جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 225 نبيَّين من أنبياء الله عز وجل قد انتهك عرضهما في يوم من الأيام؛ فإن أوحى له الشيطان بشيء من هذا الفهم وجد من داخله أكبر دافع له، وأقوى إيمانٍ يصده، وأنفذ بصيرة ترده، فإن قيل إنَّ الناس يخطر لهم هذا الخاطر السيئ عند تلاوة الآية؛ فالجواب؛ أن هذا الخاطر يوحي به الشيطان الحريص على إضلال المؤمن، ولا يوحي به السياق بأي حال من الأحوال، أو وجه من الوجوه. بل قوله، فهي قوامة ثابتة دون شك، بحيث لا يمكن الزوجة أن تفعل ما يعارض قوامة الزوج عليها ودخولها تحت تصرفه وإحاطته، ولما كان الزنا يناقض هذه القوامة وينفيها وهي في الوقت نفسه مثبتةٌ موجودة؛ دل على أنَّ الزنا هو المنفي وهو الذي لا يوجد، فتأَمل. من هنا كان التعبير بلفظ الخيانة للدلالة على أنهما فعلتا شيئا لا يمكن المجادلة في قبحه، لأنه في وضوحه كالمساوئ الظاهرة التي لا تحتاج نكارتها إلى بيان، إذ من كان في بيت النبوة فقد قامت عليه الحجة أعظم قيام، فهو مقطوع العذر من جميع الجهات، فإن كفر وتظاهر بإسلامه أو فعل ما يناقض حقيقة الدين الصحيح فذلك هو أعظم سوء يجنيه، وتلك حينئذ حقيقة الخيانة إيمانية التي تعتريه، من هنا كان انسب أن يعبر بلفظ الخيانة دون ما سواها. ومما يبدو أنَّ لفظ الخيانة من الألفاظ التي يمتحن اهو جبها عباده، فأمَّا المؤمنون فيتمسَّكون بالحقائق التي لا ت رد، وأمَّا الذين في قلوبهم زيغٌ فيأخذون بظاهر اللفظ وبوحي الشيطان فيزدادون زيغا وضلالا. فكيف يتمسك المؤمن بهذا المتمسك وهو يعرف مقام الأنبياء ورعاية الله لهم وحفظ أعراضهم وكرامتهم عنده، لذلك يقول الجاحظ: "وليس لأحد أن يوج ه الخبر إذا نزل في أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وحرم الر سل، على أسمج الوجوه، إذا كان للخبر مذهب في الس لامة" (273.) ومن مرامي قوله "لأطماع المشركين الباطلة أن 273- عمرو بن بحر بن محبوب الكناني بالولاء، الليثي، أبو عثمان، الشهير بالجاحظ (ت255هـ) "الحيوان دار الكتب العلمية – بيروت، ط 2،1424هـ، ج4/280.
عدد الصفحات ٢٢٥جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 226 من تعلقوا به من دون الله من قرابة أو صهر أو نكاح أو صحبة تنفعهم يوم القيامة أو تجيرهم من عذاب الله تعالى أو تشفع لهم عند الله تعالى، وهذا أصل ضلال بني آدم وشركهم، وهو الشرك الذي لا يغفره الله، وهو الذي بعث الله تعالى جميع رسله عليهم الصلاة والسلام وأنزل جميع كتبه بإبطاله ومحاربة أهله ومعاداتهم" (274.) 274- ابن قيم الجوزية "أمثال القرآن" ت: ناصر بن سعد الرشيد، ص55.
عدد الصفحات ٢٢٦جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 227 المثل الحادي عشر قال الله تعالى مَكَانٍ فَكَفَرَتْ ب أَنْع م اللهَّ فَأَذَاقَهَا اللهَّ ل بَاسَ الْج وع وَالْخَوْف ب مَا كَان وا يَصْنَع ونَ112.] هذا المثل وقع متناسقا مع ما قبله جاريا بتجانس مع الأنساق التعبيرية في سورة النحل وما فيها من نسج بديع، وتعدادٍ للنعم، حتى سماها العلماء سورة النعم، فكان مناسبا جدا للمقام أن يذكر هذا المثل ضمنها لما فيه من نعَمٍ أعطاها الله أناسا فكفروها. و"لما عقب سبحانه ما ضرب سابقاً من الأمثال بقوله تعالى وتلاه بذكر الساعة بقوله تعالى آخذاً بعضه بحجز بعض حتى ختم بالساعة وآمن من الظلم فيها، وبيَّن أن الأعمال هناك هي مناط الجزاء ، عطف على ما مضى - من الأمثال المفروضة المقدرة المرغبة - مثلاً محسوساً موجوداً ، مبيناً أن الأعمال في هذه الدار أيضاً مناط الجزاء، مرهباً من المعاجلة فيها بسوط من العذاب فقال تعالى275.) ومن جهةٍ أخرى، فقد أَشار الفخرالرازي في ربط هذه الآية بما قبلها بالتنبيه على المقابلة بين صورتين في المشهدين الدنيوي والأخروي؛ حيث قال: "لما هدد الكفار بالوعيد الشديد في الآخرة هددهم أيضًا ببعض آفات الدنيا، وهي إصابتهم بالجوع والخوف كما ذكره فى هذه الآية" (276.) وقد ابتدأ البيان بقوله رعا الأسماع حتى ينفذ الحديث إلى أعماق القلوب ومكامن الشعور في حد ثَ أثَره ويترك خَيرَه ويبلغَ غايته. "والتعبير عن ضرب المثل الواقع في حال نزول الآية بصيغة الماضي للتشويق إلى الإصغاء إليه، وهو من استعمال الماضي في الحال لتحقيق وقوعه ، مثل [1]277. ) وقوله 275- برهان الدين البقاعي "نظم الدرر" ج4/316 . 276- فخر الدين محمد بن عمر الرازي "تفسير الإمام الفخر الرازي المسمى مفاتيح الغيب"، ج20/102. 277- الطاهر بن عاشور "التحريروالتنوير" ج14/304.
عدد الصفحات ٢٢٧جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 228 من المنزلة بمكان، بحيث إنَّ الضارب له هو العلي المتعال، فذلك تفخيم للمثل وتعظيمٌ له، لإتيانه من عظيم، ووروده عن أجل جليل، فلهذا كان الْع د ولَ عَنْ أَنْ ي صَاغَ ب ص يغَة الطَّلَب كَمَا ف ي قَوْل ه 13] [32]نْيا45] الخبر توس لاً إلى إسناده إلى الله تشريفاً له وتنويهاً به إ لَى أَنْ ص يَغَ ب ص يغَة الْخَبَر ه وَ التَّوَسُّل إ لَى إ سْنَاد ه إ لَى اللهَّ تَنْو يهًا ب شَأْن الْمَثَل " ( 278.) وقد حذف الباء فقال قرية نزع الخافض للبلاغة والإيجاز. و عصرنا حول المدينة والعاصمة والقرية، فهو مصطلح حادث ولا يفسر القرآن بناء عليه... وتطلق القرية على الناس المجتمعين،... [ }82] أقدرنا المحذوف: أهل القرية، أو قلنا: إن هذا مجاز مرسل .. وأصل "القرية" مادة "قري التي تدل على الجمع والاجتماع، يقال: قريت الماء في الحوض: جمعته. ومن هنا سميت القرية لاجتماع الناس فيها" (278.) إنَّ مادة (ق ر ى) التي تدل على الجمع "تصدق على القرية الصغيرة والمدينة الكبرى وتطلق القرية مجازا على السكان إطلاقاً لاسم المحل على الحال" (280.) وقوله غيرها. وذهب كثير من المفسرين إلى أنها مكة والأقرب أنها غيرها لأن مثل مكة يكون غير مكة فضربها الله مثلا لمكة إنذارا من مثل عاقبتها" (281.) والدليل على ذلك من المثل نفسه، وهو أنَّه تعالى قال الشيء وتحققه في عالم الوجود، ومكة لم تكن بعد قد أصابها ما أصابها، بل قد حذرها قبل 278- المصدر السابق نفسه 278- سامي وديع عبد الفتاح شحادة القدوم ي "التفسير البياني لما في سورة النح ل من دقائق المعاني" دار الوضاح، الأردن، عمان، بدون، ص225. 280- عبد الحميد محمد بن باديس الصنهاجي (ت1358هـ "في مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير" ت: أحمد شمس الدين، دار الكتب العلمية بيروت، لبنان، ط 1،1416هـ1885م، ص123. 281- نظام الدين النيسابوري "غرائب القرآن ورغائب الفرقان ت: زكريا عميرات، ج4/312.
عدد الصفحات ٢٢٨جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 228 العقوبة، أما تلك القرية التي ضرب بها المثل فقد أخبر أنه أذاقها لباس الجوع والخوف جراء أعمالها الفاسدة، وكفرها القبيح لنعم الله عز وجل. وقد "قال العقلاء: ثلاثة ليس لها نهاية: الأمن والصحة والكفاية. فوصف الله تعالى تلك القرية بالأمن ثم بالاطمئنان إشارة إلى أن هواء ذلك البلد لاعتداله ملائم لأمزجة أهله حتى اطمأنوا واستقروا ولم يحوجوا إلى الانتقال طلبا للصحة. ثم قال: يَأْت يها ر زْق ها رَغَداً م نْ ك لِّ مَكانٍ دلالة على حصول الكفاف لهم بأيسر وجه" (282 .) "ويشارك أهل مكة فى انطباق المثل عليهم كل من حذا حذوهم وسار سيرتهم إ لى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وكفى بالقرآن حجة بالغة، وعظة ناطقة. والمعنى: وجعل الله تعالى مثلا قرية كانت ذات أمن وسلامة من كل مَخ وف، لا يهيج أهْلَها أحدٌ بإغارة أَو اعتداءٍ عليها، وكانت (م طْمَئ نَّةً): ساكنة قارَّة، لا يزعج أَهلها مزعج، ولا يرتحل عنها أَحد بسبب جوع أو خوف. يسوق الله إليها أَقواتها واسعة سهلة من كل بلد، وتحمل إليها من كل مكان بر ًا وبحرًا والتعبير عن هذه الصيغة بالفعل المضارع أرزاقها متجددة وأما كونها آمنة مطمئنة، فهو ث ابت مستمر، فلذا عبر عنه بالاسم المفيد للدوام والاستمرار" (283.) وقوله ذال بال، بل تنتظره حتى يصلها ويكون بين يديها، وفي ذلك إخبار بحقيقة الواقع الذي أنعم الله به عليها وبيان لعظيم النعمة إذ كانت تأتي ولا ي ذهَب إليها. وتأمل في البيان القرآني الجليل كيف أنَّه ناسب المقام في اختيار المعاني فلم الرزق هاهنا "إلى الله سبحانه وتعالى؛ لأن المقام مقام وصف للامتيازات التي وقعت لهذه القرية، ولذا أضيف الرزق إليها من باب النص على امتلاك القرية لهذه الامتيازات، بينما أضيف الرزق إلى الله سبحانه وتعالى في سياق آخر الأرض مفسدين 60]ن رزق ربكم واشكروا له بلدة طيبة ورب غفور15]سبحانه وتعالى، بينما هذه 282- المرجع السابق نفسه 283- مجموعة من العلماء بإشراف مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر "التفسير الوسيط للقرآن الكريم" نشر الهيئة العامة لشئون المطابع الأميرية، سنة: 1414هـ1883م، ج5/688 .
عدد الصفحات ٢٢٩جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 230 الآية وصفت ما أعطيت هذه القرية من الخير فناسبت الإضافة سياق التنعم والتملك284.) وقوله [37]الإنعام، لذلك وصف الله تعالى به الجنة في35( "]285.) وقوله أمكنة الدنيا ونواحيها، ولكن التعبير أطلق العبارة ثقة في فهم المتلقي للكلام، وإيجازا لأجل البلاغة وحسن البيان. قوله نبه تعالى لهم ذلك بالفاء فقال تعالى286)، وفيه إشارة إلى النفسية الإنسانية والكشف عن خباياها، وهي أنَّها بمجرد ما تفتح عليها الأرزاق الرغيدة، والنعم العديدة، تكفر مباشرة ويأتيها التعاظم والتجبر والاستطالة والزهو والمفاخرة والاستعلاء، لذلك عبر القرآن بالفاء التعقيبية ليدل على أنَّ ذلك يعقب حال الغنى بلا فاصل زمني كبير، فلم يقل {ها فت رى كأنَّما لم تلبث بعد فسحة المال حتى كفرت نعمة ربها، وجحدت أفضالَه. وأمَّا قَرْن قوله تعالى ذلك المعق ب لأن ه حصل بعد مضي زمن عليهم وهم مصر ون على كفرهم والرسول يكر ر الدعوة وإنذارهم به ، فلما حصل عقب ذلك بمدة غير طويلة وكان جزاءً على كفرهم جعل كالشيء المعق ب به كفرهم" (287 . ) ومعنى الكفر بالله: سَتْر وجود الحق، والسَّتْر يقتضي مستوراً، فكأن الأصل أن الحق موجود، "لكن الكافر يستر هذا الوجود، وهكذا يكون الكفر نفسه دليلاً على الإيمان، فالإيمان هو الأصل والكفر طارئ عليه. ومثال ذلك قولنا: إن الباطل ج نْدي من جنود الحق، فحين يستشري الباطل يذوق الناس 284- سامي وديع عبد الفتاح شحادة القدومي "التفسير البياني لما في سورة النحل من دقائق المعاني، ص225. 285- الطاهر بن عاشور "التحرير والتنوير"، ج14/305. 286- برهان الدينالبقاعي "نظم الدرر" ج4/317. 287- الطاهر بن عاشور "التحرير والتنوير" ج14/306.
عدد الصفحات ٢٣٠جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 231 مرارته، ويكتوون بناره، فيعودون إلى الحق وإلى الصواب، ويطلبون فيه المخرج حين تعضُّهم الأحداث" (288.) والكفر هنا يتناول أمران: أولهما ما وضحه القرآن بأنه كفر النعمة، وذلك هو عدم شكرها، وي عدُّ شركا أصغر. والثاني: ما دل عليه القرآن ضمنيا وهو كفر الشرك، ويكون بنسبة النعم لغير الله تعالى على وجه المشاركة، والإحساس بأنَّ للْلهة يدا في هذه النعم العظيمة التي تأتيهم، وذلك لأنَّ المثل ض رب للمشركين، والشرك هنا هو الشرك الأكبر، فتأمل كيف جمع لهم بين الشرك الأكبر والأصغر، وألمح إلى أنهم جمعوا صنوف الشرك وأنواعه. وفي قوله «فعلة»يجيء على «أفعل»قيل: إنما ذكر جمع القلة تنبيها بالأدنى على الأعلى، يعني أن كفران النعمة القليلة يوجب العذاب فكيف بكفران النعم الكثيرة العظيمة. وهذا مثل لأهل مكة كانوا في الأمن والطمأنينة والخصب ثم أنعم الله عليهم بالنعمة العظيمة- وهو محمد صلى الله عليه وسلم- فكفروا بها وبالغوا في إيذائه فسلط الله عليهم البلاء. عذبهم بالجوع سبع سنين حتى أكلوا الجيف والعظام والعلهز والفرو، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يبعث إليهم السرايا فيغيرون عليهم" (288 .) وقوله{ :280)، "ولا يكون الذائق هو الفم فقط بل كل الجسم" (281.) و"الذوق مباشرة الحاسة الظاهرة والباطنة للملائم والمنافر ولا يختص بحاسة الفم في لغة القرآن، بل ولا في لغة العرب قال تعالى 22] {106]ذَا فَلْيَذ وق وه حَم يمٌ وَغَسَّاقٌ 57] 112 .] 288- محمد متولي الشعراوي "تفسير الشعراوي" ج18/10874. 288- نظام الدين الحسن بن محمد النيسابوري "غرائب القرآن ورغائب الفرقان" ج4/312. 280- الشعرواوي "تفسير الشعراوي" ج18/11428. 281- المرجع السابق نفسه، ج4/2448.
عدد الصفحات ٢٣١جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 232 فتأمل كيف جمع بين الذوق واللباس ليدل على مباشرة الذوق وإحاطته وشموله فأفاد الأخبار عن إذاقته أنه واقع مباشر غير منتظر فإن الخوف قد يتوقع ولا يباشر وأفاد الإخبار عن لباسه أنه محيط شامل كاللباس للبدن" (282.) "إن القرآن هو الذي استعمل الذوق للعذاب والبؤس، وهذه الاستعارة جديدة لم يعرفها العرب، والفعل يدل على إشراك حاس ة الذوق التي تكون منفذا إلى الر هبة في النفس، ويبقى للزمخشري أنه يقدم مفتاحا لغويا لفهم وتذوق هذه الصورة الحسية، وقد اهتم الزمخشري بالمذاقة، لأنه يرى فيها تجريدا للاستعارة يفوق الكسوة، لأن الذوق يشتمل على اللمس، واللمس لا يشتمل على الذوق" (283.) وهذا المثل وإن كان في أهل مكة الذين أشركوا بالله وكفروا نعمة الله -تعالى-؛ إلا أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وهذا إنذار وتحذير للأمم التي تعيش في رغد من العيش وأمن وسكينة؛ أنها إن كفرت بنعمة الله -تعالى- وقابلتها بالمعصية والإعراض فإن الله - عز وجل - يسلبها نعمة الأمن والمعيشة، ويذيقها مكان ذلك الجوع والخوف، وخطر الابتلاء بالجوع والخوف ليس في ذاتهما فحسب، ولكن الخطر الحقيقي يكمن فيما يجرانه على الناس من تنازلات رهيبة في الدين والأعراض. فكم من تارك لدينه ومرخص لعرضه دافعه إلى ذلك الجوع والخوف -عياذاً بالله - . إنَّ الذين يتبختر عليهم صاحب الثروات الن عم والأموال يكونون له أعداء ولو في السر، وهم إذا رأوا ما حل به لا محالة يكونون أوَّلَ الفرحين الشامتين ! إنَّه الأشَر والبطر والتباهي بالقوة والجبروت، قد آل إلى انخناس وتضعضع وخنوع، فكانت نتائجه عكسية تماما، وتحولت القوة فيه إلى الضعف لزاما واضطرارا. وهذا ما يعني أنَّ الحق الحقيق؛ أنَّ التمكين في الأرض لا يكون إلاَّ بالعبودية، لأنَّ المعاصي تجلب المآسي وتمحق بركةَ الأهل والمال، وتقلب الأفراح إلى أتراح وويلات. وذلك أن الله - سبحانه وتعالى - "يعاقب على الكفران بالنعمة ما لا يعاقب على الكفر، 282- محمد بن أبي بكر أيوب الزرعي أبو عبد الله"مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين ت: محمد حامد الفقي، دار الكتاب العربي، بيروت، ط 2،1383هـ1873م، ج3/87 . 283- أحمد ياسوف "جماليات المفردة القرآنية" دار المكتبى، دمشق،سورية، ط 2، سنة1418هـ1888م، ص106.
عدد الصفحات ٢٣٢جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 233 وعلى الكنود ما لا يعاقب على الجحود" (284 .) إنَّ "فراغ القلب من الأشغال نعمة عظيمة، فإذا كفر عبد بهذه النعمة بأن فتح على نفسه باب الهوى، وانجرف فى فساد الشهوة، شو ش الله عليه قلبه، وسلبه ما كان يجده من صفاء وقته لأن طوارق النفس توجب عزوب شوارق القلب" (285). فالتعبير القرآني يوحي بأنَّ للعقول الواعية المتنبهة أنَّ "استقرار الأمن مربوط بشكر النعمة وأن زواله مقرون بكفرها، كما نجد أن توفر الأمن لا بد أن يسبق توفر الغذاء، مما يدل على أن الضرورة إليه أشد من الضرورة إلى الغذاء، لأنه لا يمكن التلذذ بالغذاء لو توفر مع عدم الأمن والاستقرار، ولهذا كان في دعاء الخليل عليه السلام تقديم طلب الأمن على طلب الرزق كما ذكر الله عنه في قوله وَارْز قْ أَهْلَه م نَ الثَّمَرَات النعمتين وأمرهم أن يفردوه بالعبادة شكرا له على ذلك فقال 4( "]286.) وفي الح كم: من لم يشكر النعمة فقد تعرض لزوالها، ومن شكرها فقد قيدها بعقالها والظلم مبيد النعم، لهذا قد يتكرر المعنى في القرآن، ويلح عليه لأجل تقعيده وتنضيده وبيان أنه قاعدة من قواعد الدين والشريعة أو النفس والاجتماع، لهذا تكرر المعنى السَّابق حتى استقر قاعدة اجتماعية، فقال تعالى مَوْع داً لكهف:58.] إنَّ الجوع مسكنة، فكيف إذا أضيف إليها الخوف، ذلك هو الذل والانبطاح، ذل الجسد وانبطاحه لأنه لا يستطيع كفاحا ضد جوعه، ولا يحمل سلاحا لصد عدوه، فهو يتقلب في مسكنتين، ويعيش في نارين، قد حلتا عليه معا، وليس يعيش بينهما فهذه مرة وتلك مرة أخرى، كلا، إنهما الشقاء النازل عليه مرة واحدة، إذ يقعان عليه مع بعضهما بعض 284- الندوي، أبو الحسنردة ولا أبا بكر لها" بدون، ص26-27. 285- عبد الكريم بن هوازن بن عبد الملك القشيري (ت465هـ) "لطائف الإشارات = تفسير القشيري ت: إبراهيم البسيوني، نشر الهيئة المصرية العامة للكتاب، مصر، ط 3، بدون 286- د. صالح بن فوزان تحقيق الإسلام لأمن المجتمع" مجلة البحوث الإسلامية، مجلة دورية تصدر عن الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، السعودية، سنة: من ربيع الأول إلى جمادى الثانية 1408هـ، العدد 21، ص103-104.
عدد الصفحات ٢٣٣جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 234 مرتبطين، متلاحمين لا ينفكاك. فيجيء منهما الفشل والكسل والانطواء وتلك هي أسباب التخلف والتأخر والبعد عن المدنية والتحضر. فلا يكون لمن هذا حاله وجود ولا قيام، ولا رأي في دنيا الناس ولا كلام ، لذلك بَيَّن العلامة اللغوي محمود متولي الشعراوي في تقرير قاعدة من قواعد علم الحضارة قائلا: " لن تكون كلمتنا من رأسنا؛ حتى تكون لقمتنا في فأسنا". ثم ماذا يخطر من الرأس والبطن جوعان، والفساد الذي يدخل عليه نوعان؛ ويشقه نصفان، فهو لا يعرف أيفكر في الجوع الذي يسكنه، أم في الخوف الذي ي جَنِّن ه! ذلك أنَّ الجوع يَذهب بالعقول، وتتصدع له القلوب والأكباد، وأنَّ الخوفَ يخلي الفؤاد، فكأنَّ كل معنى منه قد باد، وكل هلع قد عاد، وكل ارتجاف ساد، وكأنما التعمير فيه للتوجسات والهواجس دون ما سواها. "والمتأمل في الآية يطالع دق ة التعبير القرآني، فقد يتحول الجوع والخوف إلى لباس يرتديه الجائع والخائف، كيف ذلك؟ الجوع يظهر أولاً كإحساس في البطن، فإذا لم يجد طعاماً عو ض من المخزون في الجسم من شحوم، فإذا ما انتهتْ الشحوم تغذَّى الجسم على اللحم، ثم بدأ ينحت العظام، ومع شدة الجوع نلاحظ على البشرة شحوباً، وعلى الجلد ه زَالاً وذبولاً، ثم ينكمش ويجف ، وبذلك يتحول الجوع إلى شكل خارجي على الجلد، وكأنه لباس يرتديه الجائع. وتستطيع أن تتعرف على الجوع ليس من بطن الجائع، ولكن من هيئته وش حوب لونه وتغيُّر بشرته، كما قال تعالى عن الفقراء الذين لا يستطيعون ضرباً في الأرض ب س يمَاه مْ لاَ يَسْأَل ونَ الناس إ لْحَافاً 273. ] وكذلك الخوف وإنْ كان موضعه القلب، إلا أنه يظهر على الجسم كذلك، فإذا زاد الخوف ترتعد الفرائص، فإذا زاد الخوف يرتعش الجسم كله، فيظهر الخوف عليه كثوب يرتديه. وهكذا جَسَّد لنا التعبير القرآني هذه الأحاسيس الداخلية، وجعلها محسوسة تراها العيون، ولكنه أدخلها تحت حاسَّة التذوق؛ لأنها أقوى الحواس .. فليس الجوع في المعدة فقط، وليس الخوف في القلب فقط.
عدد الصفحات ٢٣٤جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 235 ومن ذلك ما اشت ه ر بين المحبين والمتحدثين عن الحب أن محله القلب، فنراهم يتحدثون عن القلوب، كما قال الشاعر: خَطَرَات ذ كْر كَ تَسْتَس يغ مَودَّتي *** فَأ ح سُّ م نْها في الف ؤاد دَب يبَا فإذا ما زاد الحب وتسامى، وارتقت هذه المشاعر، تحوَّل الحب من القلب، وسكَن جميع الجوارح، وخالط كل الأعضاء، على حَدِّ قول الشاعر: لاَ ع ضْو ل ي إ لاَّ وَف يه صَبَابةٌ *** فَكأنَّ أَعْضَائ ي خ ل قْنَ ق ل وبَا" ( 287.) ثم تأمل ذكر الطمأنينة بعد الأمن مباشرة دون عطف بالواو لكونها ملازمة له، حتى وإن لم تكن هي إياه، تماما بيد أنَّها من أعظم نتائجه وملزومَاته، فالقرآن عرفها بأنها أول نعمة مترتبة على الأمن عن طريق الإيحاء الشفيف، وأسرع ثماره سبقا إلى الوجود، ثم إنَّ وجودها هو نفسه نوالها، لا كثمر الجنان يحتاج إلى جني ثم أكل، تلك هي النعمة المعنوية الكبيرة، بيد أنَّ أكبر منها هو جالبها الذي يتمثل في الأمن، لذلك قدمه الله تعالى في الذكر ثم هو لا معنى له إلى بحصول الطمأنينة، فقد يكون الأمن ولا تكون الطمأنينة إذ كان احتمال الخوف متوقعا، ووقوعه محتمَلا في لحطة ما ولو المستقبل البعيد، فيكون المرء خائفا على نسله وإن لم يخف على نفسه، ولكن تلك القرية كانت مطمئنة لا تخاف شيئا لا حالا ولا مآلا، كانت في تمام الرفاهية والأنس والسكينة، فتأمل كيف جمع لها التعبير القرآني بين ذلك كله في كلمتين متعاقبتين فقط، ثم إنَّ الطمأنينة كالأمن عامة في جميع الجوانب لأنها وردت مطلقة فاستلزم الفهم بقاؤها على إطلاقها، لذلك كانت نعما لا تحصى طمأنينة في الرزق في النفس وفي العرض وفي العقل براحة البال، وفي الأفكار بعدم التشويش النظري والوساوس العلمية والاضطراب الفكري، كل أولئك كان متوفرا على أوجه وأتمه، فناسبَ ذلك أن يذكر النعمة بالجمع قائ اثنين، بل الأمن والطمأنينة هما أصلان من أصول قيام النعم إذ ينتج عنهما من الخير ما لا يحصى، أو يحسب ويستقصى، فمن ذلك أنَّ الح ياة تنتعش في ظل الهدوء والتجارة تفشو وتنطلق، والتحرك يكثر بخلاف الخوف الذي يعقد قلب المرء ولسانه وجوارحه في يستطيع التنقل ولا التجول أو السياحة، وإلا الفلاحة أو الصناعة والإنتاج، ومع الخوف لا تكون 287- محمد متولي الشعراوي"تفسير الشعراوي" ج13/8253.
عدد الصفحات ٢٣٥جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 236 الفائدة ولا الربح بل كل شيء يتجمد ويتكبد ويتلبد وتحدث من ور ائه الخاسر الفادحة، والمفاسد الطافحة، أمَّا الأمان فهو الضمان لأن يتحرك كل شيء، لهذا يقول علماء الاقتصاد "رأس المال جبان" لكونه يحتاج إلى امن وأمان لحصول التنمية والاستثمار وبذلك تزدهر الحياة الاقتصادية والنفسية والعقلية، ويكون الرخاء والانتفاع. فأذاقها الله لباس الجوع، إذ توفر الأمن وحصول الطمأنينة لا يكون إلاَّ بعد حصول الاكتفاء الذاتي والقوة الجسدية، أمَّا مع الجوع والنحول والمرض والاصفرار وسوء التغذية ونقصانها فلا معنى للطمأنينة والأمان، لذلك كان من أوليات تلك النعم وفرة الطعام والشراب، إذ هو عماد الحياة فالمرء يحيى ليشعر ويقوم على رجليه ليحس بكيانه، فلو كان طاويا خاويا لا يستطيع التفكير إلا في اللقمة، ولا يستشعر أي نعمة، فللبطن تأثيره الكبير على العقل والنفس معا، وعلى الفهم والوجدان، من هنا يعد أساسا لقوام الإنسان جسديا كونه مادة الحياة الفزيولوجية العضوية، إذ العقل قوة معنوية ولكنها تذوي وتتضاءل إذا قل عنها الغذاء وقل عنها النوم، لأن هذه القوة المعنوية لها علاقة متينة بالأعضاء الملموسة في البدن، كما هو شان الروح مع الجسد، لذلك طاقتها تبنى على أرضية مادية لتؤدي ما يمكنها تأديته من عمل فكري وحيوية ونشاط، وعبقرية واختراع. وإذا كان الحال هو هذا فإنَّ من البلاغة العالية أن اقتصر الله تعالى على لفظ الأمان والطمأنينة لكونهما يستلزمان كل ما ذكر من أنواع النعم والخيرات، ذلك كما يستلزم الجوع والخوف كل أنواع النقم والمضرات، إن الأمن والطمأنينة هما كنصف دائرة تح وي المغانم والنصف الثاني من الدائرة هو الشكر الذي يديم النعم ويحوطها بسياح يحفظها من عاديات الزوال والضعف، ويزيد فيها كثرة إلى كثرة وبركة ومضاعفة، كَفَرْت مْ إ نَّ عَذَاب ي لَشَد يدٌ [7] كفر أصحابها وبادروا المنعم بكفر نعمته لا بشكره وعبوديته، نفى أول ما نفى نعمة الغذاء التي هي الروح السارية في النعم والتي لا تستلذ نعمة مادية أو معنوية في الغياب المطلق والاحتياج المتفاقم إلى الطعام، فقال لباسا لكونه اللباس يشمل جميع الجسد، فكأن كل أعضاء البدن قد نالها الجوع فالرجل نحيلة واليد قصيرة ضئيلة والقوة الجسمية هاوية كليلة، والرقة قد دقت، والأضلاع قد ظهرت،
عدد الصفحات ٢٣٦جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 237 والرأس بدت عظامه، والمرء ضعف صوته وخفَتَ كلامه، فهو في ملتحف بالشقاء، ومتلفع بسوء الغذاء، ومع ذلك ففوق هذا اللباس الجوعي الذي يلبسه ولا يستطيع حمله على كاهله، ولا يقدر على جره من ثقله، فوقه لباسٌ آخر قد جعله معقول الرجلين، ساقط الركبتين؛ وزاده ثقلا على ثقل، وهو لباس الخوف، فهو إذن مغطى بعد أن كان يتفاخر ويتمطى، إنه الآن كأنما هو تحت الفراش من كثافة اللبس وتعدده، قد صار كالمقعد المريض، وأصبح مستترا لا يظهر تحت تلك الأكوام من القماش، فبدل أن يلبس لباسا قد لبس اثنين، فصار مغمورا بعد أن كان مشهورا، وغدا منزويا طاويا منطويا لا يظهر تحت أكوام القماش، لا ذكر له في الأرض ولا علو، إنَّه الدنو بعده الدنو، والخوف يتهدده، فحتى لو أعطاه بعض المحسنين ما يسد رمقه فإنه لا ينتفع به انتفاع الآمنين، لأن اللقمة لا يستسيغها ولا تجري مع البلعوم، كونه يخشى أن يضرب بلعومه بسيف يفصل رأسه عن جسده، فالعدو من خارج، وهو الخوف، والعدو من داخل وهو الجوع، إنَّهما العدوان الداخلي والخارجي، فهذا يقطع الأوصال والأطراف والأعضاء، وذاك يقطع الأحشاء والأمعاء، ثم لا القلب يهدأ من الرهبة، ولا المعدة تهنأ بأكلة او شربة، تلك هي المغبة بعدها المغبة، وإذا علم هذا، ع ل مَت الدقة الفائقة في التعبير القرآني عن كل هذه المعاني ببلاغة ووجازة واختصار. فلقد انزاح الأسلوب من الطعم إلى الذوق لأن غاية الطعم هو الذوق فعبر بالغاية لأنها أدل على المقصود، فقال تتذوقه فكأنه تراب لا ذوق فيه، أمَّا طعم الجوع فهو الذوق كله وبحذافيره، وكم من خوف لا يبلغ مداه، ولكنه إذا وصل إلى درجة أن ذاقه الإنسان فهو حينئذ بالغ الشدة والحدة والخطورة. يقول السيوطي: "اسْت ع يرَ اللِّبَاس ل لْج وع ث مَّ ق ر نَ ب مَا ي لاَئ م الْم سْتَعَارَ لَه م نَ ا لإْ ذَاقَة وَلَوْ أَرَادَ التَّرْش يحَ لَقَالَ "فَكَسَاهَا" لَك نَّ التَّجْر يدَ ه نَا أَبْلَغ ل مَا ف ي لَفْظ الإْ ذَاقَة م نَ الْم بَالَغَة ف ي ا لأَْلَم بَاط نًا"( 288.) 288- عبد الرحمن بن أبي بكر، جلال الدين السيوطي (المتوفى811هـ) "الإتقان في علوم القرآن" ت: محمد أبو الفضل إبراهيم، نشر الهيئة المصرية العامة للكتاب، سنة: 1384هـ1874م، ج3/153.
عدد الصفحات ٢٣٧جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 238 ثم تأمل كيف جاءت تلك الانزياحية الرشيقة في التعبير حين عبر باللباس فشخص الجوع كأنه ثوب من الأثواب التي يكتسي بها المرء، ثم هو سماه لباسا، ولم يجعله كساء لأن الكسوة نعمة، فأن يكتسي المرء فهو إذن مستور، والستر نعمة جليلة، فمجرد اللفظ يدل على الخير والستر والجمال، بخلاف اللباس فقد يكون مقطعا ومخرقا وقصيرا، وفرق بين ان تقول فلان لابس، وفلان مكتسٍ، حتى ولو كان لباسه يشمله، فالثاني أحسن حالا من الاول، لذلك آثر التعبير لفظ اللباس لحسن التصوير ودقة نسج الكلام وبراعة تركيب الصورة، كيما تكون التعابير مشخصة ظاهرة، ومشاهدة بارزة باهرة، وتغدو أدل على الواقع، وأوقع في نفس المخَاطَب. وقد قدم ذكر الجوع على الخوف لأنَّه أشد، والمقام مقام تخويف، وأنت ترى أنَّ الإنسان يستطيع أن يعيش سنين في ظل الخوف والحروب والمعارك، ولكنه لا يستطيع العيش بدون طعام أيَّاما معدودات. ولما كان اللباس شيئا مصنوعا، ولا نقول مفعولا، لأن لفظ الصنع أدل على إحداث الأشياء ا لمرئية، بخلاف الفعل الذي يشمل الأفعال التي لا تقوم بذاتها كالضرب والقتل والبطش والمشي والعدو والجلوس، وبخلاف العمل الذي يشمل الماديات والمعنويات كالأقوال والأفعال والنيات ولا يقتصر على جانب محدد منها، لما كان الأمر كذلك اقتصر التعبير على لفظ الصنع لأنه ذو معنى مخصوص بالماديات والمرئيات، وإن كان في مجازه اللفظي يعم كل عمل وفعل وكل حركة وسكنة، ولكن القرآن اختاره لأجل ان يناسب المعاني التي جرت في سياق المثل، فهو قد ذكر اللباس واللباس معنى الصنع فيه أظهر، فناسب أن يقول في تعليله لجزائهم أنَّ الجزاء من جنس العمل، فجازاهم بما يستحقون قولا وفعلا، وبيانا وتصويرا، وخبرا وتأريخا. "والتعبير عن سيئاتهم بقوله سبحانه: {ب مَا كاَن وا يَصْنَع ونَ}. للإيذان بأَن كفران النعم صار صناعة لهم وخلقًا راسخًا فيهم" (288.)جاء التعبير بـ{يصنعون}ولم يقل "يعملون" لأجل أن 288- مجموعة من العلماء بإشراف مجمع البحوث الإسلاميةبالأزهر "التفسير الوسيط للقرآن الكريم" نشر الهيئة العامة لشئون المطابع الأميرية، سنة: 1414هـ1883م، ج5/688 .
عدد الصفحات ٢٣٨جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 238 "الصنع هو عمل وزيادة، والزيادة هي الإجادة في العمل، فهم من شدة كفرهم لم يعملوا الشرك عملا، بل صنعوا الشرك صناعة، فهم أصحاب حذاقة وخبرة في الشرك، يتفننون في ألوان الشرك تفننا، ويخترعون صورا للشرك لا تخطر على بال، وفي هذا وصف لسوء حالهم. ألا ساء ما كانوا يصنعون" (300.) وكما أنه عمم ولم يقل أي لباس هو ومن أي نوع كان، عمم أيضا في بيان أفعالهم القبيحة والمستنكرة، فأطلق لفظ الصنع مبهما غير مقيد بعمل من الأعمال، بل ترك مفتوحا لتوقع أي عمل من الأعمال المشينة التي عملوها، ثم لفظ الصنع لدلالته على المنظورات والأشياء الملموسة الظاهرة إيحاءٌ بأن أعمالهم بلغت حدا صارت صناعة من الصناعات فظهرت واستعلنت بحيث لم تعد تخفى أو تستتر، وفي هذا إلماح إلى أن الله تعالى أمهَله م فلم يرعووا، وحلم عنهم حتى بدت أفعالهم السيئة إلى العلن، وتمادوا فيها حتى انت شرت وصارت تحت كل عين، وكل نظر، فهي صنع يصنعونه، وشيء بل أشياء يبدونها ولا يستحون، ويرتكبونها وهم يفرحون، لأن الإنسان إذا صنع شيئا فهو لم يصنعه إلا لحاجته إليه، فهو إذا أتمه وأنجزه فإنه يفرح به، فعندئذٍ أذاقهم الله تعالى الويلات وسلط عليهم المجاعة والذل والخنوع، وجعل الخوف يقتلهم وهم أحياء. إنَّ الجوع موتٌ بطيء جسدي، والخوف موت بطيء روحي، وكلاهما خواء وفراغ، فالجوع خواء البطن، والخوف خواء القلب وفراغ الفؤاد، لذلك قال الله تعالى عن أم موسى عليه الصلاة والسلام لما خافت عليه أشد الخوف وأبلغهاد أ مِّ م وسَى فَار غًا إ نْ كَادَتْ لَت بْد ي ب ه لَوْلاَ أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْب هَا ل تَك ونَ م نَ الْم ؤْم ن ينَ 10.] ومن تتمة المثل قوله تعالى { ظَال م ونَ113] فقد جيءَ به لبيان أن ما صنعه أهل تلك القرية من الكفر بأَنعمه سبحانه، لم يكن امتهانًا للعقل وتحقيرًا له فقط، بل كان كذلك معارضة لرسولهم، أى ولقد جاء أهل تلك القرية رسول من أنفسهم، هم أدرى الناس بأصله ونسبه وخ ل قه، يخبرهم 300- سامي وديع عبد الفتاح شحادة القدوم ي "التفسير البياني لما في سورة النحل من دقائق المعاني" دار الوضاح، الأردن، عمان، بدون، ص275.
عدد الصفحات ٢٣٩جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 240 بوجوب الشك ر على النعمة وينذرهم سوءَ عاقبتهم إن لم يفعلوا عن الكفر والمعصية، ففاجأوه بالتكذيب من غير تروٍّ ولا تدبر، ثم استمروا فى كفرهم وعنادهم إ لى أن حلَّ بهم عذاب الله بالجوع والخوف وهم متلبسون بالظلم واغلون فيه. وترتيب أخذ العذاب على تكذيب الرسول جرى على سنة الله تعالى. وهى أنه لا يعذب من كفر به حتى يبعث إ ليهم رسولا يحذرهم عاقبة كفرهم، ويرشدهم إلى آيات ربهم وفي ذلك يقول الله تعالى15( "]301.) 301- المرجعالسابق نفسه، ج5/688.
عدد الصفحات ٢٤٠