المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

جماليات المثل في القرآن الكريم دراسة أسلوبية

سعد قدور عيسات

صفحة ١٣ من ٢٤

جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 183 يسيء إليها ، وتطلب ما ينفعها وتجتنب ما يضرها ، وتهتدي لمراعيهاومشاربها ، وتأوي إلى معاطنها ، وهؤلاء لا ينقادون لخالقهم ورازقهم ، ولا يعرفون إحسانه من إساءة الشيطان ، الذي هو أعدى عدوهم ، ولا يطلبون الثواب الذي هو أعظم المنافع ، ولا يتقون العقاب الذي هو أقبح المضار والمعاطب ، ولا يهتدون للحق ، الذي هو الشرع الهني ، والمورد العذب الروي، ولأن جهالتها وضلالتها مقصورة عليها، لا تتعدى إلى أحد ، وجهالة هؤلاء مؤدية إلى ثوران الفساد ، وصد الناس عن سنَن السداد ، وهيجان الهرج والمرج فيما بين العباد ، ولأنها غير متمكنة من طلب الكمال، لعدم القوى العقلية، فلا تقصير من قبلها ، ولا ذم ، وهؤلاء متمكنون من القوى العقلية مضيعون الفطرة الأصلية ، مستحقون بذلك أعظم العقاب ، وأشد النكال" (241.) وأيضا "لأن الأنعام تسجد وتسبح الله، وهؤلاء الكفار لا يفعلون242.) وقد "عطف دلائل الكائنات قال تعالى عن قوم لا يؤمنون101.] وإنما ن في فهم الأدلة السمعية والعقلية عن أكثرهم دون جميعهم ، لأن هذا حال دهمائهم ومقلِّديهم ، وفيهم معشر عقلاء يفهمون ويستدلون بالكائنات ولكنهم غلب عليهم حب الرئاسة وأَن فوا من أن يعودوا أتباعاً للنبي صلى الله عليه وسلم ومساوين للمؤمنين من ضعفاء قريش وعبيدهم م ثل عمار، وبلال" (243.) وفي وصفهم بالأنعام إزالة لعلة الحسرة، وتسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم244)، حيث كذبوه وافتروا عليه واستهزؤوا به، لا سيما وقد قال له قبل آيةٍ هواه أفأنت تكون عليه وكي43] إلهه شهوته التي يهواها وذلك أن الرجل من المشركين كان يعبد الحجر، فإذا رأى أحسن 241- أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسنيالإدريسي الشاذلي الفاسي أبو العباس (ت: 1224هـ) "البحر المديد في تفسير القرآن المجيد" دار الكتب العلمية ــ بيروت، ط2، سنة1423-2002م، ج5/133، بتصرف 242- عمر بن علي ابن عادل أبو حفص الدمشقي الحنبلي "اللباب في علوم الكتاب" ت: عادل أحمد عبد الموجود، وعلي محمد معوض، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط 1،1418هـ1888م، ج14/540-541. 243- الطاهر بن عاشور "التحرير والتنوير"، ج81/37. 244- ينظر؛محمد بن يوسف الشهير بأبي حيان الأندلسي "تفسير البحر المحيط" ت: عادل أحمد عبد الموجود، وعلي محمد معوض، دار الكتب العلمية – لبنان، بيروت، 1422هـ- 2001م، ج6/456 .

عدد الصفحات ١٩٣

جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 184 منه رمى به، وأخذ الآخر يعبده، فكان معبوده وإلهه ما يتخيره لنفسه فلذلك قال جل ثناؤه أرأيت من اتخذ إلهه هواه، أفأنت تكون عليه وكيلا يقول تعالى ذكره: أفأنت تكون يا محمد على هذا حفيظا في أفعاله مع عظيم جهله؟ أم تحسب يا محمد أن أكثر هؤلاء المشركين يسمعون ما يتلى عليهم، فيعون أو يعقلون ما يعاينون من حجج الله، فيفهمون ؟" (245)؛ فهذا تسليةٌ له وتطييبٌ لخاطره بذكر حالهم على وجه الدقة والتفصيل، فهم كالأنعام، بل هم أضل منها، فلا يرد عليك أيها الرسول أنهم على الأقل يستمعون كما تستمع النعم، لا، فهم أصلا أشد منها ضلالا وأبعد بعدا، فلا عقل لديهم كي يترجم معاني كلامك إلى الحق والهدى، بل هم يضيعونه بالغفلة عنه سدى، ولكن هل تنقطع إذن الدعوة، ويسقط واجب البيان ماداموا على هذه الحال؟ والجواب: كلا؛ يا محمد .. صلى الله عليه وسلم، بل ادعهم وأنذرهم فربما هناك قلة تستجيب، لأن حالهم السابقة هي حال أكثرهم وليست حال جميعهم، لاسيما أنَّ قوله تعالى قبل ذلك44]ول الله صلى الله عليه وسلم في دعوتهم ، وبذله قصارى الوسع والطاقة في استعطافهم مع عرض الآيات والمعجزات حتى شارفوا بزعمهم أن يتركوا دينهم إلى دين الإسلام ... و صاروا في ظهور حجته عليه الصلاة والسلام عليهم كالمجانين استهزؤوا به أولاً ثم إنهم وصفوه بأنه لَي ض لُّنَا سلموا له قوة الحجة وكمال العقل، فكونهم جمعوا بين الاستهزاء وبين هذه الكيدودة دلَّ على أنهم كانوا كالمتحيرين في أمره تارة يستهزئون منه وتارة يصفونه ب ما لا يليق إلا بالعالم الكامل"(246)، فلهذا لا تترك دعوتهم، فعسى يهتدي بعضهم ولعل فالمتدبر للقرآن حينئذٍ كأنه يرى وسط كلام الله عنهم حوارا داخليا بين الرسول وربه، بيَّنه الغرض الذي جاء الكلام من أجله وهو مواساته عليه الصلاة والسلام من الأذى الذي لقيه من هؤلاء الأجلاف. 245- محمد بن جرير الطبري "جامع البيان عن تأويل آي القرآن" ت: صدقة حميد العطار، ج13/24-25. 246- محمد بن يوسف الشهير بأبي حيان الأندلسي "تفسير البحر المحيط" ت: عادل أحمد عبد الموجود، وعلي محمد معوض، دار الكتب العلمية – لبنان، بيروت، 1422هـ- 2001م، ج6/458.

عدد الصفحات ١٩٤

جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 185 ولم يذكر أنهم لا يبصرون كما ذكر لا يسمعون، لمغزى معين، وهو أنهم كانوا لا يزالون في مرحلة الدعوة ولما يحيق بهم العذاب الأليم، ولما يتقوى الرسول الكريم وأصحابه فيعذبهم الله بأيدي المؤمنين، فلما لم تحل بهم قارعة مشاهدة، ولا هلاك مشهود يتيقنون من ورائه أن ما جاء به الرسول هو عين الهدى والرشاد، لمَّا لم يكن ذلك كذلك؛ لم يكن لنفي البصر معنى، لهذا حذَفه وتجاوَزَه إلى حين، لأنه بعد ذلك أخذ القرآن الكافرين معه في "جولة في مشاهد الكون تبدأ بمشهد الظل ، وتستطرد إلى تعاقب الليل والنهار ، والرياح المبشرة بالماء المحيي ، وخلقة البشر من الماء ، ومع هذا فهم يعبدون من دون الله ما لا ينعفهم ولا يضرهم" (247)، فكأنهم عميان لا يرون. من هنا نفى عنهم السمع والعقل، ثم لمح إلى نفي البصر رغم تلك السياحة التعبيرية في بدائع خلقه جل ثناؤه التي تدل على الخضوع له وعبادته، والاستجابة لدعوة رسله، ولكنه أولا وأخيرا، ليسوا كالمبصرين المهتدين من الأنام، بل هم بلا أفهام، بل أضل من الأنعام! أفرأيت إذن؛ في معاني القرآن كل هذا التدفق؛ وفي آياته كل هذا التعانق، وكل هذا التناسق، والانسجام. 247- سيد قطب إبراهيم حسين الشاربي (ت1385هـ "في ظلال القرآن" دار الشروق - بيروت- القاهرة، ط 17، سنة 1412هـ، ج5/2546 .

عدد الصفحات ١٩٥

جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 186 المثل الرابع قوله تعالىيَسْتَو يَان مَثَلاً أَفَلاَ تَذَكَّر ونَ24.] "ضرب الله تعالى في هذه الآية الكريمة المثل للكافر بالأعمى والأصم، وضرب المثل للمؤمن بالسميع والبصير، وبين أنهما لا يستويان، ولا يستوي الأعمى والبصير، ولا يستوي الأصم والسميع. وأوضح هذا المعنى في آيات كثيرة: قوله يَسْتَو ي الأَْحْيَاء وَلا الأَْمْوَات إ نَّ اللهََّ ي سْم ع مَنْ يَشَاء وَمَا أَنْتَ ب م سْم عٍ مَنْ ف ي الْق ب ور إ نْ أَنْ تَ إ لاَّ نَذ يرٌ 35/18- 23.] وقوله13/18.] وقوله27/80] غير ذلك من الآيات248.) و"مازال السياق في تحديد المجرمين وبيان حالهم في الآخرة المؤمنين توضيحاً للمعنى وتقريراً للحكم فقال248 .) وفي ترادف الصفات بعضها على بعض، وعدم إعادة كاف التشبيه عند قوله تجويزٌ لحم ل المعنى على تشبيهات متنوعة أيها خطر ببال القارئ كان مصيبا، وهذا من دقائق البيان، ومن مزية القرآن في تسهيل المعاني إلى العقول رغم اختلافها وتفاوت أفهامها، " فيجوز أن يكونَ شَبَّه الكافر بمن هو أعمى فقط ، وبمن هو أصم فقط والمؤمن بضدهما، فهو تمثيل للكافرين بمثالين، ويجوز أن يراد به تشبيه الكافر بالأعمى ؛ لتعاميه عن آيات الله ، وبالأصم لتصاممه عن استماع كلام الله ، وتأبيه عن تدبره معانيه، وتشبيه المؤمن بالسميع والبصير؛ لأن أمره بالضد ، فيكون كل منهما مش بهاً باثنين باعتبار 248- محمد الأمين الشنقيطي "أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن"، ج2/177. 248- جابر الجزائري "أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير"، ج2/534-535.

عدد الصفحات ١٩٦

جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 187 وصفين. أو تشبيه الكافر بالجامع بين العمى والصمم ، والمؤمن بالجامع بين ضديه ما، والعاطف لعطف الصفة على الصفة ، كقوله : فالأدب الصَّاب ح فالغانم، فهذا من بيان اللف والطباق" (250.) واختر لنفسك بعدئذٍ ما يؤثر في نفسك أكثر من أنواع التشبيه وصوره المتقاربة وإيحاءاته الخصبة؛ فإنَّ الباب مفتوحٌ لك على مصراعيه ! فهذه هي نكتة التنوع في البيان حتى لا تتعب نفسك عليه. قوله251). ذلك أن لكل منهما وجهة هو موليها، ونحلة يصطفيها. "وقد يظن الناظر أن المناسب ترك عطف صفة يعطف نظيراهما في قوله ت عالى} في سورة البقرة الآية: 18،ظناً بأن مورد الآيتين سواء في أن المراد تشبيه من جمعوا بين الصفتين . وذلك أحد وجهين ذكرهما صاحب الكشاف . وقد أجاب أصحاب حواشي الكشاف بأن العطف مبني على تنزيل تغاير الصفات منزلة تغاير الذوات. ولم يذكروا لهذا التنزيل نكتة ولعلهم أرادوا أنه مجرد استمال في الكلام كقول ابن زيابة : يا لهف زيابة للحارب الـ *** صابح فالغانم فالآيب. والوجه عندي في الداعي إلى عطف صفة أن لفريق الكفار حالين كل حال منهما جدير بتشبيهه بصفة من تينك الصفتين على حدة، فهم ي شبهون الأعمى في عدم الاهتداء إلى الدلائل التي طريق إدراكها البصر، وي شْبهون الأصم في عدم فهم المواعظ النافعة التي طريق فهمها السمع، فهم في حالتيْن كلُّ حال منهما مشب ه به، ففي قوله تعالى امرىء القيس: كأن قلوب الطير رطباً ويابساً ** لدى وكرها الع ن اب والحشف البالي. 250- أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الإدريسيالشاذلي الفاسي أبو العباس (ت: 1224هـ) "البحر المديد في تفسير القرآن المجيد" دار الكتب العلمية ــ بيروت، ط2، سنة1423-2002م، ج3/206، بتصرف يسير 251- محمد بن مكرم بن على، أبو الفضل، جمال الدين ابن منظور الأنصاري الرويفعى الإفريقى (ت711هـ) "لسان العرب" دار صادر – بيروت، ط 3،1414هـ، ج10/300 .

عدد الصفحات ١٩٧

جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 188 والذي في الآية تشبيه معقولين بمحسوسين، واعتبار كل حال من حالي فريق الكفار محيد عنه لأن حصول أحد الحالين كاف في جر الضلال إليهم بله اجتماع هما، إذ المشب ه بهما أمر عدمي فهو في قوة المنفي" (252.) "فإن قلت: ل مَ قَدَّم تشبيهَ الكافر على المؤمني؟ أجيب بأن المتقدِّمَ ذ كْر الكفار فلذلك قدَّم تمثيلهم. فإن قيل: ما الحكمة في العدول عن هذا التركيب لو قيل: كالأعمى والبصير والأصم والسميع للتقابلَ كلُّ لفظةٍ مع ضدها، ويظهرَ بذ لك التضادُّ؟ أجيب: بأنه تعالى لمَّا ذكر انسدادَ العين أتبعه بانسداد الأذن، ولمَّا ذكر انفتاح العين أتبعه بانفتاح الأذن، وهذا التشبيه أحد الأقسام وهو تشبيه أمرٍ معقول بأمرٍ محسوس: وذلك أنه شبَّه عَمَى البصيرة وصَمَمها بعمى البصر وصمم السمع، ذاك متردِّدٌ في ظ لَم الضلالات، كما أن هذا متحيِّز في الطرقات. وهذه فوائد علم البيان" (253.) "وأما الد اعي إلى العطف في صفتي فبخلاف ما قررنا في حال فريق الكافرين لأن حال المؤمنين تشبه حالة مجموع صفتي {الإهتداء يحصل بمجموع الصفتين فلو ثبتت إحدى الصفتين وانتفت الأخرى لم يحصل الاهتداء إذ الأمران المشبه بهما أمران وجوديان، فهما في قوة الإثبات؛ فتعين أن الكون الداعي إلى عطف هو المزاوجة في العبارة لتكون العبارة عن حال المؤمنين مماثلة للعبارة عن حال الكافرين في سياق الكلام، والمزاوجة من محسنات الكلام ومرجعها إلى فصاحته" (254.) وقوله "قال الفراء: وإنما لم يقل: "يَسْتَو ونَ" لأن الأعمى والأصم من صفة واحد، والسميع والبصير من صفة واحد، كقول القائل مررت بالعاقل واللبيب وهو يعني واحدا، ... قال ابن الأنباري الأعمى والأصم صفتان لكافر والسميع والبصير صفتان لمؤمن فرد الفعل إلى الموصوفين بالأوصاف الأربعة كما تقول العاقل والعالم والظالم والجاهل حضرا مجلسي فتثني الخبر بعد ذكرك أربعة لأن الموصوف بالعلم هو الموصوف بالعقل وكذلك المنعوت 252- الطاهر بن عاشور "التحرير والتنوير"، ج21/41-42. 253- السمين الحلبي "الدر المصون في علم الكتاب المكنون" بدون، ج8/276. 254- الطاهر بن عاشور "التحرير والتنوير"، ج21/42.

عدد الصفحات ١٩٨

جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 188 بالجهل هو المنعوت بالظلم فلما كان المنعوتان اثنين رجع الخبر إليهما ولم يلتفت إلى تفريق الأوصاف، ولا يمتنع عطف النعوت على النعوت بحروف العطف والموصوف واحد فقد قال تعالى 112] والناهون عن المنكر على النعت والمنعوت واحد كقول الشاعر يخاطب سعيد بن عمرو بن عثمان بن عفان: يظن سعيد وابن عمرو بأنني ** إذا سامني ذلا أكون به أرضى. فنسق ابن عمرو على سعيد وهو سعيد." (255 .) فابن عمرو هو نفسه سعيد لذلك قال سامني بالإفراد، وهكذا فإن الأعمى هو الكافر والأصم هو الكافر أيضا، ونكتة ذلك أن التشبيهات مهما تنوعت صورها في الآية وتخريجاتها عند العقلاء ممن يفهمون الأمثال إلاَّ أنَّها لا تعدو ما ألمحت إليه في الأول وهو الفريقان، لذلك ناسب أن يقول بالإنكار. فالفريقان المذكوران إنَّه "سؤال بعد الصورة المجسمة لا يحتاج إلى إجابة لأنها إجابة مقررة { فالقضية في وضعها هذا لا تحتاج إلىأكثر من التذكر. فهي بديهية لا تقتضي التفكير.. وتلك وظيفة التصوير الذي يغلب في الأسلوب القرآني في التعبير.. أن ينقل القضايا التي تحتاج لجدل فكري إلى بديهيات مقررة لا تحتاج إلى أكثر من توجيه النظر والتذكير"(256). من هنا لمَّا كان الجواب قطعيا لمن له أدنى تأَمُّل؛ كان ملائما جدا أن ينكر عليهم في قوَّة، وينتهرهم قائ الذَّال، الذي يوحي بوجوب استعمال العقل قليلا والشَّد على الانتباه ولو للحظة فيحصل لكم بذلك علم بصدق الوصف وجلاء المقارنة بما ترون من أحوال الفريقين فتهتدون (257). 255- عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي "زاد المسيرفي علم التفسير" نشر المكتب الإسلامي - بيروت، ط 3، 1404هـ، ج4/83-84-85، بتصرف 256- سيد قطب"في ظلال القرآن"، ج4/1868 . 257- ي نظر؛برهان الدين أبي الحسن إبراهيم بن عمر البقاعي "نظم الدرر في تناسب الآيات والسور" ت: عبد الرزاق غالب المهدي، دار الكتب العلمية - بيروت - 1415هـ- 1885م، ج3/518.

عدد الصفحات ١٩٩

جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 200 المثل الخامس يقول جل ثناؤه{ : مَثَل الْقَوْم الَّذ ينَ كَذَّب وا ب آيات اللهَّ وَاللهَّ لا يَهْد ي الْقَوْمَ الظَّال م ينَ لؤمن به ويتدبره ويعمل به ويدعو إليه ثم خالف ذلك ولم يحمله إلا على ظهر قلب فقرأه به بغير تدبر ولا تفهم ولا اتباع له ولا تحكيم له وعمل بموجبه كحمار على ظهره زاملة أسفار لا يدري ما فيها وحظه منها حملها على ظهره ليس إلا، فحظه مثل الذين حملوا التوراة من كتاب الله كحظ هذا الحمار من الكتب التي على ظهره فهذا المثل وإن كان قد ضرب لليهود فهو متناول من حيث المعنى لمن حمل القرآن فترك العمل به ولم يؤد حقه ولم يرعه حق رعايته" (258.) فتأمَّل إلى قوله معرضون، فالخطاب من وهلته الأولى يشير إلى الكراهية وهي أبلغ صفة تجسدت في اليهود وأظهر ها، وذلك إلماعٌ إلى خلق النفور الذي يطبع القوم، وإشارة إلى أنَّ الذي يضيق ذرعا بشيء لا يمكنه أن يتحمله، فهو حامل وكأنه لم يحمل، فلا يستفيد من أحماله سوى التعب والشقاء، كذلك الذي ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش، وفي الخطاب تلميح إلى طبائع الأمور وقضايا النفس البشرية التي إذا شمست من أمر لا تستطع تفهمه ولا الاستضاءة به، لأن الحب هو السبب الموجد للإقبال النفسي على الأشياء حتى يبلغ فيها المحب مبلغا كبيرا، وشأوا عظيما، أما الكراهية فبمنزلة غلق الأبواب عن الاستجابة لأي طارق، وهي نوع من أنواع الإطفاء للأنوار التي تحاول التسرب إلى المكان المظلم، وصدق الله الذي بيَّنَ في شأن إخوان اليهود الأ وائل وهم المنافقون فذكر بأنهم يصدون عن رسول الهدى صدودا في حين يستجيبون لتعاليم يهود الذين يقولون ما لا يعملون كشأن أهل النفاق لذلك تقاربت طبائعهما وكانوا لأنفسهم ظالمين، ولها متعبين، فالتوارة حملوها اضطرارا وخليق بالذي يحمل ما يحمل مضطرا أن لا يأخذ من المحمول إلاَّ ظاهر الصورة فهو يمشي في طريق تتثاقل فيه خطواته، كونه رافضا لسير في وجهته رفضاً، فهو يمثل المسار لفظا، وليس له من حقيقته حظ ولا نصيب، فالخطاب القرآني مبدئيا يختار التعليل 258- ابن قيم الجوزية "أمثال القرآن" ت: ناصر بن سعد الرشيد،ص31.

عدد الصفحات ٢٠٠

جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 201 لحملهم كتب الهداية مع عدم الانتفاع بها، فيقوم أوَّلا بتشخيص العلَّة ثم يعط ي بيانا عن مثالها المناسب، وكان يمكن أن يقول الله تعالى كمثل الحصان يحمل أسفارا لأن كلا من الحصان والحمار سواء في كونهما يحملان الكتب دون أن ينتفع بها أحدهما، لكن التعبير الإلهي اختار لفظ الحمار لمناسبة الحال للمعنى إذ الكراهية التي ذكرها تلميحا عن اليهود يوافقها ذكر الحمار لأنه معروف بكراهيته وغشه، فالقوم يضاهونه في ذلك بل يفوقونه بمراحل، فكان أنسب حيوان للتعبير عن هذه الظاهرة الكامنة في بواطنهم وهي الكره الشديد والبعض والغش وهي الصفات التي بعضها آخذ برقاب بعض، كما اختار لفظ الحمار لأنه بطيء بالنسبة لغيره من حصان أو جمل، والتباطؤ هو شأن التوراتيين في تطبيق تعاليم دينهم، وذلك عين الأثر الناتج عن الكراهية، لأن من أحب شيئا كان خفيفا إليه نشيطا لبلوغه بخلاف من كرهه فتباطأ فيه تباط ؤا إن لم يجد بدا من الإعراض عنه شأن الحمار وخطواته وثقله. ثم قال} اركانهم حتى كأنهم لا يتحركون، فهم يمشون ثم لا يلبثون حتى يتوقفوا ليعاودوا المسير والتحرك، وذلك ما تجده في توسط السكون للحركات في كلمة "س فر" بخلاف الكتب التي تتوال حركت حروفها جميعا بلا توقف، ولهذا وصف الله تعالى القرآن بأنه كتاب مبارك ولم يصفه بالسفر، ومع هذا فلفظة أسفار تقارب صوتيا لفظة حمار، مما يضخ في النفس ترديدا لنغمة متجانسة تولد الشعور نفسه فكأنَّ الحمارية لا تزال على حالها ولا تزال تكرر نفسها دون تطور ولا نفتاح، والمراعاة الصوتية في القرآن كما ترى تتحد مع المعنى ولا تضاده فلا هي تكون على حسابه ولا هو كائن على حسابها، فسبحان من جعلهما على نظام، وبكل انسجام ووئام، لهذا كان "بين لفظي الأسفار والحمار مناسبة لفظية لا توجد في الغير من الحيوانات فيكون ذكره أولى " (258.) وأمَّا الأسفار فجاءت نكرة حتى تفيد مطلق السفر الذي لا يرقى أحيانا إلى حد كتاب، كما هو حال سفريات اليهود، بما ي نبي عن عدم استفادتهم من أي سفر مهما كان حتى ولو قل ما فيه من الهداية والمعلومات، وحتى لو كان ما يحتويه منها نزر يسير كميَّةً، سهل ميسور 258 - فخر الدين الرازي "تفسير الإمام الفخر الرازي المسمى مفاتيح الغيب"، ج30/6.

عدد الصفحات ٢٠١

جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 202 نوعيَّةً، لا كثرة فيه، ولا صعوبة تعتريه. ثمَّ إنَّه "شبههم والتوراة في أيديهم وهم لا يعملون بها بحمار يحمل كتباً ، وليس له من ذلك إلا ثقل الحمل من غير انتفاع مما يحمله ، كذلك اليهود ليس لهم من كتابهم إلا وبال الحجة عليهم" (260)، فتأمل هذا المعنى فإنه نفيس. ولقد فضل الخطاب القرآني ذكر اسفار على ذكر الماء، وإن كان العلم يشبَّه بالماء عادةً؛ لأنَّ الدابة التي تحمل القرب ولا تحمل الكتب ربما سقطت من على ظهرها قربة وانحلت فوهتها فشربتها واستفادت ري ًا، وأزالت بها ظمأً، أما الأسفار ولو سقطت من فوقها فما هي بمنتفعة منها بشيء!، من هنا تدرك تفوق البيان القرآني على قول الشاعر: كالعيس في البيداء يقت ل ها الظَّما *** والماء فوق ظهورها محمول. فإنه لبشريته لم يضع احتمال سقوط القرب من عليها فتتمكن من الاستفادة من مائها بوجه من الوجوه، بخلاف ما في القرآن من دقة وحصانة بيانية من أيِّ احتمال وارد يه جم على حصن البيان بجيوش الركاكة ولو كانت خفية، وصدق الله تعالى القائل غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا82.] ولقد ورد هذا المثل في سورة الجمعة، إشارة إلى أن يوم العيد الأسبوعي الذي يتفرغ فيه الناس للتلاوة والعبادة، وعمل الخير والاس تزادة، والتنور بالعلم والاستفادة؛ لا يكون فيه حال اليهود إلا كحال الحمار الحامل للأسفار، فكيف حالهم إذن في الأيام الأخرى التي ليست في سموها كذلك اليوم. وبعد أن عرض القرآن ذلك المثل في ألفاظ معدودة تنطوي تحتها دقائق ولطائف وصور؛ ألمح إلى درجةٍ أكبر مما سبق، وهي أن أولئك الكارهين لتطبيق تعاليم التوراة مع اضطرارهم لحملها وتثاقلهم في العمل بها، هم لا محالة يرفضون أي استجابة لسلوك طريق الدين الإسلامي والسير في غير ذلك الطريق الذي عهدوه وإن كرهوه، فما هو موقفهم إذن من الطريق الجديد، إنه ليس غير التكذيب ثم التكذيب وحده، حتى يتنصلوا منه رأسا ولا يسيروا فيه خطوة ولا يتقدمون فيه شبرا!؛ فقال عزَّ م ن قائل }الله 260 - المصدر السابق نفسه، ج30/6.

عدد الصفحات ٢٠٢

جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 203 في الطريق الأول فتسبب ذلك في مقابلة الطريق الثاني الذي هو أقرب طريق إلى المقصود، أخصر سبيل إلى الجنة؛ بالرفض جملةً وتفصيلا، وذلك أنهم لو انتفعوا بالتوراة التي فيها الحث على اتباع محمد صلى الله عليه وسلم لاتبعوه وارتفعوا ذكرا وهدايةً وحسن ختام، وقد ألمح الخطاب القرآني في سياقه إلى هذه الحقيقة في الآيات الواردة قبل ذكر المثل حين قال: {ه وَ الَّذ ي بَعَثَ ف ي الأْ مِّيِّينَ رَس ولاً م نْه مْ يَتْل و عَلَيْه مْ آيَات ه وَي زَكِّيه مْ وَي عَلِّم ه م الْك تَابَ وَالْح كْمَةَ وَإ نْ كَان وا م نْ قَبْل لَف ي ضَلاَلٍ م ب ينٍ ( 2) وَآخَر ينَ م نْه مْ لَمَّا يَلْحَق وا ب ه مْ وَه وَ الْعَز يز الْحَك يم (3) ذَل كَ فَضْل اللهَّ ي ؤْت يه مَنْ يَشَاء وَاللهَّ ذ و الْفَضْل الْعَظ يم 4[ })2- 3-4] فنالتهم المهالك، لحماريتهم الوبيلة التي تتعمد الخطأ فتظلم نفسها، فناسب ذلك أن يختتم هذا المشهد بقوله جلَّ وع وغيروا سبيل الهدى قصدا، فعلى أنفسهم يجنون، وفي ظلمة الجحيم يقبعون. والحق أن الأمر كما قال سبحانهس مثل القوم الذين كذبوا بآيات دليل الوقاحة والتعجرف، وتلك هي أخلاق الحمار لا تخطئها العيون. ولفظ "بئس" مناسب تماما لمقام الظلم، فالأمر لا يعدو الظلم والجهل، والناس إما ظالم أو جهول، أو هما معا، والظلم أخطر من هذين لما فيه من الوقاحة والبغي والتعمد، لهذا ذكره الله تعالى أولا حين قال من جرم وجناية، فلفظة لبراعة القرآن حين لم يذكرها إلا عن أهل الظلم من اليهود المغضوب عليهم، ويمينا إنَّ الإنسان الذي حمل الأمانة فظلم أكثره من أولئك اليهود الذين يأتون ما يأتون بعنجهية، ويقتحمون النار وهم يرون لهيبها!

عدد الصفحات ٢٠٣

جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 204 المثل السادس والسابع: قال الله عز وجل: {رَزَقْنَاه م نَّا ر زْقاً حَسَناً فَه وَ ي نْف ق م نْه س ر اً وَجَهْراً هَلْ يَسْتَو ونَ الْحَمْد لله َّ بَلْ أَكْثَر ه مْ لا يَعْلَم ونَ ( 75) وَضَرَبَ اللهَّ مَثَلاً رَج لَيْن أَحَد ه مَا أَبْكَم لا يَقْد ر عَلَى شَيْءٍ وَه وَ كَلٌّ عَلَى مَوْلاه أَيْنَمَا ي وَجِّهْه لا يَأْت ب خَيْرٍ هَلْ يَسْتَو ي ه وَ وَمَنْ يَأْم ر ب الْعَدْل وَه وَ عَلَى ص رَاطٍ م سْتَق يمٍ 75-76.] عبد ثم هو مملوك يعني ليس عبدا في أصله فقط بل في أصله وحاله معا، فكأنه ليس من العبيد الذين وقعوا في الرق على إثر أسر في حال حرب أو جهاد بل قد كان عبدا منذ الولادة، وزيادة على ذلك لا قدرة له على شيء فهو لا يملك مالا ولا متاعا إنما هو صفر اليدين، لا يملك حتى نفسه بل هو في حد ذاته من ملك صاحبه، هذا المالك الذي رزقه الله تعالى رزقا وجعل فيه الحسن، فهو رزق حسن، ينفع به نفسه وغيره، لأنه إذا كان ينفق على الناس وينفعهم فهو ينفق على نفسه من باب أولى، ومع ذلك يفعل ما يفعل من الإنفاق على كل حال سرا وجهرا، وقد بين قائفكأنه لا ينقطع عن الإنفاق وأنه حاله التي يستمر عليها ولا يفارقها، فتراه يخرج ثم يخرج ثم يخرجن وقولهنه كثرة رزقه فهو على كثرة إنفاقه لا يستهلك من ماله إلا بعضا من الكل، إذ كانت من هاهنا للتبعيض، ثم قابلها بقوله إنما هو من الله وحده، لكن الله تعالى اضاف إلى هذا البيان زيادة قولهنا محمود فيه تفضيل وامتنان خاص على من الله على المرزوق، وهو كقوله في الأمور المعنوية [65]يمٍ6] في الأمور الماديةك نَّ أَكْثَرَه مْ لاَ يَعْلَم ونَ 57] وإمكانية التصرف في جميع الأحيان، بما يعني التوفيق في العمل وسداد الرأي وتوفر الهناء وعدم العناء وإصدار الأوامر وامتلاك القرار وحرية القول والعمل والتوجيه، يفعل ما يشاء ويحكم بما يريد فيما تحت يده، تلك اليد الممتلئة بالخير والساعية إلى الفضائل، فهل يعقل أن يسوي هذا مع ذلك المعبَّد المكبَّد المقيد، الحسير الفقير الفاقد لجميع السلطات، من سلطة

عدد الصفحات ٢٠٤

جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 205 التدبير إلى سلطة التقرير إلى سلطة التخيير إلى سلطة التغيير، فأنى يستويان، وقد ذكر لفظ الاستواء بالجمع فقال تعالى تناولتمحصور يدل على جماعة ويصدق على كثيرين ناسب ذلك أن يقول { الجواب عن الاستفهام المذكور أبلغ الدلالة على أن الأمر مفروغ منه وأنه محال أن يتساوى من حاله إلى دنو ومن حاله إلى علو، فناسب أن يأتي الحمد هاهنا لأجل التفضيل الإلهي بالنعم المادية والمعنوية لامرئ على امرئ آخر، ولأجل وهذا من دواعي ورود المثل في سورة النحل المعروفة عند العلماء بأنها سورة النِّعم، ومن هنا أيضا كان منطقيا أن يأتي التقريع لمن يعبدون عبادا أمثالهم إن هم إلا كالعبيد في ملك الله تعالى، فكيف يعبدونه مع الله، بله دونه، فقرعهم على ذلك بالقول تأت بدايةً بل أتت بعدما حان حينها، وتهيَّأ موضعها لتظهر، فقد مهد لها بإقامة الدلائل وإرساء الحجة القاطعة لتأتي هي مستوفية شروط وجودها لأ ن التقريع لا يكون إلا بعد البيان، ثم هو إذا جاء دل على انقطاع الخصم وحصره، وأنه لم يجد ما يقول، فكأنه سلم للحجة بسكوته، حتى وإن كابر بقلبه، وزعم عدم اقتناعه. ثم ضرب الله مثلا بالرجل الأبكم ولم يقل الأصم لأن البكم يتضمن الصمم بخلاف العكس، وهذا من الإيجاز والوصول إلى المعنى من أقرب طريق، وبكمه يحول دون يسر المفاهمة معه والانتفاع به، حتى إذا حصل التفاهم مع العسر والمشقة لم يكن ذلك مثمرا، وعاد برغم كثيرة التوجيه خاسرا، مهما تعدد المحاولات كما يشير إلى ذلك قوله وذكر "الأين" الدلالة على المكان تتضمن الزمان أيضا لأن عمل المرء لا يكون خارجا أبدا عن نطاق الزمن، ثم نفى عنه الخيرية ولم يقل لا يأتي بشيء بل بخير، فإتيانه بالشر إذن يحتمل أن يكون، فهو لا ينفع لكنه قد يضر، على الأقل في مشقة تفهيمه وتوجيهه من دون جدوى، والمثلان متكاملان تصاعديا، فقد رسم الأول منهما صورة هي أهون من التي بعدها في المثل الثاني، إذ العبد المملوك لم يذكر فيه عيبا سوى ما كان من قصوره بسبب رقه، بل ألمح ولو من طرف بعيد انه ينفع مولاه لكونه داخلا في جملة الرزق الحسن الذي أعطاه الله تعالى إياه، فهو مشمول بهذا الحسن المضاف إلى سيده، فكان داخلا في عموم المنافع

عدد الصفحات ٢٠٥

جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 206 الواقعة، والمكاسب الحسنة، بخلاف الرجل الثاني الذي هو كلٌ على مولاه لا ينفعه وربما جلب عليه سوءا، وهما وإن كانا لا يقدران على شيء لكونهما لا يملكان نفسيهما، إلاَّ أنَّ الثاني فيه عيوب البكم والصمم، بل والبلاهة التي تستفاد من قولهتي بخير إذن غير ذكي ولا بصير إذ لو كان كذلك لنتج من ورائه بعض النفع، وشيء من الخير، بيد أنه على العكس تماما، فلا نفعه يرجى، ولا من شره ي نجا، فهو أقرب إلى الضرر منه إلى النفع، ثم هو عديم النطق والسمع، فهل يستوي مع الآمر بالعدل السائر في طريق مستقيم، أي مع صاحب القول والعمل، فالأمر بالعدل قول، وهو على صراط مستقيم أي يعمل بما يأمر ويمتثل لما يقول، وهو دليل على أن الصراط المستقيم لا بد أن يكون فيه خير، فهل من يوجه كم لا يوجه إلا أن يوجه، وهل من لا ينفع كمن لا ينفع، وهل من يتكلم وليس اي كلام بل الكلام الحسن ويأمر بالعدل والأمر أعلى من النهي فهو يتضمنه إذ لا عدل إلا بالنهي عن الظلم وإلا لا تتحقق العدالة، ثم لا يقتصر على التنظير بالكلام فقط إنما يعمل ويطبق حقائق النصح والدين والإيمان ويسير في ركاب المصلحين، ومن أدلة تكامل المثلين أن الأول فيه إحسان صاحب الرزق إلى الناس بالإنفاق المادي، والثاني بالإنفاق المعنوي فهو يرشد ويسدد ويأمر وينهى ويوجه إلى العدل والخير، ثم يأتمر بما أمر ويحقق في نفسه القدوة فيما يدعو إليه، وفي ذكر العدل دون غيره إشارة إلى أنَّ العدل أساس الخير، وليس أساس الملك فقط كما اعتاد أن يقول القائلون. وهذا الأبكم أشبه بالصنم الذي يكلف عابده تكاليف تضره ماديا ومعنويا ثم هو لا يأتي بخير أبدا كونه مجرد صخر ثابت، وجمادٍ لا يتحرك، وحين يدعا لا يسمع ولا يجيب، ومن يطلب منه شيئا لا محالة يخيب، فالصورة تماما كانها تتكلم عن صنم من الأصنام، أما المثل الأول فهو يتح دث عن واحد من الأنام، يقوم الجاهلون الجاحدون فيعبدونه تبعا لله أو استقلالا، في حين هو لا يعدو أن يكون مثل العبد المملوك التابع في كل شيء لمولاه، لذلك لا يقدر على شيء لوحده، ولله المثل الأعلى فهل المعبود من دون الله تعالى أو معه شركا وظلما، هل هو إلا مجرد مملوك له سبحانه ليس له شيء يقدر عليه، وقد شمله سلطان الله فلم يكن له أن يتصرف لا سيما وقد مات وأفضى إلى ربه بما قدم، وقد يكون رجلا صالحا كأنما هو رزق حسن من أرزاق المولى عزَّ وجل، وبالتالي فالمثلان يطابقان المقصود كلَّ

عدد الصفحات ٢٠٦

جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 207 المطابقة، ففي قوله في المثل الثاني عنالأبكم بشيء بل يقومون به، فهو يحتاج إليهم من الحمل والوضع والتنظيف وإزالة الغبار عليه، وفي تزيينه وتلوينه، فهو كلٌّ حقا وواقعا، إنه لا يقدم حركة ويقوم بنشاط أليس هو أشبه بصنم من الأصنام الجامدة التي لا تنفع ولا تفيد، إلى درجة أنه حتى التوجيه لا يأتي منه بل مولاه هو الذي يوجهه، فأنى لمن هذا حاله أن يعبد من دون الله جل وعلا، فإذا كان الرجل في المثل الأول لا يستأهل العبادة، فكيف بالرجل الثاني، إن الأول أشبه بالعباد، والثاني أشبه بالجماد، فيا لله للمشركين. ولم يذكر الله تعالى في الأول النفع تصريحا لأ المقبور بل لأن المعبود من البشر ولو كان حيا يمكن ان ينفع فهو كالعبد الداخل في ملك الله لا يتحرك إلا بإذنه فهو فاقد للقدرة على التصرف بمفرده في جميع الأحوال، أما الثاني فقد ذكر عدم نفعه صراحةً، فكأنَّ الأول حي والثاني ميتٌ، أو كان الأول من العباد، والثاني من الجماد كما قلنا. وهناك ملاحظة وجيهة هي أن الاستفهام في المثل الاول جاء بعد ذكر حال كل من الذين يراد المقارنة بينهما، أما في المثل الثاني فجاء الاستفهام بعد ذكر حال الأبكم وصفاته قبل ذكر حال الآمر بالعدل وصفاته، وذلك فيما نراه لأجل التنويع في مواقع الاستفهام من جهة، ولأن البداهة الموجودة في الثاني أكثر من وجودها في المثل الأول، لذلك وردت في الأول بعد ذكر كل من الحالين حتى لا يعترض معترض، أما المثل الثاني فلكون العيوب بادية ظاهرية من البكم والكلالة وعدم النفع من القوادح التي بعضها فوق بعض لم يكن سبيل لاعتراض معترض ولو قبل تمام ذكر الحالين فناسب ان يذكر الاستفهام قبل انتهاء المقارنة للإيحاء بقوة الدليل وشدة انقطاع الخصم وتهافت آراء المشركين وأهل الكفر، وتفاهة أعمالهم وهشاشة بل خواء ما يتمسكون به من الفارغين. ومن هنا ذكر في الأول يستوون بالجمع، لتقوية التصوير وتكثيف الملامح البيانية إذ جماعة المالكين لا كجماعة المملوكين، وكلما كثر هؤلاء كلما ضعف أولئك مهما تساووا في العدد، لكن المثل الثاني اقتصر على لفظةل الواحد لا مقارنة بينهما، فكيف لو تكاثر أعداد هذا وتكاثر أعداد ذاك، حتى ولو فاق البكم عدد الآمرين بالعدل، بله أن يتساووا أو يتماثلوا.

عدد الصفحات ٢٠٧

جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 208 وقد"أخبر أن مثل ما يعبدون مثل العبيد المماليك الذين لا يملكون شيئا ولا يستطيعون أن يملكوا تأكيدا لنفي أملاكهم ولو كان المراد عبدا بعينه وكان ذلك العبد ممن يجوز أن يملك ما كان بينه وبين الحر فرق وكان تخصيصه العبد بالذكر لغوا فثبت أن المعنى فيه نفي ملك العبيد رأسا فإن قيل فقد قال الله مثلا رجلين أحدهما أبكم لا يقدر على شيء وهو كل على مولاه ولم يدل على أن الأبكم لا يملك شيئا قيل له إنما أراد به عبدا أبكم ألا ترى إلى قوله كل على مولاه أينما يوجهه لا يأت بخير فذكر المولى وتوجيهه يدل على أن المراد العبد كأنه ذكر أولا عبدا غير أبكم وجعله مثلا للصنم في نفي الملك ثم زاده نقصا بقوله وكان لا يقدر على شئ وهو كل على مولاه أينما يوجهه لا يأت بخير فدل على أنه أراد عبدا أبكم مبالغة في وصف الأصنام بالنقص وقلة الخير وإنه مملوك متصرف فيه فإن قيل أراد بقوله كل على مولاه ابن عمه لأن ابن العم يسمى مولى قيل له هذا خطأ لأن ابن العم لا تلزمه نفقة ابن عمه ولا أن يكون كلا عليه وليس له توجيهه في أموره فلما ذكر الله تعالى هذين المعنيين للأبكم روى علمنا أنه لم يرد به الحر الذي له ابن عم وأنه أراد عبدا مملوكا أبكم وعلى أنه لا معنى لذكر ابن العم ههنا لأن الأب والأخ والعم أقرب إليه من ابن العم وأولى به فحمله على ابن العم يزيل فائدته وأيضا فإن المولى إذا أطلق يقتضي مولى الرق أو مولى النعمة ولا يصرف إلى ابن العم إلا بدلالة" (261.) يقول ابن القيم "هذان مثلان متضمنان قياسين من قياس العكس وهو نفى الحكم لنفي علته وموجبه فإن القياس نوعان: قياس طرد يقتضي إثبات الحكم في الفرع لثبوت علة الأصل فيه وقياس عكس يقتضي نفي الحكم عن الفرع لنفي علة الحكم فيه فالمثل الأول ما ضربه الله سبحانه لنفسه وللأوثان فالله سبحانه هو المالك لكل شيء ينفق كيف يشاء على عبيده سرا وجهرا ليلا ونهارا يمينه ملأى لا تغضيها نفقة، سحاءٌ الليلَ والنهار، والأوثان مملوكة عاجزة لا تقدر على شيء فكيف تجعلونها شركاء لي وتعبدونها من دوني مع هذا التفاوت العظيم والفرق المبين، هذا قول مجاهد وغيره، وقال ابن عباس: "هو مثل ضربه الله تعالى للمؤمن 261- أحمد بن علي الرازي الجصاصأبو بكر (ت 373 ه) "أحكام القرآن" ت: عبد السلام محمد علي شاهين، دار الكتب العلمية بيروت – لبنان، ط 1، سنة 1111 - 1991 م، ص212-213.

عدد الصفحات ٢٠٨