الأندلسي "تفسير البحر المحيط" ت: عادل أحمد عبد الموجود، وعلي محمد معوض، دار الكتب العلمية – لبنان، بيروت، 1422هـ- 2001م 312- أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي، أبو إسحاق النيسابوري "الكشف والبيان" ت: : أبي محمد بن عاشور، دار إحياء التراث العرب، بيروت، لبنان، ط 1،1422هـ2002م، ج7 /110 .

عدد الصفحات ٢٤٩

جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 250 فوجد الله تعالى الذي وفاه حسابه وليس مجرد الحساب بل حتى عملية جريان هذا الحساب قد وجدها أمامه، فهو حساب ولكنه سريع جدا، وجريه ذاك الذي كان سريعا لم يحصل بعده إلاَّ سرعة في الوصول إلى جزائه الوفاق الذي يكبده ويوجعه ويقذف الهلع في قلبه ويملأ جوفه حسرة وندما. وهذا لعله رئيس طائفة المنافقين عبد الله بن أبي بن سلول، فإنه قد ظن بوهمه الكسيح أنه ظفر بمغمٍ يس تفيده للحط من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحسب فيما تخايل أنَّ المغمز في بيت النبوة حاضر أمامه وما هو إلاَّ أن يبني على شيء له منظر يراه هو من بعيد كالماء النمير ليشفي غلته و يداوي مرض حقده بمرض أكبر واكبر وهو الطعن في أم المؤمنين عائشة الحصان الرزان رضي الله تعالى عنها وأرضاها ، فأقام بناءا شاهقا من الافتراء والإفك على مجرد تأخر عائشة ومجيئها مع أحد الصحابة الذين تأخروا مثلها فأوصلها الصحابي إلى بيتها، وهي أمه كيف لا والله عز وجل يقول ومن وجد أمه كيف يتركها في حر الصحراء وفي البيداء المهلكة ثم يأتي وي هملَها، أيفعل أحد هكذا بأمه وفي قلبه ذرة من خير؟ فإذا بالقذف يأتي على لسان ابن سلول وتدور الأخبار الكاذبة والإفك العظيم، ويحسب نفسه أنه ظفر بشيء يشفي غلته ويداوي مرض قلبه ويطفئ النار الملتهبة في جوفه كأنما رأى ماءا من بعيد وما هو سوى السراب، فلما جاءه لم يجد إلاَّ جزاء عمله، وأجر توهمه، فإن السراب هو الحامل له على الإتيان كما أن رؤية ابن سلول للصحابي مع أمه عائشة هو الذي حمله على الافتراء فماذا كانت نتيجته التي عول عليها في إتيانه إلى سرابه ومجيئه نحو كذابه، إنها الخيبات التي ما بعدها إلا الحسرة وسوء الجزاء، لأنَّ أمثال هؤلاء ليثس لهم إلا رب العالمين الذي يعاملهم بما يستحقون. ولما كان ابن أبي أسرع إلى الكذب كي لا يفوت فرصة التهمة وحادثة الشبهة المتخيلة، أسرع الله في عقابه وأعطاه جزاءه كاملا غير منقوص، فهو يأخذ أوزار الذين ورطهم في تدوير حديث الإفك على الألسنة وتسبب في انزلاق كثير من الأفاضل في الخوض في ذلك بمثل كلامه، فهو يأخذ أوزار الجميع كلهم، يستوفي الجزاء كله سواء ما عمله وما انجر عن

عدد الصفحات ٢٥٠

جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 251 عمله، لان من عمل سوءا فتابعه غيره يأخذ وزر من تابعه غلى يوم القيامة والعياذ بالله عز وجل لذلك قال تعالى38] بحيث يحاسب على جميع ما ترتب عليه عمله الإفكي الخطير، ما تعلق به وما تعلق بغيره، يعني ما لوث به نفسه وما لوث به المجتمع، لكونه هو المسئولون والله سريع الحساب. وقد يقال: إن المثل في أعمال الكفار الحسنة التي ربما ظنوا أنهم ينتفعون بها وجه انتفاع في الآخرة فيجدونها سرابا، فهي ليست أعمال الإفك والكذب والطعن في حريم رسول الله عليه الصلاة والسلام. والجواب: أنَّ عمل ابن أبي كأعمال الكفار التي هي لغير وجه اله وينسفها ربي يوم القيامة نسفا، فبرغم عدم إخلاصهم يتوهمون أنها تنفعهم، من هنا كان ابن أبي في كذبه يزعم انه فاعل خير برغم كونه يعلم من قرارة نفسه مثل سائر الكفار انه يعمل ذلك ليس لله وإنما ليشفي غليل صدره الذي يجد الموجدة العظيمة على النبي صلى الله عليه وسلم، إلا أنه يدعي أنه يريد بإفكه ذاك حفظ بيت النبوة من أن يمسه سوء أو يدخل عليه منكر، وغنما هو بكذبه يريد وضع الأمور في نصابها، وان يعاقب من مس عرض رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو لا محالة في ذلك الزمان لم يكن ليقول للناس إني أفعل منكرا واطعن في أم المؤمنين جهرا وعلانية، وإلا كيف تفسر إبقاءه على قيد الحياة بعد تبين الأمر وانجلاء الحقيقة ووضوح الكذب، وكيف تفسر انجرار بعض المؤمنين الأتقياء وراء كلامه المشئوم، لو كان من البداية ي نظر غلى عمله هذا بأنه منكر من المنكرات! إن أخلاق المنافقين معلومة وهم أبدا يتوارون وينفثون السم ويدَّعون أَنه ترياق، ويمكرون ويتظاهرون بحسن الأخلاق، ويلمزون المطوعين في الصدقات كما قال الله تعالى ويزعمون أنهم يريدون أن ينفق المرء أكثر وأكثر على الإسلام حتى ترتفع رايته في الوقت الذي يسعون إلى خفض ها بل غلى أن لا تقوم لها قائمة مطلقا في يوم من الدهر. وبهذا يتبيَّن أن ابن سلول مشمول بقوله تعالى حسن العمل وكشف السوء حتى يأتي الصلاح والإصلاح ولكن خباثته وسوء نيته هي التي يجدها آخر الأمر.

عدد الصفحات ٢٥١

جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 252 وقد قال شيخ الإسلام في شرح هذه الأمثال التي يظنها الذين لا يخلصون لله أنها تنفعهم في الآخرة، مبينا أنهم حتى في يوم القيامة يزعمون لله رب العالمين أنهم عملوا صالحا يحسبون أن ذلك ينفعهم كما كان ينفعهم في الدنيا لما كانوا يقولون للمؤمنين إننا نريد الخير وإننا كما قال تعالى عنهمساء: 62] مصيرهم أن يكون حسابهم جزاء وفاقا، والله لا يحب الظالمين ثم؛ تأمل كيف قدم للمثل ومهد له بالقول إن المؤمنين والأبصار الرؤية تصبح مقلوبة في ذلك اليوم والقلوب منكوسة والعياذ به سبحانه، ثم يمضي الخطاب مبينا أنه تعالى يرزق هؤلاء الذين يخافونه بحق وبصدق من صميم قلوبهم بأنه يرزقهم بغير حساب أمَّا الكافر فعمله كالسراب الذي يحسبه الظمآن ماء لأنه قد انقلب بصره فلم يعد يرى ورؤية سليمة، فظنه ماء، ورؤيته تابعة لقلبه ذاك القلب السقيم غير السليم، فكان جزاؤه الحساب والعقاب على أتم وجه، كما كان أجر المؤمنين بغير حساب بأعلى فضل وأكمله. فانظر إلى تقابل المشهدين وتناسق التعاكس في صورها الرائعة المنظمة. وقال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية عن أبي بن كعب ضرب الله مثلا للكافرين قال أو كظلمات في بحر لجي الآية40] الظلم كلامه ظلمة وعمله ظلمة ومدخله ظلمة ومخرجه ظلمة ومصيره إلى الظلمات إلى النار"(313.) إنَّ المنافقين يقسم لهم نور مع المؤمنين كما كانوا في الدنيا ثم يذهب تعالى به كما في سورة البقرة [17] وجل لا يتناول المنافقين، لأجل أن الظلمة محيطة بهم كل إحاطة، فلا بصيص نور و شعاع ضياء، 313- زين الدين عبد الرحمن بن أحمد بن رجب بن الحسن،السَلامي، البغدادي، ثم الدمشقي، الحنبلي (ت: 785هـ "التخويف من النار والتعريف بحال دار البوار"، ت: بشير محمد عيون، نشر مكتبة المؤيد، الطائف، دار البيان، دمشق، سورية، ط 2،1408هـ/ 1888م، ص82.

عدد الصفحات ٢٥٢

جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 253 الحق بالكلية، فلا يكون لهم النور يوم القيامة بالكلية جزاء وفاقا، أمَّا المنافقون فهم الذين ي خدعون241]م تظاهروا بالإسلام فيقسم الله تعالى لهم نورا ثم يذهب به ويبقون في حسرتهم يتقلبون، فيجزيهم بهذه الخدعة جزاء خداعهم المشئوم. وهذا أحد قولي السلف الذين اختلفوا في قسمة النور يوم القيامة للمنافقين مع المؤمنين، فمن مثبت ومن نافٍ، بيد أنَّ راجح هذه الأقوال كم ا بين ابن رجب هو "أنه يقسم للمنافين النور مع المؤمنين كما كانوا مع المؤمنين في الدنيا،ثم يطفأ نور المنافقين إذ بلغ السور. قاله مجاهد. وروى عتبة بن يقظان، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: ليس أحد من أهل التوحيد إلا يعطى نوراً يوم القيامة، فأما المنافقين فيطفأ نوره، فالمؤمن يشفق مما يرى من إطفاء نور المنافق فهم 8] مجاهد نحوه. وكذا روى جويبر عن الضحاك (314.) إنَّ المنافقين مخدوعون، والكفار في ظلمة مطبقة يتلكَّعون، حتى إنَّ أحدهم لو أخرج يده لم يكد يرها، "قال الفر اء : كادَ صلة أي لم يرها كما تقول : ما كدت أعرفه ، وقال المبر د : يعني لم يرها إلا بعد الجهد كما يقول القائل : ما كدت أراك من الظلمة وقد رآه ولكن بعد يأس وشد ة، وقيل: معناه قرب من الرؤية ولم ي رَ، كما يقال: كاد العروس يكون أميراً، وكاد النعام يطير. { قال مقاتل : نزلت في عتبة بن ربيعة بن أ مي ة ، كان يلتمس الدين في الجاهلية ولبس المسوح ثم كفر في الإسلام" (315.) وأولى بالصواب في قوله شدة اقترابها منه واقترابه منها إلا أنه لم يرها، فهو ليس قد كاد أن يرى، كلا، بل هو لم يكد، أصلا أن يرى؛ فالرؤية منفية تمام النفي، إذ كيف يمكنه ذلك والظلام يحيط به من كل جانب! وإذا كان لم ير يده التي هي منه، والتي تتحرك فيستطيع وضعها قبالة عينيه ، فما الحال 314- المرجع السابق نفسه، ص238-238. 315- أحمد الثعلبي، أبو إسحاق النيسابوري "الكشف والبيان" ت: : أبي محمد بن عاشور، ج7 /111.

عدد الصفحات ٢٥٣

جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 254 بالأشياء الأخرى البعيدة، بل كيف ذلك والموج يقلبه تقليبا ولا يدع لعقله استقرارا تستقر فيه الرؤية، ويتضح النظر، لهذا "قال النحاس : أصح الأقوال في هذا أن المعنى : لم يقارب رؤيتها ، فإذن لم يرها رؤية بعيدة ، ولا قريبة" (316.) ثم إنَّ هذان المثلان قد نص العلم اء على أنَّ أولهما يتناول أصحاب الجهل المركب، وثانيهما يتناول أصحاب الجهل البسيط، ففسروا الآيات على معنى التقسيم. وفي مغزى ذلك يقول ابن تيمية: "فيكون التقسيم في المثَلين لتنوع الأشخاص، ولتنوع أحوالهم، وبكل حال فليس ما ضرب له هذا المثَل هو مماثل لما ضرب له هذا المثَل، لاختلاف المثَلين صورة ومعنى، ولهذا لم يضرب للإ يمان إلا مثل واحد، لأن الحق واحد، فضرب مثله بالنور، وأولئك ضرب لهم المثَل بضوء لا حقيقة له، كالسراب بالقيعة، أو بالظلمات المتراكمة" (317.) والجهل المركب هو الذي يرى صاحبه نفسه على علم ولا يدري بأنه لا يدري، أما صاحب الجهل البسيط فهو خير منه لأنه يدري انه لا يدري، فهو حقيق بأن يتعلم لو وجد العلم، وعلى الأقل ربما يستجيب لداعي الحق و التنوير فيبادر إلى رفع الجهل عن نفسه، أما الجاهل المركب فطبيعته الإعراض لكونه يحسب نفسه على الحق حتى إذا جاء يوم القيامة وجد أنه على الباطل وانه و أنه كان واهما فلا يجد إلا رب العالمين الذي يعطيه جزاءه الأوفى جراء عناده، ورفضه للحق واستكباره، واعتداده بعقله الكليل ونره الواقي الضعيف الذي حسب السراب ماءً. والعلماء يمثلون لنوعي الجهل بالسؤال عن شيء، فيقولون مثلا: متى كانت غزوة أحد؟ فصاحب الجهل البسيط يقول لا أعلم، وصاحب الجهل المركب يقول في السنة العاشرة من الهجرة، فيج يب ويحسب نفسه على صواب، في حين إن الصواب هو السنة الثالثة من الهجرة النبوية. وتأمل أن صاحب الظلمات الثلاث التي تحيط به هو يعلم أنه لا يرى لم يكد يراها 316- محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني (ت1250هـ) "فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير" دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت، ط 1، سنة1414هـ، ج4/47. 317- ابن تيمية "مجموع الفتاوى" ت:عبد الرحمن بن محمد بن قاسم، ج14/331.

عدد الصفحات ٢٥٤

جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 255 "فقوله تعالى الأمواج الداخلية التي تكلم عنها العلم الحديث وأثبتها، كما يشير إلى الأمواج السطحية التي نراها ونعرفها، وهذا المعنى واضح من قوله تعالى الأسفل، والموج الثاني يأتي من فوقه، ولم نعد بحاجة إلى ارتكاب المجاز في قولنا: من فوقه: أي من بعده، وأن تتابع الموج يظهره كأن بعضه يركب بعضه الآخر. إن الآية واضحة كل الوضوح، وصريحة في دلالتها ...؛ ولاسيما أن الآية قالت بَحْرٍ ل ج ي حيطات، لا على الشواطئ والخلجان"(318.) وهاهنا يتبن جدا معنى قوله ذهبنا إلى حقيقة المعنى من الأول وأنَّ الغشيان هو التولج والسريان في أحشاء الشيء وأعماقه لما احتجنا إلى تأويل، بأن يغشاه يعني فوقه، فإنَّ هذه الحقيقة هي على ظاهرها كما ذكرها القرآن لأنَّ رب البرية جل جلاله هو الخالق الذي يعلم ما خلق في هذا البحر اللجي، فالأمواج حقا هي في الأعماق وإن كنا لم نرها ولا سبق لنا العلم بها، فالموج فوقه موجٌ آخر، وليس المعنى أنه لكثرته كأنه يركب بعضه بعضا، كلا، بل الموج السفلي شيء والموج العلوي شيء آخر، وهذا دليل على إلهية القرآن وأنه ليس من عند البشر. ومما يدل على ذلك المقابلة بين المعاني إذ قال عز وجل والظلمات تابعة لأسبابها وهي الموج الذي من فوقه موج من فوقه سحاب، وبالتالي الظلمة طبقات واحدة فوق أخرى، فكذلك الموج طبقة فوق أخرى لأنه تابع للظلمات، وإلا اضطر المؤول إلى أن يقول إنَّ أحدى الظلمات ليست حقيقية ولكنه أحدثها الموج الذي يكاد يركب بعضه بعضا، فهو ليس واحدا فوق الآخر وإنَّما كأنه فوقه لكثرته وارتفاعه، وبالتالي فالظلمة الناتجة عنه كأنها طبقة فوق أختها وإن لم تكن طبقة على الحقيقة، وهذا يخالف القرآن حتى بعض النظر عن الواقع، لأنَّ نا إذا أمكننا أن نقول إن الموج ليس فوق بعضه وإنما كأنه كذلك، لا يمكننا أن نقول عن الظلمات القول نفسه، لأن الظلمة إنما أحدثها 318- محمد حسن هيتو "المعجزة القرآنية" دار الرسالة بيروت، ط2، سنة1415هن ص 185-186. بواسطةعبد الله بن عبد الرحمن الجربوع "الأمثال القرآنية القياسية المضروبة للإيمان بالله" نشر عمادة البحث العلمي بالجامعة الإسلامية، المدينة النبوية، السعودية، ط 1،1424هـ2003م، ج2/584.

عدد الصفحات ٢٥٥

جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 256 الموج، ولأن الله تعالى يقول عنها الله! فالتدقيق في فهم هذه الآية، وفهم ارتباط الظلمات بالأمواج يدل الخبير على تصحيح نظره الأول في فهم قوله البحر وهم يقولون على سطحه موج وهذا الموج فوقه مثله مبالغة لا حقيقة. فالتفسير الصحيح للظلمات مادام على بابه يستلزم أن يكون الموج الذي بعضه فوق بعض على بابه أيضا لأن الظلام ناتج عنه تابع له، فتأمل كيف أن المعاني كلها في الآية تحاصر الفهم وترده إلى الصواب، وهل هذا إلا من تناسق القرآن وانسجام تعابيره، ودقته الفائقة التي لا مكان فيها لباطل يأتيها من بين يديها أو من خلفها، مما يؤكد أنَّ الكلمة في القرآ ن تعطي معناها كلَّه، بخلاف وجودها في كلام البشر فقد لا تعطي المعنى الكلي للفظها، لعدم وضعها في موضعها اللائق في السياق والمقام والموضوع والجملة الملائمة، فإذا كانت الملائمة كاملة أعطت الكلمة معناها كاملا، وإلاَّ نقصت بحسب نقصان الملاءمة، إلى درجة أن تكون نابية في موضعها لا محل يستدعي وجودها، فكأن ذكرها كعدمها بل قد يفسد وجودها المعنى أو يشوش على القارئ، ويحدث للفهم خلالا، ويطيح بمنزلة البلاغة فيربك ها، فتتعثر، وربما وقعت صريعة وحلت الركاكة وحل الخلط مكانَها، فانظر الفرق بين كلام البشر وكلام مَن له الحمد في الأولى والآخرة وله الحكمة البالغة، ذلك أن القرآن تنزيل من حكيم حميد. ولقد أحسن النيسابوري عندما فسر البحر اللجي فقال "لجة البحر: معظَم ه"( 318)، ومعظمه إنما يكون في المحيطات، فكان كلامه من قديم منطبقا مع حقيقة الواقع في كون الله البديع. فتأمل، إذن؛ واقعية القرآن كيف هي بالغة الدقة والحسن والجمال. "والبحر أخوف ما يكون إذا توالت أمواجه ، فإذا انضم إلى ذلك وجود السحاب من فوقه 318- أحمد الثعلبي، أبو إسحاق النيسابوري "الكشف والبيان" ت: : أبي محمد بن عاشور، ج7 /111.

عدد الصفحات ٢٥٦