المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

جماليات المثل في القرآن الكريم دراسة أسلوبية

سعد قدور عيسات

صفحة ١٤ من ٢٤

جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 208 والكافر ومثل المؤمن في الخير الذي عنده ثم رزقه منه رزقا حسنا فهو ينفق منه على نفسه وعلى غيره سرا وجهرا و الكفار بمنزلة عبد مملوك عاجز لا يقدر على شيء لأنه لا خير عنده فهل يستوي الرجلان عند أحد من العقلاء" والقول الأول أشبه بالمراد فأنه أظهر في بطلان الشرك وأوضح عند المخاطب وأعظم في إقامة الحجة. وأما المثل الثاني فهو مثل ضربه الله سبحانه لنفسه ولما يعبدون من دونه أيضا فالصنم الذي يعبدون من دونه بنزلة رجل أبكم لا يعقل ولا ينطق بل هو أبكم القلب واللسان قد عدم النطق القلبي كمال العبودية واللساني ومع هذا فهو عاجز لا يقدر على شيء البتة ومع هذا فأينما أرسلته لا يأتيك بخير ولا يقضي لك حاجة و الله سبحانه حي قادر متكلم ي أمر بالعدل وهو على صراط مستقيم"(262.) 262- ابن قيم الجوزية "أمثال القرآن" ت: ناصر بن سعد الرشيد، ص82.

عدد الصفحات ٢٠٩

جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 210 المثل الثامن قال جل ذكرهب شَيْءٍ إ لاَّ كَبَاس ط كَفَّيْه إ لَى الْمَاء ل يَبْل غَ فَاه وَمَا ه وَ ب بَال غ ه وَمَا د عَاء الْكَاف ر ينَ إ لاَّ ف ي ضَلاَلٍ 14] وهذا المثل قد أشار الله تعالى إلى كونه كذلك، حين قال لعده بآيتين، الأمثال17] فتخيل هذا التصوير البديع، هل للماء أجنحة، ليطير إلى فم هذا المجنون في لمحة، فيرتوي! إنَّه فقط؛ يشير إليه، ولو بكلتا يديه، فأنى لهذا الماء أن يستوي بين كفيه! إنَّ المشاهد المضارعة لهذا المثل فيها تصوير الداعين أنعاما لا تسمع ولا تعي إلاَّ مجرد الصوت، فهذا الصَّوت، هاهنا الإشارة، إنهم كمن يشير باسطا كفيه للماء كأنه يفهم عنه ما يريد من إشارته، ولو فهم ما استجاب له، على نحو قول تعالىوا د عَاءَك مْ وَلَوْ سَم ع وا مَا اسْتَجَاب وا لَك مْ وَيَوْمَ الْق يَامَة يَكْف ر ونَ ب ش رْك ك مْ وَلاَ ي نَبِّئ كَ م ثْل خَ ب يرٍ [14 .] وقوله الوصول، إذ قد يصل الشيء لا يحصل البلوغ، كمن يصل إلى الماء ولا يبلغ مرادَه منه، وقال الطويلة حركتين تفتحه سنتيمين، وفي ذلك تصوير لحالة باسط كفيه بأنه يظل فاتحاً فمه ويده ممدودة وهو على هذه الحال، فمن يراه لا يرى إلاَّ سفيها معتوها أبله. وقد قال يَك فُّه كَف اً: جَمَعَه " (263)، فهي تجمع الشيء إذا وقع بها وتجمع الماء بين جنباتها إذا غرفته، حيث تكفُّه عن تعديها وتحجز ه فيها، وهي مكان الحفنة، ومحل القبض والبسط، لذلك قال: 263- محمد بن مكرم بن على، أبو الفضل، جمال الدين ابن منظور الأنصاري الرويفعىالإفريقى (ت: 711هـ) "لسان العرب" دار صادر – بيروت، ط 3،1414هـ، ج10/300 .

عدد الصفحات ٢١٠

جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 211 { كفين مبسوطتين صاحبهما يوسِّع بين أصابعه- كما قال المفسِّرون-؛ حتى ولو خلنا الماء قد بلغهما؟ اللهم لا. فكيف يكون إذن وصول إلى المقصود من هذا الفعل على الوجه المذكور والحال ما ترى! إنها إذن؛ البلاهة العالية! وقوله وما هو ببالغة يوحي بأنه رغم شدة حرصه ولهجه بالدعاء لا ينال شيئا، الفم مفتوح واليد مبسوطة والرجل شاخص واقف ينظر كمثل اللاهفين من الداعين غير الله الحريصين على الاستجابة؛ أن يتحقق مرادَه، ولكن هيهات. إن حرف الباء في لفظة الناس المشركين. إن السياق قبل هذه الآية قد ورد فيه ذكر والبرق والرعد والسحاب الثقال، المحملة بالامطار، ففي هذا الجو "لا يبلغ هذا الداعي اللاهف اللاهث قطرة من ماء؟" (264)؛ أكبر، إنَّ هذا لهو حق البيان، وحق التصوير المؤثر العظيم. التناسق والدقة، والروعة والتَّأثير، فأي نفس هذه التي لا تحس القرآنَ ولا تستشع ر ه، أيُّ نفس!! والمشابهة الدقيقة بين المشركين وبين هذا الأبله، أنَّ كليهما يطلب من المدعو شيئا ليس من طبيعته فضلا عن استطاعته، فلا المقبور يملك ما يطلبون لكون الفعل ليس من طبيعة الميت، ولا الماء يقدر على البلوغ إلى الأفواه بمفرده لكونه مفعولا لا فاعلا، وطبيعة هذا المفعول أن يقع ذاك الفعل عليه لا أن يبادر هو إليه بنفس ه، فمن الذي يحتاج إلى الآخر، أليس الماء أحوج إلى في هذا البلوغ المراد من طالبه، فكذلك الميت أحوج إلى الحي والحي لا يحتاجه، فكيف يدعوه ليقربه إلى الله زلفى، وهذا المراد المبتغى بعينه، الميت ؛ هو الذي 264- سيد قطب إبراهيم حسين الشاربي (ت1385هـ "في ظلال القرآن" دار الشروق - بيروت- القاهرة، ط 17، سنة 1412هـ، ج4/2052 .

عدد الصفحات ٢١١

جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 212 يحتاج فيه الحيَّ لينفعه بدعاء الله أن يرحمه ويغفر له ويعليَ منزلته، ويقرِّبَه منه. فالبلوغان منتفيان، لهذا قال تعالى ظاهر، ولكن لتتناسق الصورتان، ويأتي النفيان متساوقان متعاضدان دعاء الكافرين إلا في ضلال في غيرها، كالمرآة يؤكد ما فيها وجود الشيء الذي وقف أمامها، فالمثل هنا يعكس لنا صورة الداعين غيرَ الله في مرآته الجميلة، فكل ما ظهر فيها ثبت وجوده في الصورة، وكل ما انتفى منها انتفى في هذه الصورة. فورود النفي ذو فائدة جليلة، ثم هو يعطينا نغمات جميلة موحية، فتكرار قوله، { تماما بكل جيدة وثقة ولا مجال ريب أو تردد، كما تض خُّ في النفس شعورا بالرهبة لأنها تحمل في طيَّات النفي زجرا متكررا على جهة التضمين، وانتهارا متفجرا من الإيحاء والرنين، لاسيما وقد جاء الخطاب قبل ثلاث آيات في سياق مشحون بالخوف، وجوٍّ ممتلئ بالرعب، تغمره رهبة كثيفة، وهول مترادف؛ قال تعالىوَإ ذَا أَرَادَ اللهَّ ب قَوْمٍ س وءًا فَ لاَ مَرَدَّ لَه وَمَا لَه مْ م نْ د ون ه م نْ وَالٍ ( 11) ه وَ الَّذ ي ي ر يك م الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَي نْش ئ السَّحَابَ الثِّقَالَ ( 12) وَي سَبِّح الرَّعْد ب حَمْد ه وَالْمَلاَئ كَة م نْ خ يفَت ه وَي رْس ل الصَّوَاع قَ فَي ص يب ب هَا مَ نْ يَشَاء وَه مْ ي جَاد ل ونَ ف ي اللهَّ وَه وَ شَد يد الْم حَال [ }11-12-13.] وإذن؛ فـ وبلا منفعة ولا مغزى، إنه ضلال وجنون وعماء، كجنون باسط كفيه بزعمه إلى الماء! فالتمثيل كما ترى؛ متطابق مع الممثَّل له من شتى الزوايا والجهات.

عدد الصفحات ٢١٢

جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 213 المثل التاسع يقول جل ذكره مَا رَزَقْنَاك مْ فَأَنْت مْ ف يه سَوَاءٌ تَخَاف ونَه مْ كَخ يفَت ك مْ أَنْف سَك مْ كَذَل كَ ن فَصِّل الآيات ل قَوْمٍ يَعْ ق ل ونَ [وم28 ] فقوله لملاحظته وتدبره" (265.) وهذا دليل قياسي احتج الله سبحانه به على المشركين حيث جعلوا له من عبيده وملكه شركاء، وهو منحى علقي واقعي، فكما أنكم أيها الناس لا ترضون أن يكون مملوككم شريكا لكم في أملاككم فكذلك لا يرضى الله تعالى أن يشاركه عبده المملوك الذي خلقه هو بنفسه أن يعبد من دونه ويشاركه في حقه على العبيد وهو العبادة والتوحيد. بل أنتهم تخافون منهم على أرزاقكم وتفزعون من أن يستولوا على أملاككم، فالخوف صادرٌ منهم في الحال والمآل ومع ذلك تحبون أن يضلوا تحت أيديكم وطوع راحتكم لا يترحرحون من قبضتكم عليهم باليمين ، وذكر اليمين الأيمان تكون عادة أقوى من الشمال ففيها من إحكام القبض وتمام السيطرة ما ليس في الشمال ولا في معناها، ولان اليمنى أيضا تدل على المرغوب من الخيرات التي تحبها النفوس، فقال ما ملكته اليمين شيء طيب بخلاف اليسار التي بها ي شار ومن خلالها ي رمز إلى الأشياء المكروهة فهي الشمال التي قال تعالى عن اهلها سموم وحميم { والاستقرار بحيث لا ينازعهم فيه منازع فهو ملكهم الذي قد ان قضى أمر تملكه وأصبح منسوبا غليهم، فكيف إذن ينسبث إلى غيرهم،ويا ليت تلك الأملاك تنسب وتتحول إلى أغنياء مثلهم لربما نقص الغيض لان أولئك على كل حال اغنياء من الاصل غاية ما في الأمر ان غناهم ازداد وملكهم ارتفع منه العماد بما استفاد الغني من ملك غيره، فالنفوس ع ادة لا 265- سيد قطب إبراهيم حسين الشاربي (ت1385هـ "في ظلال القرآن" دار الشروق - بيروت- القاهرة، ط 17، سنة 1412هـ، ج5/2766 .

عدد الصفحات ٢١٣

جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 214 تحسد صاحب الثروة الطائلة ممهما تكاثرت ثروته بقدر ما تتحرق كمدا من فقير ذي عيلة أصبح فوقهم في الغنى بدرجات، فكيف بمن كان تحت أيديهم فأصبح مثلهمن والامر يهون لو أنه عنهم بعيد فكيف يضارعهم ويوازيهم رزقا وهو إنما أتاه الرزق بأخذه ومشاركته لهم في أملاكهم بالسوية، فقال تعالى بالأولوية إذ التسوية إذا كانت لا تقبل فما الحال إن فاق المملوك سيده ملكا بما شركه فيه من أملاكه!!، فلما ذكر التسوية نقل القرآن المستمع إلى تخيل أن مولاه قد صار مثله في الملك فحينئذ يأتي الخوف من الدرجة التي بعدها وهي أن يتجاوزه في الأملاك ويغدو اكثر منه رزقا، فيحل عليه الخوف من كل جانب، حتى لكأنه يخاف من أقرب الناس قدرة على إزاة ملكه والإطاحة به شأن المتنافسين على المال في كل زمان ومكان، وذكر النفس والتشبيه بها له مغزى عظيم يتجانس مع جو الكلام ومعنى المثل المضروب برمته، وذلك أنَّ الإنسان لا يخاف من نفسه بل من غيره، لكن التعبير القرآني آثر لفظ النفس لبيان أن أقرب الناس إليك من أخ أو صديق او قريب أو حبيب أو إبن مما يصلح أن يكون مثل نفسك ومع ذلك تخافه وتتوجس منه أن يذهب بمالك فتمسي صفر اليدين، فغذا كان هذا الشأن بمن هو كنفسك فكيف الحال بمن ليس كذلك من البعداء بله الأعداء!، إذ القريب إذا كان في مكنته إزاحتك من ساحة ذوي الأملاك واستطاع منازعتك خَ ش يتَ ه، فكيف بمن عاداك وعاديته، فأصل المشكلة عند التساوي في الرزق، وها هنا نخلص إلى الرد على دعاة الإشتراكية الذين يدحضهم القرآن بمنطقه الواقعي، إذا لو كان الناس جميعا في منزلة واحدة من الغنى والكسب لاستحالة الحياة بينهم {ضٍ ف ي الرِّزْق 71] ولتخلل الرعب أفئدتهم، كل يخاف من أخيه أن يلتهمه لقدرته على منازعته بما في يديه، واختلط الحابل بالنابل وتضاربت الأيمان والشمائل. وقوله:{ مشاركته في المال ، والمعنى : تخافون معاشرة السادة عبيدكم فيها فلا تمضون فيها حكماً دون إذنهم خوفاً من لائمة تلحقكم من جهتهم الأحرار بعضاً فيما هو مشترك بينهم ، فإذا لم ترضوا بذلك لأنفسكم فكيف ترضون لرب

عدد الصفحات ٢١٤

جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 215 الأرباب ومالك الأحرار والعبيد أن تجعلوا بعض عبيده له شركاء؟" (266). والله تعالى قد قال: { إلى دقة التصوير فالذي يكون خوفه في فؤاده يجري ويتكرر هو في الحال خائف ويخاف ويتخوَّف فآثر القرآن الفعل المضارع هاهنا لبيان التج دد في الفعل كل مرة كون المضارع يتناول الحال والاستقبال، ولوضع القارئ في ميدان المشاهدة لأن المضارع ي فعل الآن بحيث إذا قرأ المالك هذا الكلام واستمع لهذا الخطاب المصور للواقائع الآتية في الصورة الحاضرةستمع فوجد في نفسه حقيقة هذا الخوف واقعةً بشدة التخييل الذي يضخه الخطاب الإلهي في العقول والمشاعر، وبالتالي كان الحكم عليهم بالخوف لا شك فيه ولا ريب، فلم يقل سوف تخافون بل أنتم الآن كذلك، بلا تردد ولا ظن. وبذلك تشعر بأن المخاطب ليس بشرا ويستحيل عليه أن يتكلم بمثل هذا الاسلوب في جميع القرآن دون أن تظهر حروف يسيرة بل حرف واحد أو معنى مفرد يدل على البشرية، وبما يؤكد في كل حين أن التعبير الإلهي محض لا مختلط بكلام بشر كما زعم الكفار والروافض ولا هو بشري. ثم إن القرآن استهل ضرب المثل هنا بالعرض فقال: { الحض على الشيء، ألا تتقاسمون مواليكم أرزاقكم بالسوية فتصبحون شركاء، ولكن أين الجواب، إنه لا يوجد، لماذا؟ لكونه معلوما كل العلم، بأنهم يرفضون ولا يقبلون، وفي ترك الجواب هاهنا أبلغ الجواب على ذلك العرض والطلب، وكثيرا ما يكون ترك الجواب أفضل من الجواب بل يكون أبلغ إجابة على سؤال، وله محالٌ كثيرة مناسبة، هذا واحدٌ منها، وهو لما يكون معلوما بكل يقين، فحينئذ يصير تركه هو البلاغة في ذروتها لأنَّ ذكره لا ي نتج فائدة ولا ي ضيف ها، فالترك عسل بلاغي، لو تخلي عنه وذكر الجواب صار الأمر كمن رمى العسل وأتى بالسكر!، وفي هذا السياق توجد عدة تقابلات، فالمقابلة الأولى بين إعراضهم عن قبول ذلك العرض وبجانبه إعراض الله تعالى عن بيان الإجابة لأنَّها واضحة معلومة، 266- أبو البركات عبد الله بن أحمد بن محمود حافظ الدين النسفي (ت 710هـ) "مدارك التنزيل وحقائق التأويل ت:يوسف علي بديوي، دار الكلم الطيب، بيروت، ط 1،1418هـ- 1888م، ج2/688-688.

عدد الصفحات ٢١٥

جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 216 ظاهرة من حالهم وواقعهم، ولسان الحال أنطق من لسان المقال، والمقابلة الثانية بين مضارعة المملو كين وأسيادهم في الملك شراكةً، ومضارعة الخوف لأجواف صدورهم حالا، والمقابلة الثالثة بين صورتين الأولى أنه ذكر ملكهم فقاال بصورة عامة ثم جعل هذا الملك رزقا بقول يوحي بارتفاع في الملكية والتفضيل وتصاعد في الإحسان الرباني إليهم، ويقابلها صورة ثانية فيها هذا التصاعد في الأشياء حيث أن الله ذكر معنى الشراكة لهم في أرزاقهم من المملوكين وهو ما يخيفهم ثم ذكر أنهم فيها سواء وليس المالك الأول اكثر حظا وأوفر نصيبا فتفاقم الأمر وصارت نفوسهم أخوف من ذي قبل، فها هنا صورتان متقابلاتان صورة يتصاعد فيها الأمر المحمود من الامتلاك إلى الرزق إيجابيا، وبإزائها صورة يتصاعد فيها الأمر المكروه للنفس من فقد الملك والرزق من درجة الشراكة إلى درجة التساوي في تلك الشراكة، وهذه صور ملونة بالبيان أفضل تلوين وأصدقه، وهي مجسدة للحال وملتحدة بالسياق أشد لتحاد وأوثَقضه، وقد أنث الله تعالى الخوف فقال اشد من الخوف وإن كانت درجةً منه فهي أعلاه، لأنَّ الأنثى أخطر من الذكر، ولهذا لما بلغ الخوف مبلغه من موسى عليه الصلاة والسَّلام بما اجتمع امامه من دواعي الخوف قال تعالىفي نفسه خيفَةً موسى وحالة من نًص بَ لمكروه أهون ممن ج رَّ إليه !، ورحم الله علماء العربية الذين سموا حركات الحروف بما يتناسب مع معانيها. ولما كانت أملاكهم وأرزاقهم قد دخلتها الشركاة والتسوية قال تعالى ت أيمانكم إلى الشركاء وانفصال جزء منها عنهم لتصبح في حوزة الآخرين، وقد جاء التعبير القرآني بـ "من الذي ملكت أيمانكم" فيأتي بالذي بدل حرفين يوحيان للمتدبر بأن الرزق كما هو مفصول عن صاحبه فصلت هو متساوٍ بين الشركاء فكذلك تساوى المفصول من حرف الجر في عدد الحروف، وهو دليل كمون الإعجاز البياني في الرسم القرآني، ومثل ذلك أيضا في

عدد الصفحات ٢١٦

جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 217 قوله تعالى تلك الدلالة نفسها وضخها في شعور المتدبر ونفسه وخياله،كيما يعي ويستذكر، ويعتبر ويتحير من دقة الخطاب القرآني وعلو براعته، بحيث لا يسمو إلى هذا المقام أي كاتب بيراعته، مهما علا في البيان وسما. وفي هذا المثل دلالات وبينات لهذا قال لانطواء المثل على عدة حقائق وبراهين، وقد جرى فيها الاستدلال بالأولوية بطريق ضمني غير مباشر فاتحدت فيهذا المثل الأدلة الظاهرة والخفية، فإنه لما قال ان يقول فيما آتيناكم لبيان أن ذلك رزق تهفو النفوس إليه ولتذكيرهم بنعمته عليهم فيه وأنه لولاه لما رزقوه فكيف يعبدون غيره فيشركون به خلقه في عبادته، ولكي يبين لهم أن الرزق الذي هو أعطاهم إياه وليس لهم حقيقة لا يرضون بان يشركهم فيه مملوكم فكيف يشركون به في ما هو له على وجه الحقيقة أصالة، إنَّ هذا من باب أولى ألا يكون وألا يقبل ، ثمَّ إنَّه لما كان أصل المثل هنا دليلا قياسيا يدرك بالعقل فيتقرر في الأذهان ناسب أن يختمه بقولهإن هذا الدليل القياسي من أقوى الأدلة كونه مبنيا على مقدمة متفق عليها مسلمة عند الخصوم تلزم عنها نتيجةٌ تخالف تصورهم فتوجب عليهم الإذعان لسلامة البرهان وصوابه، وصحة تركيبه، وانسجام مقدماته ونتائجه، فمن كان ذا عقل استجاب وتاب وأناب، لأنه لا يوجد عاقل يؤخذ منه ويرد عليه، فلقد أقام الله سبحانه "عليهم حجة يعرفون صحتها من نفوسهم ولا يحتاجون فيها إلى غيرهم، ومن أبلغ الحجاج أن يأخذ الإنسان من نفسه وي حتج عليه بما هو في نفسه مقرر عندهم معلوم لها"(267.) ولم يقل هل لكم من شركة، بل قال تتبدى لهم شخوص من يتخيلونهم شركاء لهم في أرزاقهم، فيكون وقع المعنى عليهم أشد، وفي أذهانهم أجلى، وفي نفوسهم أعمق، فآثر القرآن جمع شريك على المصدر الذي هو شراكة أو ش ركة لأجل تكثيف الحس وتنمية الوهم، لتدقيق المنظور الحسي وترقيق الشعور النفسي بهذا 267- ابن قيم الجوزية "أمثال القرآن" ت: ناصر بن سعد الرشيد، ص62.

عدد الصفحات ٢١٧

جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 218 المشهد المرسوم، ولم يجعلهم شريكا واحدا بل جماعة ليغلب النفور الحقيقي على التحدي الكاذب أو الزعم الطائش من أناس ربما يزعمون أنهم لا يبالون بتلك الشراكة إذا كان فيها واحد، ولكنهم لا يتجاسرون إلى درجة الادعاء أن عدم مبالاتهم تلك كائنة ولو كثر الشركاء وتعدد الشريك، فحينئذٍ لا يمكن لزعمهم أن يبقى على حاله، ولا لادعائهم أن يستمر على منواله، وإلا خرجوا عن حدود العقل والواقع والمنطقية، ومن كان كذلك لا كلام معه أصلا لان المثل مضروب لمن يعقل لا لمن يتعاقل فضلا عمن يتجاهل، ممن يجحد حقيقة نفسه، ويستمر في هوَسه، ويضرب عقله بقوسه !!، إذ هاجس ذهاب أشطار الملك بدخول الشركاء المساوين في تملكه يستولي على النفوس وي خيفها فهي تعرض عنه وتأباه، وتهرب منه ولا ترضاه، فكلمة شركاء توحي بهذا الخيال المفزع، ثم قال تعالى بعد إلى الألف الطويلة الممدودة، بعدها همزة معهودة، شركاء، سواء، بما يثير في النفس ذات الشعور الأول المرتبط بكلمة شركاء المتماثلة معها في الجرس الصوتي ألف مد بعدها همزة ، ليتكرر نفس التوجس الأول، في لفظة شركاء، التي فيها حرف الشين وهو قريب من حرف السين وهي من حروف الصفير المولدة في هدا الجو المكفهر لرعدة شريانية وخفقانا قلبيا زائدا، فالشركاء قد لا يتساوون فربما كان المالك الأول له الحظ الأوفر من الملك والآخرون يشتركون فيما بقي، لكن إذا كانوا سواء، فذلك هو العناء الذي قد يجيء بالفناء على ملك السيد فيمسي من الفقراء وأهل الحرمان، لهذا اختار التعبير القرآني لفظة فيها السين لأجل هذا الغرض، دون غيرها كلفظ المثل "أنتم فيه أماثل" أو "أنتم فيه متماثلون"، أو "متعادلون"، وقال تتكرر تلك الصورة النفسية المفزعة المتصاعدة في تفزيعها في ارتباطها باللفظين المذكورين، مرة في لفظ { الخوف، وفي ذلك أجلى واقعية وأدق حجة وأقوم أعجاز وأسمى بيان، كل ذلك في ألفاظ معدودة لا تتجاوز ثلاثة أسطار. وتأمل إلى تكريره كلمة يملكونه، والنفس تحب أن يقال لها هذا لك وهذا لك، فتعدد الأملاك محمود لها مرغوب عندها فهي تزداد ارتياحا واطمئنانا بذلك، ثم إذا بالمشهد يسلبها ذلك كله ويترك لها جزءا

عدد الصفحات ٢١٨

جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 218 منه فقط، جاعلا الأجزاء الأخرى لقومٍ آخرين صاروا شركاء لها في الملك، فالإيحاء بالصورتين المتناقضتين يزيد في ال نفس حسرة إلى حسرتها فالذي فقد أشطارا من ماله شاركه فيها غيره يتحسر ويحزن، بحيث إذا ذكرت له أيام سلطانه وتفرده في أملاكه تتضاعف حسرته وتتفاقم نكبته، ويزداد حزنا على حزن، وهذا ما رمى إليه القرآن كيما يجسد الحال في بيانه أحسن تجسيد. ولقد كثر حرف "الكاف" الخطابي لإظهار المواجهة في عملية الجدل وميدان الحجاج، ولكنه عندما أنهى عرض دلائله، لم يشأ أن يعنفهم حتى ينفروا فيقول مثلا في هذا المقام "إن كنتم تعقلون"، بما يعني أنهم ليسوا أهل عقل، خاصة وقد أثبت نقصهم قبل ذلك في قوله عنهمحقيقة واقعة لا معدل عنها فإنَّ في العدول عن الخطاب إلى الغيبة استدعاه المقام فلا معدل عنه لإصابته كبد البلاغة، لهذا لم يقل "تعقلون" خطابا، كلا ً، بل قال عقل راحج إلا أن الله تعالى خاطبهم بما يجذبهم إلى الاقتناع بكونه أوضح أنه فصل الآيات لمن يعقل وما دام قد خاطبهم بها فحري بهم أن يكونوا في مستوى من تفصل لهم آيات الله تبارك وتعالى من أهل العقول الواعية التي تدرك مغازي الرسالة وتفهم معاني القول ومضامين المثل، لذلك اقبل الخطاب عليهم بكليته حتى لما أنهى استدار كأنه يكلم غيرهم عنهم وهم يسمعون قائ الأقوام، ولكون هذه الحجة من القطعية بمكان لم يشأ التعبير أن يضل مواجها لهم في المطاف الأخير بأسلوب المخاط ب، لا سيما والمثل "واضح بسيط حاسم لا مجال للجدل فيه، وهو يرتكن إلى المنطق البسيط وإلى العقل المستقيم" (268)، فلقد انتهى معهم الكلام المباشر وجاء التعريض فقال والتصريح، والتعريض والتلميح، كما جمع بين التعليم والموعظة وهما قطبا رحى الرسالة، فالأول يحرك العقل والثانية تستثير العاطفة، وفي ذا المقام مناسبة نفسية لطيفة لأن قوة البرهان الفائقة التي تصل لدرجة عالية من الوضوح بحيث لا يبقى معها سوى الاستجابة وإلا فالمكابرة، يحسن أن ينصرف أسلوب التعبير ملتفتا عنها حتى لا تستكبر وتتمَنَّع، كما 268- سيد قطب"في ظلال القرآن"، ج5/2766 .

عدد الصفحات ٢١٩

جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 220 انصرف أسلوب القرآني هنا من الحاضر إلى الغائب، ومن طريق المباشرة إلى طريق غير المباشرة مراعاة للنفس البشرية هاهنا لأنه إذا تواصل الخطاب إليها تولد منه حرص زائدٌ تكون نتائجه عكسية، فهي إذا ح رص عليها أكثر وأكثر والمقام لا يستدعي هذه الكثرة لسقوط أي اعتراض على الحجة المعروضة والدلائل المذكورة توهمت أن المقام لا يزال يستدعي كلاما ودعوةً لها كي تجيب، فإذا بها ت عرض ولا تستجيب، في حين أن الذي يدعو في حد ذاته للإجابة والإنابة المقام بدل الكلام، وكثيرا ما إذا حرصت على المدعو حرصا أكبر فجاوزت حد الحرص أكثر تعزز وتكبر، فما هو إلا قد أعرض ونفر، لا سيما والمقام هنا كما ي فيد البقاعي تقريري و"التقرير أقرب إلى التذكير وابعد عن التنفير" (268)؛ فمراعاة هذه النفسية في هذا الحال يستدعي تغير أسلوب الخطاب، وقد أحسن البلغاء لما سموه إلتفاتا، وهو ما تراه بعينيك في البيان القرآني ها هنا. ولنا بعد أن نسأل: لماذا جاء هذا المثل في سورة الروم؟ لأنها سورة مكية تحارب الشرك والمشركين، وظاهرة العبيد واستعمال لا تزال حية متواكبة منتشرة. ثم تجيء سورة الزمر ويجيء هذا المثل: قال تعالىم تَشَاك س ونَ وَرَج لاً سَلَمًا ل رَج لٍ هَلْ يَسْتَو يَان مَثَلاً الْحَمْد لله َّ بَلْ أَكْثَر ه مْ لاَ يَعْلَم ونَ 28.] إنَّ "هذا مثل ضربه الله سبحانه للمشرك والموحد فالمشرك بمنزلة عبد تملكه جماعة مشتركين في خدمته لا يمكنه رضاهم أجمعين والموحد لما كان يعبد الله وحده فمثله كمثل عبد رجل واحد قد سلم له وعلم مقاصده وعرف الطريق إلى رضاه فهو في راحة من تشاحن الخلطاء فيه بل هو سالم لمالكه من غير منازع فيه مع رأفة مالكه به ورحمته له وشفقته عليه وإحسانه إليه وتوليته بمصالحه فهل يستوي هذان العبدان . .. فإن الخالص لمالك واحد مستحق من معونته وإحسانه والتفاته إليه وقيامه بمصالحه ما لا يستحقه صاحب 268- برهان الدين البقاعي"نظم الدرر في تناسب الآيات والسور" ت: عبد الرزاق غالب المهدي، ج5/618 .

عدد الصفحات ٢٢٠

جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 221 الشركاء المتشاكسين270.) فلما جعل في المثل الأول العبيد شركاء، جعل هنا شركاء خارج نطاقهم إنهم الأحرار، وذلك ان الصنفين مختلفين، علميا وعقليا ونفسيا وتاريخيا ، فالعبيد إذا كانوا شركاء وقد كانوا في الماضي تحت وطأة الذل والفقر، والهوان والقهر، سيكونون اشحاء في الغالب فالمعاملة المالية معهم عسرة، وعقليتهم وعرة، وعلمهم فيه تشديد ونذالة، وعدم ترشيد وضىآلةٌ، وكل هذا من الحيلولة بينهم وبين حسن سياسة المال، وبين سلاسة التعامل مع أصحاب الأعمال، وبين التفاهم مع الشركاء، لاسيما وأن تاريخهم مع أسيادهم محمَّل في الغالب بالمآسي والضغائن، لهذا ذكر خوف الأسياد منهم هنا، ولم يذكره في المثل الثاني، لان الخوف فيه توحي به تراكيب التعبير بطريقة غير مباشرة، اي بطريقة الاستلزام، حيث إن هذا العبد المسكين ما دام يملكه شركاء متعددون متشاكسون فيما بينهم، فهو دائم الخوف منهم إذ يأمره هذا بما ينهاه عنه ذاك، فيخاف من بطشه، وياتيه الأمر من جهتين في وقت واحد فلا يدري كيف يوفق بينهما، فيخشى على نفسه من إغضاب أحدهما ان يلحق به سوءا، أو يسبب له ضررا. وتأمل إلى هذا التقابل العجيب الذي يشكل كل واحد منه وجها من وجهي الصورة حتى تكتمل، ففي هذا المثل خوف العبيد من الأسياد وتوجسهم وحيرتهم، وفي الثاني خوف الأسياد من العبيد إذا شاركوهم في أملاكهم كما يشرك المشركون عبيد الله في عبادته التي هي حق خالص له سبحانه وتعالى. يقول جل ثناؤه وسعوا في إهلاككم لأنكم لا بد آذيتموهم وأسأتم إليهم في أيامكم الطويلة معهم، لاسيما وهم كانوا طوع أيديكم، وعند إشارتكم، وتحت تصرفكم، فالخوف ممن تقدمت الإساءة إليه والظلم له متوقع أكثر ممن ليس تحت اليد فلم تكن المظنة كبيرة في ظلمه أو أذيته حتى يثأر أو ينتقم، لهذا ذكر هناك الخوف، وذكر هنا –لانتفاء ذلك- مجرد المشاكسة لأنها أدني من 270- ابن قيم الجوزية "أمثال القرآن" ت: ناصر بن سعدالرشيد، ص53.

عدد الصفحات ٢٢١

جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 222 الخوف وأهون، رغم كونها هي في الوقت نفسه تدل على خوف العبيد وحيرتهم وتلددهم فلاحظ أنَّ ا لمشهدان كلاهما مفعمٌ بالخوف، في جو يسوده الفزع والتوجس بالنسبة للمشركين، في حين أن الموحد يسرح في رحاب السلامة لهذا ناسب أن يقول وجعل هذه الحروف الثلاثة كلها متحركة لا سكون فيها ولا توقف ولا حيرة أو تلددا، ولا توقع شر ولا حصولَه، إنه الأمان التام، أمان أهل التوحيد المؤمنين؛ المقابل لخوف أهل الشرك الظالمين، وهذا ما يتناغم مع معاني القرآن في أمثال هذا المقام كل التناغم، فإنه سبحانه القائل [الأنعام82 .] وقد قال حفه ولم يذكره، وإنما المح إليه بحمد نفسه سبحانه وتعالى، غذ لم يكن اعتراض على ذاك الإنكار من جهة، كما نبَّه بالحمد إلى شكر نعمة المسالمة بين الشريكين من جهة أخرى، إذ الذي يكون شريكه سلما له ينبغي أن يحمد الله تعالى أن سخر له من عباده من لا يقلقه ولا يسرقه، ولا يتعبه ولا يشاغبه أو ي ضاربه. وإنما لم يقل يستوون ر غم ذكره جماعة الشركاء، لأن المقصود تمثيل صورة بصورة أخرى فهما صورتان، لذلك قال وقد ختم المثل الأول بقوله أكثرهم لا يعلمون الإيجاب في البداية على السلب في النهاية، كما هي منطقية التعبيرفي تقديم الإثبات على النفي، فتأمل هذه التقسيمةَ البديعة، وهذه في المناوبة في الأساليب بين الأمثال، وإعطاء كل مشهد ما يناسبه، حتى تكون نظرية المثل القرآني جامعة شاملة تحيط بكل الأشياء، وتصرف منها للناس في كل شيء مثلا. وقوله يعقلون شرطٌ يلغي ما عداه، ولما لم يكن للمشركين الكافرين حصاة من عقل، فقد طردهم من الإيجاب بطريقة غير مباشرة، ورماهم إلى حيث ألقت رحلها أ مُّ سالب !

عدد الصفحات ٢٢٢

جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 223 ولكي يعدل في القضية ويفع مَها بالإنصاف قال في المثل الثاني عن الكثرة لا عن الجميع. نفي العلم هنا وذكر العقل هناك، يمْث ل لك قوله تعالى عن الأمثال { العالمون ففيه منهم طائفة، إذ العلم قد يتوفر ولكن تغيب الإرادة في الاهتداء فيعمى القلب عن الحق ولا يتبعه مع علمه بأحقيته وصوابه، بخلاف أهل العقل والحصافة الذين إذا علموا امتثلوا، لا يبقوا على كفرهم فيهلكوا لأن عقلهم ينجيهم من سوء العاقبة وسواد المصير، وإلا فأي نفع في عقل لا يفيد صاحبة إلا ضلال الدنيا وعذاب الآخرة، ألا إنه حينئذ ليس عقلا وح قَّ للمتحدث عنه أن ينفيه، لأنه مع وجود الهلاك ولا سيما الأبدي لا يكون موجودا، إنما هو قطعة من عدم! لهذا بين أن الذي يدرك مغزى الأمثال إنما هو من توفر فيه شرطان هما العلم والعقل، ولما كان لا يكفي وحده كان العقل درجَةً فوقه.

عدد الصفحات ٢٢٣

جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 224 المثل العاشر يقول جل جلاله وَامْرَأَتَ ل وطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْن م نْ ع بَاد نَا صَال حَيْن فَخَانَتَاه مَا فَلَمْ ي غْن يَا عَنْه مَا م نَ اللهَّ شَيْئًا وَق يلَ ادْخ لاَ النَّ ارَ مَعَ الدَّاخ ل ينَ [ }10.] "ضرب الله مثلاً في عدم انتفاع الكافر بقرابة المؤمن مهما كانت درجة القرابة عنده؛ وهو امرأة نوح وامرأة لوط إذ كانت كل واحدة منهما تحت نبي رسول فخانتاهما في دينهما فكانتا كافرتين، فامرأة نوح تفشي سر من يؤمن بزوجها وتخبر به الجبابرة من قوم نوح حتى يبطشوا به، وكانت تقول لهم إن زوجها مجنون، وامرأة لوط كانت كافرة وتدل المجرمين على ضيوف لوط إذا نزلوا عليه في بيته وذلك في الليل بواسطة النار، وفي النهار بواسطة الدخان، فلما كانتا كافرتين لم تغن عنهما قرابتهما بالزوجية شيئاً، ويوم القيامة يقال لهما: ادخلا النار مع الداخلين من قوم نوح وقوم لوط" (271) . في هذا المثل يقول تعالى عن المرأتين النظر، فهو لم يقل "عند" بل قال وأنهما تحت تصرفهما، وأنَّهما أيضا تحت نبيين من أنبياء الله تعالى إلا أن "الرسول مع أنه رسول لا يستطيع أن يفرض إيماناً على امرأته؛ فالمسألة هي حرية الاعتقاد، تظن أن أي ًا منهما متكبرة على زوجها؛ لأن الحق يقول أن إمرة وقوامة الرجل مؤكدة عليها، يشير إلى ذلك قوله هو مسألة اختيار" (272.) ذكره الخيانة بإطلاق دون تعيين، والمقام مقام إسلام وكفر، دلَّ أنَّ المقصود أعظم أنواع الخيانات وهي الخيانة في الدين، أمَّا الخيانة الزوجية فلا شيء يوحي بها ولا السياق يدل عليها من قريب ولا بعيد، لأن من سلمت نفسه وصفى فهمه لم يرد على خاطره أنَّ عرض 271- جابر الجزائري "أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير"، ج5/380. 272- محمد متولي الشعراوي "تفسير الشعراوي"، ج7 /4232.

عدد الصفحات ٢٢٤